حميد الجيلاوي: قلب نظيف، كبيت الشمس
والشجر!!
فالج حسون الدراجي
حين تلقيت دعوة للمشاركة في الملف الخاص
بالشهيد حميد ناصر الجيلاوي، أنتابني أحساس غامض، أحساس فيه شيء من
الإدهاش الممزوج بالرهبة، أحساس يقع تماما بين منطقتي الحزن
والفرح، الفرح الذي أعادني إلى تلك السنوات الخضراء رغم توقف
الكثير من الجداول، والحزن الذي طاف بي على الكثير من وجوه الأحبة،
بخاصة وجوه الشهداء والراحلين والبعيدين جدا، تلك الوجوه الجميلة
التي صار مستحيلا رؤيتها مرة أخرى!! أعدت قراءة الدعوة مرات عديدة،
وفي كل مرة أعيد على نفسي ذات السؤال، هل أكتب عن حميد القاص
المبدع، أم عن حميد المناضل الصلب، الذي دفع حياته ثمناً لمبادئه
النضالية، أم عن حميد الإنسان الجميل، أم تراني سأكتب عن(حميدنا)
الذي أحبته العائلة، وصار واحدا منا ؟!
في البدء ارتأيت أن أستعرض المنجز القصصي
للمبدع حميد الجيلاوي، وأن أخوض في الأثر القصي المتميز الذي تركه
لنا، إلا أني تذكرت أمرا هاما، هو أني شخص غير محايد، بخاصة إزاء
الشهداء، وأجزم أن أي ناقد يفتقد للحيادية ، سيفتقد بالضرورة
للموضوعية ولوضوح الرؤية النقدية، وبالتالي ستكون قراءتي النقدية
المنحازة حتما، سببا محتملا لتشويش الصورة، وإضاعة الفرصة على
قراءات شابة وجديدة ومحايدة أيضا، ربما تستطيع(هذه القراءات)
أكتشاف عوالم جديدة لم تكتشف في جغرافية منجزه القصصي، بخاصة وأن
مجموعته (بيت للشمس والشجر)، لم تنل استحقاقها النقدي، لأسباب
أغلبها بات معروفا بعد سقوط النظام الدكتاتوري !! وحين فكرت
بالكتابة عن حميد المناضل تذكرت أيضا أن ثمة رفاقا له، عاشوا معه
تفاصيل العمل النضالي بخطيه السري والعلني، هم أجدر وأكثر أستحقاقآ
من غيرهم بالكتابة عنه، لذلك حاولت الانتقال بالكتابة عن
المحورالإنساني في شخصية الجيلاوي، بخاصة وأن فيه من الخصائص
الإنسانية النبيلة، ما يكفي لكتابة عشرات المقالات !! ولكني تذكرت
حشدا من أسماء أحبته وأصدقائه وأبناء مدينته، الذين يكتنزون حتما
في ذاكرتهم عشرات، بل مئات المواقف الإنسانية، لهذا الإنسان
الجميل. ولم يبق أمامي إلا أن أتحدث في هذا الملف الاستذكاري عن
حميد (صديق العائلة)، حميد صديق ورفيق شقيقي الشهيد خيون(أبوسلام)
وحميد (أبن أمي) الذي لم تسمه إلا(يمه حميد)!!
أما والدي فقد أحب حميد جدا، حتى أني أذكر
أنه وبعد أول لقاء له بحميد، قال لشقيقي خيون(بويه صاحبك أبو شفيق
خوش ولد)، ضحك خيون وقال له: (بويه أبو شفيع مو أبو شفيق).!!
