محطات في سيرة

عبدالقادر اسماعيل البستاني

د. مجيد مسعود

ولد عبد القادر في  بغداد عام 1906، وكان أبناً لوكيل أعمال نقيب بغداد. أكمل دراسته في مدرسة العوينة الابتدائية، وروى عن الأثر الذي خلفه لديه معلمه محمد عبد الحسين من خلال دروس التاريخ عن الثورة الفرنسية. كان محمود أحمد السيد (رائد القصة العراقية فيما بعد) وعوني بكر صدقي ( زوج أمينة الرحال) ومصطفى علي وآخرون من أعضاء جماعة حسين الرحال التي ظهرت في مطلع عشرينات القرن الماضي، وبثت عناصر الوعي الماركسي.

أثرت هذه المجموعة - كما كتب د. عقيل الناصري - في العديد من المريدين والمؤيدين، منهم: حسين جميل، عبد الفتاح اسماعيل، زكي خيري، رشيد مطلك، عبد القادر اسماعيل واخيه عبد الله اسماعيل البستناني، أمينة الرحال، عاصم فليح، مهدي هاشم، محمد صالح القزاز، عبد القادر السياب، علي حيدر سليمان، عبد المجيد حسن، ابراهيم جميل توما، نوري ميخائيل وغيرهم،  ممن اصبحوا اعضاء في نادي التضامن. ومن ثم توزع أغلبهم على الاحزاب السياسية المعارضة ذات المنحى اليساري  الديمقراطي،  في حين اندمج القليل منهم مع النخبة الحاكمة.

ولأجل بث افكار هذه المجموعة وتصوراتها، أسست مجلة نصف شهرية ناطقة باسمها حملت اسم " الصحيفة "، كان امتيازها باسم حسين الرحال وتولى تحريرها مصطفى علي (صار فيما بعد وزيرا للعدل في حكومة عبد الكريم قاسم ) وصدر عددها الاول في 1924/2/28.

وروى حسين جميل بأنه في عام 1923 جلس على رحلة واحدة مع عبد القادر اسماعيل في الثانوية المركزية. وكانت تلك بداية عملهما السياسي المشترك الذي استمر لعدة سنوات. وعندما كانا في الصف الثالث الثانوي شاركا باضراب ضد مدرس اللغة الانجليزية (كوداول) بسبب اهانته للشعب العراقي لرفضه المعاهدة المراد فرضها على العراق، وقد نجح الاضراب وتم نقل هذا المدرس الى مدينة الموصل. وأشعرهما ذلك بالقدرة على رفع معنويات الطلبة. وفي السنة التالية انتصرا لحرية الفكر مشاركين في مظاهرة احتجاج ضد فصل المدرس اللبناني أنيس زكريا النصولي من التدريس وترحيلة الى بلده. وقد تفجرت الازمة بسبب هواجس طائفية وتشكيك بأهداف ماورد بالكتاب الذي كان قد ألفه النصولي بعنوان "الدولة الاموية"ح ول معاوية ويزيد مما فسره البعض بأنه مسّ بأهل بيت النبي محمد.

وشارك في المظاهرة عدد كبير من طلاب الثانوية المركزية وطلاب دار المعلمين، وكان عبد القادر اسماعيل من قادة المظاهرة مع حسين جميل وخليل كنة وجميل عبد الوهاب وعلى اثرها تم طرد هو وحسين جميل من المدرسة الثانوية باعتبارهما من المحرضين عليها. ولكن تحت ضغط الرأي العام  ومناصرة صحيفة الاستقلال لهما، تم الغاء قرار الطرد وعادا لاستكمال دراستهما.

وفي شباط 1928 شارك عبد القادر اسماعيل وحسين جميل وآخرون بمظاهرة لنصرة الشعب الفلسطيني واحتجاجا على زيارة الفريد موند الزعيم الصهيوني الى العراق. وطردا على أثرها من من كليةالحقوق التي التحقا بها بعد تخرجهما من الثانوية المركزية.

وعلى اثرها تم توقيف كل من حسين جميل وعبد القادر اسماعيل وعزيز شريف وحسين الرحال وزكي خيري الذي وصف تلك الحادثة "كان معنا في التوقيف اربعة من طلاب الابتدائية الاحداث" وكما في الحالة السابقة فقد انتصر للموقوفين الرأي العام والصحافة  وتمت اعادتهم الى الدراسة.

