هادي العلوي واعادة قراءة التراث السياسي الاسلامي*

أياد خلف حسين

لم يحظ التراث الفكري السياسي بدراسة مستقلة عن الدراسات التي انصب اهتمامهاعلى تراث الفكر والتاريخ الاسلامي، بل كانت على الاعم الاغلب متداخلة معه حيث طغت مواضيعه على تفاصيل الدراسات التي حملت عنوان اعادة قراءة التراث الاسلامي. ويبدو ان تخصيص بحوث او دراسة خاصة للتراث السياسي لم تزل ضمن المواضيع التي لم تاخذ حقها في البحث الاكاديمي حالها حال الكثير من القضايا التي بقيت مغطاه بغبار التفسيرات المثيولوجية. فدراسات محمد اركون وطيب تيزيني وحسن حنفي ونصر حامد ابو زيد وسيد محمود القمي ومحمد عابد الجابري  عكفت على تناول الموروث السياسي الفكري على صعد التنظير والممارسة ضمن الاطار العام للتراث والتاريخي الاسلامي، رغم تخصيص الاخير كتابه الثالث من مشروع نقد العقل العربي تحت عنوان (العقل السياسي العربي)  لكن هادي العلوي تفرد، على حد علمي، بدراسة التراث الفكري السياســــي الاســـلامي. فــكاتب (خلاصات في السياسة والفكر السياسي الاسلامي) الذي ضمه في كتاب شامل حمل عنوان ( فصول من تاريخ الاسلام السياسي) تميز بتقديم قراءات جديدة لتاريخية تكوين المجال السياسي في الاسلام بالاضافة الى دراسة اشكاليات الحركات الاسلامية المعاصرة . لكنها، مع الأسف، الشديد لم تحظ بالاهتمام إلا من ابناء تياره العقائدي والذي تعرفوا عليه عن قرب وبين هذا وذاك قليل من انصف العلوي ذلك الصوفي الذي لم يفصل يوماً بين مسلماته الفكرية ومواقفه الاجتماعية والسياسية وهو القائل " ...معارضاً لا اصلح للسياسية "  والسياسة، كما لاحظ رشيد الخيون، " لا تصلح لمثل العلوي لا بالقلم ولا بالبندقية فهو الحالم الصوفي لايناقض قلبه لسانه .. ماله وسرعة تقلبات السياسية وكثرة وجوهها وهو لايجيد ابسط مقتضيات المجاملة. لقد تفادى مرة مصافحة الملك فصيل الثاني عند توزيع الشهادات على المتخرجين المتفوقين من كلية التجارة والاقتصاد العام1954" .

دراسة العلوي لتاريخية تكوين المجال السياسي في الاسلام

يتركز الخلاف بين من صنفوا (كعلمانيين) وخصومهم (الثيوقراطيين) حول جدلية الديني والسياسي وغالباً مايرتكز هذا الجدل على المصادر القدسية والتاريخ الاسلامي ، ففي الوقت الذي يستند الثيوقراطيون على القرآن الكريم والسنة النبوية بالاضافة الى الوقائع التاريخية لاسناد وتسويغ طروحاتهم حول الطبيعة المزدوجة للاسلام ، يرتكز العلمانيون ايضاً على نفس المصادر لتاكيد ان الاسلام مجرد عقيدة دينية لا علاقة لها بتنظيم السلطة والعمل السياسي ولا يحدد شكل الحكم بل يترك الامر للاجتهاد البشري . ومابين التيارين سالت ارطال من الحبر واطنان من الورق بين دحض وتأييد لرأي او لتفسير .

