
د.عقيل الناصري
ثورة 14 تموز هي الثورة الوحيدة في العالم العربي
المستشرق مكسيم رودنسون
إن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة يكفي لجعلنا نعرف أننا
أمام ثورة أصيـلة
الأكـاديمي حنـا بطـاطو
الثورة جاءت تعبيراً عن الآراء التي تبلورت ونضجت قبل وقوعها، وإن
كل ما حدث كان امراً متوقعا
الخبير البريطاني كاراكتاكوس
إن هذا الاستيلاء على السلطة كان أول حدث من نوعه في تاريخ العراق
يمكن أن يسجل كـثورة
الأكاديميان أديث و أي أف بنزور
تحتل ثورة 14 تموز مكانة مهمة في التاريخ السياسي العراقي المعاصر،
بغض النظر النظر عن مدى تطابق ذلك مع نظرتنا الفلسفية والفكرية.
فهي واحدة من أهم مَعْلمين من معالم عراق القرن العشرين.. فإذا كان
المعلم الأول متمثلاً بـتأسيس الدولة العراقية قد نقل العراق من
المجتمع الزراعي المتشظي إلى المركزية الحديثة،.. فإن المعلم
الثاني المتمحور حول تأسيس النظام الجمهوري في 14 تموز أرسى الأسس
المادية لنهضة حضارية ومشروع حداثوي وضع العراق على سكتهما بما
يتلاءم وواقع تطور قواه المنتجة آنذاك. لقد أحدثت الثورة تحولاً
جذرياً في ماهية الوجود العراقي وأولوية أنماطه الاقتصادية وما
ترتب عليهما من تجدد للوعي الاجتماعي في تجلياته الجمالية،
الفلسفية ،الحقوقية، السياسية والدينية، لأجل إعادة انتاج الظاهرة
العراقية ضمن أطر مشروع ثلاثي الأبعاد : وضعي ؛عقلاني؛ علماني،
وذلك ضمن تفاعل الأهداف التنويرية المنطلقة من ثلاثية: الفرد-
العقل - الطبيعة.
حضارية ومشروع حداثوي وضع العراق على سكتهما بما يتلاءم وواقع تطور
قواه المنتجة آنذاك. لقد أحدثت الثورة تحولاً جذرياً في ماهية
الوجود العراقي وأولوية أنماطه الاقتصادية وما ترتب عليهما من تجدد
للوعي الاجتماعي في تجلياته الجمالية، الفلسفية ،الحقوقية،
السياسية والدينية، لأجل إعادة انتاج الظاهرة العراقية ضمن أطر
مشروع ثلاثي الأبعاد : وضعي ؛عقلاني؛ علماني، وذلك ضمن تفاعل
الأهداف التنويرية المنطلقة من ثلاثية: الفرد- العقل - الطبيعة.
وأتضحت هذه الأبعاد في ماهية الثورة المتمثلة في كونها جاءت "...
استجابة أو تتويجا لتطور عاصف فتح عهداً جديداً هو عهد الانتقال من
مجتمع زراعي تقليدي، إلى مجتمع حديث يتجاوز التفاوتات المستحكمة
التي طبعت التطور السابق: تجاوزات عوائق التطور الحضاري، تعديل
النظام السياسي (بإقصاء الطبقات التقليدية) وتجاوز الثنوية
الاجتماعية الزراعية (الطابع الإقطاعي للريف وتضاد المدن والارياف-حقوقياً
واجتماعيا) ودفع التطور الصناعي رافعة العهد الجديد ومواصلة بناء
الأمة”.(1) وإستناداً لذلك جسّدت الثورة انقطاعاً تاريخياً اقتضته
الضرورة الموضوعية لسيرورة التطور الارتقائي للمجتمع العراقي
وصيرورة مساراته، نتيجة ما احدثته من تغيرات عميقة في بنية
وأولويات الأنماط الاقتصادية وتركيباتها الاجتماعية المناظرة، وبما
آلت إليه صيرورة التطور النسبي السريع، رغم بدئه منذ تكوين الدولة
العراقية الحديثة، إلى توسيع اقتصاد السوق وتهديم الأسس المادية
للاقتصاد الزراعي القائم على العلاقات شبه الاقطاعية المميز للحقبة
السابقة لها، كذلك القفزة الكبيرة في العقول والرؤى الفكرية العامة
وإستشفافاتها التي إنعكست في الوعي الاجتماعي بتجلياته المتعددة.
