من اوراق الفن العراقي الحديث
البعد الواحد وتيار الحروفية العربية
أحمد حسين
ليس صعباً ان نقول ان الفنان الالماني/
السويسري بول كلي (1879- 1940) هو من ابرز الآباء الشرعيين
للحروفية العربية، فهو أقدم من اكتشف مكانة الحروف العربية كعناصر
تشكيلية من بين عناصر العمل الفني في القرن العشرين. وقد كان
لزيارته لكل من تونس ومصر في العامين 1914 1928، واطلاعه على
الفنون الاسلامية ولوحات الخط العربي، الاثر الكبير في تكوين رؤيته
الحروفية. ومنذ عام 1914 وحتى وفاته كان قد نفذ مجموعة كبيرة من
اللوحات والرسوم التي استلهم فيها حروف الكتاب العربية والزخارف
الاسلامية (أو الاشكال المستوحاة منها) الى جانب حروف الكتابة
اللاتينية. ولعل من أهم هذه الاعمال تلك اللوحات التي أطلق عليها
اسم الصور الرمزية أو صور بالكتابة النباتية، وهي تمثل البدايات
الفعلية للتجريدية والحروفية في الفن العالمي الحديث.
بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت في اوربا
والولايات المتحدة، تجارب حروفية جديدة، حيث حاول العديد من
الفنانين التجريديين استخدام الحروف العربية في نتاجاتهم ضمن
اهتمامهم باستلهام حروف الكتابة الصينية واليابانية، ومن هؤلاء
الفنانين: مارك توبي، اندريه ميشو، جان دكوتكس، كارل هوفر، جورج
ماثيو، اندريه ماسون وهانز هارتونغ وغيرهم. وقد تأثر البعض منهم
بالرؤية التأملية البوذية وبالتصوف الشرقي، وكانت ظاهرة استلهام
حروف الكتابات الشرقية بالنسبة لهم ذات مضامين وأبعاد روحية
وقدسية، الى جانب تعلقهم بالقيم الجمالية والتشكيلية لتلك الحروف،
وقد وصل الأمر ببعضهم الى اعتناق الديانة البوذية كالفنان (مارك
توبي) الذي كان قبل ذلك من اتباع البهائية الفارسية، ومنذ أواخر
الأربعينيات صار بالامكان (في لغة النقد الفني) الحديث عن الحروفية
كأحد تيارات الفن التجريدي، وكانت باريس من أبرز المراكز الفنية
التي نشأ فيها هذا التيار وتطور، ولكن رواده كانوا من اصول وجنسيات
مختلفة.
ويذكر الرسام الحروفي (جميل حمودي) الذي عاش
في باريس منذ عام 1947 وحتى عام 1962 بإن لوحاته الحروفية وافكاره
في مجال استلهام حروف الكتابة العربية كان لها تأثير على بعض
الفنانين الاوربيين الذين اصبحوا فيما بعد من رواد التجريدية
الحروفية، ومهما كان الامر في هذا القول فإن جميل حمودي وزميلته
الرسامة العراقية (مديحة عمر)، هم أوائل الفنانين العرب الذين
استخدموا حروف الخط العربي في اعمالهم الفنية وذلك منذ مطلع
الخمسينيات، واذا كان هذا قد حدث في باريس بالنسبة لجميل حمودي،
فإن مديحة عمر اكتشفت اهمية الحروف التشكيلية عندما كانت تدرس الفن
في واشنطن.
* * *
قبل ثلاثة اشهر من حلول الذكرى العشرين
لتأسيس جماعة بغداد للفن الحديث (في نيسان 1971)، كان الفنان (شاكر
حسن آل سعيد) زعيم جماعة بغداد بعد رحيل جواد سليم قد أعلن عن
تأسيس تجمع (أو جماعة) "البعد الواحد" ليواصل مشروعه الثقافي
والفني ذا الأبعاد التراثية، بعدما فقد الأمل في إعادة الحياة
والنشاط الى صفوف جماعة بغداد الفن الحديث التي بدأت تفقد دورها
الفني منذ اوائل الستينيات. وقد تكون تجمع "البعد الواحد" في بداية
الأمر من ستة فنانين عراقيين يجمعهم الاهتمام المشترك باستلهام
الحروف العربية في العمل الفني التشكيلي وهم: شاكر حسن آل سعيد
(1925)، جميل حمودي (1924) محمد غني حكمت (1929)، عبدالرحمن
الكيلاني، ضياء العزاوي (1939) ورافع الناصري (1940)، وقد أفتتح
المعرض الفني الأمل لهذا التجمع في 28 كانون الثاني 1971 على قاعة
المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد، والجديد في هذا المعرض أنه لم
يكن معرضاً فنياً فقط، بل كان معرضاً وثائقياً مشفوعاً بكتاب
بعنوان (البعد الواحد.. الفن يستلهم الحرف)، وهو من اعداد شاكر حسن
آل سعيد، وتضمن آراء بعض الفنانين المشاركين في هذا المعرض،
بالاضافة الى عدد من المقالات التي تتحدث عن دور الحرف في الثقافة
والفنون العربية والاسلامية.
