حميد ناصر الجيلاوي
.... في ذاكرة جيله

قبيل سقوط النظام الديكتاتوري بحوالي عام،
ولدت فكرة إحياء ذكرى الشهيد القاص حميد ناصر الجيلاوي بملف خاص
يتناول سيرة حياته المشرقة التي انتهت باستشهاده البطولي وتسليط
الضوء على أسلوبه الإبداعي. وتضافرت الجهود من خلال استكتاب عدد من
المثقفين والمبدعين العراقيين، ولهذا الغرض تم توزيع نسخة مصورة من
مجموعته القصصية المنشورة "بيت للشمس والشجر"، ووصلتنا العديد من
المساهمات، بحيث فاق عددها وحجمها ما يسمح لإخراجه بملف خاص بمجلة
دورية مثل الثقافة الجديدة. ومع نوعية وتعدد الأسماء وتنوع الزوايا
التي تناولت شخصيتة والجهد الإبداعي للشهيد، ولدت فكرة إصدار
المواد في كتاب مستقل. لكن ثمة ظروفا فنية عديدة، يطول شرحها،
تسببت في تأخير إصدار الملف والكتاب المزمع نشره كل هذه الفترة،
مما ولد لدينا إحراجاً كبيراً أمام أصحاب المساهمات، التي لم يصبر
علينا البعض من أصحابها ـ وله الحق الكامل ـ فبادر لنشرها هنا
وهناك. وأخيرا، ومن اجل نشر هذا الملف، حددت هيئة تحرير مجلة
الثقافة الجديدة مساحة محددة، فواجهتنا صعوبة الاختيار بين ما هو
متوفر من مواد. فأخضعنا ذلك إلى اعتبارات فنية، ليس من بينها أبدا
معيار عدم الأهمية، على أمل ان المساهمات التي لم تتوفر لها مساحة
هنا، ستجد مكانها في الكتاب الذي يعد لنشره قريبا.
ولابد من توجيه الشكر لكل من ساهم بأحياء
ذكرى الشهيد الجيلاوي من خلال إرسال مساهماته، والشكر الجزيل للصبر
الجميل الذي تحلى به جميع الأخوة أمام كل هذا التأخير لأسباب خارجة
عن إرادتنا، وبالتأكيد دون ان ننسى تسجيل اعتذارنا الشديد لعدم
إمكانية نشر كل المساهمات مرة واحدة في هذا الملف.
أبو شفيع…
الإنسان … المبدع…
والشيوعي الفذ….
محمد الكحط
من ذلك الريف العراقي المدقع بالفقر، ووسط
أولئك الناس الطيبين البسطاء، في جنوب العراق وبالتحديد في ريف
محافظة واسط (الكوت)، ولد حميد ناصر الجيلاوي (1947-1983) أواخر
الأربعينيات من القرن الماضي، ومنذ طفولته تشبع بتلك القيم وحكايات
الريف التي كان ينصت لها وسط أهله في أماسي السهر (التعلولات) على
ضوء الفانوس الذي ينير الجلسات العائلية والتي تتحول أحياناً إلى
مطاردات غنائية في الأبوذية أو ما شابه ذلك. كانت تلك الحكايات
البسيطة النابعة من معاناة الريف من الفقر والعوز تترسخ في ذهنه
وتزيده إيماناً وإصراراً بمواصلة دراسته وصقل مواهبه التي بدأت
تتفتح مما شجع أهله على إرساله إلى المدينة (مركز المحافظة) ليواصل
دراسته هناك حيث وجد طريقه لغرف منابع المعرفة من أبوابٍ أوسع
ولتتعدد اهتماماته من أدب وفن ومجالات الثقافة الأخرى.
كان لرغبته الجامحة بالتطور وشغفه الشديد
للمعرفة دافع كبير له للمضي قدماً بمشروعه الإنساني فأنغمر
بالتعرف على المدارس الأدبية والفنية والفكرية معاً، ولم يكن ذلك
بمعزلٍ عن التصاقه بالناس بألوانهم وأطيافهم من عمال وطلبة وكسبة
وفلاحين ومدرسين وشباب ونساء، وتوطيد علاقته معهم بحمية عالية،
يعيش وسطهم ويحمل همومهم.
كان شغوفاً بالكتابة والتي نبغ بها مبكراً
وتبلور ذلك أكثر عندما وجد طريقه الطبيعي إلى حزبه والى تلك
المبادئ العظيمة التي أمدته مثلما أمدت مثقفي العراق بالقوة والقيم
الإنسانية، وهناك برزت مواهبه القيادية والجماهيرية أكثر وبدأ
مشواره مبدعاً، فكان قائداً شعبياً مميزاً، تحتار وأنت تسير معه في
شوارع الكوت كيف تتصرف، فها هو يقف مع صديقه بائع السكائر، أو
يسأل صباغ الأحذية عن أموره، أو يقف عند بائعة الخضروات ليتجاذب
أطراف الحديث معها، وعندما يدخل نقابة المعلمين تجد أكثر من شخص
ينتظر قدومه ليسأله عن شئ ما أو يتبادل الرأي معه حول قضية
معينة...كانت روح الفكاهة والابتسامة لا تغادرانه، بل أنها من سمات
هذا الأسمر النحيل، التي أحبها الجميع.