ذهب حسين جميل الى دمشق وتلقى معونة ودعم من رجال الكتلة الوطنية فتم تسجيله بكلية الحقوق، وعاد عبد القادر الى كلية الحقوق في بغداد بعد ان خسر عاما دراسيا. ويسجل الباحث القدير حنا بطاطو بأن أول مجموعة لدراسة الاتجاه الماركسي قد تشكلت في بغداد عام 1924، بينما تم تشكيل أول مجموعة شيوعية عام 1927. وان عبد القادر اسماعيل وقريبه عبد الفتاح ابراهيم كانا من ابناء عم محمود أحمد السيد عضو المجموعة الشيوعية، وقد تأثرا به وبالرائد الماركسي حسين الرحال مؤسس هذه المجموعة ( فيما بعد أصبحت شقيقته أمينة الرحال  أول أمرأة عراقية عضوة في اللجنة المركزيه للحزب الشيوعي العراقي بقيادة فهد).

كان حسين الرحال - كما كتب زكي خيري- مثقفا لبقا جوال الفكر. وبعد عودته من دراسته في المانيا ( وزيارتة  للهند للإطلاع على الحزب الشيوعي الهندي الذي كان قد تأسس في عام 1917 ) جمع حوله لفيفا من المتعلمين وكان ذلك كما سبقت الاشارة عام 1927  وكتب تقريرا وافيا عن احوال العراق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأرسله بيد (كمال) لأيصاله الى الأممية الشيوعية ( الكومنترن) عن طريق طهران، يبشرهم بتأسيس حزب شيوعي. فجاء الجواب حسب رواية حسين الرحال - فيما بعد -  الى زكي خيري، ينصحهم بعدم تأسيس حزب شيوعي مستقل، والانتساب الى الحزب الوطني القائم بزعامة محمد جعفر ابو التمن. وبذلك انفرط عقد الرفاق ولم تتحقق رغبتهم ولا نصيحة الأممية الشيوعية (الكومنترن 1919 - 1943).

لقد حرص حسين الرحال  ورفاقه على العمل في (نادي التضامن) الذي كان قد تأسس في بغداد عام 1926 من وراء رئيس النادي يوسف زينل مدرس الكيمياء في الثانوية المركزية في بغداد. واصبح هذا النادي المكان الذي يتابع فيه الشباب ما تنشره الصحافة الوطنية في البلدان العربية، ويستمعون الى اخبار المعارضة العراقية، ويناقشون فيه القضايا الوطنية. إجتذب هذا النادي جمهرة من الشباب الوطنيين عرفت فيما بعد بميولها اليسارية أمثال زكي خيري وعزيز شريف وعبد الفتاح ابراهيم وعبد القادر اسماعيل البستناني وعاصم فليح وجميل توما وقاسم حسن وحسين جميل ورشيد مطلك ( لذي صار فيما بعد صلة الوصل بين قيادة الحزب الشيوعي العراقي وعبد الكريم قاسم في عشية ثورة 14 تموز الوطنية عام 1958، اضافة إلى العقيد وصفي طاهر قريب زكي خيري).

يشير صلاح الخرسان الى ان الماركسيين في بغداد قد اعادوا تنظيم صفوفهم ابتداء من عام 1929 فتوزعت الحلقات الماركسية البغدادية الى ثلاث مجاميع هي:

الأولى: بقيادة عاصم فليح، وضمت رفاقا من أبرزهم قاسم حسن، مهدي هاشم، حسن عباس الكرباسي ومرتضى فرج الله.

الثانية: ضمت رفاقا من ابرزهم يوسف اسماعيل البستاني (شقيق عبد القادر) ونوري روفائيل وجميل توما.

الثالثة: استقطبها زكي خيري وضمت رفاقاً من ابرزهم عبد القادر اسماعيل ويوسف متي.

عندما صدرت في بغداد 1929 مجلة " الشباب " لصاحبها سعيد السامرائي اصبح عبد القادر اسماعيل مديرها المسؤول، ونشرت في غلافها الأخير إسم " يوسف افندي سلمان " باعتباره وكيل المجلة في البصرة، كما حمل الغلاف الاخير اعلانا للخياط العصري عاصم فليح. وكان عبد القادر اسماعيل من المناصرين للحركة العمالية ورائدها النقابي محمد صالح القزاز، والتي تبلورت بتأسيس " جمعية اصحاب الصنائع " التي شاركت بنشاط في الاضراب ضد شركة الكهرباء الاجنبية.

