أنه الطائر الهدهد
علوان عبد كاظم
في منتصف سبعينيات القرن الماضي، شهد الوضع
السياسي في العراق بعض الانفراج الذي لم يدم طويلاً، ومع هذا
الانفراج البسيط شهدت الحركة الثقافية في عموم الوطن تطوراً
ونشاطاً ملحوظين.
منطقة العزة أو (الفيصلية) كما يسمونها
سابقاً، تقع في الجانب الآخر من مدينة الكوت، وترتبط مع مركز
المدينة عبر الجسر الجميل والكبير ذي البوابات الشاخصة جسر سدة
الكوت، والمدينة شبه جزيرة حيث يحتضنها دجلة من ثلاث جهات وتبقى
جهة الشمال مفتوحة صوب بغداد.
العزة حي الفقراء والكادحين، منه تخرجت
كوكبة لامعة من المناضلين السياسيين والمثقفين والرياضيين شأنه شأن
كل الأحياء الكادحة، وأبناء مدينة العزة والكوت عموماً يعرف بعضهم
البعض. كانت مجموعة من الشباب المثقف من أبناء المدينة، منهم
الشعراء جواد الظاهر، وحميد حسن جعفر وصاحب عبد الحسين وعادل
العامل ، و الكاتبان ستار مزبان، وحاتم الصكر. والعديد العديد من
الفنانين التشكيليين والمسرحيين والشعراء والكتاب الآخرين، ناصر
حسن خانه، محمد علي كريم ، سعيد كريم، قيس، صاحب الركابي، عدنان
اللبان، فرج شاوي، صباح بلكت، برهان شاوي، مالك كريم وآخرين... كان
همهم الثقافة من أدب وفن وأيضاً السياسة.
أحيت هذه المجموعة طائفة واسعة من النشاطات
الثقافية على قاعة وحدائق نقابة المعلمين دعوا إليها العديد من
الشعراء أتذكر منهم، شاكر السماوي، رياض النعماني، عريان السيد
خلف، كامل الركابي، زهير الدجيلي وكمال السيد، كذلك أقاموا أمسيات
للقصة القصيرة ومعارض للفن التشكيلي والبوستر في شوارع المدينة وفي
مكتبتها العامة، وبعض العروض المسرحية على قاعة الإدارة المحلية،
الفنان عدنان اللبان قدم مع مجموعة نقابة المعلمين مسرحية
(بريشتيه) وكان عرضاً ناجحاً وهادفاً ولاذعاً بالنقد مما حدا
بالسلطات الفاشية استدعاء اللبان إلى مديرية أمن مدينة الكوت
وبعدها أحالوه إلى مدرس لمادة الرسم في ثانوية العزة.
كان (أبو شفيع) يلعب دوراً ناشطاً في كل تلك
النشاطات وبحيوية فائقة، كان دؤوب الحركة تعلو محياة ابتسامة عريضة
تشبه ابتسامة الأطفال، عكس ما يوحيه كيانه الأقرب إلى النحول
والشحوب.
عاش الشهيد في منطقة العزة وسط عائلة كادحة
هو الابن الأكبر فيها، كان متنوع المواهب، يكتب المقالات
والتحقيقات الصحفية، أديب، فنان ونحات وخطاط وقبل كل شئ كان
إنساناً غاية في الرقة والهدوء والانسجام مع النفس والثقة بها.
أمضى فترة طويلة في التعليم في أرياف مدينة
الكوت قبل أن يصدر أمر نقله إلى مدينة الدور شمال بغداد والبعيدة
جداً عن سكنه ومرابعه في الكوت...وكان نقله هذا بمثابة عقاب له بعد
أن أراد مقابلة محافظ واسط آنذاك المجرم (عدنان الدهش) لإجراء حوار
معه حول مشاكل وهموم الناس في المدينة بصفته مراسل جريدة طريق
الشعب، حينها كانت المدينة تروج بشبابها رغم المضايقات من لصوص
أزلام النظام الذين كانوا ضيوفاً ثقيلين يلاحقون الجميع في المقاهي
والنوادي والنقابات والتجمعات وحتى دور السينما يحصون أنفاس
الناس....
