
رحلات محمود صبري
الإبداعية
متألقاً يعتلي محمود صبري هذا العام عتبة
الثمانين من عمره، وفي رصيده ريادة فنية مبكرة وكشوفات نظرية
جريئة. وعليهما معاً يستحق منجزه تقييماً عالياً وإعترافاً صريحاً.
دخل محمود صبري عالم الفن هاوياً، وحين إمتلك أدواته سخره لأن يكون
مرآة للقضية الإجتماعية. وظل يدور في مدار الفن الملتزم مجسداً
إياه في سلسلة أعمال أنتجها في حقبة الخمسينات وبداية الستينات.
الأفق الذي فتحه لنفسه سرعان ما جذب إليه بعض رموز الحركة
التشكيلية الحديثة، إذ خطا جواد سليم، على طريقته، نحو ذلك المدار
مقترباً من نبض الحياة ووقع التاريخ الحيّ. من تلك الإنعطافة بدا
الموضوع الجاهز للوحة مستهلكاً، ولاح خفوت البعد التعبيري للشكل
الأكاديمي البحت.
تلك الريادة المبكرة كانت الأولى له في
تاريخ الحركة التشكيلية في العراق. ألحقها عام 1971 بريادة ثانية
لخصها بيان " واقعية الكم" الذي دعا فيه لإخراج الفن من العالم
العياني إلى العالم المجهري، ومن عالم الكتل الظاهرة إلى عالم
الجزئيات والعمليات الداخلية. ولم يكن إختياره ذلك شكلياً، بل
نابعاً من حدس نظري. فهو لم ينحاز للتجريد على حساب التشخيص، بقدر
ما أراد أن يكسر معادلة التعارض بينهما لصنع لغة معاصرة للفن. لذلك
يمكن أن يصنف مسعاه النظري والجمالي كنقيض مباشر لحركة البوب آرت،
التي حولت الفن إلى مجرد وسيط أو بضاعة في مجتمع إستهلاكي غمر
أوربا الغربية في ستينات القرن الماضي. على مدى أربعة عقود، إنهمك
محمود صبري في مشغل نظري وتطبيقي لم يسبقه إليه سواه. منه إنبثقت
أسئلة وحلول، وحوله أثيرت قضايا ونقاشات محفزة للتفكير وإعادة
التفكير في علاقة الفن بالعلم ومصير الفن في سياق ثورة المعرفة
والتكنولوجيا. سنتوقف عند بعضها في ملف تعده المجلة لواحد من
أعدادها القادمة.
حسبنا الآن تقديم تحية إعجاب لمحمود صبري
الفنان والمنظّر في عيد ميلاده الثمانين.