ويروي الاستاذ حسين جميل بأنه بعد عودته الى بغداد عام 1930 فتح مكتبا للمحاماة، ووقف مع عبد القادر اسماعيل ضد المعاهدة التي فرضها الإنجليز، ولما كان عبد القادر اسماعيل مستمرا في نشاطه في الحركة الوطنية فقد تم من خلاله الاتصال بالعديد من المعارضين للمعاهدة لعقد اجتماع في مقهى البلدية، وكتبوا منشورا طبعوه في مطبعة الآداب بشارع المتنبي، دعوا فيه الى عقد اجتماع واسع حددوا مكانه وزمانه. ومما جاء في هذا المنشور:"انتم تجوعون وتعرون والانجليز سبب جوعكم وعريكم، فهم ينهبون خيرات البلاد..... الخ". وهاجموا فيه اعوان الانجليز، فاستغلت الحكومة هذه الجمل وأتهمتهم بأنهم يفرقون فيما بين طوائف الشعب  ويحرضون على كراهية الحكومة. فمنعت السلطة الاجتماع الذي دعوا الى عقده، والقت القبض على حسين جميل  وعبد القادر اسماعيل وفائق السامرائي ويونس السبعاوي وخليل كنه وجميل عبد الوهاب، اما عزيز شريف فقد اختفى في مزرعة لأحد اقاربه. وحين أحيل الموقوفون الى المحكمة، اصدرت عليهم الحكم بالسجن لستة اشهر لكل واحد منهم، ثم خفّض الى اربعة أشهر.

بعد عام 1932 أتجه بعض هؤلاء الاصحاب إتجاها أخر واصبحوا نواة لما سميّ في العراق بالحركة القومية، أما حسين جميل وعبد القادر اسماعيل فتمسكا باتجاههما اليساري، وبدأ القوميون يتهمونهما بالشيوعية والشعوبية. نعتوهما بالشعوبية لأنهما لم يقولا بالدولة العربية الواحدة ووجدا أن النظام الصحيح الملائم للمرحلة هو النظام الفدرالي، وذلك لأن الرقعة الجغرافية العظيمة الاتساع، والتباين والتباعد بين اجزاء الوطن العربي والاختلاف في الأنظمة الاقتصادية يجعل الدعوة الى قيام الدولة العربية الواحده دعوة غير واقعية. وظلت هذه الخلافات مستمرة وكانت من بين الاسباب التي مزّقت الوحدة الوطنية والانقضاض على ثورة 14 تموز الوطنية عام 1958.

وبدأ حسين جميل وعبد القادر اسماعيل يفكران بصورة اساسية باصدار جريدة يومية سياسية واقترح عبد القادر مشاركة عبد الفتاح ابراهيم، وهذا الأخير اقترح مشاركة محمد حديد. وبعد التداول فيما بينهم وضعو لها اسم " الأهالي"  لانه يعني الشعب واتفقوا على المبادئ العامة والاهداف التي يريدون تحقيقها. واستعانوا ببعض الممولين لمشاركتهم في عمل تجاري لإنشاء شركة لاصدار جريدة، وتمكنوا من شراء مطبعة كان وصلت من ألمانيا في الجمارك من ورثة صاحبها، واستأجروا مكانا لها وأعدو كل المستلزمات المطلوبة لأصدارها في مطلع عام 1932.

