حميد ناصر الجيلاوي في بيت الشمس والشجر

ياسين النصير

1

عندما يكون الإنسان قصاصا يقترب من الحكمة لأن القصة تسكن العلاقة الجماعية، والقاص لوحده أهدا الأنبياء قدرته على رواية ما يراه وما لا يراه ويستطيع أن يجعل الآخر راويا لحكايته إن أجاد سردها، ويستطيع أيضا أن يقول ما لم يقله الآخرون في أنفسهم فالنثر يمتلك طاقة الجماعة. ويزداد حكمة عندما يكون القاص ابن بيئته ينهض من أحشائها كل صورها الدفينة المتمردة منها أو المنكسرة. فالقصة الواقعية وهي تتشبع برائحة الأرض وحياتها تنبت اخضرارها الدائم وتصبح علامة للقراءة وهذا ما نجده في هذه المجموعة للقاص الجيلاوي  بالرغم من أن قصصها ليست على درجة واحدة من النضج والفنية.

وحميد صديق ورفيق درب، سرنا فيه وكأننا نعرف تعاريجه ولكننا كنا على سؤال دائم ومفتوح حينما فكرنا أن الفنار الذي نراه خلال القراءات سينقذ سفينتنا، وها نحن منذ سبعين سنة نبحر في العراق ولم نر شاطئه بعد. وهكذا ركضنا، وقع منا من وقع، ونهض شهيدا منا من سار، وكان أكثرنا قوة عندما غالب على الثانوي ليقنعنا بالأساسي.

2

يهدي الجيلاوي مجموعة القصصية إلى:

"إلى البيت الكبير الذي ستغمره الشمس ويتفيأ ظل الشجر.“

ومفردة البيت في كتابات الشيوعيين هي العراق، دائما يحلمون ببيت عراقي وبوطن حر وشعب سعيد هكذا تعلمنا أن ننعت ذواتنا المفردة لنستعير لغة الجماعة، فالبيت هو العراق وأما نحن فلنا الأمل والحلم في أن يكون البيت منغمرا بالشمس وبظلال الشجر. ولأن ناصر يتعامل مع العراق رمزا وواقعاً كانت الشمس والشجر المفردتان اللتان تهمين على الإهداء. فكان عنوان مجموعته القصصية يحمل المفارقة نفسها، يجمع فيه السماء والأرض، الحرارة والظلال، الأمل والواقع. ولأنه لا يستطيع أن يغادرهما إلى غيره حاول في ست عشرة قصة أن يحميه من خلال الكشف عمن يهدد هذا البيت أو يخرب الأعشاش فيه.

