ولادة الكون عند الاكراد من مذهب "أهل الحق" (العليلاّهيّة)

محمد مكري

ترجمة: د. حسين الهنداوي

تتكون طائفة "اهل الحق" (او أهل حقّي) التي تتكرس هذه الدراسة لمعرفة مفهوم نشأة الكون لديها من الاكراد بشكل خاص، لا سيما هؤلاء الذين يقطنون منطقة غربي ايران. و"اهل الحق" هم اتباع ديانة تنتمي الى اتجاه سنسكريتي يستمد عقائده من اصول دينية متطورة، الا انه يظل أميناً على الدوام للخصائص التي يتميز بها الفكر الايراني القديم إجمالاً.اذ انه يتضمن العديد من مورثات الديانات الايرانية السالفة، علاوة على امتلاكه للكثير من الملامح المشتركة مع المذهب الشيعي. بيد ان عقائد "أهل الحق" تظل في الجوهر معتمدة على معطيات مفهوم خاص بهم فيما يتعلق بولادة الكون. ولذا فهم يرتبطون بهذا المفهوم وهو يعبر عنهم لان معتقداتهم هي ليست موضع إيمانهم فقط، بل هي ايضاً مثالهم الغيبي المقدّس الذي يجد انعكاساته متجسدة في الوقائع الارضية ذاتها.

يتألف مفهوم العالم لدى "أهل الحق" من جملة من المكونات الغنوصية، ويعبر عن نفسه على صيغة منظومة اسطورية. وأهمية هذا المفهوم لا تقتصر على كونه مجرد تفسير لعملية الخلق، وانما، ايضاً، على كون حصول الحوادث التاريخية يتم وفق طريقة دورية، حيث تعيد بعض الوقائع الكونية حصولها من خلال هذه الطريقة لاسيما تلك المتعلقة بالمراتيبية الهرمية للملائكة والمواثيق التي تقطعها هذه الاخيرة مع الله. واضافة الى ذلك تنظر طائفة "أهل الحق" الى نفسها باعتبارها انعكاساً واقعياً ونموذجياً لهذه الحالة. ولذلك فهي تعمل على تنظيم نفسها بموجب منظورها الكوني ذاته. فهي تصطحب إيمانها به بأداء سلسلة من الممارسات الطقوسية خلال اجتماعاتها السرية، تؤدي فيها مراسيم شعائرية ذات طابع رمزي تواكب عبرها عدداً من تلك الوقائع الاسطورية.

إن المعلومات الواردة في هذه الدراسة مأخوذة من مصادر مدونّة وشفاهية مختلفة، اضافة الى معلومات أمكن الحصول عليها عبر الاتصالات الشخصية للمؤلف. وبموجب مجموع هذه المصادر فان عملية الخلق لدى أهل الحق تجري على مرحلتين رئيسيتين هما خلق العالم الروحي وخلق العالم المادي، وكالتالي:

في البدء، وقبل خلق كلا العالمين، وحده الله لم يكن قد تجلّى. فقام بخلق درّة في عرض المحيط البدئي وأقام فيها وحده. حيث تنص مخطوطة "شاهنامه حقيقت"(1) : " في هذه الآونة لم تكن هناك أرض ولا سماء ولا كون ولا أي شيء آخر، ولا كرسي ولا لوح، ولا كلام ولا فلك ولاجنة ولا نار ولا حوريات ولا ملائكة ولا كوكب ولا شمس ولا قمر. وحده جوهر المعبود موجود كـ "يا" (2) . ولم يكن هناك في الوجود أي مخلوق سوى الحق الأعلى الواحد الحي المعبود. كانت الدرّة منزله وكان جوهره خافياً. الدرّة في المحارة، والمحارة في اليمّ وأمواج اليمّ تغمر كل شيء.