تشير الكثير من المصادر الى ان المحور الفكري والمنظر لجماعة الاهالي كان عبد الفتاح ابراهيم، الذي  كتب الكثير لشرح افكار الجماعة. ويروى زكي خيري بأن الجماعة كلفت عبد الفتاح ابراهيم بصياغة برنامجها فصدر بوثيقة عنوانها " الشعبية" المبدأ التي تسعى الأهالي الى تحقيقه. وقد تردد فيها بعض ما تقوله الدعاية الاستعمارية والرجعية عن الشيوعية، وبرأي زكي خيري، ان هذا الجزء المعادي للشيوعية كتب بالحاح من كامل الجادرجي. وفي حينها رد على هذه الافكار قاسم حسن بلهجة شديدة، وكان لتوه عائدا من اجتماع للكومنترن، ويحتل موقعا مهما  في قيادة الحزب الشيوعي العراقي الحديث التكوين. ولم يُنشر هذا الرد وذلك للحفاظ على العلاقات الطيبة مع جماعة الاهالي. ولكي لا يظلم المفكر الوطني البارز عبد الفتاح ابراهيم، يجب القول بأنه كان واسع الاطلاع ومن قناعاته الراسخة: حق الشعب في التعبيرعن آرائه وبضرورة الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عن طريق الإنتخاب المباشر الحر والنزيه، وأيمانه بعدم جدوى الانقلابات العسكرية  ونضاله الدؤوب ضد الاقطاعية والاستغلال الرأسمالي وضد السيطرة الاجنبية بكل اشكالها. وظهر ذلك في كتابه (على طريق الهند ) الذي كان سباقاً في التحذير من الاستعمار الأمريكي، وذلك في ثلاثينيات القرن الماضي، واخيرا كان كما يبدو استوعب الماركسية، بدليل مؤلفه الاخير " المجتمع والماركسية " الذي صدر عن دار الطليعة في بيروت 1980.

وقد روى حسين جميل بأنهم كانوا جماعة منسجمة من حيث المبادئ العامة، لكنه اعتبر نفسه ومحمد حديد في الوسط ، إلى يسارهما يقف عبد الفتاح ابراهيم وإلى يساره يقف عبد القادر اسماعيل. وقد حدث خلاف بين حسين جميل وعبد القادر اسماعيل حول عمل الجريدة وخطتها، أي حول حدود الآراء التي تنشرها. فالأول يرى بان دعوتهم جديدة ويجب عدم المغالاة في نشر كل افكارهم بحيث تعطل الجريدة وتتوقف الدعوة كليا، ولذلك طالب بالتدرج وان تنشر في البداية عشرة بالمئة من اهدافهم ومن ثم المزيد بعد ذلك لتظل الأهالي جريدة الاعتدال. في مقابل ذلك، أراد عبد القادر اسماعيل ان تقوم الجريدة بنشر دعوتهم بكل مواضيعها فإنسحب حسين جميل وتنازل عن امتياز الجريدة الى عبد القادر اسماعيل فصار صاحبها واسماعيل الغانم مديرها المسؤول. وقد سجل الباحث حنا بطاطو عن التيار الاصلاحي الشعبي بانه قد وجد تعبيره الأبكر في مجموعة ضمت عبد الفتاح ابراهيم (العائد من الدراسة في امريكا) وعبد القادر اسماعيل وحسين جميل. والاخيران ولدا في عام 1906 وكانا محاميين وصديقين جيدين منذ ايام دراستهما الثانوية، بالإضافة إلى علاقة القرابة التي تجمعمها. وثلاثتهم غير طائفيين وذوو اتجاه علمانيز

ومن البداية شكل  شعار " مصلحة الشعب فوق كل مصلحة " الصيحة التي استخدمتها الجماعة لتجميع الناس حولها , ووفقا للباحث حنا بطاطو كانت الأفكار التي طرحها هؤلاء في جريدة  "الاهالي" مبهمة غير منسجمة وكانت تردد صدى " الفابية " أحيانا  و " الماركسية " أحيانا  اخرى  و " الدارونية " أو " الشعوبية " بين حين واخر. ونظرا لان معظم مريدي جماعة الأهالي كانوا موظفين مدنيين، ولم يكن يسمح لهم، بموجب القانون، الإنتساب الى الأحزاب السياسية فأنهم  أسسو في ايلول (سبتمبر) 1933 " جمعية السعي لمكافحة الأمية" وتحت ستار هذه الجمعية ولا سيما عندما ترأسها الزعيم الوطني محمد جعفر أبو التمن، بعد عودته للنشاط السياسي، كسبوا دعما متزايدا واعضاء جدد للجماعة .كما إن انضمام المحامي كامل الجادرجي في اوائل عام 1933 الى الجماعة قد أضاف هو الآخر قوة لها بخبرته التنظيمية والعمل الحزبي بعد تركه لحزب الأخاء الوطني الذي كان المدير المسؤول لجريدته.

