كوكب حمزة وزمن الفنان المسروق

فاضل السوداني

 

(لم أعد أمد ذراعي خفية لأقيس المدى بيني وبينك)

سرجون بولص

لايتناسب زمن المثقف غير المتكيف وبالذات الفنان المبدع مع زمن البرابرة، لأنه زمن يتعامل مع الجمال وعدم التباس الموقف السياسي والاجتماعي في الحياة. وما حدث في العراق كان ومازال استثناء تاريخيا، لذا فأن النظام عمد الى سرقة الفنان أولاً قبل أن يسرق زمن الناس الابداعي ليحولهم الى منفذين في آلة الحروب اللامجدية، ومن ثم سرقة ثروات العراق بما فيها ابداع علماؤه وشعراؤه وفنانيه، وسلب عراقيتهم بسن القوانين الاستثنائية متناسياً عدم فاعليتها امام المشاعر النبيلة والدافئة في الروح العراقية المتوهجة تواصلاً مع التراث الثقافي والفني الانساني. وتدلل هذه القوانين والممنوعات على ان الفنان المبدع غير المتكيف، الملتزم بقضية شعبه، يخيف اولئك الذين احتلوا العراق، فأصالة وصدق الابداع الفني العراقي يخلق نوعاً من الحصانة الداخلية لدى الجمهور تساعده على التواصل سراً مع مبدعيه بحيث يتحول نتاجهم الى منشور سري.

لذا فأن تكريم الفنان العراقي في المنفى تقييم لتأريخه الفني، بعيداً عن سلطة الجهل، تصبح مهمة جوهرية في الوقت الحاضر. ويعتبر تكريم فنان وموسيقار مبدع مثل (كوكب حمزة) ذا أهمية كبيرة من قبل العراقيين في كوبنهاغن (بدعوة من البيت العراقي)، بسبب قيام النظام بمنع الناس من سماع أغانيه منذ نهاية السبعينات، لأنه فنان امتلك القدرة على التعبير موسيقياً عن النشيج السري والحزن العراقي الخاص، وعن ذلك الفرح العراقي الذي يستشعره الانسان عندما تتفتح روحه في صباح ندي آمن. وكونه انبثق في بداية السبعينات من الالفية الثانية، كشعاع موسيقي ليلحن أغنية عراقية شعبية معبرة، هدفها مساعدة العراقي على تحمل وحشية انظمة الاستثناء ورفضه لها في ذات الوقت، وانسانية أغانيه هذه دفعته الى تحمل التهجوّل في المنافي ومعاناة شظف العيش أكثر من ربع قرن وحتى هذه اللحظة.

ولأن (كوكب حمزة) امتلك موقفاً من الحياة عموماً عبر عنه من خلال اغانيه الشعبية، ويتمثل هذا في:

* نقاء ونبل الموقف السياسي والاجتماعي والالتزام بقضية الانسان العراقي والانسان عموماً.

* تمايز موسيقاه بكونها تعمق شفافية روح الانسان، وتهذب الحس والذوق الجمالي لديه بعيدا عن التطريب المرتكز على اللحن الساذج الذي يميز الكثير من الاغاني التي كانت تُبَث من الاذاعة آنذاك.

* الحرص على البحث الايقاعي في هارمونية المفردة الموسيقية لخلق موسيقى واغنية شعبية عراقية.

ويكمن تفرد كوكب حمزة فنياً ايضاً في غنى روحه الموسيقية، والمصدر الحقيقي لهذا هو تنوع التراث الغنائي في مدن الجنوب العراقي، مدن الاساطير والتعاويذ والسحر، مدن مازالت عبقة برائحة الاهوار واخرى بمسك مراقدها المقدسة. مدن على امتداد شواطئها نسمع حنين صوت داخل حسن، وبين سعف نخيلها وضياع المشاحيف وتوهانها في غابات القصب والبردي تنقل الريح الانين الابدي لسلمان المنكوب كأنه صدى لحشرجات صوت الاله العراقي المذبوح تموز البابلي. إضافة الى أغاني الخشّابة والتراث البصري المتوزع بين الايقاع الافريقي العنيف والرقص الهندي السريع، وغناء بحّارة السفن المحملة بالمسك والكافور والعابرة يم المحيطات المجهولة يتحول عادة الى همس حزين على شواطىء البصرة حتى عودتها المفاجئة.