ونجد في ديوان أشعار الشيخ أمير(3) شروحات اضافية نصها : " عندما كان مليكي (الله) لا يزال "يا" لم تكن هناك أرض ولا سماء ولا زحل ولا صوت بشر. كان الله على هيئة طير ذي جناحين من ذهب، ثم جاء ورمى ذاته في الفص النقي(4) (...) وحين وجد المليك ذاته في منزل الدرّة، كانت الدرّة في عرض محيط الاسرار ثم بعد أن يكون وحيداً، فشهد على إبداعه وقام بإيجاد العبيد المخلصين. ثم بعد أن ابرم ميثاقاً مع عبيده صيّر قدمه أمامه وغادر الدرّة.

وفي الرسالة المعنونة "تذكرة علي" الموجودة ضمن نصوص "أهل الحق" المنشورة من قبل ايفانوف في مؤلف بعنوان " العبادات الحقيقية في كردستان" (لندن 1953 ) نقرأ في الصفحة الخامسة : في البدء كان وحده، يرى ذاته وحده، يكلم ذاته وحده، تسمع ذاتُه ذاتًه وحده. لم تكن هناك سماء ولا أرض ، ولا ملك ولا حواري ولا إنس. خلال آلاف السنين كان يكلم ذاته بذاته ويمور. وكانت مشيئته أن يتجلى لجميع الخلائق (..). وعندما قام بارىء العالم بخلق الدرّة عبر قوته البَعْدية أظهر في نطاق الدرة خمسة صور".

وضمن هذه المجموعة المنتقاة من نصوص "أهل الحق" توجد رسالة فارسية للدرويش غولشير سبزواري تنص على مايلي فيما يتعلق بالخلق: " يوم لم تكن هناك أرض ولا سماء، كان مليك العالم فصٌّ في الدرّة. بعدئذ وعى قوته، فألقى قطرةً من جوهره الخاص في الفص، فحلّت فيه. وعندما رعد الرب صار الفص امواهاً تكوّنت من بخارها السماوات ومن رغوتها الأرض ".

وتنص رسالة "علامت حقيقت"(5): "قبل بدء الخليقة كان جوهر الحقيقة السامية في حالته الوحدانية، وكان مقامه ومكانه ومدته في المجهول". وجاء في كتاب "ده فته رنامه":"وحده يعرف عدد السنوات مائة ألف اولا شيء ". كان داخلاً في نطاق محيط الدرّة ماكثاً فيه خلال سبعين ألف سنة. وكانت الدرّة في قاع اليمّ تقتات بالاسرار. ثم شاءت ارادة الله خلق العالم، عندها" فلق الدرّة وخرج".

نستنتج مما تقدم إذن، إن نظرية ولادة الكون عند" أهل الحق" تقوم على ثلاثة مفاهيم فيما يتعلق بالمرحلة السابقة على خلق العالم الروحي. وهذه المفاهيم الثلاثة هي الصمت والمياه والدرّة، وهي تبدو لديهم على الشكل التالي:

الصمت:

حول الصمت، تتحدث بعض النصوص عن وجود حالة بدئية بلا ضوضاء ولا صدى ولا ضجيج من أي شكل كان (6). وهذا الصمت هو حالة من العماء واللاحركة سابقة على أي مشيئة بالتجلي .

المياه:

إن مفهوم المياه البدئية هو مفهوم مشترك بين عدد من النظريات القديمة الخاصة بخلق الكون، ومن بينها النظرية التوراتية (7)، وكذلك النظرية القرآنية حيث ينص القرآ ن على ان الله "خلق السموات والأرض في ستة ايام وكان عرشه على الماء" (8)

وبالنسبة لـ "أهل الحق" فإن الدرة كانت تمكث فوق مياه كهذه. والدرّة هي البيضة الكونية وبذرة كافة التجلّيات. وترمز المياه هنا الى الحياة مع كل طاقاتها الكامنة، بيد انها تمثل أيضاً اللامتناهي الالهي وعرش الروح الربانية. ومن هذه المياه سترى جميع الوقائع ولادتها. علاوة على كل هذا فان المياه هي أيضاً الرمز الكوني للطهر الصافي. أما أمواج البحر فهي ترمز الى الحركة وتعكس نزوعاً ومشيئةً بإتجاه التجلّي.