يعتقد العلوي ان القران يعكس ادراكا مباشرا للسلطة في جوهرها السياسي، فالنبي داوود وفقا للآية ((يا داوود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق )) ، لم يكن نبيا فحسب ولكنه خليفة مامور بان يحكم بين الناس بالحق . ويستدرك العلوي : والمستضعفون موعودون - في اشارة الى آية المستضعفين* - منذ الفترة المكية بان يكونوا حكاما. والفاظ الملك تتردد في بعض السور بمفهومها الدال على السلطة السياسية. وقد تضمنت الآية : ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما))  وجوب الانصياع لاحكام النبي في المنازعات بين سكان المدينة، بينما تأمر الآية : ((يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير واحسن تأويلا)  بالطاعة غير المشروطة للرسول. وما يحاول ان يؤكده  هو ان التفكير بالسلطة لم يكن بعيدا عن النبي محمد (ص) ويرى في ذلك خلافا لما يستنتجه بعض المستشرقين من بقاء النظام القبلي البعيد عن التنظيم السلطوي محافظا على قوته بعد الهجرة. ومن جانب اخر يرى العلوي انه : على الرغم من احتواء القرآن على بعض المصطلحات السياسية المتعلقة بالحكم كالفاظ الملوك والائمة واولي الامر ، لكنه لا ينص على تصور واضح للسلطة يمكن ان يشكل منه مذهب سياسي معين . ويتضح مما سبق أن العلوي يذهب في فهمه للنصوص القرآنية الى التأكيد بان النبي محمد (ص) لم يكن نبيا فحسب بل كان حاكما سياسيا ايضاً ، وفقا لما ذكره من الآيات. في مقابل ذلك يعتقد العلوي ان القرآن الكريم لا يتضمن نصوصاً حول طبيعة الحكم وشكل السلطة او تفاصيل ذلك لامن قريب ولابعيد . بعبارة اخرى انه يحاول اثبات ان القرآن الكريم لم يفصل نظاما لشكل الحكومة، ولا ما تنتظم به الخلافة من تفصيلات المسائل السياسية.

على أية حال، وايا كان الموقف الفكري الذي يتبناه المرء ، فإن حقائق التاريخ الاسلامي واحداثه، تؤكد ان ظهور الدعوة الاسلامية تبعته نشأة مجتمع جديد مستقل له خصائصه ومقوماته ، فاذا وجدت السياسة على مستوى الفكر والتنظير، فلا بد انها وجدت على مستوى التطبيق والممارسـة.

في ضوء ذلك يتفق جميع الباحثين - تقريبا - على ان الرسول (ص) يتمتع بسلطة روحية استطاع من خلالها قيادة المجتمع الاسلامي آنذاك .. بيد ان نقطة الخلاف تكمن في تاريخية تكوين المجال السياسي في الاسلام والدولة ، في السؤال التالي : هل أنشا الرسول دولة بمعنى سياسي تنظيمي؟ وهل كانت لديه سلطة سياسية الى جانب سلطته الروحية؟ بعبارة اخرى اكثر دقة: هل تكونت الدولة في الاسلام من خلال النص الديني ام عن طريق التراكم التاريخي؟ هنا يرى عبد الله العروي ان وصف الدولة الاسلامية صعب ان لم يكن مستحيلا والصعوبة لا تأتي من قلة المعلومات والمصادر بقدر ما تأتي من عملية تكوين الدولة ذاتها. ويعتقد لؤي الصافي أن المدخل الصحيح لتعريف الدولة الاسلامية يجب ان ينطلق من المفهوم الذي تقدم به ابن خلدون حول الدولة وهو : الدولة تتحدد في البنية السلطوية التي تؤسسها جماعة سياسية مـنظمة. وفي ضوء ذلك نجد اربعة اتجاهات اساسية في الاجابة عن اشكالية تاريخية تكوين الدولة في الاسلام:

الاتجاه الاول : يرفض اتباعه مقولة ان الرسول (ص) أنشأ دولة او حتى ان انشاءها كان من ضمن اهداف الرسالة الاسلامية  .

·    الاتجاه الثاني :  يرى اتباعه ان الدولة في الاسلام لم تكن غاية بحد ذاتها بل هي وسيلة لنشر مبادئ الاسلام وتطبيق الشريعة الاسلامية  .  - الاتجاه الثالث : ويرى اتباعه أن الدولة في الاسلام انشئت على يد الرسول محمد (ص) . وأن الرسول عندما دخل المدينة مهاجرا كان اول عمل قام به وقبل ان يكتمل الاسلام ، اذ كان أمام الاسلام عشر سنوات اخرى لكي يكتمل، أن أسس (دولة المدينة) أو (دولة الرسول) في المدينة ، وكانت دولة غير دينية ، أي دولة بمعناها السياسي لأنه (اشرك فيها الكفار من الأوس والخزرج ، كما اشرك فيها اليهود واقام لها كيانا سياسيا واضحا) . لكنه (.. بالكاد توصل النبي الى اقامة البنى العملية للاسلام والدولة التي ظلت سطحية).

