العراق .. بيت للشمس والشجر

محاولة لاستعادة صورة الكاتب الشهيد حميد ناصر الجيلاوي

برهان شاوي

العام 1970، هجمة شرسة على الشيوعيين والديموقراطيين من قبل الفاشيست البعثيين عمت جميع مدن وقرى العراق. حينها كنا فتيان تصطخب الأحلام الجامحة والرغبات الشبقة في دواخلنا. كنا مجموعة صغيرة نهتم بالأدب ونحبو في باحاته، ونحاول أن نتعلم المشي في رحابه، كما كنا نتطلع إلى السياسة كجزء مكمل لرجولتنا المبكرة. كنا ما بين الثالثة عشر والسادسة عشر من العمر، نستعير الكتب من بعضنا البعض،أذكر إن محسن الذهبي كان يزودنا بدواوين نزار قباني وبعض الروايات الجديدة، وطارق صبري طخاخ، وعطا صبري، ورحمن غيدان، ومرتضى حسن الذي جاءنا من البصرة، وطالب حسن، وحميد جاسم (ماو)، وكنا نحظى بتعاطف بعض المدرسين الذين كانت الهمسات تتبعهم لكونهم من الشيوعيين أو المتعاطفين مع الحزب الشيوعي أمثال كريم الشيخ وهمام الشبيبي، وعادل العامل، وغيرهم.

ذات يوم جاءنا عطا صبري ملهوفا،هل سمعتم: الليلة البارحة اقتحم رجال الأمن منزل الأستاذ همام الشبيبي واعتقلوه، كما اعتقلوا بعض المعلمين والمدرسين من المدارس الأخرى أمثال مدرس الرياضة المعروف سعدون (أبو جيشي) ومحمد قاطع. وستار مزبان وحميد ناصر الجيلاوي، وبعض الطلبة الذين لهم علاقة بالاتحاد العام لطلبة العراق، وبعض الفلاحين من الحي والنعمانية. حينها امتلأت قلوبنا الصغيرة بالوجل، لكننا رغم ذلك شعرنا بأهميتنا الشخصية، مثلما شعرنا بحب وفخر لكل هؤلاء المعتقلين. ومن باب الوفاء لهم شكلنا خلية تنظيمية للاتحاد العام لطلبة العراق في مواجهة التشكيلات الأولى للاتحاد الوطني لطلبة العراق البعثية، دون أن يكون لدينا اتصال حقيقي بالتنظيم الطلابي الذي اعتقل معظم المسؤولين فيه وعليه. تلك كانت المرة الأولى التي سمعت بها بإسمين عزيزين على القلب والذاكرة لحد الآن، وهما: الاتحاد العام لطلبة العراق، وحميد ناصر الجيلاوي.

بعدها بعام رحلت إلى بغداد وبدأت سنوات النضال الحقيقية. وكنا أبناء الكوت الذين ندرس في بغداد، نحاول أن نعيد تشكيلات التنظيم الطلابي في المدينة، لا سيما أثناء فترة الصيف، وقد رافق هذا الأمر بعض الانفراج السياسي النسبي الحذر، وخلال هذه الفترة كان العديد من المعتقلين قد خرج من السجن، وأعيد بعض المفصولين إلى وظائفهم.. وسمح لصحافة الحزب الشيوعي بالصدور، لاسيما الجريدة الأسبوعية ( الفكر الجديد)، والتي كانت توزع في الكوت داخل مكتبة في شارع المشروع، صاحبها كان وكيلا للأمن، ويتواجد فيها يوم وصول الجريدة بعض رجال الأمن.

أذكر اليوم الذي فيه تعارفت على الشهيد، إذ ذهبت إلى تلك المكتبة قبل ميعاد وصول الجريدة بقليل، وما أن وصلت حتى أسرعت بشراء نسخة منها رغم مماطلة صاحبها محاول تأخير بيعها متحججا بعدم استلام الوصولات والقوائم وما شابه من أعذار، حتى يضمن وصول المخبرين الذين مهمتهم كانت تنحصر في معرفة قراء صحيفة الحزب الشيوعي في الكوت.

دخلت المكتبة الصغيرة، وتناولت الجريدة مسرعا بعد أن طويتها بشكل جيد وآمن!

ومن أن دلفت إلى الفرع الذي يتجه إلى مصرف الرافدين، ومقر نقابة المعلمين! حتى رأيت رجلا أسمر نحيلا، يدلف خلفي إلى الفرع نفسه، وكان يبتسم بمودة ودفء.. لم افهم شيئا، وما أن لحق بي وصار على مبعدة خطوات مني حتى مد ذراعه إلي مصافحا، ومقدما نفسه، حميد.. فتناولت كفه لأشد عليها، وبدأنا الحديث الأولي المتعثر، لكنه الواثق.. كان يعرفني، ويعرف أن لدي محاولات شعرية، لكنه كان يعرف الكثير عن نشاطي السياسي الطلابي.. كيف لا وهو الكادر المتقدم في صفوف الحزب الشيوعي في المحافظة.

بعد ذلك صرنا نلتقي باستمرار، كلما سنحت لنا ظروفنا، وكان الأدب والسياسة

يتداخلان في حديثنا. حدثني عن مشاريعه القصصية والروائية، وعن تقصير الصحافة الحزبية، التي صارت يومية فيما بعد، في التعامل مع أدباء المحافظات

كان حميد. أنموذجا مختلفا للمثقف الثوري، والمبدع الملتزم!