ويبدو أن (آل سعيد) كان قد خطط للبعد
الواحد أن يكون امتداداً طبيعياً لما بدأت به جماعة بغداد للفن
الحديث، وما تطور لدى العديد من الفنانين العراقيين في مجال
استلهام التراث عموماً، وكان واضحاً -كما يقول آل سعيد نفسه-: "لدي
ولدى الآخرين اننا بإزاء مسؤولية ضخمة، القصد فيها إخضاع الفكر
الفني لمسألة التحقيق الأسلوبي في العمل الفني التشكيلي..". أي أن
الموضوع ليس هو مجرد اقتباس الحرف العربي في الفن "بل الأسلوب الذي
يمكن ان ينجم عن ذلك، ثم الوعي الجماهيري في كل الوطن العربي الذي
كان ولابد صائراً، لأن يستعيد كيانه التاريخي.“...
ومنذ البداية -كما يظهر- فإن آل سعيد، كان
قد وضع تجمع "البعد الواحد" والمتلقي العربي في آن واحد أمام متاهة
المفردات التي يتداخل فيها الحس الحضاري والسياسي بالطموح الثقافي
الفني. وقد شهد تاريخ الفن العراقي من قبل الكثير من الشعارات
والبيانات الفنية (الطموحة) مثل بيانات جماعة بغداد للفن الحديث،
وبيان الرؤية الجديدة وغيرها. ولكن كانت أعمال الفنان العراقي
دائماً اكثر جمالية وأصدق تعبيراً حينما تجاوزت حدود المفردات
الحماسية والطموحات التي صعب على اهل السياسة تحقيقها.
إن تجمع "البعد الواحد" لم يصدر بياناً
فنياً عند تأسيسه، ولكن بعض نصوص مقدمة كتاب (البعد الواح.. الفن
يستلهم الحرف) كانت بمثابة البيان الفني للتجمع وفي هذه المقدمة
نقرأ ما يلي: "..وهكذا نجد انفسنا اليوم- نحن لفيفاً من الفنانين
الذين يساهمون في إدخال الحرف عبر اعمالهم التشكيلية- ملزمين
بإقامة معرض فني، وثائقي معاً بإسم (البعد الواحد) وتحت شعار الفن
يستلهم الحرف، ومن نقطة انطلاق تشكيلية بحتة، مثمنين به هذا العنصر
الفني الهام الا وهو الحرف العربي كجذر أصيل معبر عن روح حضارتنا
وفلسفتها معاً في اكثر جوانبها إشراقاً.. وإننا لنرجو أن نمضي
قدماً في تطبيق آرائنا الفنية بواسطة البعد الواحد، مستهدفين الكشف
عن معالم حضارتنا العريقة ومستشفين أجمل جوانب التوصل الفني
المعاصر من تراثنا عبر الخط..". ويحدد شاكر حسن آل سعيد منهج تجمع
البعد الواحد قائلاً: "أما بالنسبة لنا كمستلهمين للحرف في الفن
فان موقفنا سيعتمد على إدراك هوية التراث العربي الراهن الذي نضعه
عبر اقتباس أهم عنصر من عناصرنا الحضارية والفكرية الا وهو الحرف
العربي... إذن فإن الدور الذي كنا سنلعبه هو وضع اللبنات الأولى
لمدرسة معاصرة في الفن العربي تعتمد على استلهام الحرف..، ومن هذا
نفهم ان الدور الذي اراد ان يلعبه تجمع "البعد الواحد" مشابهاً
لدور جماعة بغداد للفن الحديث، وعند المقارنة ما بين هاتين
الجماعتين يتبين لنا أن مصادر رؤيتها الفكرية والفنية كانت واحدة
وهي التراث العربي الاسلامي، والاستفادة من هذا التراث في بناء
الشخصية الوطنية في الفن التشكيلي، ولكن إذا كان فن التصوير
العربي- الاسلامي، وخاصة تراث الواسطي الفني من أهم المصادر
التراثية التي حاولت جماعة بغداد الرجوع اليها، فإن تجمع "البعد
الواحد" كان يرى بإن مصدره الوحيد هو حروف الكتابة العربية، أي ان
هذا التجمع لم يتعامل مع التراث من جانبه الأثري (أو المتحفي)،
وإنما تعامل معه من جانبه الحيوي (في الواقع المعاش) فالحروف هي
وسائل النقل الوحيدة التي تتحدى المكان والزمان، وهي لا تزال تعبر
عن مشاعر الإنسان العربي واحاسيسه الجمالية والفكرية بشكل يومي.
