الشهيد القاص حميد ناصر الجيلاوي:
ألق البطولة .. والجمال
ياسر العطية
الحق.. لست الوحيد الذي يحار في تحديد
المواهب الفنية وملكة الإبداع والخلق التي ينفرد بها الشهيد القاص
حميد ناصر الجيلاوي رغم السنين الطويلة التي طوينا صفحاتها معاً
على جانبي مدينة الكوت وقبالتها (العزة) حيث المسكن المتواضع
الفقير الذي احتضن (حميدا) ثلاثة عقود من الزمن ممتلئة صاخبة
بالقراءة والكتابة والتجريب والابتكار لتجعل من ذلك الشاب الأسمر
النحيف المتواضع الساخر الدمث.. عملاقاً أسطوريا يقض مضجع الطاغية
الدكتاتور وجلاوزته الأميين، الأمر الذي دفعهم للغدر به واختطافه
من مدينته ثم تصفيته جسديا! كنا يافعين متقاربين في السن حين قال،
وهو يتأبط رزمة كبيرة من كتبه في اليد اليسرى ويلف ذراعه الأيمن
الحميم على ذراعي كعادته: ياسر، تعال أريك صاحبي (حاتم الصكر) انه
شاعر مثلك! وقد التقيا بالفعل ولم نفترق، إلا على تلك الضريبة
النكراء، ضريبة الشر على الخير! كنا نعرف أن يصف بعضنا الآخر
فنقول: هذا شاعر وذاك قاص وذلك فنان، لكننا لا نعرف أن نصف (حميدا)
وهو القاص أصلاً لأنه ليس قاصا مبدعا فحسب ولا يقف عند حدود القصة
القصيرة التي أتقن فنها مبكرا، لقد كان واعيا جدا ومنسجما جدا مع
ما ذهب إليه فكتور هيجو: (ليذهب الشاعر إذا حيثما يشاء، ويعمل ما
يحلو له هذا هو قانونه وسواء أكتب نثرا أم شعرا، سواء أنحت في
المرمر أم صب تماثيله من البرونز، هذا رائع جدا فهو حر(كان رساما
ماهرا يعرف أسرار الألوان وتقنياتها، يصنع من تخطيطاته وخربشاته
الخاطفة هنا وهناك (اسكيتشات) خطيرة وباهرة لأعمال فنية لا حدود
لها، ويخترع بأدوات نحت متواضعة أجساما وأشكالا خرافية يوظفها لهذه
المناسبة أو تلك، يصمم لنا المجلات ويحثنا على الكتابة والعطاء
أكثر مما تحثنا أنفسنا وميولنا، وكان يقيم المعارض الفنية الثورية
المبهرة والجديدة علينا، وهو إلى ذلك يمتلك القدرة على تمريرها على
(خراف الطاغية وزبانيته) سلاحه الوحيد تواضعه ودماثته وذكائه في
إقناع الآخر واختراع حجبه! جئته ذات ليلة احمل حقيبة كبيرة مملوءة
بالكتب لأزوغ عن عيون الأمن الفاشيين، فضحك طويلا وقال: الكثيرون
غيرك ممن (ينحثِل) بمثل حقيبتك هذه نقودا ومجوهرات! كانت الحداثة
هاجسه.. وقد أسمعته قصيدة عمودية، فقال: لو لم تكن أمامي الآن
بقميصك الجميل هذا وأناقتك لحسبتها لشاعر بدوي يركب جملا بعمامته
وجلبابه وعصاه! وما انفك- وهو الناثر البارع - يجاري مشاريعي
الشعرية الفتية، حتى رمى بي وغيري في لجة بحر (السياب) الزاخر
الفسيح الذي يعرف عنه أكثر مما يعرف عن نفسه كما يقول، لريادته
التجديد الذي ركب حميد موجته واثقا مطمئنا لا يلوي على شيء! وكان
موقنا أن فنه سيثمر وان قصصه ستبقى وان رسوماته ستتحول إلى سواعد
لا تلين غضبي تموج على رقاب الظالمين. وألتقيته آخر مرة.. وياله من
لقاء، كان واقفا أمام دائرة المصرف العقاري في الكوت بقميص اصفر
وبنطال رصاصي وحذائه الصيفي (الجركز) وقد طوح به (الغادرون) في
مدرسة نائية في تكريت وبي في أخرى بصحراء الدلمج (50 كم) عن مركز
الكوت وكان لحظتها وضاءا، قويا، متفائلا، صبورا، عنيدا، شامخا
كالجبل الأشم... لم يسعه أن يحدثني عن الجواهري والسياب وسعدي هذه
المرة! فودعت (أبا شفيع) مغترفا من الق عينيه آخر وليس أخيرا ما
يضيء قصائدي ويطهر كلماتي!