تزوجَ أبو شفيع من امرأة ريفية من أقربائه
لكنه أستطاع بعبقريته وبزمن بسيط أن يجعلها امرأة متعلمة تعرف
حقوقها وحقوق المواطنين وتدافع عنها ولتكون بعد ذلك داعية ومحرضة
جماهيرية يعرفها ويحترمها الجميع...وعندما أنجبت ولدهم البكر كانت
أحداث السودان المؤلمة والدامية في أوجها والتي راح ضحيتها العديد
من قادة الحزب الشيوعي السوداني و قادة الشعب السوداني الشقيق،
فدعتهم روحهم الأممية إلى تسمية أبنهما البكر (شفيع) وجاء الثاني
ليسموه (عبد الخالق) تيمناً بالشهداء الأماجد ( الشفيع وعبد الخالق
محجوب) ...بعدها رزقوا ببنت أسموها سوزان تيمناً باسم ابنة الرفيق
الخالد فهد، وبعد عودته من بلغاريا ضمن وفد صحفي رزقوا ببنت ثانية
سماها صوفيا تيمناً بعاصمة الدولة الاشتراكية آنذاك والتي
أحبها...أما أبنتهما الثالثة والتي ولدت بعد اعتقاله الأخير فلم
يراها وسمتها أمها آمال وهي تلك الآمال التي ناضل هو وهي و رفاقهما
من أجلها ...هذه الأم القروية تحملت معاناة المطاردة والاعتقالات
المتكررة لزوجها ومن ثم فقدانه، وعاشت السنوات الطوال على أمل أن
يعود لها ليرى كيف رعت أبناءه الذين تركهم صغاراً وها قد كبروا
وأكملوا دراستهم...كم هي قوية تلك القيم وكم هم عظماء من حملوها
حتى النفس الأخير.
أبو شفيع الشيوعي الفذ، المؤمن بقضيته حتى
النخاع والتي تحمل من أجلها الكثير، لم يكن إيمانه بها طارئاً أو
سطحياً بل كانت بالنسبة له كل شئ، وهكذا كانت سيرته وهكذا كانت
تضحياته فمنحها حياته ولم يكن ذلك هيناً لإنسان مثله، كان نموذجاً
شيوعياً نادراً ولا يمكن فصل إنسانيته وإبداعه عن فكره بل كان كل
شئ متكاملاً متوازناً متجانساًُ في شخصه.
لم يستطع جلاوزة النظام الدكتاتوري الحد من
نشاطاته وهو الكادر الحزبي والإعلامي والناشط الإبداعي والإنسان
الجماهيري، كان الملاذ والعش الأمين الدافئ والقلب الحنون وحمامة
السلام لعشرات الرفاق الذين انقطعت بهم السبل إلى الحزب، حافظ
عليهم وساعدهم على تجنب الوقوع في الشباك وأشرف على خروجهم سالمين
خارج الوطن حفاظاً على أرواحهم حين اشتدت الهجمة الدكتاتورية ضد
الحزب الشيوعي العراقي ولم يكتف بذلك بل كان يراسلهم ليطمئن على
أوضاعهم وأستقرارهم وكم من رفيق وصديق مدين له بحياته، أنا من
هؤلاء الذين كانوا في حيرة من أمرهم خصوصاً بعد أكمال الجامعة
والخدمة العسكرية الإلزامية فلم يعد الوضع يتحمل أكثر وليس هنالك
من تثق به في بغداد فالكل في ورطة، فكان الهادي والمعين والمشرف
على وصولي إلى بر الأمان وكنت قد ودعته وثائق مهمة خاصة بي وكتابات
وأهم ما سلمته له كانت بطاقة العضوية الحمراء التي كنت قد أخفيتها
قبل التحاقي بخدمة العلم ومن ثم قبل سفري ودعتها عنده فليس لي غيره
من مأمن وقد أختار لها رمزاً هو (خاتم الذهب) وقد دفنها في جدار
بيتهم الذي كانوا ينشئونه آنذاك والذي لا زال حتى اليوم كما تركه
لم يكتمل بعد...لازال بحاجة إلى الشمس والشجر، حيث عنوان مجموعته
القصصية الأولى والتي جاء في كلمة الإهداء...(إلى البيت الكبير
الذي ستغمره الشمس ويتفيأ ظل الشجر...)، والتي حوت أربع عشرة قصة
قصيرة سيجد القارئ بعضها ضمن الملف، ناهيك عن القصص الأخرى التي
نشرت خلال حياته منها ضمن مجاميع قصصية لكتاب آخرين منها قصة
(الفتية)، وكثيرةٌ هي نتاجاته الإبداعية التي لم تنشر حتى الآن لا
زالت مكتوبة بخط يديه منها رواية عنوانها (المطاردة... المدينة
تشحذ الخناجر...) وهي رواية تتداخل فيها ثلاثةُ أصوات، صوت أول هو
المدينة وصوت ثاني هو الحادثة وصوت ثالث هو المذبحة.