والأمر الآخر هو أن جماعة بغداد حاولت ان تستفيد من عناصر التراث
وموضوعاته في إبداع أعمال فنية ذات صلة بالحياة اليومية للانسان
العراقي او العربي، وبمعنى آخر فإن الإنسان كان الى حد كبير هو
العنصر الفعال في تلك الاعمال، اما تجمع "البعد الواحد" فإن اساس
رؤيته الفنية هو التجريد، ولهذا لم يتعامل مع الإنسان العربي من
حيث كونه عنصراً فنياً مهماً، وإنما تعامل مع آثاره الكتابية
واللغوية والتي هي بطبيعتها ذات قيم ومفاهيم تجريدية، وهي تمثل
الشخصية المتميزة للحضارة العربية- الاسلامية، حضارة (الكلمة)
والفكر المثالي التجريدي، ولهذا عاش فلاسفة المسلمين والمتصوفين
(قبل الفنانين) مع الحروف حالات من التأمل والتأويل، حيث جعلوا لكل
شيء في الكون شكلاً على صورة حروف الهجاء العربية، وتصور بعضهم ان
للحرف بعداً روحياً وفيه من المنافع الكثير.
* * *
ماذا يقصد بالبعد الواحد..؟
يقول الفنان شاكر حسن آل سعيد: "البعد
الواحد هو البعد الأول.. اعني البعد ما قبل التشكيل..". وحسب رأيه
فإن للبعد الواحد ثلاثة جوانب أساسية هي الجانب الفلسفي والجانب
التقني والجانب التعبيري. أي ان مبدأ اقتباس الحرف في الفن يقتضي
إدراك هذه الجوانب. ولا نريد هنا الدخول في تفاصيل المعالجات
الفكرية للفنان آل سعيد وهو -كما نعرف- مولع باستعادة المضمون
الروحي للحروف وفي جوانبه المثالية (المقدسة) والصوفية وبنفس
الاتجاه القديم في الفكر الاسلامي، ولهذا لابد من الرجوع مرة اخرى
الى كتاب (البعد الواحد.. الفن يستلهم الحرف) بغية التعرف على معنى
"البعد الواحد" وقد يكون النص في هذا الكتاب اكثر تعبيراً عن
الرؤية الجماعية (المشتركة) لاعضاء تجمع "البعد الواحد": "ان
ممارسة الحرف- وهو وسيلة لغوية بحتة- في الفن التشكيلي تبدأ في
الاصل عند الفنان الحديث كمناورة ادبية لتكوين مناخ جديد زاخر
بامكانيات رمزية وزخرفية معاً. وهو يضفي على الفن بعداً جديداً لم
يكن الفنان قد ألم به الا منذ وقت قريب.
بيد أن مشكلة الحرف -كقيمة تشكيلية بحتة-
كبناء موضوعي مجرد- فحسب يقتضي اعتباره مجالاً لافتعال حركة ذهنية،
وزخم روحي يفيض بكل معطيات الفن في حضارتنا العربية المعاصرة.
ومن هنا فان الكشف عن أهميته -كبعد وليس
كموضوع- يصبح بالتالي هو بيت القصد. وذلك لن القوام الحقيقي للحرف
هو الحركة والاتجاه، فان أمكن ظهوره كشكل ما، كمساحة فإن بيئته
الاساسية هو الخط أي أزل البعدين.
