قراءة في كتاب:

"المرأة والجنس ... بين الأساطير والأديان"

جاسم العايف

يشتغل الشاعر كاظم الحجاج في كتابه (المرأة والجنس ..بين الأساطير والأديان)(1) على ثيمة أساسية ترى أن الاختلافات الجسدية التشريحية بين الذكر والأنثى لا تنصب في أطر التمايز، بل انها اختلافات في مهمة الواجبات الطبيعية لكل من جسد الأنثى والذكر، وان نظرية الخلق التوراتية تكشف عن  كائن ناقص، رغم اكتماله الجسدي ومنها انبنت النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجسدت في ان لآدم امتياز السبق في الخلق، وتبعية حواء الجسدية التي قادتها الى التبعية المعنوية، وان حواء لم تخلق لذاتها، وغواية الحية-إبليس لحواء، وان عري آدم لم يكن معيبا لولا حواء، وحكم على حواء بعقوبة " التعب والوجع في الولادة ".  لذا تعتمد النظرة "التوراتية" إدانة الأنثى والتوجس منها، ويلعب الخيال والعرف والدين دور الموجه لاحتقار الأنثى والتشكيك في طهارتها الجسدية والمعنوية، بينما تكشف نظرية التكوين العلمية اندثار الكثير من المعايب والنجاسات والدنس الجسدي والفكري والثقافي الذي ظل يطارد المرأة عبر العصور من خلال الميثولوجيات  والتواطؤات الاجتماعية، وان هذا الاندثار أعاد التوازن إلى العلاقة الأولى الذكورية-الأنثوية بافتراض العيش في مجتمع (تلقائي) بعيد عن السياقات والموروثات الاجتماعية - الثقافية المنحازة، والذي يجعلنا أمام الوجود الإنساني الفاعل في الأرض بلا تمييز وسيعيد الى المرأة اعتبارها ضمن الوجود البشري وبها يمكن إقصاء سلطة الثقافة الذكورية المهيمنة التي احتكرت الكتابة والتدوين. ان التمييز بين الذكر والأنثى لم يتحقق إلا في المجتمعات البشرية ويكشف علماء الحيوان انعدام التمايز بين ذكر الحيوان وأنثاه حيث أن الذكر في عالم الحيوان يُصدم بامتياز الأنثى لا في الحجم فقط بل في تفوقها الحيوي باعتبارها التي تحمل مباشرة جسم الجنس بينما كل الرقي المدني والحضاري في المجتمعات المؤنسنة لم يصاحبه ارتقاء في زحزحة موضع المرأة الدوني بامتياز ذكورة الرجل، وتقترن علاقة آدم وحواء بموضوعة الخطيئة الأولى التي تستوجب التطهير على وفق المنطق الكهنوتي على الرغم من أن خطيئة حواء لم تكن جسدية بل هي فكرية - اجتماعية ، مبعثها العلاقة المغيبة والمرتبكة بين مخلوق فرد لا تجربة له في بدء الوجود البكر -على وفق التصور الديني- ومحكوم عليه سلفا بالعصيان المعرفي والسلوكي وبين خالق قوي متعال مكتف بذاته القى بمخلوقه في الارض ليضعه في امتحان وتوتر ابديين. إن العرف الاجتماعي المتوارث هو الذي حصر الجسد الأنثوي في زاوية التهديد الدائم بقوانين الشرع  الذكوري ، ووضعه في موضع الاتهامات والإستباحات والخروقات ، على وفق الامتياز المعنوي المتحقق للذكر وذلك بمساهمة المؤسسة الكهنوتية عندما تبرعت بجسد المرأة لأعمال (الخير)التي توفر للتائه والفقير والراهب النشوة من دون هدف الإنجاب، نستعيد هنا موقف المؤسسة الدينية-الكهنوتية في بابل بفرضها السخرة الجسدية- البغاء حصرا-على النساء وتسليم ريعها للمعابد والكهان والذي وسم بـ"العمل المقدس". " الجنس هو الضرب من كل شيء ، وهو من الناس ومن الطير (…) والإبل جنس من البهائم (…) والحيوان أجناس فالناس جنس والبقر جنس "(2). وقد تطورت الكلمة حتى باتت تشير الى العاطفة الجسدية كما في كلمة (SEX ) وتحدد الموسوعات العلمية الكلمة بأنها من" مميزات صفات الذكر والأنثى في الحيوانات العليا والنبات لأجل استمرارية النوع بواسطة التكاثر الجنسي ". فيما يخص الإنسان فان العلم يذهب الى التصنيف الذي يقسم النوع على وفق " أجناس أولية وأجناس ثانوية " والأولية ، بحسب العلم ، مرت بعمليات التعديل والتطور عن طريق " الانتخاب الطبيعي " وقد ارتبطت غريزة الجنس بغريزة البقاء واستمرار النوع وكل الحضارات والثقافات القديمة حفلت بوجود شواهد تعبر عن ذلك ، ولا يستثنى الدين الذي قدم ضوابط وقيماً لغرض المحافظة على الفطرة الإنسانية في البقاء والتكاثر إلا أن الثقافة البطريركية - الثيوقراطية مالت الى تدنيس حقائق الكون والحياة من خلال الربط التعسفي بالرموز البالية المندثرة خالقة عالما أسود معتماً مغلفاً بالكراهية والدنس من خلال الخطيئة الأولى.