كان نشاط أبو شفيع متميزاً في المناسبات
الحزبية وأذكر احتفالنا بالعيد ال42 لتأسيس الحزب الشيوعي حيث كان
هو على مسرح القاعة منشغلاً بتعليق اللافتة الرئيسية عبارة عن
حمامة سلام على شكل 42 من تصميمه هو وكذلك تعليق اللافتات الأخرى
وما إن أنتهى منها حتى انصرف لعمل آخر بحيوية ونشاط وابتسامته
تسبقه نحو الجميع...
في خضم هذه الظروف راح أبو شفيع الموهوب
يسابق الزمن للاغتراف من المعرفة وبلورة أدواته الفنية والمعرفية،
فكان يدرس في كلية الحكمة في بغداد مساءاً مواصلاً عمله نهاراً في
الكوت، كان يحسب للزمن حسابه، ساعده في ذلك سرعة بديهيته فهو أقرب
إلى حدس الفلاح الفطري منه إلى ابن المدينة الأكثر مراوغة، فكان
عارفاً لشخصية الفلاح ودقائق تصرفاته لجذوره و نشأته وسط هذه
الطبقة المعدمة لذا جاءت قصصه الفلاحية مشحونة بهموم إنسانية عالية
تنم عن دراية واعية ومعايشة جعلته وهو الموهوب، أن يستخلص عصارات
هذه الشريحة الواسعة في المجتمع العراقي، وكانت مجموعته الأولى
(بيت للشمس والشجر) وما لحقها من قصص غاية في الحبكة والجمال، وكما
قال الكاتب والناقد ياسين النصير في مقال منشور له في مجلة الأقلام
حول كتاب القصة القصيرة في العراق (...أنه - أي حميد- مشروع كبير
في القصة الفلاحية وله مستقبل واعد وكبير)..
كان يشجع معارفه على القراءة ويدلهم على
الكتب التي تستحق المطالعة ويشجع على الكتابة، يدخل إلى عوالم
معارفه وأصدقائه من خلال علاقاته الإنسانية بتواضع يجعلهم يعتزون
ويفتخرون بمعرفته...
عام 1978 تصاعدت الهجمة على الحزب الشيوعي
وفي ذلك الحين كانت روايته عن انتفاضة الحي البطلة ضد العدوان
الثلاثي على مصر تحت التنضيد حين صدر قرار جائر من وزارة الإعلام
وبتوقيع المجرم طارق عزيز ليمنع نشرها...ولازالت الرواية في انتظار
أن تأخذ طريقها إلى النور بيد القراء.
وحين اشتدت الهجمة التقيته يوماً في بغداد
متوجهاً إلى مدينة الدور حيث مكان عمله (المنفى)، وجدته غاضباً
وقال لي بالحرف الواحد (أنهم يتوجهون بالعراق إلى الدمار الى
الحريق الشامل) ...ومع تسارع الأحداث حاولوا ابتزازه بنشرهم مواضيع
قديمة (للأطفال) في مجلتي والمزمار كان قد أرسلها لهم قبل عدة
سنوات ولم تمر عليه تلك اللعبة حيث كتب لهم رافضاً المساومة
والابتزاز طالباً عدم نشر المواضيع وهو يتبرأ منها كونها كتبت لزمن
سابق...
بعدها بدأت الاعتقالات تتوالى فاعتقلوه لأول
مرة في مديرية الأمن وناله قسط من التعذيب، خرج وهو أكثر عزيمة و
نشاطاً وعاد إلى عمله، وفي مدينة الدور كانوا يستدعونه كل يوم إلى
دائرة الأمن، مرة قال لي أنه هدد الضابط في دائرة الأمن قائلا له
(هل تعلم بمصير السافاك...) فرد عليه الضابط بسذاجة (ماذا تقصد
أستاذ...) فأجابه أبو شفيع (أن مصيركم سيكون أسوأ ممصيرهم. ...)
عندها قام الضابط مذعوراً وهو يقسم (والله أستاذ أن الأمر ليس
بيدي... أنها أوامر وما علي إلا تنفيذها). لم ينقطع عن دراسة الأدب
العالمي ولا الكتابة أو التخطيطات منها قام برسومات عن أساليب
التعذيب التي مورست ضده عند اعتقاله...كان يرسم وينحت يخط لوحات
وأشعار ويبني بيته بيديه رغم أنه لم يكمل بناءه، يعمل في الحديقة
ليبقي هذا البيت بيتاً للشمس والشجر مؤرقاً دائماً.