وهنالك مجموعة قصصية تحوي عشرين قصة قصيرة
لا زالت بخط الشهيد حافظت عليها العائلة طيلة عقود تنتظر أن ترى
النور وتبذل عائلته الجهود من أجل ذلك، من قصص هذه المجموعة (صباح
يوم للغربة/ كوة في جدار الريح/ السيف والصهيل/ سقف تحت شمس الصيف/
طارق باب الريح/ مبشر على سور المدينة/ حزن الطاعون/ طيف الريح/
المعتوه/ المدينة السومرية / الغيبة/ فتق في الجبهة/ ثقوب الخرز
الملون/ ذكريات أيام خلت/ ثلاث مقاطع عن السفر/ الفرسان/ الحصان/
سقوط المغني/ الوجه المجدور/ حيدر).
ناهيك عن قصص الأطفال والمقالات الصحفية
النقدية والتراثية والبوسترات واللوحات الفنية والمخطوطات المنوعة
والتي ضاع أو تلف معظمها وأتذكر جيداً بعضها والمفقودة، بعد خروجه
من الاعتقال الأول وهي تحكي أساليب التعذيب الهمجية التي تعرض لها
خلاله.
لقد تدخل بعض أعيان مدينة الدور لإطلاق
سراحه مراراً، بعد أن تعرفوا عليه ليس فقط معلماً مخلصاً لأبنائهم
بل إنساناً كبيراً وعظيماً تعرفوا عليه عن قرب وأحبوه ولكنهم لاقوا
التحذيرات من رجال الأمن عن ذلك. عند عودتي إلى الوطن بعد ربع قرن
من الغربة، التقيت بعائلة الشهيد وأطلعت على تفاصيل كثيرة عن
اعتقاله الأخير وبحثهم دون جدوى عن قبره الذي لا زال مجهولا حتى
هذه اللحظة* وتطرقنا إلى ذكريات كثيرة وعظيمة عنه وعن صموده وتحديه
لجلاديه، أثناء ذلك فتحت لي أبنته حقيبة تحوي ما تبقى من نتاجاته
والتي لم تتلف وكانت مخبأة وقلبناها معاً، كانت مصممة أن تكتب
النتاجات لتكون جاهزة للطبع، وبعد تجاذب الحديث قالت أم شفيع أن
هنالك ضمن حاجات الشهيد لك أمانة كانت مدفونة في الحائط، ناولتها
لي أبنته وفتحتها فوراً لأجد ضمن ما سلمته لي (خاتم الذهب)، تلك
البطاقة الحمراء وفيها أسمي الحزبي ... آه يا ألهي... هل لدينا
القدرة على المواصلة...؟ و كيف سنسدد كل تلك الديون لهؤلاء العظام
الذين ضحوا بحياتهم من أجل وطن حر وشعب سعيد...؟ أبو شفيع، يوماً
كتبت لي في دفتري الشخصي:
((أخي محمد: لست حكيماً ولا أملك من الفلسفة
ما يجعلني مطمئناً لكتابة شئ فيه نكهة المجرب في دفترك غير آثار
الحياة وخطواتها التي بصمت بها بعض حياتي))..
لقد كنت أكثر من حكيمٍ وأعظم من فيلسوف أيها
المعلم الشيوعي الفذ، لقد تركت لنا تأريخاً مجيداً مليئاً بالعبر
والحكم النادرة ورسمت لنا خط الحياة البهي، فأنت الحكيم والمجرب
وستظل بصماتك نافذةً في الذاكرة للأجيال القادمة... ملايين الورود
الحمراء على قبرك أينما كان فأنت في القلب دوماً أما قتلتك فها قد
ولوا إلى مزبلة التأريخ وستلعنهم الأجيال أبداً.
*لا زال البحث مستمراً عن قبره، علماً أن
جلاوزة النظام الدكتاتوري قد زودوا عائلته بشهادة وفاة صادرة من
مستشفى الرشيد العسكري تفيد بأنه أعدم شنقاً حتى الموت بتاريخ 8
أيلول 1983 ولكن تبين أن عدة شهادات وفاة صدرت بنفس الخط والفترة
للعديد من الشهداء من ضحايا النظام الدكتاتوري المقبور.