فرغم ثقافته العالية، وتنوع مواهبه الفنية والأدبية، إنسانا بسيطا ومتواضعا بشكل متميز، ليس ذلك التواضع المقنع الذي يدخل في باب التهذيب، وإنما التواضع الحقيقي والأصيل..، كما كان ديموقراطيا على خلاف الصورة النمطية للمسؤول الحزبي والسياسي، فكثيرا ما كان يستقبل آرائي الجامحة والمتطرفة، وفق تعبيرات الأدب الحزبي، بروح رفاقية حقيقية وبمشاركة جادة وحقيقية في النقاش والاختلاف، وكثيرا ما كنا نتفق في الآراء، لكنه رغم ذلك يعود ليؤكد أن هذا هو رأيه الشخصي وانه يدافع رغم ذلك عن موقف الحزب، ورغم أنني كنت غير مقتنع بهذه الطريقة من تبني الآراء، لكنني كنت أحترمها في الشهيد لأنها تعبر عن وفائه وإخلاصه لموقف الحزب، وبالتالي تعكس موقفه الأخلاقي والشخصي من العالم والأشياء.

حينما صدرت مجموعته القصصية الصغيرة ( بيت للشمس وللشجر) كانت فتحا أدبيا مهما، وبشارة حقيقية لولادة كاتب مهم سيكون إضافة في القصة العراقية القصيرة.. كانت لغته شعرية ، كثيفة، إنسيابية، مليئة بالتعبيرات والاستعارات والتوريات، لغة مليئة بالشمس والظلال، وكان أبطاله من الفلاحين، والكادحين والكادحات من أبناء شعبنا، أبطال حقيقيون، لهم تاريخهم المعروف في مسيرة الكفاح ضد القتلة والأنذال والفاشيست. لم تكن تغويه هموم المثقفين الفلسفية والذاتية، ولم يكن يميل إلى التجريب لمجرد المتعة الفنية وإنما كان يحاول أن يكن ضمير هؤلاء الفلاحين الذين ترعرع بينهم، فمنحوه ثقتهم وولائهم، وتلك النسوة اللاتي بحن له ببعض أسرارهن الجميلة، فحاول بكل نبل المثقف الثوري أن يجسد بطولاتهن الإنسانية ومآثرهن الجليلة في الصبر والصمود ومواجهة محاولات الإذلال والحصار بكبرياء العراقيات الفضيل.

ورغم التزامه الحزبي المعروف على مستوى محافظة الكوت والفرات الأوسط، إلا انه حينما يكتب كان لا يحتكم إلا إلى الروح الإنسانية وجلال الموقف، والتواءات الوضع البشري، وارتعاشات الروح وقلقلها وهواجسها وذبذباتها المريبة.

قبل اعتقالي بفترة قصير في نهاية العام 1978 التقيته بعدما تلبدت السماء بالغيوم المكفهرة ونذر الشر، وكانوا قد نقلوه معلما في تكريت، التقينا لدقائق معدودة، كان حديثنا مشحونا بنبرة الحقد على القتلة والبعثيين، وبالعتاب على الموقف المتردد وغير الحاسم من مجريات الأمور من قبل الحزب، لكنه كان أكثر تفاؤلا مني، فقد كان يذكر بان الحزب مر بمثل هذه المحن وانه سيظل بيتا للشمس وللشجر مهما حاول القتلة والأنجاس والأنذال أن يدمروه.

بعد ذلك بسنتين، أي بعد اعتقالي، واختفائي ثم هروبي مشيا على الأقدام من العراق إلى بلد مجاور، ثم وصولي إلى بيروت، تذكرت بعض توصيفات الشهيد للقتلة البعثيين، أثناء الحملة الدموية ضد الشيوعيين في نهاية السبعينات، حينما كنت في بيروت أقرأ رواية (فارس الأمل) لجورج أمادو، إذ تداخل وصف الشهيد مع وصف أمادو للقتلة إذ يقول: (وحل، قذارة، بذاءة، تعاسة، جراح متقيحة، لحم مصاب بالبرص، صديد جراح، قيء، بصاق، عفونة، نفاية المواخير، تلك هي الصفات التي تليق بهذه الحثالة من الناس، إنه من الأفضل، يا صديقي، أن نملأ فمنا بالقذارة، من أن نتلفظ بأحد أسماء هذه الديدان التي تحمل قلب الوحوش، أنهم لقتلة، قتلة باردو الأعصاب، جبناء، بهائم، منحطون، وان أوسخ كلمة، وأقذر عبارة، تشكلان شيئا لطيف الوقع وقصيدة غنائية بالقياس إلى أسمائهم المتعفنة).

أخي ورفيقي وصديقي الشهيد حميد، ويا أصدقائي ورفاقي الشهداء، كم يحزنني أنكم لم تروا صنم الطاغية وهو يتهاوى تحت زخات أمطار الفرح التي انهمرت من الحناجر، ولم تروا كيف ضرب أحد أخوتنا الطاغية بالنعال إيذانا بانهيار جمهورية الرعب، وكيف القي القبض على (فارس الأمة وسيفها الضارب وحارس البوابة الشرقية) في جحر وقبر في الأرض سكنه حيا هاربا من غضب أبناء الشعب العراقي.

أيها الشهيد الجليل، لقد فقدك الأدب العراقي، قبل أن يكتشف بيتك المليء بالشمس والشجر، وقبل أن يقرأ رواياتك الملحمية، لكنه بلا شك سوف يضيء ذاكرتنا من خلال نشر نتاجاتك ومؤلفاتك إبداعاتك الجميلة. ونعاهدك أن نجعل من العراق بيتا للشمس وللشجر.