وكتب الباحث الجاد عزيز سباهي،  بأن أفكار جماعة الأهالي قد جرى تلخيصها، كما سبقت الإشارة، بوثيقة " الشعبية " وتم توضيح افكارها واهدافها في المقالات الافتتاحية للجريدة. وقد اعطت جماعة الأهالي للحركة الوطنية مضمونا اجتماعيا، وجاء هذا بفعل تأثر فريق منهم بأفكار الماركسية، وكانت لهم علاقات ودية مع العناصر التي تقف الى يسار الجماعة، فكان يوسف سلمان يوسف (فهد) يزودها بتقارير عن اوضاع الفلاحين والعمال في مدينتي الناصرية والبصرة بتوقيع  " مراسلكم ". وكتب عبد القادر اسماعيل: كانت الرسائل التي تصلني من الناصرية تستثير فيّ مشاعر مشرقة وتبعث في ّ احساسا عميقا يفتح أمامي آفاقا رحبة، كان ذلك بعد صدور الاهالي في مطلع عام 1932 وفي منطلق حياتها  الاولى، وكانت اخبار الناصرية تغذي جريدة الأهالي  وتوطد شعبيتها بما تسبغه من حياة زاخرة فوارة من نشاطات الجماهير في  غمرة نضالها الوطني. كما جاء ذلك في كتاب  حسين الوكيل المعنون " جماعة الأهالي“.

لم تكتف الجماعة بالجريدة، وانما وسعت تشاطها بتأسيس " نادي الشباب " لكسبهم. كما اقدمت الجماعة أيضاً على تكوين تنظيم سري بأسم " الشعبية ". وللتعريف بأفكار وأهداف الشعبية التي تسعى لتحقيقها نشرت جملة من الرسائل أسمتها (رسائل الأهالي). وقد لاحظ زكي خيري بأن كامل الجادرجي كان يعمل على إبعاد جريدة الأهالي عن خطها الراديكالي، وتحويلها الى الطريق الليبرالي، وقد سعى الجادرجي الى ابعاد أو الحدّ من كتابات الشيوعيين في جريدة الأهالي، لولا الموقف الرافض لذي وقفه عبد القادر اسماعيل. فقد كان كامل الجادرجي يريد إبعاد شبهة الشيوعية عن الجماعة التي تعمل فيها، خاصة، كما كتب د.كاظم حبيب و د. زهدي الداوودي، وان خطوط التماس بين افراد الجماعة والشيوعيين لم تكن واضحة تماما حينذاك. ففي الوقت الذي كان عبد القادراسماعيل يعمل مع الجماعة وله علاقات  طيبة مع الشيوعيين، كان أخوه يوسف إسماعيل البستاني يعمل في صفوف الشيوعين ومن قادتهم. ويروي كامل الجادرجي بأن مقالات متطرفة كانت تظهرفي جريدة الأهالي بتوقيع " أنـا"( وكان المعني بـ" أنا" هو يوسف متي) فدعوت لعقد اجتماع لبحث هذا الموضوع، فثار عبد القادر إسماعيل وهدد بالاستقالة إذا منع نشر هذه المقالات في الأهالي.

وعند قراءة مذكرات الزعيم الوطني الاستاذ كامل الجادرجي، يتبين بأن جريدة الأهالي حملت في صفحتها الأولى عبارة (( يصدرها فريق من الشباب )) وكان اسم حسين جميل عليها بصفته صاحبها، وأسم عبد القادر اسماعيل بصفته  مديرها المسؤول. وبعد ستة اشهر  تقريبا اصبح عبد القادر اسماعيل صاحبها واسماعيل الغانم مديرها المسؤول وفيما بعد صارت الجريدة ملكاً لكل من عبد القادر اسماعيل وعزيز شريف وكان الأخير قد التحق أيضا بجماعة الأهالي.  ووفقا للجادرجي كان عبد القادر اسماعيل يمتلك 13 حصة وثلث الحصة من اجمالي حصص رأسمال المطبعة والجريدة المكوّن من 85 حصة، ولم يذكر قيمة الحصة الواحدة بالدينار العراقي. ويضيف الجادرجي: عندما حصل خلاف فيما بين الفريق المكوّن للجريدة خرج على أثره كل من خليل كنه وحسين جميل. ويقول الجادرجي بأنه تعرف على حسين جميل لأول مرة في بداية إصدار الجريدة، وصرح له يومذاك في الحديث الذي جرى بينهما انه حر التفكير، بالمعنى الشامل للكلمة، الأمر الذي - على ما يظن - سبب خلافا شديدا بينه وبين عبد القادر اسماعيل.