في "بيت للشمس والشجر" وهي استهلال يمزج القاص فيها بين الجسد والبيت، فالداخل الجسدي هو داخل بيتي وما يحيط بهما يخترق الاثنين فتتداخل اللغة حيث لا فرق بين أن يتحدث عن هيكل مريض تتجاذبه الريح والمطر وعن جسد يحتمي بمظلة لا تقيه برد الليل وفي الخلف من كل هذا ثمة هيكل يتهاوى ورغبة تعوي في الداخل وصدر مهجور ملئ بالسعال، لا شك أن القصة تملك طاقة التعبير النقدي عن واقع معاش فهي من تلك الخواطر التي تعلمنا أن نستلم منها قضية ولكنه عندما تأتي القصة استهلالا للقصص تعبرها بوصفها صرخة مفرد معزول إلى ثيمة مهيمنة على معظم قصص المجموعة، وسنقرأ تفاصيل هذه الثيمة وهو ينقلها من مكان إلى أخر ومن اسم بطل إلى اسم آخر حتى لتشعر أن الإيديولوجيا المهيمنة ليست إلا الكشف عن المساوئ التي حدث لناس القرية الطيبين. لا باس أن تكون القصة الواقعية ملتصقة بحياة الناس والمكان ولكن الأكثر حضورا في الذاكرة النقدية أن هذه القصص ليست على سياق القصة الواقعية الإنتقادية ولا على سياق القصة الشكلية والتجريبية أنما هي تبتني بيتا وتسيجه بلغة الناس وتضع فيه شخصيات مألوفة ليقصوا علينا ما مر بهم وما سوف يمر. وفي هذا وذاك سر نجاح لم تبلغه العديد من المجموعات التي صدرت يوم ذاك.فالقرية هي العراق وإن حدد وسميت، والأبطال هم النماذج الشعبية المسحوقة وإن نطقوا بأفكار كبيرة، أما القصة نفسها فهي نموذج لمزاوجة الموقف الإيديولوجي بالموقف الفني فأعادتنا حيث المنابت التي ينهل منها القصاص الشعبي. في قصة الذئب المتربص بالقرية ، يضع حميد كل أفكاره فيها: ثمة ذئب متربص بالقرية، والذئب رمز للعدوان والغدر وثمة أناس سيدافعون عن القرية والناس رمز للعرقيين الذين يهاجمون من قبل القوى الغاشمة، ليس في القصة ما يغير أهدافها المعلنة والمفارقة واضحة: قرية مسالمة وذئب بأنياب حديد. الحديث الذي يجري هو الكشف عن القدرة الكامنة في الناس ولا احد  يخطئ في التشخيص ولكن كل له  رأيه ، هنا  تبدأ معزوفة  التنوع في البيت العراقي والنهوض به ثانية لصياغة قصة تسمع في كل أطراف العراق، فالبيت  بمن فيه سيهاجم وعلى الأبناء الدفاع عنه لأن الذئب لا يهاجم أشخاصا معينين بل القرية برمزيتها، وتبقى الحكاية منفتحة. تكتفي هذه القصة بوضع علامة أولى تشخص فيها للأمكنة الكبيرة التي ستدور فيها أحداث القصص الأخرى،أي القرية التي تبدو هنا بلا حدود وبلا أسم، وقد أشارت الأقصوصة الأولى التي تداخلت فيها أفعال جسد البطل بجسد المكان إلى مثل هذا البناء الكلي وما قصة الذئب هذه إلا تفصيل أولي لأجزاء المكان- القرية. وعندما تهيمن فكرة كلية على سياق قصة قصيرة  مثل فكرة الذئب لا تبدو القصة قادرة على استيفاء شروط الحدث الكبير، فبدا الفعل مركزا على عنف وقوة الذئب بينما ضعف فعل المقاومة وهذا التوازن يتطلب تقنية تتوازن فيها أطراف الصراع، فقد أخذت الفكرة القصة إلى ابعد من كونها قصة بل فكرة عن الذئاب التي تهاجم الناس في قراهم.

في قصة "عذاب مزعل سوادي" يقترن أسم عذاب بصفة التعذيب، فالقصة تتحدث عن عذاب الذي سامه الشيخ العذاب والضرب وحث السلطات على تجنيده وضرب أبيه أمام عينية وفي ذاكرته تترى هذه الصور فيمتزج فيها قضيته وقضية الناس في حين أن جسده المحمل بالحبر والمنشورات يوزعها وهو المعذب من سلطات القمع على الناس، أما يده فتمسك البرنو وإصبعه على الزناد مسترجعا كل ما مر على القرية وناسها. القصة تدخل إلى تفصيل مهم من تفاصيل البيت - الجسد، "وكأن لا شيء في الذاكرة القروية غير أناس متميزين ومناخ وبيئة يعرفها. هذه المكانية الشعرية تكثف فعل القص وتختزله وتسوقه باتجاه الفكرة المحورية وهي أن القصص ذات هوية اجتماعية تتحدث عن عذاب ونضال الفلاحين.

في قصة "نحو الجرف" تفصيل أخر للقرية ولمنطقة نهر الغراف حيث أمكنة القص تتفيأ ظل شجرة وطين وماء غرين، ففي هذه القصة يخرج القاص إلى فضاء القرية وشمسها وريفها ومياهها فيلتقط من هناك ما هو تحت ضوء الشمس والريح والغبار والطين أنه يفصل أجزاء البيت الكبير الذي ابتدأ به ولم تغب أيضا مفردتا البيت والجسد ولكن الجسد هذه المرة لكلب القرية وأطفالها.القصة تتحدث عن الكلب صديق الناس ودليلهم في القرى، وفي تناغم شعري للحال الإنسانية التي يرى القاص فيها ملاحقة الأطفال للكلب  ضرب من هوس الطفولة واللعب. تفترش القصة مساحة من القول الشخصي عن تكوين يعيش في ذاكرتنا مليء بالحساسية والدقة والتفاصيل الصغيرة،فالقصة ليس شرطا أن يكون بطلها إنسانا فلاحا أو عاملا كي تقترب من الواقعية ففي الحكاية المشبعة بالمألوف ثمة ملايين اللقطات الكبيرة التي في تفصيلها تكمن روح الإنسان تجاه مكانه وزمانه. ولا يهم بعد ذلك أن ينتصر الأطفال على الكلب فيدموه وهو يهرب من حجارتهم القاسية، لأن يبقى الكلب محورا من محاور رؤية أكثر عمقا للعنف الكامن في البساطة. في قصة "الرغبة" نلمس حديث صبي في رغبة بلعب الكعاب مع أصدقائه لكن الفاقة تجبره على بيع السمك فالأب مات والأم توقظه قبل أن يكمل حلمه، قصة مشبعة بالمألوف ومن تلك الأجواء القروية لكن ما يجعلها تنهض بحدثها أن القاص يستبطن لغة الصبي الصغير فتبدو الكلمات منطوقة بلسانه المرتجف وقدميه الحافيتين، الصورة التي تصلنا عامة ومشاعة لكن ما خلفها تكمن رائحة وظلال القرية المكان الحلم الذي ينبت الحكايات اليومية.

