شهادة فوق العادة ...
حميد الياسري
بعد انهيار النظام الدكتاتوري في التاسع من
نيسان، وبعد العثور على الكم المريع من المقابر الجماعية المزروعة
في جسد الخارطة العراقية، أضحى الكلُّ متيقناً من أن لكلٍ كانت
حصته من نافورة الدم التي اندلعت في صبيحة 8 شباط 1963 م وأمتد
خيطها الأسود يغلظ حتى نيسان من عام 2003 م … ومن (خريطة) المقابر
الجماعية يبزغ البرهان الجلي، في أن العدل والمساواة سادا بلاد
السواد طيلة تلك الحقبة المظلمة، فقط في مجال توزيع الظلم من لدن
الظالم ، حتى ليسجل لصدام أنه كان بارعاً في توزيع العذاب والموت
على العراقيين بالقسطاط، لحد راح البعض يصفه بأنه كان أشبه بفلاحٍ
ماهرٍ حرص على نثر بذوره لتغطي الحقل بالتساوي، مع أخذ الفارق بأن
مواسم (البذار!) لصدام امتدت لثلاثةِ عشر ألف يوم ونيف !!..لقد
شملت عملية بذار (بن صبحة) كل المدن والحارات والبيوت والقصبات حتى
أشعر العراقي بالتخمة، بل أصبح رصيده من مخزون المأساة ما لا يقوى
على نسيانه لأكثر من قرن.
يقول الكاتب د فيصل دراج ((.. ما ذكر القلب
إنساناً إلا وشفعه بمناسبة، وما ذكر مناسبة إلا ورأى فيها وجوهاً
غابت أو اختفت أو ابتعدت، فكأن بيننا وبين الزمن السوي قطيعة
وجفاء!!))... وإذا استعرض تلك الوجوه الجميلة والكثيرة لشهدائنا
الأبرار، ممن غيبهم النظام العفلقي المجرم (بما فيهم أخي ماجد
وأربعة آخرين من أفراد الأسرة) يقفز إلى الذاكرة الوجه الجميل لذلك
المعلم الشاب، والأسمر النحيف المبتسم، الذي يوحي إليك قبل أن
تعرفه عن قرب بعمق ثقافته، وعندما يتحدث إليك بتواضعٍ جمّ ولطافة
معهودة، تشعر وكأنك عرفته منذ عهد نوح !! علّني اليوم وقبل أن تصعد
الروح إلى بارئها، أفي بعهدٍ قطعته على نفسي منذ أزل بكتابة بضعة
سطور متواضعة من وحي علاقة حميمة، وأيضاً تحت ضغط أخلاقي يدفعني
للانتقال إلى الذاكرة المتعبة والتجوال في أروقتها، لأدون ما
أعتقده مناسباً للنشر عن صديقي الشهيد الأستاذ حميد أستفز الذاكرة
بعد نحو ربع قرن على رحيله، لاهثاً وراء العثور على شئٍ في القعر
يفي بالغرض و(قد المقام) عن هذا: الراحل الرائع القابع في القلب...