وكذلك الايقاع السريع والمركب لموسيقى الهيوه الراقصة 0والمهمة الفنية التي تقع على كوكب حمزة وزملائه الفنانين الذين يمكن ان يجعلوا منها عالمية التقبل والاستيعاب).

وبالتأكيد فأن كل هذا لابد ان يشكل الحس الموسيقي الشعبي لديه ليخلق مفردة موسيقية وأغنية شعبية تؤثر في المدينة الحضرية قبل غيرها. إن لحن كوكب حمزة الموسيقي ليس له تاثير في وطنه وحسب وانما يمتد الى خارجه، لان موسيقاه تلتقي من خلال افقها الانساني وايقاعها الهارموني المركب، بالموسيقى الافريقية وموسيقى (الراي)، واغاني وموسيقى (ثيودوراكس) و (فيكتور جارا) أو تلتقي بشجنها مع الموسيقى الهندية الاصيلة، قبل ان تشوههها الافلام التجارية الرديئة، اما عراقيا فأنها متفردة عن جميع انواع الغناء العراقي الريفي أو المديني.

ويمكن ان يلمس المستمع في أغاني وموسيقى الفنان كوكب حمزة بعداً موسيقياً ومفردة موسيقية خاصة تجعل من مختلف سامعيه، حتى الذين لاينطقون العربية يتذوقونها، والسبب هو أن المفردة الموسيقية مشحونة بمشاعر فنان أصيل وصادق مع نفسه وعالمه المحيط. وهذه الاصالة والصدق الفني هما الذين يجعلانها تلتقي مع مشاعر الانسان في عالمٍ الآخر. وعلينا ألا نخاف من ذكر مفردة العالمية عند الحديث عن غنى الغناء العراقي، لأن كل فن صادق وأصيل في شعبيته ويمتلك القدرة على تعميم المشكلة المحلية بما فيها صدق المشاعر واتساع افقها لعموم البشر، يكون فناً عالمي المنحى، كما هو الحال مع أغاني الراي المغاربية، والموسيقى والغناء اليوناني، وأغاني الغجر العالمية، والفلامنكو الاسباني، وموسيقى الزنوج. وما أغاني كوكب حمزة مثل (ياطيور الطايره)، (بنادم)، (شوك الحمام)، (محطات)، (هوى الناس)، (البنفسج)، و(مضيعني بالضباب) وغيرها، الا موسيقى شعبية اصيلة تدخل في أعماق الناس وتستوقفهم في الطريق وتحفزهم على التفكير الجدي بتهذيب مشاعرهم وجعلها أكثر دفئاً والتصاقاً بالجمال والخير.

والفنان كوكب حمزة بحسه الشعبي وتذوقه الشعري امتلك حساً درامياً حتم عليه التعامل مع نوع خاص من الشعر الذي تتميز مفردته بغنى في التأويل واتساع التاثير في مختلف حواس الانسان.

وقد توفر له شعراء يمتلكون احساساً خاصاً بالملحمية والتراجيديا العراقية وشمولية الرؤيا، مثل الشاعر (زهير الدجيلي)، و (رياض النعماني) و (ابو سرحان) الذي قُتل في الحرب الأهلية اللبنانية بسبب عدم وجود من يدفع الفدية عنه ليفك أسره).

وعندما يمتزج الوعي الشعري - الدرامي واحساس الفجيعة العراقية، بهارمونية الايقاع الموسيقي لكوكب حمزة، تصبح أغانيه كانها صدى لمشاعر انسان تائه، ضاع عمره بين المحطات، إنسان ملهوف يبحث عنه أهله دون جدوى فيشعر بالمرارة، لكنه انسان ملحاح في اسئلته، ليس فقط من أجل ان يجد طريقه الى الذين اضاعوه وضيعهم، وانما في اسئلته المصيرية الاخرى التي تصل حد السؤال الوجودي المقلق، كما هو الحال في أغنية (مضيعني بالضباب) لرياض النعماني وبنادم لأبي سرحان واغنية محطات. ولابد لهذا الانسان التائه ان يجد طريقه أحياناً، ولكنه في أحيان كثيرة سيعيش مع قلقه الدائم.