·    الاتجاه الرابع : يتفق اتباعه مع الاتجاه السابق ولكن ليس كليا ، حيث يعتقدون ان الدولة انشئت في الاسلام ، لكن الرسول محمد (ص) ليس هو الذي انشأها بل ظهرت بعد وفاته،حيث ان الدولة في الاسلام كانت من نتائج الحرب الاهلية في الاسلام الاول (الفتنة الكبرى) ودامت خمس سنوات متتالية كان نتيجتها نشوء اول انقسام حقيقي في الجماعة الدينية الجديدة وولادة الدولة). بعبارة اخرى (ان الدولة - الاسلامية - لم تولد في حضن المجتمع الاسلامي في الاسلام التبشيري الاول الذي انبثق كثورة عقيدية واجتماعية وسياسية). ان ( مُلك ) معاوية كان فعلاً (دولة السياسة) في الإسلام...(حيث) بفعل التطورات الاجتماعية التي حصلت في عهده ظهر مايعبر عنه علماء الاجتماع والسياسية اليوم ب(المجال السياسي ) أوالمؤسسة السياسية  .

على الرغم من ذلك، تتفق الآراء التي تقدم عرضها على نقطة واحدة هي ان الدولة كبنية سلطوية لم تظهر في شبه الجزيرة العربية الا مع ظهور الاسلام . وفيما عدا ذلك تختلف الاراء في توقيت ظهورها ما بين في حياة النبي او بعد وفاته واخرى ترفض ربط النبوة بالدولة من الاساس . أما هادي العلوي فيرى ان الدعوة الاسلامية لم تشكل معشرا دينيا بل كونت مجتمعا دنيويا والاخير يتطلب ادارة تنظيمية كانت بيد الرسول (ص) ثم تحولت الى الخلفاء الذي كان شكل سلطانهم دنيويا لا دينيا . وهذا ما يؤشره العلوي بقوله : ان النبي محمداً بدأ دعوته واعظا دينيا ثم انتقل بعد الهجرة الى رجل سياسة .. ولم يكن مجرد واعظ ديني او فيلسوف اخلاقي .. ولو انه اختار طريق الواعظ والفيلسوف ثابتاً لدعوته لاستحال عليه ان يكون اكثر من مسيح جديد في زمان كان يستدعي نبيا من طراز اخر ، وكان هذا هو ثمن الانتقال من النبوة الى الدولة . ويشير بعض الكتاب - الكلام للعلوي - الى ان هذا الثمن لم يدفعه المسيح فاندحر ، وان محمد تكلفه فانتصر  . ورغم ان هادي العلوي وعلي عبد الرزاق- على سبيل المثال- كليهما يحسبان على التيار العلماني ، الا انهما يختلفان جذريا حول مسألة الصفة السياسية للنبي محمد ، حيث يرى عبد الرزاق : (كانت ولاية محمد صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ولاية الرسالة غير مشوبة بشيء من الحكم .. هيهات هيهات . لم يكن ثمة حكومة ، ولا دولة ، ولا شيء من نزعات السياسة ...). فيما يرى العلوي (في يثرب لم يعد محمد مع بقائه نبيا مجرد واعظ ديني . لقد اصبح فضلا عن ذلك القائد السياسي والعسكري المؤلف للجماعة المؤلفة من المهاجرين والانصار، وكان تطور هذه الجماعة الى مجتمع سياسي مؤهلاً لانجاز مهام الدعوة ، رهنا بتمتع محمد بسلطة امرة على جماعته الى جمعه بين صفة النبي والحاكم). من جانب آخر يقارن العلوي بين الاسلام والمسيحية بشان الجانب السياسي فيعتقد ان الاسلام قد ظهر منذ البداية في دولة ومجتمع منظمين بطريقة دنيوية تستمد صفتها الدينية من عقيدة الوحي التي وفرت الاطار لمجتمع دنيوي في تركيبه العام  . ويتفق مع هذا الراي شاكر النابلسي الذي يذهب الى (الاسلام دين سياسي بالدرجة الاولى ، ولذا ، فهو الدين السماوي الوحيد الذي اقام دولة باسمه ، فلا عيسى واتباعه اقاموا دولة لا قبل ان تكتمل ديانتهم ، ولا بعد ان اكتملت) . من هنا يعتقد العلوي ان بدايات التاريخ الاسلامي كانت بدايات سياسية بالاضافة الى الجانب التبشيري على عكس الديانات الاخرى  .