واذن، فالبعد الواحد -كفكرة- يقصد به اتخاذ
الحرف الكتابي نقطة انطلاق للوصول الى معنى الخط -كقيمة شكلية-
صرف، واذا أمعنا النظر في هذا النص يتبين لنا بأن عالم البعد
الواحد، يستوعب كل الاشارات والعلامات الحروفية التي تعبر عن ذهنية
الفنان التشكيلي، وليس الخطاط الذي يعتمد على قياسات معينة في فنه.
* * *
الأساسية التي جمعت اعضاء "البعد الواحد"
كانت هي استلهام الحروف في العمل الفني، أي فكرة الجمع ما بين حروف
الكتابة العربية وبين السطح التصويري ذي التقنيات الغربية، فإن
اعضاء هذا التجمع قد اختلفوا منذ البداية في مسألة استيعاب معنى
"البعد الواحد" وفي طريقة تعاملهم مع الحروف العربية.
الفنان (شاكر حسن آل سعيد) كان يرى بإن
ممارسة الحرف العربي والحرف عموماً في التشكيل الفني تعتبر محاولة
للعودة الى القيم الحقيقية في الفن، "أي التي تعني استقصاء الحقيقة
في الفن، ومن ذلك المحافظة على المعنى التشكيلي في البحث بواسطة
الأبعاد.."، وان تحقيق البعد الواحد بواسطة الحرف هو نزعة تأملية
لوجود الذات الإنسانية عند مستوى الوجود الكوني، إن... (آل سعيد)
في الواقع لم يستلهم العناصر الكتابية إستلهاماً مجرداً لجماليتها
او مضامينها اللغوية، وإنما استلهمها استلهاماً فلسفياً ضمن إطار
دائرة افكاره الصوفية، ولهذا كانت الحروف العربية بالنسبة له
بمثابة وسيلة لا غاية.. وسيلة للتأمل في الذات الإلهية، وأنها
تمتلك بعداً روحياً وهو "البعد الواحد" الذي يربط ما بين ذات
الفنان وبين الذات العليا (أو المطلق). ولكي يحقق آل سعيد هذه
الرؤية الحروفية الصوفية كان عليه أن يختار عفوية الرسم بالكتابة،
حيث استخدم في تجاربه الحروفية الكتابات والحروف المستعملة
استعمالاً اعتيادياً وليس فنياً، كاسلوب الكتابة اليدوية وكتابات
الاطفال والكتابات المرسومة على الجدران وهو يقول في هذا الصدد:
"إني احب أن اكتب الحرف في لوحاتي بطريقة الأطفال وطلاب المدارس
وانصاف المثقفين.. وهو بهذا المعنى فيض الروح الإنسانية المتأملة
وهي عند مستواها اللاشعوري بل الجنيني..". وهذه العفوية التشكيلية
لدى آل سعيد هي تعبير عن اهتمامه بالآثار الإشارية واللغوية التي
هي اكثر ارتباطاً بمشاعر الانسان الداخلية من تلك الكتابات والحروف
المرسومة فنياً.
اما الفنان (جميل حمودي) فإن الحرف العربي
وعالم البعد الواحد كان بالنسبة له بمثابة الملاذ الوحيد للتأكيد
على إصالة الروابط الحضارية والثقافية والوقوف ضد حضارة المادة
وثقافتها التي اجتاحت الإنسان المعاصر، وهو يرى بان لإدخال الحرف
العربي الى الفن التشكيلي اهدافاً متعددة وليس هدفاص واحداً، أهمها
هو توجيه عملية الإبداع الفني نحو طابع حضاري يربط الفنان بالاسس
الاصيلة التي تتميز بها قوميته ويشده الى ارضه والى الطبيعة التي
عاش فيها، "والحرف العربي عندما يتم استلهامه في الفن فإنه يشدنا
الى صورة ازدواجية القيمة حيث أنه يقترح بتلقائيته الغنية منطلقاً