وتتسع العائلة، وتتغير الأحوال، حتى يكرر
القدر لعبته الجميلة بيننا وبين مدينة الكوت الطيبة، حيث( يترحل)
شقيقي خيون للعمل الحزبي في الكوت بمطلع السبعينات، وهناك يلتقي
حميد، ليصبحا رفيقين وصديقين لا يفارق أحدهما الآخر، حتى- ويا
للصدف الحميمية، فقد مضيا سوية في طريق الشهادة إلى حيث المجد
والخلود -!! ومن خلال هذه الرفقة النبيلة والمقدسة، عرفنا حميدا عن
قرب، عرفناه جيدا، بعد أن لمسنا بمهجنا ونبضات قلوبنا، نقاء هذا
الرجل وطهره، وعراقيته، وشجاعته، وصدق انتمائه، أقترب منا كثيرا
حتى تلامست شغاف قلوبنا، واقتربنا منه كثيرا حتى امتلأت رئاتنا
بأنفاسه الطيبة، وحين تبادلنا الزاد والملح والأسرار، لم يخن أحدنا
الآخر حتى اللحظة الأخيرة، لم يف شقيقنا خيون وحده ،العهد والأمانة
( والرفكة والخوة ) مع حميد، بل كان ( بيت حسون كله، صغارا وكبارا،
رجالا ونساء) أوفياء له، فقد كانت الوالدة رحمها الله، وأم سلام
زوجة خيون، وحتى أطفال خيون الذين أصبحوا الآن رجالا، وكذلك
الوالد، وأنا وشقيقاتي، كنا نحتفظ بالكثير من الأسرار والحكايات،
والأسماء والقصائد والنكات، التي كانت على لسان حميد وخيون، وهما
يتداولانها في جلساتهم ولقاءاتهم العديدة، والتي مضت معهما دون أن
تنزلق إلى خارج جدران البيت!! وللحق فأن علاقتنا بحميد، ومعرفتنا
بهذا الرجل الذي يشبه القديسين، خلقا وشرفا وشهامة، أجبرتنا على أن
نزيد محبتنا لمدينة الكوت محبة مضاعفة، حتى صرنا نعشق هذه المدينة
الطيبة، ألا يكفي أنها مدينة حميد، وماجد، وذلك ( الكببجي النبيل)
؟! آه ، لقد تحدثت طويلا عن علاقة خيون بحميد، دون أن أتحدث عن
علاقتي بالشهيد حميد، ربما لأني عرفت حميدا من خلال خيون، وربما
لأنهما ذو تاريخين متداخلين يفضي أحدهما إلى الآخر حتى الشهقة
الأخيرة، هل تراني أكتب الآن عن حميد أم عن خيون، أم عنهما معا ؟!
ولم..لا ؟! لم لا أكتب عن خيون وأنا أكتب عن حميد، والعكس صحيح
أيضا، ولم لا أكتب عنهما معا حين أروم الكتابة عن أحدهما، أليس هما
أخوي (وأبناء أمي، التي تناديهما معا يمه) ثم أليس هما الجميلان
اللذان جاءا معا ومضيا معا ؟!! لا بأس، كان أول لقاء لي بالشهيد
حميد في مطلع السبعينات، كنت وقتها قد بدأت مشروعي الشعري للتو،
ولأن أغلب أصدقاء خيون، كانوا من العمال والكسبة والكادحين، فقد
فوجئنا حين دخل علينا أبو سلام، ومعه ذلك ( الأفندي ) في تلك
(العصرية)، التي كنا نشرب فيها الشاي في (الحوش الكبير)،على الرغم
من أن الضيف ذو ملامح جنوبية صافية تشي بالطمأنينة، وتريح النفس،
كنت ساعتها أتصفح كتيبا صغيرا للشاعر الأمريكي التقدمي (لانكستون
هيوز)،قدمه لنا خيون قائلا: (أنه صديقي المعلم حميد الجيلاوي، وهو
من الكوت) ثم التفت إلي وقال: (أن استاد حميد قاص معروف، ويحب
الشعر الشعبي أيضا) وما أن ذكر لنا أسم الكوت حتى نهضت أمي مرحبة،
وهي تمتدح الكوت وأهل الكوت، وحين أرادت أن تحكي له ( سالفة الكباب
والعقيد ماجد )، أوقفها خيون ضاحكا وهو يقول: ( يمه وروح أبوج
هريته هري بهاي السالفة، يمكن عشرين مرة حاجيها أله، فأرجوج كومي
حضري الغده تره ربعج ميتين من الجوع)!! ومنذ أن وضع حميد يده في
صحن الرز والبامية ذاك، وذاق ملحنا وزادنا حتى أصبح واحدا منا !!