كان التغيير الجذري (الثورة) وليد قوى اجتماعية داخلية متأصلة في
صلب كيان المجتمع العراقي وفي صلب نظام الحكم، إذ لا يمكن أن تقوم
في أي بلد حركات ثورية بوحي من الخارج ما لم يكن في البلاد استعداد
لتقبل الأفكار الثورية.(2) ومن هذا المنطلق، وغيره، حاز هذا
التغيير على أهميته الإقليمية والدولية بالنسبة للعراق (ككيان
اجتماعي/جيوسياسي) وللمنطقة، إذ بقدر ما كان يمثل حدثاً داخليا
لجوهر الظاهرة العراقية، ونتيجة منطقية لواقع صراع علاقاتها
وتفاعلاتها الكامنة فيها، فإنه تفاعل جدلياً مع وعَبَرَ عن الجوهر
العام لـظاهرة إقليمية، لحركة ثورية أعم وأشمل، تناولت أقطار
المنطقة وخاصةً العربية منها، بعد الحرب العالمية الثانية. وعليه
فهو غير مدين لتحقيق ذاته لأية قوة خارجية عربية كانت أم غير
عربية. إذ كان مفاجأة كاملة، سواءً في زمنه وتوقيته أو في مديات
تفاصيله، لكل الدول وخاصةً المراكز الرأسمالية منها التي كانت
مطمئنة (للغاية؟!) إلى سلامة الحكم الملكي، نظراً لكون [الجيش هادئ
هنا]، كما جاء في أحد التقارير البريطانية، ولم تكن على علم بحركة
الضباط الأحرار ومكوناتها وأهدافها، وهذا ما ميز ثورة تموز عن
مثيلاتها في دول المنطقة بدون إستثناء.(3)
وعند النظر لهذا التغيير الجذري نظرة أوسع أفقاً وضمن وضعه في
إطاره التاريخي الطبيعي يمكن القول أنه قد دشن " سياقاً تاريخياً
يختلف جذرياً عما سبقه من نواحي: القضايا التي تبنتها (الثورة)؛
القوى المحركة لها؛ والأفق التاريخي لمشروعها التحرري. لنصف أولا،
بخطوط عريضة تلك المحددات الثلاثة للثورة. فقضاياها الأبرز تمثلت
في إنهاء الحكم الملكي ومعه التبعية للاستعمار البريطاني، إستكمال
عناصر السيادة والاستقلال وتقليص العلاقات الاقطاعية وتحرير الثروة
النفطية وبناء نظام سياسي تمثيلي يتبنى الديمقراطية وحل القضية
الكردية. أما قوى الثورة فضمت أحزاباً علمانية، من برجوازية وطنية
وشيوعية وقومية وكان الجيش ذراعها الضارب. فيما يخص أفقها التاريخي
فقد توفر على خلطة من أهداف بدت مترابطة في وقتها حيث إقترن إتباع
سياسة الحياد الايجابي مع تقارب مع الدول الاشتراكية، وإقامة حكومة
وطنية مع تمهيد لوحدة عربية وتدشين تعددية سياسية مع مفهوم تقليدي
(كاريزماتي) للرئاسة”.(4)
إن سياق التطور التاريخي وطبيعة البنى الإقتصادية السائدة يوضح أن
للثورة قوتين حاسمتين، هما : مؤسسة العنف المنظم (المؤسسة العسكرية
والأمنية)؛ والجماهير الشعبية. وإن الترجيح النسبي بينهما في
التأثير يتوقف على جملة من المعطيات الحسية في هذا البلد أو ذلك..