ومن المناسب أن نذكر هنا إضفاء الطابع المقدس على المياه يلعب دوراً هاماً في الفكر الايراني. فالـ "ياشت" الخامس من الـ "أفيسه" المسمى بـ "آبان ياشت" (9) مكرس لملكة العبقرية عند المياه، وبشكل خاص فيما يتعلق بالهة المياه الكبرى المسماة "اردفيزور أناهيتا" إذ يتضمن، تناجيات ما قبل زرادشتية متعلقة بعبادة الالهة "أناهيد" التي هي روح المياه (فقرة 83/16 ). ومن بين التراتيل الزرادشتية هناك ترتيلة الـ "آبان نيايبشن" وهي ترتيلة تتلى في النهار قرب الأنهار والينابيع، وعند مشاهدة جريان المياه. حيث تجري الاشارة في هذا الـ "نيايبشن" الى ان الالهة "اردفيزور" تقوم بتطهير البذور من عنصر الفحولة وتطهير ارحام جميع الإناث لتجعلها قادرة على الانجاب كما انها تتكفل يتدفق الحليب في اثداء الإناث بما يلزم وكما يلزم (10). ونضيف أيضاً ان كتاب المزدكية الكبير المسمى بالـ "بونداهيشن" يقدم من جانبه سبعة عشر تعداداً للمياه عندما يتناول خلق العالم. ونستطيع أن نضيف الى كل ذلك ان الكتاب البهلوي "شياست" (11) يشير بدوره الى عدد من حالات التوبة التي يكابدها هؤلاء الذين يدنسون المياه أو يرتكبون إثماً بحق طابعها المقدس . وعلى هذه المياه، كانت المادة الكونية الاولى محمولة باعتقاد "أهل الحق" كما سنرى لاحقاً.

الدرّة:

إن كلمة "درّة" موظفة لدى "أهل الحق" بمعنى المحارة غالباً (أي الدرّة محبوسة في المحارة وهذا يعني انهم يعتبرون الجزء بمثابة الكل). وحسب اسطورة مقتبسة في قصيدة لسعدي الشيرازي، فإن الدرة تأخذ هيئة قطرة غيث تنهمر من السماء داخل محارة تصعد الى سطح اليمّ لغرض استقبالها. وعندئذ فان قطرة الماء هذه، وهي بذرة سماوية، هي التي تصبح الدرّة. أما المحارة فتستعير رمزيتها ذات الطابع القديم من تناظرها مع الاعضاء التناسلية للمرأة. وبالتالي فان حالة الدرّة عندما تكون موجودة في المحارة أشبه بحالة الجنين او النطفة.

ومن الجدير بالذكر اننا نجد هذه الرمزية في كافة المعتقدات التقليدية القديمة كالايرانية والصينية واليابانية واليونانية. اذ انها تأخذ لدى هذه الأخيرة شكلاً خاصاً هو ذلك الذي نجده في الاسطورة الشهيرة حول ولادة افروديت. وهناك حالات تكون فيها الدرّة مأخوذة كرمز للولادة الروحية الخاصة بالقوة المعرفية، كما ترد بشكل خاص في ترتيلة الدرّة الشهيرة التي تتضمنها وصايا توما (12).

أما عند "أهل الحق" فان الدرّة السليمة ترمز للعذرية. وهذه الرمزية موجودة في اللغة الفارسية أيضاً. إذ يجري على الصعيد الدنيوي توظيف عبارة " ثقب درّة العذارة" في الأشارة الى مثال أصلي يعطونه طابعاً مقدساً حيث نجد ان التحولات او تسلسلية الهيئة الالهية تنبثق دائماً من حالات أصلية بديئة كلهن "عذراوات" وكل واحدة لها تسمية رئيسية هي "رمزبار" وتعني سر المحيط. كما سنأتي  على ذلك في مكان آخر.