ومن خلال قراءته لتاريخ الدعوة الاسلامية يميز العلوي بين مرحلتين : الاولى ؛ قبل تأسيس الدولة (المرحلة المكية) ويؤشر على هذه المرحلة (الصفة المؤقتة للاحكام الدينية) حيث انها تظهر بشكل اساس في الاديان التي تولد وتعيش خارج اجهزة الدولة قبل ان يقدر لها تسلم زمام السلطة الدنيوية، ويرى ايضاان في تلك المرحلة امتازت دعوة النبي محمد بالافكار الاجتماعية تستخدم التهديد بالعقاب الاخروي ضد خصوم الدعوة او ضد اولئك الذين لا يتقيدون بتعاليمها، العقاب الاخروي هو وسيلة العنف الوحيدة لأي انقلاب ديني لا يمتلك السلطة الزمنية)  . اما المرحلة الثانية ، فانها تبدأ - حسب العلوي - بانتقال النبي محمد الى يثرب حيث (طرأ تحول على صفة الدعوة ، فهنا لم يعد محمد واعظا دينيا فقط وانما اصبح يتبوأ الى جانب ذلك مركزا سياسيا ، ويمسك بيده شيئاً من السلطة الدنيوية كان ينمو باطراد على حساب النفوذ الادبي لزعماء القبائل العربية في يثرب).

وبهذا(ينتقل الاسلام من مجرد دعوة دينية اخلاقية الى حركة سياسية مرتبطة بشكل من اشكال الدولة ، وقد اكد هذا الشكل وجوده من خلال تصرفات من محمد ليس بوصفه نبيا فحسب وانما ايضا بوصفه رجل دولة) . ويؤكد العلوي على ذلك بمجموعة من الافعال السياسية المستقلة عن (الطهرانية الدينية) - على حد تعبير عبد الآله بلقزيز -مثل الاغتيال السياسي ، التجسس ، الرشوة ، العهود ... بيد ان القراءة الجديدة التي قدمها هادي العلوي  لنجاح النبي محمد في اقامة ( دولة المدينة)  هي اعتقاده ان تكوين المجال السياسي في الاسلام (الدولة) ما كان يمكن ان يكتب له النجاح لولا السلوك السياسي للنبي محمد (ص) بالاضافة الى العمل النبوي . حيث يعتقد العلوي ان العرب في العصر الجاهلي كان ينتشر بينهم مفهوم ((اللقاحية)) ويشير هذا المصطلح الى معنى يرتبط بواقع العرب في شبة الجزيرة العربية ، فهو يستعمل لوصف الناس الذين لا يخضعون لسلطة نتيجة قرار يتفقون على الدفاع عنه ضد أي احتمال لفرض السلطة عليهم من مصدر داخلي او خارجي  .

ويقرن العلوي (لقاحية) العرب بالفكر الفوضوي في اوربا ، حيث يستعمل في اللغات الاوربية مصطلح (Anarchy) لمن لا سلطة عليه وللوضع الذي لا تسود فيه دولة . وقد ترجم الى العربية باصطلاح((فوضوية)) . وحسب راي العلوي ان المصطلح الجاهلي لقاح مقابل للمصطلح الاوربي ، حيث يتألف الاخير من مقطعين يونانيين (AN) التي هي اداة نفي ، و (Archy) وتعني حاكم ، فمدلوها الصرفي هو اللاسلطة.

ومن القبائل التي وصفت نفسها بهذا الوصف قريش ، حيث كانت تعرف بموقعها المنيع ضد الخارج ، مع اتفاقها على ان لا تخضع لسلطة داخلية ... ، ويستند العلوي لإثبات ذلك بابيات تحسب الى حرب بن أمية واخيه الحارث يخاطب صديقا له يدعى ابا مطر الحضرمي ويدعوه الى العيش في مكة :

ابا مطر هلم الى صلاح

تكفيك الندامى من قريش

وتأمن وسطهم وتعيش فيهم

ابامطر، هديت، بخير عيش

وتسكن بلدة عزت لقاحا

وتأمن ان يزورك رب جيش

ويبدو ان للملك عند العرب صورة تاريخية تجعله علما على القهر والتسلط والاستبداد، والشاعر الحماسي الجاهلي عمر بن كلثوم يقول :

اذا ماالملك سام الناس حنيفا

ابينا ان نقرَّ الذل فينا  .