في قصة "العجوزان" تتصاعد نغمة الألفة مع الحياة فالذي يحيط بالشخصية العجوز وزوجته هو الموت، الموت المتربص بيد طفل شرير يفقأ عين القطة الوحيدة التي تدخل السرور وها هي تتلوى من ألم الضربة تقف على الجدار مكسورة وخلف هذه الصورة الغارقة حد الإشباع بإنسانيتها يستحضر القاص مناخ القرية والتعذيب الذي يتعرض له الفلاحين ليقارن بين من انتفض فقتل السركان وبين القطة المستسلمة للموت، ووسط نداء خفي للروح يقدم البطل للقطة المدماة قطعة اللحم الوحيدة لتأكلها علها تبقى متشبثة بالحياة ولا تستسلم للموت، أي شاعرية تولدها اللقطات الكبيرة في السرد، فاللغة و- سنتحدث عن ذلك في مكان ما-  تتوالد دون افتعال وتنثال على صفحات الحكي كما لو أنها تنمو كالاخضرار الدائم ليس فيها زيادة أو نقص بل شحنة ممتلئة بالمخزون القروي من الحالات.

في قصة " محنة الذئب البري" التي تعد من أجمل القصص وأكثرها دقة في التعبير عن الغربة والهجرة وفي تلك الديار البعيد ينهض القاص على لسان بطله " شبارة بن صحين"كل أنين الأرض وقوتها، وكل حيواتها اليقظة والمنزوية وهاهو يكتب قصيدة الألفة التي صنعتها الحياة القروية فإذا بها تعوض عن المدن وعن النقود وتعيد الإنسان لذلك البعد المثيولوجي الذي يغني الروح والحياة، وفي تلك الديار لا تنهض إلا المواقف والصلابة وإذا به يجد نفسه رجلا يُنظر إليه بعين كبيرة وأفعاله من تلك التي يحاسب عليها من قبل الإقطاعي وسراكيله. هي قصة من غادر أرضه عنوة وافتقر إلى أرضه وهو بعيد عنها رغم ألغني كما يقول الإمام علي في الغربة وطن.  مرة أخرى تعود معادلة القرية والجسد، الذات المفردة الحاضرة والذات الجماعية الغائبة. لتهيمن رغم أن مكان القصة ليس القرية، لتعيد لنا فكرة الذاكرة الحية التي ما تجد مكانا أخر حتى تعود لمنابت الطفولة.

في  قصة " وشم بالمسمار" وأعدها واحدة من القصص العراقية المتميزة بكثافتها الشعرية ووضوح مقصدها ودقة انطباعها. في هذه القصة نعثر على جانب آخر من حياة القرية ممثلة بأحلام صبي لم يدخل مدرسة ذلك هو مرزوك الذي يتوسد الشارع  يحك فروة رأسه وجلده الوسخين وفوق رأسه مؤذن، يلعن بعد كل صلاة الشيطان الرجيم ، الذي ما أن يسمع اسم الشيطان حتى يرسم له صورة ذهنية "ثور له عينان كبيرتان وأسنان من الحديد..." ومن حوله تتقافز عصافير القرية مذعورة من حصى الصبيان، أما في البؤرة من هذه الصورة القروية للصبي فهي ابن الشيخ ودراجته التي يحلم أن  يقتني مثلها أو أن يضربه ويأخذها منه، وبدلا من أن يفعل ذلك يمسك مسمارا في يده ويبدأ بتحقيق أحلامه على ذارعه الوسخة فيخط بالمسمار وشوما تمثل دراجة جميلة أحسن من دراجة ابن الشيخ ثم يركبها ويحلم أن يسافر بها إلى بغداد ومدن الحلم الأخرى، ويرسم ساعة يدوية ويضعها في معصمه ثم يزينها بأرقامها ومؤشراتها وزنجيلها الذهبي ويرسم نفسه بالبنطلون والسترة والحذاء والجوارب وبيده حقيبة ممتلئة بكتب المدرسة والنقود، وفي احتفالية المخيلة يأتي بالعصافير فيضمنها رسومه الوشم وثمة حمامة تصيح يا قوقتي ..يا قوقتي وين أختي؟