ومعروف ان مفردة الدرّة في الشرق وفي إيران بشكل خاص، توحي لمفهوم يدل على ما هو ذي خاصية نبيلة بسبب قدسيته. ولهذا يجري استعمال الدرة في تزيين تيجان الملوك. كما ان الدرة لا تستعمل كحلية للزينة العادية إلا في إطار محدود وخاص. وكذلك الامر بالنسبة للحلي الشذرية الزجاجية وما شابه مما تحمل النساء لاتقاء او لطرد نظرات السوء و "عيون الحسود". ونستطيع ان نقارن مفهوم الدرّة هذا مع تقليد او معتقد شعبي شائع بين الرحالة الاكراد يقول بوجود فضيلة سحرية فيما يسمى " أحجار الأفعى" وهي أحجار مدورة مثل الدرّة يعتقد أن من يحوزها تتحقق له كل امنياته. ويذهب "أهل الحق" أحياناً الى مقارنة العالمين ببيضة تمسك بها يد الخلاق (13)..

وحري بالاشارة هنا ان الطائفة اليزيدية تعطي، هي ايضاً، نفس الرمزية لمفهوم الدرّة. ففي " الكتاب الاسود" (مصحف الرأس) الخاص بها نقرأ ما يلي: "في البدء خلق الله درّة بيضاء من جوهره الثمين. ثم خلق طائراً إسمه "أمقار" وضع الدرّة على ظهره ومكث فوقها أربعين ألف سنة (14).

وفي الرسالة الفارسية المعنونة بـ "تذكرة علي" نجد على الصفحات مابين السادسة والثامنة، نصاً غريباً ترجمته: "في بداية الخلق، خلق فاطر الاكوان درّة عبر قوته البديعة وأظهر فيها خمس صور من صوره الخاصة فقدّمت له الصور قرباناً منها (....) ثم انصهرت بفضل سلطانه في صوره واحدة هي الله ذاته. فغابت الدرّة وظل الله سرمدياً واحداً واحداً. وبعد إنصرام سبعين ألف سنة قام الله من جديد بخلق درّة رأى فيها سبعة من صوره، بعدها ظهرت اثنتا عشرة صورة، وبعدها أربعة عشرة. ثم غابت الدرّة من جديد وتجلّى الله لذاته وحيداً في العالم الداخلي وبعد انقضاء سبعين ألف سنة جديدة خلق الله درّة رأى فيها سبع عشرة من صوره الخاصة ثم على التوالي سبع وثلاثين، فسبع وأربعين ثم غابت الدرّة وبقي الله واحداً احداً. وبعد سبعين ألف سنة اخرى، خلق الله درّة اخرى رأى فيها سبعين ألف سنة اخرى ، خلق الله درّة اخرى رأى فيها سبعين ألف صورة لذاته، ثم غابت الدرّة. بعد فترة اخرى من سبعين الف سنة مضت، خلق الله درّة اخرى، فرأى فيها تسعمائة وتسع وتسعين من صور ذاته، وبعدها مائة واربعة وعشرين ألف صورة. لكن الدرّة غابت أيضاً ورأى الله نفسه واحداً احداً.

وهكذا خلال آلاف من السنين كان الله يكلم ذاته بذاته ويمور. ثم حين شاء التجلي لجميع المخلوقات، أوجد من نوره الخاص درّةً على شكل قنديل. وظل يتجول في جوهره الصافي  لستين ألف سنةٍ اخرى دون ان يستطيع أو إستطاع أحد أن يعرف بذلك أبداً.