تأتي في مقدماتها من الناحية الذاتية قدرة المؤسسة العسكرية على
التحكم بوسائل التغيير المادي(السلاح) والانضباط والتنظيم والتنفيذ
غير المشروط؛ ومن الناحية الموضوعية حالة البلد من حيث درجة تطور
القوى المنتجة؛ ماهية الانماط الاقتصادية؛ مدى تبلور الطبقات
الاجتماعية الحديثة والعلاقات الاجتماعية المناظرة؛ مضامين الموروث
الثقافي/السوسيولوجي السائد؛ مدى تطور مؤسسات الدولة ورسوخها؛ نضج
وعمق مؤسسات المجتمع المدني.. هذه العوامل وغيرها وما يستنبط منها
سوف تؤثر بدرجة كبيرة على تغيير موازين القوى بين هاتين
القوتين.(5)
توصلت من دراستي لواقع العراق السياسي المعاصر إلى فرضية، أزعم
انها على درجة عالية من الموضوعية، تتمحور في أن صيرورات التغيير
الجذرية (الارتقائية أو الارتدادية) المعقدة والمؤلمة قد حققتها
بصورة أساسية قوى العنف المنظم، منها: تثبيت أركان الدولة العراقية
وسريان مفعول قرارها المركزي؛ التطبيق القسري للتحولات في الريف
وانتقال الملكية الحقوقية للأراضي إلى ملكية خاصة لشيخ العشيرة في
الثلاثينيات؛ الانقلاب الأول ذو النزعة العراقوية 1936؛ حركة مايس
العروبوية وما تمخض عنها 1941؛ ثورة 14 تموز 1958؛ الانقلاب
الارتدادي في شباط 1963؛ الانقلاب الدولي 1968 هذه الفرضية مشتقة
بدورها من وقائع مادية دللت على أن قوى الاحتلال الأول أسست الدولة
العراقية وسلمت مفاتيحها المركزية للضباط .. بمعنى أن ضباط الجيش
ملكوا الدولة، وإن الجيش هو السلطة الحقيقية فيها.. ويبدو أن هذه
الحالة تكاد أن تكون أحدى سنن الواقع السياسي في عالم الأطراف، حيث
تمارس السلطة في أغلبها، إن لم تكن من قبل ضباط مؤسسة العنف المنظم
مباشرةً، فبتناغم أنساق عملها وايقاع إدائها مع تصوراتهم وميولهم.
وهذا يتيح للمؤسسة العسكرية في ظرف تاريخي معين أن تصبح قوة
اجتماعية/ سياسية مستقلة نسبياً تتوخى مصالحها. ويصحّ هذا خاصةً
إذا علمنا أن سلطة الدولة في المجتمع الانتقالي تبلغ حدّ الانفصال
عن المجتمع الذي خلقها.. مما يوفر للنخب الحاكمة (المدنية
والعسكرية) امكانية السيطرة على جهاز الدولة والهيمنة على المجتمع
المفكك البنية، وتوجيه الدولة نحو الوجهة التي تخدم مصالح النخب
والفئات الاجتماعية المرتبطة بها. سيخلق هذا الظرف الموضوعي
للمؤسسة العسكرية والمنطلقة من المهام المناطة بها، مواصفات خاصة
تجعلها تشعر بالتفوق وتضخيم الذات ويخلق لديها ميلاً طبقياً
للسيطرة على المجتمع. لذا لا تقف مؤسسة العنف المنظم فوق الطبقات
ولا خارج الصراع القوى الاجتماعية، كما يذهب إليه البعض الذي ينظر
إلى الظاهرة في شكليتها وسكونيتها وليس إلى مضمونها في حراكها
وتفاعلاتها الجدلية مع ذاتها ومحيطها.