لقد انضم للجماعة اعضاء جدد وصارت تضم عبد الفتاح إبراهيم، محمد حديد ( العائد من دراسته في لندن)، علي حيدر سليمان، كامل الجادرجي وعبد القادر اسماعيل. وذات يوم صدر منشور فيه طعن بالملك فيصل الأول وبـعلي جودت، وجرى توزيع المنشور سراً، فأتهم عبد القادر اسماعيل بتحريره ونشره، مما ادى الى توقيفه وتعطيل  جريدة الأهالي. وبعد خروج عبد القادر من التوقيف عقد اجتماع في دار كامل الجادرجي حضره كل من صادق كمونه، عبد الله سالم، عبد القادر اسماعيل ومحمد حديد، حكمت سليمان، عبد الفتاح ابراهيم، محمد جعفر ابو التمن، وكامل الجادرجي. وفي المداولات لتأسيس الحزب الوطني ظهر ميل من أبو التمن  - نقلا عن الجادرجي- الى ان يكون اعضاء الهيئة المؤسسة للحزب ممن يدينون بالمبادئ الشعبية، على ان لا يكونوا من الشباب ( صغار السن ) وأن لا يكونوا من السياسيين القدامى من الذين تناوبوا على الحكم، وان لا يكونوا من العمال مثل النقابي محمد صالح القزاز الذي اعترض عليه صراحة، وان لا يكونوا من امثال عبد القادر اسماعيل المشهور بإشتراكيته المتطرفة كما كان يصفه  أبو التمنز

وفي عام 1936 قاد الجنرال الكردي بكر صدقي انقلابا عسكريا حاز على تأييد واسع في الشارع العراقي، كما أيدته جماعة الأهالي بشكل عام، إذ شارك من اعضائها  بحكومته كل من: حكمت سليمان رئيسا للوزراء ووزيرا للداخلية، جعفر ابو التمن وزيرا للمالية، كامل الجادرجي وزيرا للإقتصاد والأشغال العامة، يوسف عز الدين وزيرا للمعارف. وذلك رغم اعتراض بعض الوجوه القيادية لجماعة الأهالي وخاصة عبد الفتاح ابراهيم وعبد القادر اسماعيل، اللذين اعتبرا ذلك خروجا على الأسس الديمقراطية ومخالفة صريحة لمبدأ ابعاد الجيش عن الحياة السياسية اليومية.

هذا وقد جاء في المذكرة التي رفعها عبد الفتاح ابراهيم الى قيادة جماعة الأهالي، انكم "حطمتم حركتنا عندما مكنتم الجيش من حيازة السلطة، ولسوف تدفعون ثمن ذلك" وكان محقا في موقفه. وقد استغلت جماعة الأهالي هذه الأجواء الجديدة وحرية التعبير النسبية، فتقدمت بطلب لتأسيس جمعية بأسم " جمعية الإصلاح الشعبي " وكان من الموقعين على الطلب كامل الجادرجي، عبد القادر اسماعيل، والنقابي المعروف محمد صالح القزاز. وبعد اجازتها عادت الأهالي للصدور من جديد، وتولى عبد القادر اسماعيل شؤونها، وظل الجادرجي يصفه بالمتطرف اليساري الأقرب إلى تطرف جماعة الشيوعيين. ويبدو إن هذا، إضافة إلى أسباب أخرى، قد أثار زعيم الانقلاب العسكري بكر صدقي لشن حملة ضارية ضد اليسارية عموما، مما أدى الى شلّ نشاط جمعية الإصلاح الشعبي. وجرى اللجوء إلى إجراءات عنيفة ومحاكمات وسحب الجنسية العراقية والنفي إلى الخارج، وهذا ما وقع لعبد القادر اسماعيل ولشقيقه يوسف اسماعيل  ولمهدي هاشم وآخرين وذلك في عام 1937.  وعلى أثر هذه الاحداث إستقال وزراء جماعة الأهالي، وعجّل مقتل بكر صدقي في سقوط الانقلاب  العسكري. وفي تلك الفترة المضطربة نشطت القوى اليمينية الرجعية بضرب القوى الديمقراطية  اليسارية، وكان من نصيب عبد القادر اسماعيل  ان تعرض الى ثلاث محاولات  لاغتياله قبل اضطراره لمغادرة الوطن منفيا الى الخارج. وخلال محاكمة الزعيم الوطني الاستاذ كامل الجادرجي في 1949/7/1 أثار الحاكم عبد الباقي المتولي موضوع ملكية مطبعة الأهالي، فأبرز الجادرجي وثيقة مصدقة رسميا تبيّن تنازل عبد القادر اسماعيل عن ملكيتها له، وذلك منذ عام  1935.