فكرياً بنفس الوقت الذي يصير فيه وجوداً شكلياً يكاد لا يحزر
انتماؤه الى موجودات الطبيعة مظهرياً ولا يتبرأ منها كذلك، لانه
مستخلص من أعماق الوجود الإنساني..". والفنان حمودي يلتقي مع زميله
(آل سعيد) في بعض جوانب الرؤية القدسية للحروف، فهو يرى بإن للحرف
قيماً روحية تتغلغل في النفس الإنسانية حتى في أبسط حالاتها. وإن
ذلك يجعل من الفنان إنساناً وجد نفسه، انساناً يسعى للتعبير عن شيء
فيه من القدسية والسمو ما يرفع عمله الفني الى مستوى رفيع يتميز
بالصفاء والتجرد، وقد قال ذات مرة: "إن العواطف الدينية هي التي
تدفع بأشكالي الفنية نحو التجريد.. وان الفن اشبه بالعبادة، وهو
عندي نوع من الصلاة والتجريد الحروفي بالنسبة لي لا يكمن في المظهر
وإنما في الجوهر..". وجميل حمودي من الرسامين العرب القلائل الذين
استلهموا الشكل الهندسي للحرف العربي، أي ذلك الحرف الصلد والجاف
كالكوفي مثلاً. واستند في تعامله مع الحروف الى طريقة الاستلهام
المقتضب والتقطيع والرمز والتشذيب بحيث يضيع منظور الكلمة والحرف
مثلما ضاع المنظور الهندسي في أبعاد التقيلدية، بمعنى آخر إن
الفنان حاول أن يستعين بالحرف والكلمة واحياناً الجملة المفيدة من
أجل خلق عالم اللوحة الحروفية، وفيها تحولت المعاني اللغوية
المقرؤة الى معانٍ اخرى لا يمكن قراءتها إلا الحدس، ولا تتجاوب إلا
مع المفهوم الجمالي للقيم الفنية المجردة.
وعلى النقيض من شاكر آل سعيد، ذهب الفنان
(ضياء العزاوي)، فهو لم يبحث عن إضافة مفاهيم جديدة للتجريد في
الفن العربي وحسب رأيه أن التجربة الحروفية يمكن أن تنمو وتتطور
دون الاعتماد على النظريات والتفسيرات المسبقة التي تحاول فرضها
على المشاهد والنقاد. والحرف العربي بالنسبة للعزاوي هو تكوين
وتحرك ضمن نقاط منظورية مختلفة يتجه الى خارج الشكل بالقدر الذي
يعمق الإحساس بحركته نحو الانفلات من تلك النقاط "فالحرف تشعب خطي
يحتل الكل ويمنح داخل اللوحة صوتاً ايقاعياً يحقق مع عناصر اخرى
رؤيا خاصة، وهذه الرؤية هي التي تجعل من الحرف ذي البعد التاريخي
والحضاري.. شكلاً ينتمي الى عصرنا..". إن العزاوي في الحقيقة نظر
الى الحروف العربية من زاوية خاصة، فهو لم يهدف الى تحويل لوحاته
الى مجرد تكوينات حروفية خالصة، وإنما حاول أن يخلق علاقات جمالية
بين الحروف العربية والاشكال البصرية الاخرى، وهو في هذه الحالة
جعل من الحروف عنصراً من عناصر اللوحة، ولهذا فإن لوحاته كانت
مساحات واسعة تتفاعل فيها الحروف والكتابة جنباً الى جنب مع عناصر
زخرفية واشكال مستمدة من الفن العربي- الاسلامي ومن الفن العراقي
القديم، أنه "يقوم بتأكيد جزئيات مواده حتى لتشعر بالزمن يخترق
كلاً منها وينتظمها بعضاً الى بعض، فبقدر ما تشعر بآشورية اللوحة
تشعر باسلاميتها وعربيتها وتشعر بمعاصرتها حتى ليكاد الزمن فيها أن
يتحول الى منظور جديد في العمل الفني.." هذه الكلمات الشاعرية هي
للراحل بلند الحيدري الذي كان قد كتب بعض المقالات عن التجريدية
الحروفية في الفن العربي.