خلق العالم الخارجي:

قبل أي خلق، شاء الله أن يبدع عالماً روحياً من ذاته الخاصة. وهكذا قام بخلق الملك الاول وهو جبرائيل. وبعد جبرائيل قام بخلق ثلاثة ملائكة آخرين. وهؤلاء سيشكلون مع جبرائيل الملائكة الاربعة الأكثر قرباً الى الله، كما هو الاعتقاد الجاري لحد الآن عند "أهل الحق". فما هي سيرورة ذلك وفق نظريتهم؟

لكي يعطي الله دفعة الوجود لأول مخلوقاته في العالم الروحي، قام بتثبيت نظرته على الدرّة. فانبجس منها شواظُ ساخن فومضت ورعدت وانفلقت وانبثق من ماهيتها نور هو نور الذات الالهية. أما الشكل الذي تروي عبره "شاهنامه حقيقت"(15) كيفية خلق جبرائيل فهو كما يلي:"عندما كان الحق(الله)لا يزال مستوراً في قلب السرّ، كان العالم من أقصاه مغموراً باليمّ. وكانت ذات الحق وحدها حيّاً عندئذ شاء الرب الجليل الكريم أن يخلق جبرائيل وذلك بأن قام الله الحاكم اللابس ثوب السر بإيغال نظرته الى داخل الدرّة واختار في داخلها بذرة قادرة أن تصير انساناً كريماً.ثم رمقها بنظرة رحمة أضيفت عليها ظاهراً شبيهاً بالشمس الساطعة. وبهذه الطريقة خلق "بيربنيامين" (الشيخ بنيامين) ثم سيقوم بتغيير إسمه الى جبرائيل.

وهكذا صار جبرائيل وصياً وإماماً للعالمين. ثم بعدئذ قام بإلقائه في اليمّ. ففتح جبرائيل جناحيه الكثي الريش تاركا اياهما يصفقان اليمّ بلا توقف أو حدود حيث ان جبرائيل لم يكن قد خضع بعد لله، انما كان هائماً في كل مكان ولم يكن قد رأى بعد أي أثر لشخص آخر ما خلا نفسه.

وعندما خلق الله روح الأمين (16) من الدرّة، كان هذا بلا معرفةٍ، يجول فوق اليم غير عارف بسرّ الحق الخفي في الاكوان. مكث جبرائيل هكذا دون ان يستلم رسالة أو سلاماً من الله، فظل هائماً باستمرار لا يعرف عبادة الله ولا يعرف شيئاً عن الله أنى اتجهتْ أبصاره في زوايا القصر الذي يرى.

ثم فجأة جاءه صوت من جهة الذات الفرد هاتفاً: يا هذا! من انا الذي يكلمك سرّاً؟ قل الحقيقة وتحظى بالمجد."لّما سمع جبرائيل ذلك الهتاف فغر فاهاً من الدهشة ثم قال: "لا أعرف من انت يا هذا الذي يكلّمني سراً. أنا كائن حر في العالم وهذا كل ما اعلمه. لا أحد يسمو علي، ولا أعرف آخر سواي". عندما نطق جبرائيل جوابه بهذه الطريقة الخرقاء رد عليه مليك الدين، حيث تجلى الله من مقامه في قصر الدرة، واذا بشواظ من نار جاء منطلقاُ ليحرق أجنحة وريش جبرائيل، فخرّ هذا في اليمّ بلا أجنحة ولا ريش وظل هكذا فترة طويلة من الوقت حتى رقَ الله لحاله وأعاد اليه الأجنحة والريش. لكن جبرائيل مكث لا يعرف بعد من هو الله. ثم بعد ردح من الزمن، جاء الصوت ثانية يسأل جبرائيل هاتفاً: "يا هذا! من انا الذي يكلّمك سرّاً؟ ومن انت؟ قل الحقيقة ولا تخشَ غضب الربّ؟".

فرد الشيخ جبرائيل رافعاً عقيرته بالقول: "يا انت، يا من تكلمني من السرّ أبنْ عن نفسك أو كفّ عن الكلام هكذا. لا علم لي بهذه الامور التي تقول، إفانا لا أتذكرك أبداً وليس لي أرباب غير نفسي. وفور انتهائه من هذا الجواب صعد شواظ غضبٍ آخر أحرق أجنحة وريش جبرائيل فوجد نفسه يخرّ في اليمّ من جديد شديد التعاسة.

