النفط والدولة والسياسة الاقتصادية في العراق - مصباح كمال
أخيرا، وبعد صراع مسودات عدة، وضعت اللمسات الأخيرة على مسودة لمشروع " قانون النفط والغاز" وعُرضت على الحكومة العراقية التي ناقشتها لأكثر من مرّة وأقرتها ثم مررتها الى مجلس النواب لمناقشتها وإقرارها. وبهذه الخطوة تكون قد انطلقت معركة هذا القانون بكل أبعادها وحمولتها الإيديولوجية وجبهاتها السياسية المكشوفة. ولأن هذه المعركة انطلقت فإنها تحمل معها أسئلتها الكامنة والملتبسة والمفتوحة في آن.
وبيّن مجرى السجالات، وبعضها صاخب، أن تباين الآراء حول المسودة ليس شكلياً، كما يتصور البعض، بل هو عميق كعمق البحر! فهناك فئة " تعارك الحجر " مروّجة للقبول بالقانون، كما هو " دون قيد أو شرط" ، بحجة أن البلد يعاني من شحة في الأموال اللازمة للتنمية وإعادة الاعمار وقلة الخبراء والإمكانات. وفي المقابل هناك من رفض المسودة متذرعا " أن الظروف الحالية غير مواتية وغير مناسبة، والحكومة غير شرعية وغير مؤهلة لسن قانون وغير قادرة على ذلك ". وبمواجهة هذين الموقفين المتقاطعين، يبدو أن هناك حاجة ملحّة لمناقشة الموضوع من زاوية اقتصادية/سياسية، بعيداً عن المزايدات والتخوين المتقابل، مناقشة تمكّن من بلورة صيغة نهائية للقانون تكون قادرة على تأمين حقوق العراق، وتضمن أفضل تنظيم لإدارة الصناعة النفطية. إلى جانب هذا، هناك تصريحات لبعض المسؤولين الأمريكيين تشير إلى ضرورة " سرعة تحقيق الإنجازات في العراق "، ويراهن هؤلاء على أن إقرار قانون النفط والغاز سيكون إحدى الإنجازات الكبرى للإدارة الأمريكية الحالية وهم يضغطون إعلاميا وبشكل مباشر أو غير مباشر في هذا المجال.
وليس في أمر تنوّع المقاربات لهذه الإشكالية أية غرابة. فالقانون المذكور يعنى بقطاع اقتصادي يمثل حجر الأساس لبقية القطاعات الاقتصادية وله تأثيرات تتجاوز المحلية الى العالمية بالنظر لأن صناعة النفط مرتبطة بسوق النفط العالمي وباستراتيجياته الكبرى واحتكاراته العملاقة. ولهذا كرسنا محور هذا العدد للحوار حول هذه الاشكالية.
حتى لا نتيه في لجّة التفاصيل يهمنا التأكيد على جملة ملاحظات مكثّفة:
1- يتعين على القانون الجديد أن يحلّ قضيتين؛ الأولى تتعلق بتنظيم إدارة الصناعة النفطية المحلية، والثانية تتعلق بعلاقة الصناعة النفطية العراقية بالاستثمارات الأجنبية أو اختيار الشكل الأفضل للاستثمار النفطي.
3- ففيما يتعلق بالقضية الأولى هناك إشكالات نجمت عن الدستور العراقي الذي تضمن بعض الصيغ غير الواضحة حول تقاسم الثروة بين السلطة الاتحادية والأقاليم. ولهذا لا بد من بلورة صيغة واضحة وملموسة لتوزيع الثروة بين السلطتين، ولجمع العوائد النفطية وطرق إعادة توزيعها.
5- وبشأن صيغ الاستثمار يمكن القول أن الصيغة الأمثل للاستثمار هي الاستثمار الوطني المباشر. ومن هنا ضرورة أن يشتمل القانون على توجهات صريحة وواضحة بشأن هذه القضية، أي أن تعطى الاستثمارات أساسا وقبل كل شيء لشركة النفط الوطنية والرهان على الطاقات والإمكانيات العراقية أولا.
ولكن وارتباطا بالمرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد فإن شركة النفط الوطنية بحاجة الى دعم، وفي ضوء ذلك بإمكان الحكومة العراقية أن تستعين ببعض الشركات أو بعض الدول على أساس عقود خدمة.
أخيراً، يتعين عدم القبول بصيغة المشاركة من حيث المبدأ بالنسبة لكل الحقول المكتشفة وهي التي تمثل الحصة الأكبر. هذا الشكل (المشاركة) يتمثل بدخول الأطراف الأجنبية كشريك للعراقيين في الاستثمار لسنوات طويلة مقابل حصة من النفط وحصة من الأرباح مع إطلاق يدها للتصرف كما تشاء بالنفط العراقي. لهذا السبب يمكن حصر الاستعانة بعقود المشاركة في الحقول الجديدة غير المكتشفة، التي تقع في أماكن يصعب التنقيب فيها وترتفع مخاطر الاستثمار، على أن تخضع المتعلقة منها بالحقول الكبيرة إلى ضوابط أخرى، في مقدمتها موافقة مجلس النواب
.