أما الانتفاضات الشعبية، كما يوضح السياق التاريخي للصراع
الاجتماعي المعاصر فهي بمثابة ارهاصات ممهدة لتربة التغيير وانضاج
معالم ضرورته والتي تنم، بصورة عامة، عن حالة القلق الاجتماعي وعن
حراكه المستديم في عدم التوافق مع الاستراتيجية الاجتصادية/السياسية
لنخبة الحكم وقاعدته الاجتماعية. كما أنها تكشف عن ماهية المشكلة
الاجتما/سياسية وضرورة معالجتها موضوعياً، وهي بالتالي تعبر عن
الإحساس الجمعي بضرورة التغيير الجذري وإجتثاث العلل الاجتماعية،
بوسائل قد تكون عنفية أو لا عنفية. وتدلل أيضاً على تنامي الوعييين
الوطني والطبقي وتصاعدهما بإعتبارها تمثل الأكثرية العامة ليس ككم
رقمي، بل عن دورها العضوي في عملية الانتاج الاجتماعي. يمكننا
تصنيف هذه الانتفاضات، في العراق الملكي، رغم تداخلهما الزمني على
وفق معيار مطاليبها؛ والقوى القائدة لها؛ ومن حيث كثرتها؛ ومكان
فعاليتها وزمنيتها، إلى صنفين هما:
- الأولى: هي التي سادت منذ تأسيس الدولة المركزية ولغاية نهاية
الثلاثينيات. وكان جوهر الصراع فيها وموقعه الجغرافي يكمن في حدود
العلاقة بين الدولة المركزية الوليدة وبين سلطة القبيلة وتفرعاتها
(العشيرة، الافخاذ، الحمولات والبيوتات). والقبيلة هي بمثابة (دولة
مصغرة متحركة) لديها تنظيماتها الاجتماعية والسياسية والعسكرية،
ولها زعامتها وثقافتها، الشفوية غالباً، وقوانينها المستمد من
أعرافها الواجب الخضوع لها. كما أنها تخضع للعلاقات التراتيبية
المنتمية إلى رابطة الدم الواحد (الجد الأكبر). لقد تميزت المرحلة
الملكية وخاصةً في عقديها الأولين، بالصراع الدائم بين هذين
العنصرين. إذ كلما إزدادت قوة وهيبة الدولة وخاصةً ذراعها العنفي
بما يملك من اسلحة حديثة، كلما ضعفت شكيمة القبيلة إزاءها، إلى
الحد الذي أجبرها على الأندماج في القاعدة الاجتماعية للحكم، بعد
التحول الكبير في علاقاتها الداخلية الذي هيأته الدولة ذاتها عبر
العنف المادي و جملة من التشريعات (عنف لا مادي)، وذلك بتغيير واقع
الملكية الحقوقية للأرض المشتركة للعشيرة والاستحواذ عليها،
وتحويلها إلى ملكية خاصة لشيخها مما أدى إلى تغيير ماهية العلاقات
الاجتماعية بين أطرافها وخلق بؤر مستديمة ومتجددة للصراع والتوتر
سواء داخل مؤسسة العشيرة ذاتها أو بين الفلاحين المطرودين من الأرض
(بائعي قوة العمل في المدن لاحقا) وسلطة الدولة. تمت هذه الصيرورة
منذ ثلاثينيات القرن المنصرم وإستمرت لغاية تموز1958، التي إجتثت
الأساس المادي لعلاقات انتاج النمط شبه الاقطاعي. كانت هذه
الانتفاضات بشموليتها وتعدد مسبباتها، من السعة بمكان بحيث غطت
كامل العقدين الأولين من عمر الدولة العراقية. ومما له دلالته هو "
أن السلطة قامت خلال المدة 1921-1932 وبمساندة القوة الجوية
البريطانية بإخماد حركات العشائر في 130 مرة ومناسبة مختلفة.(6)
... " - الثانية: هي تلك الانتفاضات التي سادت منذ مطلع
الثلاثينيات وتعمقت في الأربعينيات وتبلورت منذ الخمسينيات، وتركز
عنصرها الأرأس في المدن وخاصةً الكبيرة منها، وقادتها الطبقات