وبعد مرور وقت آ خر، رمى الله نظرة رأفة على جبرائيل وأعاد له أجنحته وريشه. لكن جبرائيل لبث لا يعرف شيئاً عن ربّ الازل. الا انه عاد الى حبوره عندما وجد أجنحته تنبت من جديد وعاد يصفق اليمّ بهما عاجزاً عن الخلاص وغير عارف عن الرب الديّان شيئاً بعد، كما لم يعرف بعد شيئاً من امور العبادة والدين وظلّ لا يرى شخصاً آخر سواه. عندئذ ألقى ديّان الكون نظرة رحمة على جبرائيل وقرر القيام بتلقينه درساً وإنقاذه. فبرحمةٍ منها قررّت ذات العظيم تعالى الأخذ بيد هذا الشيخ المسكين. عندئذ تجلّى الله في ذلك اليم المحيط اللامتناهي بهيئة صبيّ جاء لهداية وتلقين روح الامين جبرائيل درساً. كان الشيخ جبرائيل لا يزال في حالة شرود عندما ظهر الاستاذ أمامه على هيئة طفلٍ جميلٍ كالشمس. وعندما امتثل أمام جبرائيل الشارد الذهن بعد، تكلّم هذا بمزيجٍ من الخوف والأمل قائلاً:

"من أنت يا هذا الذي ظهر في هذا اليمّ ليكلمني ضعيفاً؟ "فأجابه الطفل قائلاً: "أنا الهادي رسول الحكيم الديّان، انني مكلّف في هذه الساعة بهدايتك، فتعال واستمع الى نصيحتي وارشادي فاذا طلب منك الرب العظيم سائلا إياك من أنت ومن أنا في الأعالي، فاجابه هكذا: " أنا مجرد عبد وضيع مرتعد في حضرة ذاتك. أنت الخالق وأنا المخلوق. أنت المشفق وأنا موضع عطفك ومحبتك. وبعد أن نطق الطفل بذلك أعطى للشيخ جبرائيل جرعة من ماء الحياة وقال له: " اشرب هذا لكي تكون بصيراً ولكي يكون لك إيمان بكمال إرشادي ومن اجل ان تسبّح بحمد الديّان وتعرف ذات القيوم".

فاخذ جبرائيل ذلك الخمر الشهد من يد المليك فارس الدلدل (17) وشربه فثملت وتوقدتْ روحه وكذلك جسده مثل توقد الشمس. عندئذ عرف الله وصار يرشد من قبل هذا الرب الديّان. فبعد هذا اللقاء صار الطفل الخارق لا مرئياً، لأنه عاد مستوراً في رحم السرّ، بينما عاد جبرائيل مليئاً بالنور. فقد بدا متألقاً ثملاً بخمرة " الحبيب" وراح يمور جيئة واياباً مثل الفراشة عند اليم لأنه بعد الاستماع الى درس الطفل استعاد الوعي وقبل النصيحة فعرفتْ روحه السكينة والطمأنينة.

في هذا الوقت بالذات جاءت رسالة من ذات الحي لجبرائيل: "انت يا هذا الذي له قلب مسكون بالخير، اسألك من أنت الان ومن أنا؟ من انت يا من يحوم كالطير عند هذا اليم، ومن انا الذي يتكلم معك واثقاً من مكانه في اللامكان حيث يبدو مستوراً حيناً ومرئياً حيناً آخر؟".