في ضوء ذلك الواقع الاجتماعي اللقاحي - على حد تعبير العلوي - لم يكن امام أي تحرك تاريخي لأجراء النهوض والنقلة من حال الى حال غير سلوك درب النبوة ... حيث (ان عامة العرب كانت معنية ان لا يتسلط عليها ملك فكانت النبوة حلا للاشكال يسهل معه الانقياد لأمر سماوي يعم الجميع ولا يستهدف فردا واحدا بالاستخضاع ، لان اوامر النبي غير ملزمة بحكم القسر بل هي طواعية تأتي على جهة التعبد ، وخصال النبي ليست هي خصال الملك . فالنبي لا يسكن القصر وليس له حاشية ولا حرس ومقره المسجد وهومحل عام لجميع الناس). ويضيف (كان محمد سيفشل في مشروعة الكبير لو انه لم يعتمد على النبوة واعلن نفسه ملكا على العرب).

وبالاضافة الى العامل النبوي ، كان السلوك السياسي للنبي محمد (ص)، سببا في نجاح قيام الدولة في الاسلام ، هذه الدولة ما كان يكتب لها ان تبصر النور لولا مراعاة الرسول محمد (ص) للوعي الجمعي لعرب الجاهلية الرافض الخضوع لاي سلطة سياسية ، وهو ما اطلق عليه العلوي ((القاحية)) حيث يرى العلوي في تعليله سبب نجاح النبي في إقامة دولة واخفاق غيره من الملوك (ان نبوة محمد وفرت له شمول زماني ومكاني لا توفره الملوكية لكنها ايضا ضمنت لمشروع النبي ان ينجح اولا في موقع انطلاقه ، اما السر في نجاحه فيرجع الى مجاراته للقاحية العرب ، التي تورط الملوك في مواجهتها وغلبوا على امرهم) . هذا الامر يؤكده رضوان السيد بقوله (اراد النبي ، ان يغير انطباع العرب عن السلطة والمتسلط فاكد في كل أوان انه ليس بملك ولا جبار بل ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة. واوضح للبدو دائما ان سلطة التوحيد أمر في صالحهم ومهمتها السهر على راحتهم واطمئنانهم واخذ الاموال من أغنيائهم وردها على فقرائهم) . ويتوافق مع هذا الراي، ايضا، عبد الاله بلقزيز ، حيث يعتقد (لايمكن كتابة تاريخ تكوين المجال السياسي الاسلامي  إلا باستحضار ثقل ومركزية العامل النبوي في التمكين العادي لذلك التكوين، وذلك من خلال اسباغه الشخصية الشرعية على سلطة سياسية مركزية لم تكن من تقاليد الجزيرة العربية ، ولا كان يمكن اقناعهم بها لولا هذا الدور النبوي الشخصي المشار اليه).

في سياق ذلك نجد في طرح العلوي تفسير ظهور الدولة في الاسلام وكيفية خضوع القبائل العربية جوابا لما اشكل على بعض الباحثين حول امتداد السلطة الاسلامية الى الجزيرة العربية بكاملها من دون ان يعني اسلمة جميع القبائل، بل يعني خضوعا سياسيا  يحسبه المعجزة (ولا يزال ذلك في الحقيقة بلا تفسير. فكيف نفسر ان قبائل فخورة ومحاربة ، لم تعرف ابدا آية سلطة قدمت ولاءها بلا قتال) . ذلك ما عزاه العلوي الى سببين ، الاول : النبوة والثاني: السلوك السياسي للنبي محمد في مراعاة لقاحية العرب وترويضهم من خلال اثباته انها نبوة لا ملك .. من جهة اخرى ان ما أستُشكل على علي عبد الرزاق في ان النبي محمد (ص)في حياته قد خلا سلوكه من أي تصرفات للملوك والامراء والحاكمين ، واستخدم عبد الرزاق ذلك دليلاً لأثبات ان النبي لم يكن حاكما سياسيا. هذا الامر فسره العلوي بانه سر نجاح النبي في إقامة الدعوة وانشأء بنية الدولة ، ألا وهو مراعاة الوعي الجمعي لعرب الجاهلية ، أي اللقاحية.