اما الفنان (رافع الناصري) فقد اعتبر كل حرف
من الحروف العربية بحد ذاته يعطي الشكل التجريدي المتكامل، ويحتوي
على الرمز المعنوي للعالم الخارجي والداخلي لفنان، وفي عالم البعد
الواحد "فإن الحرف لابد ان يتجرد من معناه اللغوي وأن يرمز بشكله
المجرد للإنسان او بالاحرى للانسانية" ويضيف الناصري قائلاً:
"فالحرف أو مجموعة الحروف في اللوحة، حينما تنفصل عن المعنى
والإفادة تبقى تكويناً تشكيلياً مجرداً بالدرجة الأولى، ورمزاً من
الرموز الدنيوية ثانياً.."، واذا كانت كتب الادب الإسلامي قد تحدثت
عن تفسيرا ت كثيرة لهذه الرموز.. فإنها تبقى ذات معانٍ أعمق مما
فسروها بكثير، حيث يبقى الحرف في اللوحة رمزاً مطلقاً..". وفي ظل
هذه المفاهيم نجد أن (الناصري) كان قد كون رؤيته الحروفية، حيث
استفاد من القيم الرمزية والتعبيرية للحروف والكتابة العربية،
ولهذا فإن الحرف والكتابة لم تكن عناصراً اساسية في لوحاته
التجريدية. وإنما كانت جزءاً من تكوينات مختلفة تتصارع فيها الحروف
مع نصوص كتابية، ورموز ذهنية وإشارات ذات طبيعة اصطلاحية (محيطية)
مثل السهام وعلامات الضرب والنقاط والكتل الهندسية المجردة،
والمستوحاة من الآثار القديمة، وهو بهذا استطاع أن يخلق توافقاً ما
بين الإحساس العيني والاحساس السمعي حيث يبقى الحرف في اللوحة
رمزاً مطلقاً. "وإنه منح الحروف ذات القيمة التزينية مقدرة فاعلة
على خلق مزاج متنوع يلعب اللون دوراً اساسياً في تحديده". واذا
كانت ألوان الناصري في لوحاته الحروفية تشد المشاهد (أو المتلقي)
اليها بدون صعوبة فان الرمز في هذه اللوحات -كما يقول بلند
الحيدري-: "كان يتحدد اثره بقدرة المتلقي على إدراكه وتلمسه
بالحدس، كمنظور معنوي متشبث بشكل اثري أو قطعة رقيم ليوحي بذلك بما
يجعل منه رديفاً لمنظور تشكيلي يمتد في الأفق الذي يعلوه عادة، وما
لن ندركه على هذا المستوى فقد لا نرى فيه إلا واجهته التزينية.“
وفي الواقع فإن رؤية الناصري الحروفية تشابه
رؤية زميله العزاوي، فهو ايضاً اراد أن يحقق لوحة تحمل روح التراث
العراقي (أو العربي) وليس تفاصيله. أي أنه لم يكن يرغب في الوقوع
في مباشرة الاستعمالات التراثية المسطحة التي ترافقها هالة من
المفاهيم القدسية والرموز الصوفية، فالحرف بشكله المجرد كان لديه
قبل كل شيء رمزاً للإنسان.
هذه بعض الآراء والتصورات الحروفية. وهناك
عدد كبير من الآراء والمفاهيم والرؤى الفنية لبقية أعضاء تجمع
"البعد الواحد" وغيرهم من الفنانين العراقيين الذين انشغلوا في
اعوام السبعينيات بمسألة استلهام الحرف في الفن التشكيلي من
الناحية النظرية والتطبيقية.
* * *
أقام تجمع "البعد الواحد" خلال فترة وجوده
(1971- 1975) ثلاثة معارض فنية، وقد رافق هذه المعارض عدد من
المحاضرات والندوات الثقافية، وتم نشر كتابين بعنوان: (البعد
الواحد.. الفن يتسلهم الحرف) الأول في عام 1971 والثاني في عام
1973، وكان الهدف من هذا هو التوعية بأهمية الأتجاه الحروفي في
الفن العربي الحديث، ولعل أهم ما تميزت به معارض "البعد الواحد" عن
غيرها من معارض الفن العراقي هو انفتاحها على كافة الفنانين
العراقيين والعرب (وبعض الاجانب احياناً) الذين اهتموا باستخدام
الحروف العربية في اعمالهم الفنية. وفي المعرض الفني الأول للبعد
الواحد يلاحظ أنه الى جانب اعضائه فقد شارك فيه عشرة فنانين
عراقيين. وفنان عربي واحد هو الرسام اللبناني (وجيه نحلة) كما تم
عرض عدد من لوحات الفنان الراحل (جواد سليم) والى جانب هذا فقد
احتوى هذا المعرض على بضعة رسوم للشاعر الهندي الكبير (رابندرانات
طاغور)، وعدد من لوحات الفنانة البولندية (صوفيا آرتيموفسكا/ زوجة
الفنان الراحل رومان آرتيموفسكي- 1919- 1993)، وهذه الاعمال هي من
مقتنيات المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد. هذا فضلاً عن لوحات
الخط العربي لخطاطين عراقيين من أمثال (هاشم الخطاط) وغيره وبعض
الصور الفوتوغرافية التي تصور دور الخط العربي في الفنون العربية
الاسلامية المختلفة، وكذلك صور فوتوغرافية لأعمال بعض الفنانين
الاوربيين الحروفية مثل لوحات بول كلي، واندريه ماسون..