حال سماعه لهذا الصوت خرّ جبرائيل ساجداً مقبّلاً القاع وهو يقول بلهجة نادبة: "يارب الارض والازمان، انني خجلٌ منك. انا عبدك وأنت الكريم الرحيم المحمود الجليل. فيك اضع وعدتي ومنك استمد أملي يا ديّان العالم انت تغفر لي إثمي فلقد كنت جاهلاً ولا أعرف مولاي الحبيب حتى ان اتى رسولٍ لقنني علماً بربي الديّان. ومنذ ذلك اليوم وأنا أعبدك يا حاكم الأكوان".

فاجابه الربّ العظيم عندئذ: " يا مخلوقي الذي يملأ قلبه النور، أنت الأمين وموضع سرّ الربّ الديّان، وأنت وكيل الربّ وانت من بعدي ربّ المخلوقات". عندما سمع جبرائيل هذه الأقوال من الربّ العدالة والرحمة، وقع ساجداً شاكراً وهو يقول:" انني الان في تمام السعادة".

ظلّ روح الامين جبرائيل ساجداً في حضرة الله هكذا. كان يشعر بالامان أحياناً وبالحزن أحياناً اخرى، يصعد نحو السماء مرة وينزل نحو العالم الأسفل مرةً اخرى. يجول العالم من صقع الى آخر غير عارف بسرّ الديّان، تائهاً في ذلك اليمّ لا يعرف مقاماً يستريح فيه. ولم يعد يستطيع ان يأكل وان ينام، كما لم يكن له صاحبٌ أو مثيل ولا أمين سرّ ولا شخص آخر يتكلم إليه غير الله".

وفي رسالة "تذكرة علي"المنشورة من قبل ايفانوف في مجموعة نصوص "اهل الحق"، التي ذكرناها سابقاً، نجد هذه معروضة على الشكل التالي على الصفحة الحادية عشرة من النص الفارسي:

"في البدء وعندما خلق الله الأكوان، كان كلّ شيء ماثلاً امام نظره البديع: فقد خلق الزمان والساعة والفصول الأربعة بشكل جديرٍ بخلب الالباب، كما خلق الجنة (....). ولم يستدع جبرائيل للمثول في حضرته الا في ختام ثلاثين ألف سنة. وعند ذلك سأل جبرائيل قائلاً: "من أنت ومن أنا؟". فأجابه جبرائيل الذي يجهل حتى أصله هو نفسه قائلاً بفظاظة: " أنتَ أنتَ وأنا أنا؟". عندئذ طرده الله من حضرته لمدة جديدة بلغت ثلاثين ألف سنةٍ اخرى. ثم استدعاه من جديد وسأله ثانيةً:"من أنت ومن أنا؟". فأعطى جبرائيل نفس الجواب الذي أعطاه في المرة الاولى. وبعد عدة الآف من السنين أمر الله جبرائيل للأمر ودخل اللامكان. وبعد ثلاثين ألف سنة من دخوله اللامكان وصل جبرائيل الى مكان يسمى المحيط (18) فوقع بصره على كائن كان قد نشر بساط صلاته على اليم وكان يسير في نفس الوقت الذي يتحدث فيه مع مخلوقات اليم. فتقدم منه جبرائيل بجرأة وتجاسر على توجيه السؤال التالي: من أنتَ؟ فقد مضت ثلاثون ألف سنة وأنا أتأمل اليمّ والبر(19) ولم أرَ أحداً. عند ذلك تعرض جبرائيل من ذلك الكائن الذي كان يتوجه اليه بالكلام الى نظرة خازرة من طرف العين، نظرة خازرة من طرف العين، نظرة محمّلة بالغيظ الى درجة جعلت النيران تشتعل في ريش وأجنحة جبرائيل.

لقد كانت هذه النظرة تحمل المعنى التالي:"إفهم يا جبرائيل إن هذا هو جزاء التهور في حضرة الربّ. وجبرائيل المحروم من الأجنحة والريش سيظلّ مرّة اخرى هائماً على وجه اليمّ لثلاثين ألف سنة جديدة. إلا انه قام أخيراً بالذها بمتوسّلاً الغفران إذ أدار بوجهه المهين نحو ربّ كل كرم وطلب قبول شكره قائلاً: ياربّ ديني وإيماني! أنت ربّ كلّ كريم وأنت الرحمة ذاتها، وأنت المحبة والخير. إن لساني مهما كان بليغاً يظلّ قاصراً عن توسل غفرانك.