إذن  فقد اضطر عبد القادر اسماعيل البستاني للعيش في المنفى، ولا أعرف أين كانت محطته الأولى، ولكنه بعدها إستقر لعدة سنوات في سوريا ولبنان. وفي لقائي مع الراحل الكاتب الموسوعي عبد المعين الملوحي سألته عن معرفته بعبد القادر اسماعيل، فقال: بعد الحرب العالمية  الثانية أوفدنا الحزب( المقصود الحزب الشيوعي السوري اللبناني) إلى بيروت للأشراف على إصدار جريدة الحزب (صوت الشعب)، وكنت أنا ووصفي البنى وعبد القادر اسماعيل فالتقينا بالرفيق انطوان ثابت الذي وفر لنا فيلا كبيرة ومريحة للإقامة فيها وللعمل ايضا. واستمر نشاطنا وصدرت الجريدة محققين ماكلفنا الحزب به الى ان افترقت عنهم لأسباب وضحتها في كتابي الأخير الصادر عن دار المدى بعنوان ((كيف اصبحت شيوعيا)).

وفي النصف الاول من عقد الخمسينات من القرن الماضي سمعت خبرا من احدى الأذاعات - ولعلها إذاعة لندن بالعربية- مفاده ضبط وكر شيوعي خطير في بيروت  كان بداخله الشيوعي عبد القادر اسماعيل ومعه مطبوعات ممنوعة منها جريدة " في سبيل سلم دائم في سبيل الأشتراكية " بنسخ كثيرة التي كان يصدرها مكتب الأنباء للأحزاب الشيوعية (الكومنفورم) الذي حل محل الكومنترون. فتم إلقاء القبض على الشيوعي الخطير عبد القادر اسماعيل وإحالته على التحقيق مع المطبوعات.

في صيف عام 1955 تعرفت على الفقيد الشهيد د. صفاء الحافظ اللاجئ السياسي بدمشق. وسافرنا معا إلى مهرجان الشباب والطلاب العالمي في وارشو عاصمة بولونيا، فازدادت معرفتي به وثوقا ومحبة. عدت الى الوطن وبعد بضعة اشهر بسبب ملاحقة الشرطة لنشاطي المعارض، اضطررت إلى مغادرة الوطن متوجها الى دمشق وعملت بصفة أمين صندوق لدى شركة مصر للتأمين وكان مقرها في الحريقه بجوار سوق الحميدية والجامع الأموي، فتجدد اللقاء مع الدكتور صفاء الحافظ وعرفني بدوره على عبد القادر اسماعيل وآخرين من المتواجدين بدمشق ومنهم  محمد صالح العبلي وجورج تلو.

توالت الأحداث في الوطن. وفي 1956/6/17 رحبت اللجنة المركزية بعودة المناضلين الحزبيين ودعت في بيانها الى تعزيز وحدة الحزب الشيوعي العراقي. وبعد الانتفاضة الشعبية لنصرة الشعب المصري الشقيق ضد العدوان الثلاثي الغادر عليه، تقاربت القوى الوطنية وأسست جبهة الاتحاد الوطني فيما بين الحزب الوطني الديمقراطي والحزب الشيوعي وحزب الاستقلال وحزب البعث. أما الحزب الديمقراطي الكردستاني فقد طور علاقاته مع الحزب الشيوعي العراقي ومن خلاله بقيادة الجبهة.

وصل الى دمشق قادما من بغداد عزيز شريف بعد توحيد منظمته مع الحزب الشيوعي، وبناء على تعليمات حملها الشهيد جمال الحيدري تم تشكيل حركة احرار العراق بإعتبارها امتدادا لجبهة الاتحاد الوطني في  الخارج. وكان في قيادتها كل من عزيز شريف رئيساً وعبد القادر اسماعيل و د. صفاء الحافظ وجورج تلو اعضاء للجنتها العليا. وبتكليف حزبي من صفاء الحافظ بأن اكون  المساعد التنفيذي لعزيز شريف، مستخدما الآلة الكاتبة التي جلبها معه من الوطن. فكان يحرر نشرة الأخبار وأقوم أنا بطباعتها وتوزيعها على وك