أتذكر بعضا من المواقف الجميلة التي ظلت عالقة في ذاكرتي، منها أن
حميد هو أول شخص أطلعني على شاعرية الشهيد أبو سرحان( حين فتح
حقيبته الرصاصية الصغيرة، وأخرج منها قصيدة صلاة الدم (بخط أبي
سرحان نفسه)، وهي المرة الأولى التي أقرأ فيها لأبي سرحان، ومن حسن
الحظ أني لم أزل أحتفظ بتلك القصيدة في مكتبتي ببغداد وأذكر أن
الشهيد أبا سرحان، وبعد أربع أو خمس سنوات، وبعد أن أصبحنا صديقين،
وتزوجنا من شقيقتين،عرضت عليه القصيدة التي أهداها لي حميد، فطلبها
مني بإلحاح شديد، بحجة أن هذه النسخة هي النسخة الوحيدة المتبقية،
لكني رفضت طلبه، واستنسخت له نسخة منها، وأنا أقول له:(هذه هدية
والهدية لا تهدى) وأذكر أن أبا سرحان ضحك وقال: (عمي هسه قصيدتي
وما تنطيني إياها، ياهدية يا بطيخ)!! ومن الذكريات الجميلة الأخرى
التي التصقت بذاكرتي كل هذه السنين، هي تلك الليلة الجميلة التي
قضيتها مع الراحل (أبي شفيع) في نادي المعلمين في مدينة الكوت، حين
زرتها أواسط السبعينات، بعد أن طلب مني الوالد الذهاب إلى الكوت
والاستفسار عن سبب تأخر خيون، وعدم مجيئه لأكثر من شهر، أذ كان
يعمل وقتها في الكوت، وبعد وصولي وذهابي إلى الفندق الذي كان يقيم
فيه، أجلسني صاحب الفندق، وأتصل بحميد الذي جاءني بعد دقائق قليلة،
حيث طمأنني على ( أبي سلام ) وأخذني في جولة، بعد أن تناولنا
العشاء في مطعم ( الشمس) في ساحة العامل، ثم مضينا إلى نادي
المعلمين، حيث جلسنا معا نتحدث في الأدب والفن ونضالات الحزب،
وهموم الوطن، وكنت كلما أسأله عن خيون يقول لي: ( هسه على جيه)
وللحق فقد كانت جلسة ممتعة وجميلة أستفدت فيها الكثير، فقد كان أبو
شفيع معلما حقيقيا، يرسل لك المعلومة بعذوبة وتلقائية أخاذتين،
ناهيك عن تواضعه وهدوئه وليونة جملته، وحسن أستماعه، فضلا عن
جمالية وصفاء لهجته، وطوال أربع ساعات لم أشعر معه بالوقت قط!!
وحين أنتصف الليل أبتسم أبو شفيع وقال لي بأدب جم: أن أبا سلام
خارج الكوت، ذهب في (شغلة) وسيأتي صباح غد حتما، فأنتظره الليلة
لتمضيا غدا سوية إلى بغداد!! وفعلا عاد خيون في اليوم الثاني
وذهبنا معا إلى البيت!! الآن وأنا أسترسل في هذه الذكريات، خطر على
بالي أن أتوقف عن الكتابة، بل أني حاولت أن ألغي الموضوع برمته، أذ
ما جدوى هذه الذكريات البسيطة، ونحن بصدد الغوص في بحر شخصية
أدبية، ونضالية وإنسانية كبيرة، تستدعي وضع نتاجه الإبداعي المميز،
وسيرته الشخصية الخالدة، على طاولة البحث والدراسة، مستخدمين معه
كل ما يستحق من آليات نقدية ومناهج فنية معاصرة، لكي يأخذ الرجل
استحقاقه النقدي، الذي حرم منه في ظل ظروف ثقافية وسياسية متردية!!