خلال رحلة إبداع الحياة، وفي عالم البؤس
البعثي المدقع، أتيح للكثير من العراقيين التعرف على قلمٍ واعدٍ
وريشة خلاقة مبدعة، مثلما هو في ذاته معلماً أنيقاً وفاضلاً أستشهد
في ذروة التألق والصبابة من أجل قضية نبيلة كان يسعى لتحقيقها وهو
في غاية التناسق والانسجام معها ..لقد أدرك المعلم الشهيد، وبوقت
مبكر، أين يضع قدماه وما ينبغي أن تطفح بهِ ذاته النبيلة من قناعات
ظّل متيماً بها، فكانت بمثابة البيان الأول لنهاية حياته !!.. لِمَ
لا وهو الإنسان المنحدر من واجهات الإملاق الريفي ؟؟..لم تكن
مشكلة الشهيد حميد في انتمائه إلى اليسار، فاليسار العراقي أكتسح
جيلاً بأكمله، إنما كانت مشكلته تكمن في سعادته بذلك الانتماء،
مندفعاً بيقين التغيير الذي هو واقع لا ريب، وفقاً لقراءته لحركة
التأريخ وواقع الحال..لقد كان الرجل وكما عرفته غير مكترثٍ بحياتهِ
في الجري على حافة الحقيقة الناصعة، فلا تجده إلا ومتأبطاً لكتابٍ
ما وفي أعسر الظروف، وإذا أخذت منه موعداً فلن يعطيك مكاناً آخر
غير نقابة المعلمين في الكوت، حيث تجد المتحلقين حوله، هم شريحة
المثقفين والمبدعين وأصحاب الهوايات، زملاءً وأصدقاءً .. ومن وطيس
تلك (الحلقات) يأتيك رجع الجدل، و(الجدلية الديالكتيكية) يشق
طريقه إلى عنان السماء، وبصوته الرخيم الممتزج ببحة محببة، نسمعه
يشرح لهذا أو يوضح لذاك، بأسلوب متفرد وأهلية تسمح له بذلك.. لقد
بزّ المعلم الشهيد أقرانه على قصر الفاصل الزمني الذي أتيح له أن
يحياه، فكتب الرواية ونظم القصيدة ورسم الّلوحة ونحَتَ ومارس
الصحافة، كما أنجز دراسته الجامعية لاحقاً... ويبقى الأهم، أنه حاز
على إعجاب الجميع ودهشتهم لغزارة ِ ينبوع عطاءه في كل ما
ذكرناه...لقد تبوأت لوحاته الفنية مكاناً ملحوظاً في المعارض
المحلية والدولية، وبحدود ما تسعفني بهِ الذاكرة فأنه أقام ثلاثة
معارض لنتاجاته، وعرضت رسومه في مهرجان برلين للطلبة والشبيبة سنة
1973م، وربما كان مقدراً له أن يصبح فناناً معروفاً لولا غدر
الفاشست بهِ عام 1982م ..وفي المحطةِ الأخيرة من حياته مشى بدروب
السياسة ووظفَ كل طاقاته ومواهبه الخلاقة خدمةً لها، فكانت المحصلة
أن جاد بحياته ثمناً لمثلٍ عليا اقتحمت فؤاده، ألم يكن ( الجود
بالنفس أقصى غاية الجود)..؟؟ .. كان الشهيد عضواً ناشطاً في إتحاد
الأدباء العراقيين ولأن الأمر كذلك، فلا غرابة أن تمنع وزارة (
العلوج) - الإعلام - نشر روايته عن انتفاضة الحي، علماً بأنها سبق
وأن أجازتها...!!
ولد الشهيد عام 1947م لأسرة فلاحية تقطن
الريف بمنطقة ( بيت جّلاية ) في لواء الكوت، أنهى دراسته
الابتدائية هناك ثم واصل دراسته في المتوسطة الرسمية في الكوت،
بعدها التحق بدار المعلمين، وتخرج منها بتفوق في منتصف الستينات
حيث تم تنسيبه معلماً (في مدرسة التقدم الابتدائية للبنين) في
ناحية الدجيلة وكان معلمها الأول والوحيد وهو الذي أختار لها الأسم
... متزوج وله خمسة من الأبناء، أكبرهم شفيع..