ـ بالحلة

ـ واشتاكل

ـ باكله

ـ واشتشرب

ـ ماي ألله

ومرة أخرى ينهض الجسد والقرية ليصنعا لنا واحدة من أجمل القصص القصيرة.

في قصة "ما تيسر من سورة الليل" قصة قصيرة أخرى عن موت عليوي وهي قصة قروية بحق ينقلها لنا بدون رتوش، سيارة كبيرة تحمل شفلا غير مثبت وعليوي يجلس معه وخلال حركة السيارة على الطريق الطيني المتعرج يضغط الشفل المتحرك في جوف السيارة عليوي بحديده ليموت في آخر القصة وسط العزلة والبرد. ليس في القصة إلا ضخامة الحدث وعمق المأساة. لكن القصة تفصح عن مفارقة غير مدروسة بعناية، فالقرية لم تعرف بعملها الشفل والسيارات وتعتبرها من الآلات الحديثة التي لا يمكنها أن تتصالح من الطين والمطر والتراب وثقافة الفلاح، هذه المفارقة الغائبة التي ترسمها تحولات القرى السريعة في مرحلة من مراحل بنية المجتمع القروي يركز القاص فيها على عنف الآلة التي تسحق أحلام رجل يجلس بالقرب منها فقط بعد أن لم يتسع له مكان للجلوس بين الرجال الأربعة. ليس في القصة ما يوحي بالبناء الجيد غير أن ترسم لنا صورة عن تلك المفارقة الغائبة  بين الآلة وحياة القرية. ومرة أخرى يصبح الجسد مادة لاستهلاك السرد.

في قصة "الحزن"قصة جميلة أخرى عن صبي القرية الذي تدوسه جاموسة البيت، ووسط أنين الأم على قبر ابنها تحكي القصة سياقا حياتيا مألوفا هو أن يموت الأبناء بفعل ما جنت يد الآباء، فالقرية والجاموسة ومنافعها جزء من بينة القرية والأبناء والآباء والعلاقات مع الحيوانات جزء أخر من بنية الإنسان والقرية والمفارقة أن يميت أحدهما الآخر دون أن يعني ذلك توقفا للحياة أو رفضا لها. ووسط الأنين والاعتراض لابد وان تعود القرية لسياقها فتتصالح مع القتلة حيث أن الجاموسة ستموت هي الأخرى ما لم تحلب فالحليب في ضرعها سيقتلها إن لم يفرغ منها فتعود الأم المثكولة بابنها لتحلب الجاموسة وسط أمل بأن، تعيد القرية توازها المفقود مع مكوناتها الحياتية. الجسد أيضا ضحية تقاليد القرية وما القرية إلا ذلك البنيان الذي لا يشيد إلا على المفارقات بين الحياة والموت فيها.

في القصة الثانية عشرة"العصفور" ربما تكون هذه القصة الوحيدة التي بطلها عصفور يلاحقه صقر أما الإنسان فقد اختفى خلف الملاحقة ولم يظهر إلا بعد أن يموت العصفور قد تكون ثمة رمزية في القصة لكنها إن بقيت ضمن إطارها الإنساني تكون موفقة.