وانحياز الفنان كوكب حمزة لمثل هذا الشعر هو نتيجة طبيعية لاختناقه من غربته الداخلية اولاً، منذ كان في وطنه. لذا فأنه أكثر الملحنين العراقيين شعوراً بالغربة والقلق الدائم الذي لايسمح له ان يستقر على حال، سواء في تنوع ألحانه أم في حياته. ففي أغاني مثل بنادم، محطات، هوى الناس، شوك الحمام، وياطيور الطايرة، وغيرها هناك تكثيف موسيقي للتعبير عن الحزن والاحساس بالغربة العراقية، والتأكيد على ان شغاف الروح تنسل كالهواء بين الأصابع، والفرادة العراقية للتأسي على ذلك الفارس الذي سيأتي في يوم ما، أو رفيق الاحلام أو ذلك الصديق المنقذ (الطين الحرّي)، أو الحبيب الذي لم يحن طيفه بعد والذي يشعرنا فراقه بوحشة الطريق، كما في أغنية شوك الحمام لأبي سرحان: (ذبلن وعود العشك/بشفافك وماتن/ وطيور حبنا رحلت/وي طيفك وتاهن/كل المهاجر رجع/وطيفك بعد ماحن).

ومن خلال هذه القصيد المتماسك يعبر كوكب حمزة عن الغربة العراقية التي تبدو أبدية، ومن جانب آخر ليس سهلاً ان يكون، هوى الناس، قداح وشموس وعصافير، ولكن فنان مثل كوكب حمزة بشفافيته وصدقه وخياله اللحني قادر على التعبير عن كل هذا موسيقياً.

ان تنوع الايقاع والغنى الروحي لاغاني الفنان تعمقت نتيجة لتأثرها بالتراث العاشورائي والتعزية الحسينية، فعندما نتمعن في أغانيه شعراً ولحناً نكتشفها وكأنها تعاويذ الحبيبة في لحظة تمنياتها وانسياب احلامها وقت الغروب، أو تبدو كدعاوى الامهات العراقيات المباركات وتمنياتهن في تحقيق المراد بعودة الغائب والمهاجر الى دكة بيته. وصدى ايقاع الزنجيل والتطبير واللطم العراقي الابدي وهفهفة شعر العذارى أثناء ردحهن في ليلة (عرس القاسم) في عاشوراء، يمكن ان نستشعرها ونستحضرها عندما نسمع أغنية مثل بنادم ومحطات، وبالرغم من محليتها الا ان هنالك احساساً بصداها الذي يعبر الى العالم الاخر. ولهذا فأن بعض الاغاني من اجل التعبير عن قلق الانسان العراقي ومحنته الدائمة تبدو كأنها احاسيس موسيقية عنيفة تغزو أعمق المشاعر في روح الانسان.

ومثل هذا الايقاع والبعد التراثي وغنى التأويل في الكلمة واللحن أعطى لاغاني الفنان ومنذ الاولى منها مساهمة في تغير اسلوب سماع الاغنية العراقية لدى العراقيين، لانها فرضت مفردة موسيقية وقصيد شعبي متميز، تمثل هذا بفرض الايقاع الهارموني المركب والمتعدد النغمات لتنوع الالات الموسيقية، اي انها فرضت مايسمى بلغة الموسيقى بالايقاع البوليفوني.

في الماضي من الزمن الرديء وفي غفلته حاولا سرقة الزمن الابداعي للفنان العراقي، وهم يحاولون الان سرقة منفانا، ولكننا نستطيع ان نحوله الى تاريخ ابداعي فقط من خلال نقاء الموقف السياسي والاجتماعي غير المتكيف مع النظام، والعمل الابداعي المتواصل في شتى مناحي الثقافة الذي يتميز بالوعي والعقل العراقي المتفرد.