ومن هذا يظهر بإن المعرض الأول للبعد الواحد
كان معرضاً وثائقياً اكثر منه معرضاً فنياً صرفاً، وكانت الغاية من
ذلك -كما يقول آل سعيد- وهي أن نظهر اتساع رقعة استلهام الحرف
العربي في الفنون المختلفة، مثلما نقارن ما بين الأعمال التقليدية
والمبتدعة، وكذلك ما بين استلهام الحرف أو روحيته لدى فنانين أجانب
وبين ما كان يحققه الفنانون العراقيون.." إن هذا المعرض في الواقع
كان أول تظاهرة حروفية في تاريخ الفن العربي الحديث، وقد تنوعت
الأعمال فيه. حيث عرضت المنحوتات وأعمال السيراميك الى جانب نتاجات
فن التصوير. اما كتاب (البعد الواحد.. الفن يستلهم الحرف) الذي
صدر بمناسبة هذا المعرض. فهو الآخر كان غنياً من الناحية
الوثائقية، حيث تضمن استشهادات متنوعة في توضيح حدود الحرف العربي
وعمقه في الفكر الأسلامي، الى جانب ابحاث في الفن الحروفي، وفي أثر
الكتابة العربية في الفنون البصرية والسمعية المختلفة. كما أحتوى
على عدد من آراء الفنانين العراقيين في موضوع استلهام الحرف في
الفن التشكيلي.
اما المعرض الثاني لتجمع "البعد الواحد"
الذي أقيم في أذار عام 1973 على قاعة المتحف الوطني للفن الحديث في
بغداد، فقد كشف عن حدوث تبدل في كيان هذا التجمع، حيث ابتعد عنه
الفنانان ضياء العزاوي ورافع الناصري، وتوقفا عن المشاركة في
معارضه الفنية، وبرر آل سعيد هذا الحدث على النحو التالي: "انهم
اشترطوا مستوى معيناً من الطرح الفني لا يتحقق بمجرد اقتباس
الكتابة في الفن فحسب، بل وبتقنية معينة ايضاً..". ولكن ضياء
العزاوي كان يرى دائماً بان التجربة الحروفية في العراق لابد لها
أن تتجاوز النظريات المسبقة، ومهما كان الأمر فإن جمالية اللوحة
التجريدية لدى العزاوي وزميله الناصري هي التي أثارت ولا تزال تثير
مشاعر المتلقي العربي، وليس الأبعاد الفكرية او الثقافية المرافقة
لها، وفي هذا المعرض ساهم لأول مرة ستة فنانين عراقيين وظهرت اسماء
جديدة في عالم "البعد الواحد" الى جانب تلك الاسماء التي شاركت في
المعرض الأول من أمثال: آل سعيد، وجميل حمودي، ومديحة عمر، وقتيبة
الشيخ نوري.
وفي كتاب (البعد الواحد.. الفن يستلهم
الحرف) الثاني الذي صدر بمناسبة هذا المعرض نجد أن هناك خمسة
مقالات تتحدث عن الجوانب الحضارية والقيم الروحية للحرف العربي.
واربعة من هذه المقالات هي لجميل حمودي، وشاكر حسن آل سعيد ومديحة
عمر، وقتيبة الشيخ نوري، اما المقالة الخامسة، فكانت للناقد
الفرنسي (روبير فرينا). وفي الحقيقة فإن هذا الكتاب وكذلك المعرض
الفني أفقر مما كان عليه المعرض الأول وما رافقه من نشاطات.
في المعرض الثالث لتجمع "البعد الواحد" الذي
أقيم في ايار عام 1975 على قاعة (المتحف الوطني للفن الحديث) في
بغداد، يلاحظ ازدياد عدد المشاركين فيه، فقد ساهم ثلاثة عشر رساماً
ونحاتاً وخطاطاً من العراقيين، وفنان واحد من سوريا هو الرسام
(محمود حمادة)، فضلاً عن أعضاء التجمع القدامى. وقد كان هذا المعرض
آخر معارض "البعد الواحد" حيث ساد بعده الركود وتوقفت نشاطا