يصف الباحث" كاظم الحجاج"  الأساطير بأنها "مرويات وطنية" يراد منها إعلاء الشأن لأمة من الأمم أو لطائفة ما تتعرض للتحدي وانها توازي شعر الفخر والمباهاة الذي وضع في مصاف التاريخ القابل للتصديق، وان نساء الأساطير ينفردن بمنزلة سامية ، ترفعهن عن النساء المألوفات، ويقصى الدنس والنجاسة عن أجسادهن ويتم تشغيلهن خارج الثوابت الأنثوية وأنهن في حالات كثيرة يلعبن دور البطل غير المقصى لاستعادة الرفعة والمجد والتفوق (ص 37- 39). ويذهب " اريك فروم" الى ان "الاساطير الانثوية" ليست إلا تعبيراً وانعكاساً عن سيادة ما يطلق عليه بـ "المرحلة الامومية" في التاريخ الانساني تلك المرحلة التي سادت "المشرق الاسطوري"  حيث ازاحتها مرحلة  "الانقلاب الذكوري"(3) وبات قانون النسب الأبوى، منذ نشوء النظام السياسى العبودى، مصدر القيود على المرأة فى المجالات الاجتماعية والثقافية. وبنشوء النظام الطبقي-الأبوي القائم على تقسيم العمل والوظائف فى الحياة العامة والخاصة على أساس الجنس والطبقة ، وهو النظام السياسى-الاجتماعى السائد وتم تدعيمه بالقوانين الدينية والطبيعية ،خاصة وان القوانين  الطبيعة لا يمكن تغييرها ، فنتج عن هذا ما تطلق عليه د. نوال السعداوي بـ "التزييف التاريخى" وتم عبره طمس الحقائق البديهية ، وغدا  عقل الرجل وعقل المرأة عاجزين عن غربلة القيم والقوانين والأعراف السائدة ، وفرزها وتحليلها أو تفكيكها أو اعادتها الى جذورها الطبقية الأبوية السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، ومن ثم القدرة على تغييرها الى قيم وقوانين أخرى أكثر عدلا وحرية ومساواة للنساء.  (4) تفترض الأساطير تنشيط فعالية الإنسان في الحياة لغرض اجتياز مرحلة تاريخية هامة وصعبة في حياة النساء ، ويلاحظ "اريك فروم" ان "اسطورة الخليقة التوراتية" بدأت من حيث انتهت "الاسطورة البابلية" في الخلق، وقد اشتغلت على الضد منها عندما وسمت الأرواح الأنثوية بالشكوك اللصيقة بالأجساد ، مستغلة في ذلك العمليات البايلوجية الإنسانية من خلال (الباب المغلق) أو الـ (GEETOالذي يصطنع الإله الخاص والتفضيل على سائر المخلوقات البشرية غير اليهودية والتي لعب فيها"التحصن اليهودي" بسبب التواجد الجغرافي الصحراوي بين حدود حضارتين مائيتين مزدهرتين هما حضارتا وادي النيل ووادي الرافدين، مدفوعين لاختراع آلهة لا عمل لهم سوى (التعاقد) مع ( شعب مختار) وفي ذلك يقول "فرويد" ان الصورة الابوية الجليلة المهيبة المفتعلة اكدت لبؤساء الفلاحين اليهود بأنهم ابناء الاب أي (الآله)المفضلون(5)، وبالتالي فان سطوة (الكنيس اليهودي) ستغدو شرسة ومحمية بالسلطة الإلهية وتشريعاتها المتعسفة تجاه الآخر وتبلغ ذروتها مع النساء حيث " كان الحاخامات يجدعون أنوف النساء اليهوديات " المتهمات بـ"الخطيئة" على وفق التصورات الكهنوتية.  وموقف اليهودية ديانة وثقافة من المرأة قائم على افتراض الدنس الأزلي و الازدراء والتهميش متجاوزة في ذلك  حتى الوظيفة الانجابية للمرأة التي تسمح بدوام اسم العائلة وانتقال الاموال والممتلكات والمصالح وبقاء الجنس البشري ولم تكن المرأة في تصوراتها سوى "فرج دموي نجس " وجنس وهمي، رمزي، موجود..ولكن هناك.