في العودة إلى الذاكرة، وبعد مضي ما يقارب
الأربعين عاماً، أجد أن البدايات الأولى لعلاقتنا تعود إلى تلك
القصاصة التي استلمتها منه، عبر أحد تلاميذه وهو أبن عمي الشهيد
حبيب الياسري (الجندي المكلف المعدوم عام 1978م) ..ذات يوم أخبرني
حبيب، بأن معلم المدرسة حديثة الافتتاح قد فتح معه دردشة حول
عمّنا شمران الياسري - أبو كاطع- وبدى خلالها المعلم الشاب متعاطفا
ً للغاية مع ما كان يطرحه شمران سواءً في أحاديثه الإذاعية أو فيما
يكتبه في الصحافة ..ولما كنت حينها مبهوراً ببريق الفكر الماركسي،
فقد التقطت هذه الخيرية التي شجعتني على التعرّف عليه ولم يكن لدي
طريقة أخرى سوى المبادرة بدعوته لوليمة غداء الجمعة، قياماً بواجب
واغتناما لفرصة التعارف ..كنت حينها في المرحلة المتوسطة، مع هذا
فأن ما كان يجمعني من الأفكار والسياسة وثقافة المضيف ما يؤهلني
لفتح أحاديث سياسية متدفقة معه، وهذا ما حصل بالفعل خلال تجوالنا
بُعيدَ الغداء في ربوع بستاننا المترامي الأطراف ...خلال تلك
السويعات اللذيذة كان تفكيك الشفرة مستمراً ومتبادلاً بيننا، مع ما
استطعنا تأمينه من أجواء الثقة، ومن السياقات فهمت أن كلانا كان
يسعى لكسب صاحبه الآخر للحزب...ولم تزل في الذاكرة عطرة ندية، كل
تلك الحوارات والأحاديث الساخنة بين شجيرات البستان ونخلاته...ولما
كان المرحوم جدي محباً للشعر والأدب ويقتني مكتبة متواضعة تُعد في
مقاسات الأمس شيئاً نادراً في الريف، فأنه أُعجب بدماثة خُلق
وثقافة المعلم القادم إلى قريتنا تواً، وسرعان ما أصبحت الدعوة له
مفتوحة، بل كنا نرسل إليه بأحد فلاحينا ليصطحبه على ظهر الفرس
أسبوعياً تقريباً..
كان المعلم حميد يقوم بأعباء المدرسة بنفسه،
بدءاً من أعمال التنظيف وإنتهاءاً بصبغ السبورتين، مما أتاح لفراش
المدرسة (رحيم وادي النجم) متسعاً من الوقت لرعي مواشيه !! ولما
سألته عن سر ( تضامنه الأممي!) مع الفراش أجابني ببساطة: ما عساني
فاعل بكل هذا الفراغ القاتل ؟ أليس من الأجدى لي أن أضع وقتي تحت
تصرف البروليتاري -إبن وادي، وفي أحدى المناسبات وبينما كان في
ضيافتنا، عرض الشهيد حميد على المرحوم جدي التوسط له لدى مدير
المعارف يشأن نقله إلى مركز المدينة، وكان المدير آنذاك الأستاذ
الفاضل صبيح الحاج مكي الذي كان والده من أخيار المدينة وجهائها
...إذن، فحميد سئم صداقة البعوض والمكوث على ضفاف الهور، وفي موقف
كهذا لم يكن الأمر صعباً البتّة، وتحقق له مراده في بداية العام
الدراسي التالي، حيث نقل إلى ( مدرسة الفداء الابتدائية للبنين) في
مدينة الكوت، التي بقي فيها لحين جاء أزلام عفلق إلى السلطة، وعند
هذا الفاصل الزمني الكئيب خضع قطاع التعليم إلى (البعثنة) فجرى ما
هو معروف ..وهكذا وجد صاحبنا نفسه ثانية مرمياً إلى الريف وتحديداً
في مدرسة (أم حلانه)، في تلك المدرسة زرته لمرات عديدة. وعبر
الشهيد أتيحت لي فرصة التعرف على شريحة طيبة من مثقفي المدينة
اللامعين من أمثال الأستاذ صباح علي الشاهر المدرس الأديب والمنقول
من الحلة إلى الكوت تواً والذي كنا نضفي على باكورة أعماله
المطبوعة، تسمية ( الكتاب الكركمي!) وكان بدوره يرد علينا بنوع آخر
من المزاح اصطحبته ذات يوم إلى (مجلة الثقافة الجديدة)، والتي كان
يديرها عمي المرحوم شمران الياسري وقدمته له ولهيئة التحرير، على
أنه من أبرز المثقفين الواعدين في مدينة الكوت، ومذ ّّاك توالت
زياراته إلى مقر المجلة في بغداد، وقدم للمجلة مساهمات قيمة عديدة
فرضت نفسها على النشر بعدها استمر الشهيد حميد يتطور بسرعة
ملفتة...