في ضوء ما تقدم يمكن القول ان هادي العلوي اختلف وتميز في تفسيره لنشوء الدولة في الاسلام ، عن الاصوليين والعلمانيين في الوقت نفسه ، حيث ان كليهما يستند في دعم طروحاته الفكرية، او دحض طروحات  خصمه للنص القدسي (القران الكريم) او (السنة النبوية )، بينما ينطلق العلوي من المنهج المادي الجدلي التاريخي في استقراء واقع التجربة التاريخية لسيرة النبي الكريم ، بعيدا عن النصوص القدسية والتفسيرات الطوبائية ، فاستدلالات العلوي تنطلق من الواقع التاريخي - الاجتماعي اساسا ، ورغم ذلك قد تستند الى النص ، لكن دون اعتباره المرجع الفكري . و العلوي من خلال منهجيته المادية الجدلية يعد انه ماكان لـ (دولة النبوة) انطلاقا من كونها ظاهرة اجتماعية - سياسية بعيدة عن الارادة الآلهية ان تنشىء دولة لولا كارزمة النبوة وتأكيد النبي محمد للعرب بانها نبوة لا ملك.، كذلك يمكن ان نلاحظ بان العلوي يقرأ التاريخ السياسي الاسلامي قراءة جدلية ، وهي علاقة صراع بين عقيدة او مبادئ عقائدية جديدة (الاسلام) وبين اجتماعية - فكرية ترفض الخضوع الى سلطة مركزية ، بيد ان هذا الصراع حسم في النهاية لصالح الاسلام او العقيدة الجديدة ، ولم يتم ذلك إلا من خلال تأكد العرب ان سلطة الرسول كانت نبوة لا ملكاً اولا ، وان سلوك الرسول وسيرته مع اتباعه لم يشبهما أي شكل من اشكال التسلط السياسي ثانيا ، كما يعتقد العلوي .

من هنا يرى العلوي (نجح الرسول فيما فشل فيه الملوك  فانشأ مجتمعا وكيانا سياسيا منظما بقدر معين من السلطة) مضيفا (يسعى الباحثون المعاصرون كعادتهم فهم طبيعة هذه السلطة باساءة فهم  للآية (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في انفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . فهي - الكلام للعلوي - سلطة حكم لا سلطة حاكم  . في سياق ذلك يعتقد العلوي ان الفصل بين الناس في الخصومات من اولويات الحياة الاجتماعية . والكيان السياسي المنظم الذي وافق العرب على الانتظام فيه مدار بقيادة نبوية وليس بسلطة آمرة ، فالنبي يقود ولا يحكم . وهي صفة الحكم الذي اراده لا وتسه * بديلا عن الامبراطور) وحول طبيعة الحكم النبوي ، يرى (يمكن تصنيف حكم النبوة في المدينة حتى نهايته بعد عشر سنوات من الهجرة أي من وصول محمد الى يثرب بانه (حكم شعبي) بلغة عصرنا و (حكم لقاحي) بلغة الجاهلية ، واللقاحية كما عرفناها في الاصل هي رفض الاذعان للسلطة. لكن اللقاحيين قبلوا حكم النبي محمد ضمن شروطهم وهي ان لا يكون ملكا ولا يسير فيهم بسيرة كسرى وقيصر.ويضيف العلوي، كثيرا ما يسمى هذا الحكم عند المعاصرين (ديمقراطية عسكرية) حيث ينهض رجل ليقود قومه في غزو الاصقاع المجاورة ويوزع الغنائم بينهم بالتساوي ولا يأخذ هو اكثر من أي فرد من اتباعه، كما يتعامل معهم بطريقة ابوية فلا يكون متسلطا عليهم بل يتصرف معهم بوصفه زعيمهم الابوي. على ذلك يعلق العلوي: (لا يصدق هذا الوصف على زعامة النبي محمد لأعتبارين، الاول : انه كان يقود أمة كبيرة باتجاه مشروع تاريخي كبير وليس مجرد قبيلة مدفوعة بالبحث الاحادي عن الغنائم . اما الثاني : ان طريقة محمد في الحكم تخلو من الاسس التي ينهض عليها مفهوم الديمقراطية ، اذ لم تعرف حكماً ديمقراطياً على الغرار المعهود . ان الديمقراطية تعني الانتخاب ، وانتخاب رأس الدولة وانتخاب مندوبي الشعب الذي يرجع اليهم الرأس في الحكم ، كما تعني وجود معارضة قانونية منظمة تقف في وجه الحاكم وتسعى للحلول محله في دورة انتخابية اخرى ، وليس شيء من ذلك حاصل في دولة محمد).