بسبب اتكاء الكهنوت المسيحي على موروثات الزعم التوراتي ولكون الثاني حاضنة الأول فان الولادة البتولية أصبحت " لا تملك القدرة على الإقناع المنطقي والصمود أمام الحقائق العلمية والمكتشفات الآركيولوجية اللاحقة التي دحرت حتى المعتقدات الساكنة في الوجدان الشعبي البسيط "(ص101 ) ، وبارتحال المسيحية من بيئتها الشرقية - المتخمة بالكهنوت والتزمت التوراتي - نحو فضاءات أوسع - أوربا وأمريكا - أصبحت بعد ذلك ونتيجة التحديات الواقعية وللحفاظ على المصالح..ميالة الى التجدد والتجاوز، وبخروجها هذا تكون قد استقلت عن مسوح الأحبار وضغوطهم وتمكنت من صنع وتوسيع لاهوتها ومنطقها الخاص. إلا أن المسيحية عمقت نظرة الخطيئة في الحياة الانسانية ، وتحولت المرأة في بعض العصور الى مصادر تمويل للكنيسة ومصدر تسلية للرهبان ونلاحظ شرعنة الاحتفاظ بالمحظيات حتى احتفظ شاغل أرفع منصب في الكنيسة بمحظية خاصة به في قرون خلت عندما كانت الكنيسة مدججة بمحاكم التفتيش ومخالبها القاسية وأنيابها القاطعة. ومن جهة أخرى كانت مساهمات بعض رجال الكنيسة في محاولة كسر التزمت الكهنوتي- التوراتي أداة استقطاب للفنانين في عصر النهضة وهو ما صنع ألفة مفتقدة وجواز مرور لشرعية الفنون وشعبيتها وتم التسامح في رسم آدم وحواء عاريين تماما حسب منطق (سفر التكوين) وبرزت صورة الجسد الإنساني عاريا كما خلقه الرب- بحسب التصور اللاهوتي- لأول مرة على جدران الكنائس والكاتدرائيات ولكن من غير ابتذال ( ص112).