عندما فاتحته عزمي مغادرة العراق بادر برسم
خارطة سفري كما رسمه لآخرين قبلي وبعدي فكان ظهيراً صلداً ووفياً
لحماية الرفاق … أتففنا أن تلتقي في مقهى المربعة حيث روادها من
إخواننا المصريين وأشكالنا قريبة لهم مما يسهل لقاءنا بعيدا عن
المراقبة، كما أنه عرف منهم طرق السفر السهلة ...بعدها زرته المرة
الأخيرة لأودعه في كانون الثاني 1980م، أبدى لي ملاحظاته
الأخيرة... تعانقنا طويلاً … وفي اليوم الثاني كنت قد وصلت الضفة
الأخرى... بعيداً عن العراق.
كانت رسائله تصل تباعاً وفجأةً توقفت …
بعدها وصلتنا رسالة قصيرة من مجهول تخبرنا أنه قد أستشهد وتطالبنا
بالكف عن مراسلته وخمنا يومها أنها من أخيه مهدي الذي أستشهد
(بسقوط صاروخ وسط مدينة الكوت أثناء حروب صدام) وهو الآخر من
مناضلي الحزب الشيوعي العراقي أيضاً...
في واحدة من رسائله لي يكتب...(أن حبيبتك
لفرط جمالها مطاردةٌ أنهم يطاردونها كعرف الهدد ضناً منهم أنه من
ذهب...)... من يا ترى هو الطائر الهدهد ؟ وهل مازال مطارداً...؟،
أنه الحزب الشيوعي وبالطبع أنه الشهيد حميد بعينه، أنه الطائر
الهدهد.
كلما أقرأ رسائله ينتابني الشجن يقف شاخصاً
أمامي بكل عنفوانه وأريحيته وطيبته... أن أبو شفيع يصعد يتسامى...
تعانقه النجوم وله تغرد الطيور والحمائم ترسل هديلها وتتفتح
الأقحوانات.... لذكراه العطرة ننحني إجلالاً... لأم شفيع الزوجة
الطيبة ولأبنائه كل الحب والمودة.
امتنان... وملاحظتان!
في الوقت الذي أعبر فيه عن إمتناني العميق
للصديق الدكتور(علي إبراهيم) على الجهد الواضح في مادته النقدية
التي جاءت تحت عنوان( تضاريس القصيدة القصيرة في الشعر العراقي)
المنشورة في العدد(320) من مجلتنا.. أود أن أدلي بملاحظتين:
الأولى: ورد في المادة قول الكاتب:”ومما
تمتاز به القصيدة هو التكرار“ وأنا أتساءل -هنا- قائلاً: من قال
ذلك؟! وليت الكاتب وضح لنا ذلك بأكثر من نموذج، أو بأقوال آخرين
تسند هذا القول.. قد يكون التكرار وارداً في عديد من القصائد
القصيرة، ولكنه ليس سمةً لازمة لهذا النمط من القصائد.. إن كلمة
(مطر..) تكررت مرات ومرات في قصيدة (إنشودة المطر) لبدر شاكر
السياب، مع أنها قصيدة طويلة كما نعلم!
الثانية: إنني ممتن للصديق علي إبراهيم
إيلاءهُ الإهتمام بتجربتي في مجال القصيدة القصيرة، ولا ملاحظة لي
إلا على ما ورد لديه، إستنادا الى غفلة لغوية إذا صح التعبير.. جاء
ذلك في تعلقيه على قولي( والمعين لنا في مواجهة الشمس نقذف في
عينها سننا اللبنية...) قائلا:( ويبدو إن التفعيلة إضطرته أن يقول
(سننا اللبنية) بدلا من أسناننا اللبنية).. والغفلة -هنا- تكمن في
أننا نحن العراقيين-نذّكر (السن) في حين هي مؤنثة، مثلما نؤنث
(البطن) وهو مذّكر، بينما الصحيح الفصيح هو سن لبنية، لا لبني.. ثم
أقول أخيرا: هل الأسنان اللبنية تسقط جماعات، أم واحدة واحدة؟!