ولكني عدلت عن فكرة التوقف بعد أن تذكرت، أن ثمة الكثير من الكتاب
والنقاد الذين سيساهمون في تغطية هذا الملف، بحيث ستكون أمامهم
حتما، أكثر من فرصة لدراسة وبحث نتاجه الأدبي، وتسليط الضوء على
أرثه النضالي، الذي توج باستشهاده على يد طغمة قاتلة بامتياز!!
ناهيك عن أنه رجل بسيط، جاء من الشعبية العراقية، أحبها وعاش بين
صفوفها، فأعطى لها أحلى سنوات حياته، وقد كانت ذروة عطائه تتلخص في
تقديم حياته للناس البسطاء، لذلك فأن الكتابة عن حميد الجنوبي
البسيط والطيب، هي بمثابة الكتابة عن أي منجز آخر من منجزه الأدبي،
أو الثقافي الحضاري، أو النضالي، ويقينا أن أستذكار الخصوصية
الشعبية في حياة شخصية، كشخصيتة، لا يقل أهمية عن أي أستذكار آخر،
بل وجدت أن إهمال الخصوصية الشعبية في ملف كملف الجيلاوي سيترك
خللا، وثغرة واسعة فيه !! في حفلة زواجي (وقد كتبتها في مقالة
سابقة) كان لحميد موقف أنساني وأنقاذي كبير معي، فقد كنت بحاجة إلى
أي دينار يقدم بسبب الديون التي تحملتها جراء متطلبات الزواج، فما
كان من حميد (الإنسان) وقد عرف المأزق المالي الذي أنا فيه، إلا
وأن ينقدني بخمسين دينارا، كان هذا المبلغ آنذاك مبلغا كبيرا جدا،
ولما اعتذرت عن قبوله، باعتباره مبلغا يفوق أمكاناته المادية
البسيطة، رفض حميد ذلك وأقنعني بأن المبلغ ليس منه وحده، أنما هو
لمجموعة من الأصدقاء في الكوت أرسلوه معه هدية لي، وقد ذكر لي عددا
منهم، ولكني أكتشفت بعد فترة، أن المبلغ كان كله من حميد وليس كما
قال، أذ ألتقيت أحد الأسماء التي ذكرها صدفة في بغداد، وحين شكرته
على (الهربة ) التي بعثها مع حميد، أستغرب الرجل وقال بدهشة: أية
هربة، أنا لم أبعث أية هربة، لأني لم أعرف بخبر زواجك أصلا!!
وكم أحزنني الأمر حين علمت أن المبلغ الذي
قدمه لي، كان قد جلبه معه لبغداد لشراء بعض الحاجيات البيتية!!
لماذا الشهداء دائما طيبون، ورائعون، وكرماء ؟؟! آخر مرة ألتقيت
حميد، كانت قبل الحملة الفاشية على جماهير ومثقفي الحزب الشيوعي
بعام تقريبا، حين جئت ومعي فائز نجل الراحل الكبير شمران الياسري،
الى مجلة الثقافة الجديدة في بغداد، وفي باب البناية ألتقيت أبا
شفيع، كان خارجا من المجلة، بعد أن حمل إليها عددا من نتاجاته
الإبداعية، تعانقنا ثم قال لي: لماذا لا تأتي إلى الكوت لنقيم لك
أمسية شعرية، ضحكت وقلت له مازحا (ليش خويه أبو شفيع جنك تريد
تعلسني)؟! وضحكنا فقد كانت الكوت تتعرض وقتها لحملة أعتقالات !!
ودعته، وتعانقنا مرة أخرى، وكان ذلك آخر (وداع) مع الرجل الذي
يحمل، قلبا مضيئا ونظيفا وكبيرا، كبيت الشمس والشجر.