في الإسلام تم تنظيم الحياة الاجتماعية - الجنسية ضمن مؤسسة الزواج بقوانين سماوية أو عرفية جديدة ، احتكمت الى السنة النبوية والأحاديث اللاحقة ، ومن ثم الفقه الإسلامي والذي احتكم بدوره الى النصوص القرآنية - الإلهية التي فرضت و قُبلت في عملية التغيير الديني- الاجتماعي ولم يتنكر الإسلام لما قبله وأبقى على الكثير من الطقوس المتعارف عليها في الجزيرة العربية ولدى القبائل العربية وعمد الى أسلمتها وتهذيبها وذلك لمعرفته بأصولها المتداخلة والمتحكمة في البنية الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت لا سيما تلك التي تتعلق بمواسم الحجيج التي تدر على قريش مردودا اقتصاديا مهما وزعامة على سائر الأقوام في الجزيرة العربية. وقَنون الفقه الإسلامي العلاقة بين الرجل و المرأة على وفق النص القرآني أو الأحاديث النبوية. غير ان بعض الفقهاء المتزمتين في الاسلام يقررون ان المرأة نجسة عندما تحيض ويحرم بعضهم تناول الطعام والتكلم معها وهي ناقصة "دين" ويرد في الروض العاطر انها" ناقصة عقل.. عقلها في فرجها". والباحث "كاظم الحجاج" يلاحظ انحرافا (تاريخيا) حصل في مفهوم(الجماع) ودلالته اللغوية التي تؤكد انه " اجتماع طرفين متكافئين متوافقين" وتحول تدريجيا الى مجرد (اعتلاء) لغالب من قبل الطرف الارجح تحصيلا وبات من شأن قاموس الذكورة ، فعلان هما ( نكح) و(جامع) فاعلهما دوما الضمير الذكوري (هو)، وان (الجنس) عند اهل العربية يطلق على الماهية مثل ،حيوان ،وذهب ،وجماد، وماء(6 ). والاسلام حلل المتعة التي نُهيَ عنها في ما بعد وهي ما زالت محط خلاف واختلاف بين الفرق الاسلامية المتعددة ، كما اباح الاسلام  ملك اليمين وأصبحت المرأة/ملك اليمين/ تستغل أسوأ استغلال من قبل الحكام فاقتنوا الجواري بالمئات، ذكر الأصفهاني أنه كان للرشيد زهاء ألفي جارية. وعن المسعودي، كان للمتوكل أربعة آلاف جارية. وفعل الفاطميون نفس الشيء وكذلك ملوك الأندلس. ولم ينحصر ملك الجواري في قصور الملوك والأمراء، بل تعداهم إلى منازل الخاصة وأرباب اليسار من تجار ومالكين ومن يليهم من الفئات. وكانت أثمان الجواري تتباين بين عشرات الدنانير إلى الألوف. وكان الأمراء يتهادون الجواري، وكانت المرأة أحياناً تهدي زوجها بعض الجواري كما فعلت زبيدة مع الرشيد(7). ونتيجة للفتوحات التي امتزجت بالدعوة الدينية والاختلاط مع حضارات واقوام عدة لم تذب قيمها وثقافاتها امام امواج الفتوحات حصلت المرأة على بعض الحقوق المكتسبة التي أصبحت ثابتة في العصرين الأندلسي والعباسي. وقد مال التراث العربي الى وصف نساء الأرض وبالغ فيه حتى أن "الثعالبي " افرد فصلا حسيا لذلك في " محاسن الجواري" . أما امرأة الـ"وعد السماوي" فإنها أبعد من أن توصف وتدرك بغير ما يدل عليه التوصيف المجازي في النص القرآني في " حور عين " و "قاصرات الطرف" و"كواعب اترابا " ولقد حاول بعض المفسرين والشرّاح إضفاء معاني أرضية متداولة على نساء" الوعد الإلهي" محاولين الهبوط بالتوصيف والمجاز القرآني لتلك النماذج المجازية النسائية الى المستوى الأرضي المتداول متجاوزين مغزى وكنه النصوص والأوصاف المجازية الخاصة بنساء "الوعد الإلهي"، التي تظل خارج ثوابت ومدركات وحواس الكائن الأرضي ، المحاط في حياته وواقعه، بالكثير مما هو مسكوت عنه، والذي يراد له ان يبقى مشدودا الى أوهام الديمومة و اللذائذ التعويضية  المحللة، من خلال التعبد والغفران ، بانتظار المكافأة السماوية في رحلة العمر باهظة الثمن، من أجل الوصول الى الخلود، أمنية البشر جميعا، واجتياز مفازة الموت المفزع. يبدو الجهد البحثي للشاعر "كاظم الحجاج" واضحاً في متابعته للكثير من الاراء والأفكار والشواهد و إستشهاداته التي استعان بها  شغلت حيزا كبيرا من المتن. وكانت مصادره واستطراداته،  حافلة بالتنوع والمفارقة التاريخية - الأسطورية في النظر للمرأة وخصوصيتها البايلوجية ، ولقد استنارت ((مشاكساته)) وتعليقاته واستنتاجاته بالكشوفات العلمية - الإنسانية الحديثة ، التي لا ترضخ لشهادات الزور والتلفيق.