عند ذاك ألقى رب الرحمة والكرم نظرةً ملأى بالعطف على جبرائيل، وتكرم عليه غارفاً من المحيط اللامتناهي لخيره وحلمه مانحاً اياه الغفران على ذنبه، وقائلاً له:"يا جبرائيل! إذا كان الخالق العظيم يسألك من أنا ومن أنت، فأجبْ:"يا من لا مثيل له، أنت الخلاق وانت الرب وانا جبرائيل أحقر عبدٍ على بابك. أنت إله ثمانية عشر ألف كون، وأنا أصغر وأوضع عبيدك. وإذا سُئلتُ بعد هذا"لماذا خلقتُك "فأجبْ :"ياديني ويا إيماني خلقتني للعبادة والسعي ولأكون عبدك الصاغر. لكنني آملُ ان لا تأبه بذنوبي".

وبعد ان اجرى تشريف جبرائيل بهذه النظرة التي رفعت من شانه وكرمته اذ جعلته يعرف نفسه ويعرف ربّه، عاد خاشعاً مرتعداً من جديد وسأل الربّ:" ياهادي الظالّين الى السراط المستقيم، يا ربّ السعداء الكريم! أسألك بذاتك السرمدية ان تخبرني من أنت؟ ". فأجابه الرحيم: " لا يعرف ذاتي إلاي". فخرّ جبرائيل ساجداً، ثم أعطي الأذن بالانصراف. وقال الله له: " ان الله يبارك استاذك الذي أحسن تعليمك. وبما انك اتيتني خاشعاً وضيعاً فأنني أهُبك من ذاتي الجليلة، ومن جمال عظمتي، القدرة على التأمل الروحي والجسدي، وأجعل منك مخبري الامين".

وجدير بالأشارة هنا ان جبرائيل يمثل الانسان البدئي آدم الروحاني من جهة وأول الملائكة من جهة أخرى. وفي نفس الوقت فهو لم يدخل في علاقة مع الله الا بعد تدخّل من التجلّي الإلهي الذي لعب دور الهادي المرسَل والحكيم والمبعوث. وعلى هذا الصعيد فان مخطوطة " شاهنامه حقيقت" التي تقدم لنا الاصل الاكثر أهمية حوله تظهره لنا على هيئة طفلٍ جميلٍ مثل الشمس. وهذا المفهوم نفسه الذي نجده في المزدكية حيث يتجلّى هرمز لـ " مارتي أهراق" أي الانسان الاكمل او الانسان البديع المستقيم على هيئة صبيِّ جميل في الخامسة عشرة من العمر وذي وجهٍ نورانيِّ كالشمس. وهذا المفهوم موجود كذلك الفولكلور الايراني سيّما المسجل باللغة الفارسية منه ولكن بصيغ متدنيّة وتزويقاتٍ خاصة. بيد ان ظروف هذه الروايات والأساطير تتميز بكونها ذات طابع خيالي أكّثر ممّا هو صوفي، كما ان المراهقة ذات الوجه النوراني تجسّد حالة جمالية مادية صرفة.

وهكذا، فبعد خلق جبرائيل ياتي خلق الملائكة الآخرين. ففي البداية تمّ خلق ملائكةٍ ثلاثة اوائل هم " الشيخ موسى"، رافائيل و"داوود" ميكائيل و" مصطفى" عزرائيل . وهؤلاء مع " بنيامين" (جبرائيل) الملائكة الاربعة الاوائل الاقرب الى الله، اضافة الى " رمزبار" وهي ملك من جنس انثوي خلقت من " مصطفى". ومعها يصبح هناك خمسة ملائكة قري