في عام 1972م كنت أعد برنامجاً أسبوعيا
لإذاعة بغداد، ضمن الفترة الريفية، وأسمه (ألوان ريفية) كان الراحل
يمدني بالكثير من موادّه، وعند زيارتي له في بيته بمنطقة (العزة)
آنذاك، كان يطلعني وقبل تسليمي المواد على آخر أعماله وما
كتب...وأتذكر أنه قبل سفري إلى تشيكوسلوفاكيا للدراسة عام 1973م
أعرته دفتراً كنت قد دونت عليه أحلى ما سمعت وما راق لي منذ
المرحلة الابتدائية، سواءاً كان نثراً أو شعراً أو حكماً أو حتى
أشياءاً شخصية جداً قد تمس فترة المراهقة الشبابية، ورجوته بأن
يقوم بتخطيطه أو أن تمر عليه ريشته الجميلة، وفقاً لمخيلته أو
محاكاة لما هو موجود بداخل هذا الدفتر الذي هو مذكرتي الشخصية أو
بالأحرى شاطئ ذكرياتي التي سأحملها معي إلى أوربا ...لم يمض
أسبوعاً حتى حمل لي الراحل الدفترالأزرق، وقد طُرِزَ بالتخطيطات
والرسوم الجميلة، وإزاء كل نصٍ فيه سجل محاكاة رائعة ومتناغمة مع
المضمون.
والآن، وبعد مضي هذا المقطع الزمني على
استشهاده، وشعوري بألم المغادرة يزداد عمقاً بغياب دوره بعد
التحري، أعرض نموذجاً رمزياً مما رسمته ريشته بين طيات دفتري
الأزرق، لاعتقادي الراسخ بأن السلطة الوحيدة التي تستطيع تحدي
الفاشية المهزومة وأبدية الموت، هي ديمومة الذاكرة التي هي دوماً
الرابحة في معركة النسيان ...وقبل أن أختتم هذا الملف المتواضع
الذي أُعد اعتمادا على ذاكرة تراكمت فيها الأحداث في أصقاع الغربة،
لابد لي من العبور إلى محطتين من محطات العلاقة الحميمية بيننا،
الأولى هي لكون سفرتي أُحيطت بظرفٍ ملتبسٍ، فلم يكن بوسعي توديع
كل من كنت أرغب في توديعه فذلك يعني الإفصاح عن وجهة وغرض السفرة
ما يفسد عليَّ مشروعاً كنت أحلم بهِ مع هذا لم يكن بمقدوري تجاوز
(أبو شفيع) والسفر دون توديعه...
أما المحطة الثانية فهي رسائله التي وعلى
شحتها، كانت تعني لي الكثير الكثير، وكانت تطفح بشحنة من الدعم
المعنوي ورسم رؤى متفائلة للمستقبل، كان الجميع بحاجة لها، لأن
منتصف السبعينات كان حقبة (المرجوحة!) ...وكانت آخر رسالة استلمتها
منه كتبها بعد زيارته لأبن عمي الشهيد حبيب (18سنة) في سجنه، بداية
عام 1987م وقبيل إعدامه بفترةٍ وجيزة، وقد وصلتني تلك الرسالة عبر
البريد البلغاري، كتب لي يقول: ((خلال زيارتي لتلميذي، ويقصد به
حبيب، وجدته معافى وبصحة جيدة، ولم يتعرض للأنفلونزا طيلة هذه
الفترة ...كما لم يزل ومثلما عهدته، محباً لأهله وللشعر)) ومن تلك
الرسالة فهمت أن إبن عمي حبيب كان وفياً صامداً في غرفة الإعدام
ولم تتضعضع له شكيمة، رغم انتظاره لحظة التنفيذ...كانت التهمة
الموجهة إليه هي حيازته لصحيفة طريق الشعب العلنية في حينها وكان
آنذاك جندياً مكلفاً ، كما مر آنفاً، أسمعتم يا عرب القرن، كيف
يموت الجنود المكلفون ؟..
ومثلما كان الشهيد مشروعاً للاستشهاد، فهو
أيضاً كان مشروعاً للفرح والتفاؤل وشخصيته تنطوي على كم من
الأريحية وخفة الظلّ تنطلق منها النكتة، كما لا يمكن اختزال رائحة
الفولكلور من أحاديثه، تماماً كما البسمة التي لم تغادر مُحيّاه..
كل ذلك يستأهل مني وإحياءاً لذكراه العطرة أن أكتب هذا الملف
المتواضع الذي ألقيت فيه بقعة أشد من الضوء على شخصية قد لا تتكرر
بسهولة في المدن الصغيرة والمقهورة.