من خلال ذلك يؤكد العلوي عدم تطابق مفهوم (الديمقراطية العسكرية) لوصف (دولة الرسول) . (فمصطلح الديمقراطية العسكرية غير معبر حتى عن الحالة المفردة لزعيم قبيلة ابوي ، ومثل حال حكم النبي يمكن ان يوصف بانه زعامة ابوية او قيادة شعبية اذ كانت في نطاق امة اوسع من نطاق قبيلة) ، وبذلك يدعو الى عدم استعمال المصطلحات بطريقة عشوائية تخرجها عن ماهيتها  .

نقطة اخرى يؤشرها هادي العلوي في دراسته للتراث السياسي الاسلامي حول موضوع نظام الحكم في الاسلام ، حيث يرى العلوي انعدام وجود نموذج لتداول السلطة الذي يمكن ان نعتبره قياساً لشرعية تدوال الحكم في الاسلام . ويقدم استعراضا لطرق تداول السلطة و الاستخلاف التي تنوعت من دون ان تبقى على نمط معين، طبيعة ابي بكر تجسد شكلاً معيناً للاختيار عن طريق الكتلة الحاكمة ، في حين خُرق هذا المبدأ في استخلاف عمر بوصية ابي بكر . اما الطريقة التي اتبعها عمر في اختيار الخليفة من بعده فقد روعي فيها تمثيل الاتجاهين الرئيسيين في جناح المهاجرين وهما الارستقراطية القريشية ، وجماعة عليّ ، وقد نجحت الارستقراطية بحكم اغلبيتها في لجنة الشورى في دفع احد ممثليها الى الخلافة وهوعثمان بن عفان . وفي بيعة عليّ بن ابي طالب - الكلام للعلوي - نجد حالة استثنائية ناتجة عن الظروف التي استخلف فيها وهي ظروف سيطرة جمهور الثائرين على الوضع العام . واختيار عليّ للخلافة من قبل هذا الجمهور مباشرة ، ويضيف العلوي ، اما خلافة الحسن بن عليّ فكانت نموذجا لولاية العـهد ، لا من جهة النص الرسمي (لان علياًّ لم يوافق على ذلك وانما من جهة الدافع الذي املى اختيار الحسن وهو كونه الابن الاكبر للخليفة) . ويعلل العلوي هذا التنوع في الاشكال التي استخلف بها الراشدون الخمسة الى الصراعات الحادة التي كانت تمزق الكتلة الحاكمة مع الافتقار الى تقليد رسمي يحدد الشكل الذي يصار فيه الى تحقيق رغبة الاكثرية طبقا لمبدأ الشورى. وحول ذهاب بعض الباحثين  الى ان الشورى هي الآلية التي اعتمدها المسلمون في اختيار الخليفة وفقا لما ورد في الآية الكريمة (وشاورهم في الامر) والآية (.. وأمرهم شورى بينهم)، يرى العلوي انه(رافقت اصطلاح الشورى منذ عهد الراشدين ممارسات تعرفه على انه ((رأي الجماعة)) ، وتقابلنا في بعض الاحوال طرح قضية على الجمهور لاخذ رايه ... وتوسعت الشورى - كمفهوم - بعد الراشدين لتكون ((حق مجموع المسلمين في اختيار الخليفة)) بعد ان كانت (حق المهاجرين والانصار في اختياره) ... (وضمن هذا الاطار استخدمت من قبل المعارضة في كفاحها من أجل خلافة يرضى عنها الجمهور . وكدليل شرعي على عدم استحقاق الخلفاء في الدولتين الاموية والعباسية للخلافة .. لانها لم تقم على اساس الشورى وانما على القهر والغلبة). ولايž