في قصة "مصرع عويد بن أرخيصة" نجد صورة أخرى للموت وهذه المرة على ارض فلسطين وفي العمق تتضح صورة الموت في الأرض العراقية وفي الأرض الفلسطينية والقاتل واحد وعويد النموذج والمثال ينهض من بين بيوت القصب وحياة الريف ليقول في جولة إنسان مجند أنه يموت من أجل الوطن لكن الصورة الأكثر إبهاما أن يتحول الموت أو القتل إلى ثيمة لأمه وهي تتحول من العقل إلى الجنون ليس بسبب فقدان ابنها أنما في الخلخلة التي تحدثها توازن القرية عندما لا يذهب أبناء الشيوخ للحرب كي لا يموتوا في حين يذهب أبناء الفقراء للموت، هذه المفارقة التي تربط بين الوطنية والفقر بين الموت والحياة العادية هي جزء من حياة القاص . القصة وهي تنو في أحشاء القرية ونسوتها نجد صداها في شخصية الكاتب نفسه الذي استشهد من أجل قضية وطنية وهو ابن الفقراء.

قصة "المطر الليلي" تفصيل على حياة قرية مهدد بهدم بيوتها بفعل المطر والمرض والإهمال، وخلف هذه الصورة القروية تكمن مأساة اسر تملأ يوميتها بحديث عن الموت والمرض والفقر ليس في القصة رغم عنوانها الجميل ما يجعلها متفردة.

قصة "رضى الرجل الذي طردوه" لا تختلف عن سابقتها رجل يطرد من القرية بسبب مرض الجذام لكنه وهو يفترش البراري مع زوجته ينثال حبه العاتب للقرية والكيفية التي صنع فيها وجوده، ليس في القصة إلا حال رجل مريض وبالطبع ستنطبع اللغة السوداوية على كل أجواء القص.

3

حاولت جهد ما استطعت أن أضع القارئ في مناخ القصص أمكنتها وناسها وطبيعة ما يدور فيها. وهي محاولة تقترب من التفصيل الذي يمنحنا قدرة على التشخيص لفاعلية ودور القصة القصيرة الاجتماعي، فنحن وبعد موجة التجريب التي لابد منها للقصة القصيرة شهدنا نقلة كبيرة في طبيعة القص وفي تعدد الرواة وتنوع مواقعهم، ولكن لم تكن نقلتنا التجريبية خالية من المطبات الفكرية والفنية فقد شاعت نغمة القصة الخمسينية الاجتماعية والنقدية واعتبرت مرحلة منتهية في حين أن ما نقرأه الآن في أوربا من قصص مترجمة لا تنه القصة الواقعية ولا ترفضها في القراءة والدليل على إعادة ترجمة ونشر معظم النتاج الواقعي القديم، ولم يقم النقد الحديث على القصص والقصائد الحديثة فقط، بل أقام كيانه المعرفي والاصطلاحي على النماذج القصصية والشعرية القديمة، ومن يقرأ جيدا كتب النقد يجدها لا تستشهد إلا بالقديم والثابت في حين تعرج على الجديد بكونه نتاجا للقديم وتطويرا له. فما يزال فان كوخ وبيكاسو وماتيس وبراك وموندريان حاضرين في كل نقد فني حديث وإلى جوارهم تجارب الفنانين المحدثين، وما يزال شكسبير ودستويفسكي وبلزاك وفلوبير وسارتر وبيكت ومايرخولد وستانسلافسكي حاضرين في ميادين الرواية والمسرح وإلى جوارهم التجريبيين، وقل ذلك بشأن اليوت وباوند وأودن وباز وغيرهم المسألة في القصة العراقية أن وضع النقد فواصل بين أجيالها وعد ذلك تطورا في حين أن القصة الحديثة التي يكتبها أساتذة القص العراقيين من جيل الستينات ما تزال قائمة وتحمل في أحشائها القديم والحديث هل نقول عن موت حداثة السياب الأولى في الشعر ونأتي بحداثة سعدي وأدونيس الثانية لنلغي الأولى أم أن حداثتي الشعر الحديث ما تزالان قائمتين معا: الأسطوري والمثيولوجي والواقعي في الحداثة الأولى إلى جوار اليومي والمألوف والبطولي والتاريخي والثقافي في الحداثة الثانية. هنا لابد من إعادة الاعتبار للقصة الواقعية لان أحداثنا الاجتماعية والسياسية لم تغادرنا بعد فكيف نكتب عن بطل أشكالي حديث وهو ما يزال يصارع قوى ظلامية ومتخلفة تدخل إليه من نوافذ التكنولوجيا وتحرمه حتى من كلمة الحرية ومع ذلك لا يعني ذلك تجميدا أو أرتكاسا لفن القصة وطرائق سردها ولكن علينا أن نفكر نقديا أننا ما نزال مشدودين إلى واقعنا أكثر من ركضنا خلف أفكارنا.