والفئات الاجتماعية الحديثة المولد، التي تطورت ببطئ مع توطد
العلاقات السلعة/النقدية الرأسمالية في الورش والمصانع والسكك
الحديدية والموانئ وشركات النفط، ومع تطور الفئات الوسطى التي نمت
في حاضنتها الطبيعية - الدولة (التي هي اكبر رب عمل في العراق
المعاصر). كانت المطالب الرئيسية لهذه الانتفاضات تعبر عن مطامح
ومصالح فئات وطبقات اجتماعية واسعة جداً من حيث الكم والموقع في
الانتاج الاجتماعي والتأثير الفكري، وقد أمست أحدى المحركات
الرئيسية لثورة 14 تموز ذاتها، كمطالب وقوى اجتماعية. في الوقت
نفسه ساهم الريف في هذه المرحلة بدوره في هذه الانتفاضات وخاصةً
منذ مطلع الخمسينيات، لكن بعقلية ومطلبية ومضامين وتنظيم لا تمت
بصلة لتلك التي كانت في السابق. وبالتالي يمكن اعتبارها إمتداداً
للحراك السياسي المديني (نسبةً للمدينة) بشقيه العسكري والمدني
وهذا ما يرصد في انتفاضات آل أزيرج، وقلعة دزه ئي ومنطقة الفرات
الاوسط (في الشامية والرميثة والحمزة والدغارة)(7) وغيرها.
وتأسيساُ على ذلك فقد مَثَلَ الحراك الاجتماعي للجماهير الواسعة،
الجزئية منها أو العامة، وخاصة للفئات الفقيرة في المدنية أو
الريف، منذ تأسيس الدولة ولغاية 14 تموز، وتلك الحركات الفكرية
والسياسية المساندة عبر تنظيماتها السرية والعلنية، مثلت جميعها
إرهاصات التغيير المطلوب وإنضاجه ذاتياً. كما عبرت هذه السيرورة عن
رفضها لسكونية العلاقات الاجتصادية والسياسية والفكرية السائدة، أو
تلك المتبناة والتي كانت ذات ابعاد متخلفة في المرحلة الملكية، وفي
تعارضها مع روح العصر ومضمونه، ومع الحداثة وقيمها.
وعليه يمكن إعتبار الانتفاضات الشعبية، التي أمست أحدى عتلات
التغيير في تاريخ العراق المعاصر، إنها " تتمة للثورة العسكرية لأن
الطبقات الاجتماعية الدنيا كانت منذ زمن وهي في حالة من التململ
الاجتماعي المستمر المعرض للإنفجار في أية لحظة. وكثيراً ما كان
المراقبون الأجانب يصرحون بأن جماهير الشعب في العراق قد أصبحت
سلبية في مواقفها وأنها بالتالي لم تعد تستجيب لزعماء المعارضة.
ولكن مظهر هذه السلبية لم يكن يعني أن الجماهير كانت راضية عن
أوضاع الفقر والتفسخ والانحطاط. كما أن تجاوب الجماهير مع تحريض
الشباب في أوقات الانتفاضات والاضطرابات لا يعني غير إبداء التذمر
والنقمة المكبوتة في صدور الطبقات الدنيا، وليس تجاوباً مع
العقائدية التي لم يكن مفهومها لدى الجماهير الشعبية واضحاً. كان
شباب الجيل الجديد ولا سيما العقائديون منهم، يوفرون للناس
القيادات والشعارات، بينما كانت الجماهير توفر القوة البشرية
والعواطف الملتهبة التي كانت شوارع العاصمة تفيض بها كلما وقعت
انتفاضة شعبية. ومع أن الانتفاضات الشعبية في الماضي كانت تسفر عن
إزهاق الأرواح وتدمير الممتلكات إلا أنها نادراً ما أسفرت عن قلب
الحكومة. كانت هذه الانتفاضات في طبيعتها أشبه بفيضانات دجلة
المدمرة، إلا أنها كانت قصيرة الأجل سريعة التلاشي. وكانت القلة
الحاكمة تدرك حق الادراك طبيعة هذه الانفجارات الشعبية وتعرف كيف
تعالجها... إلا أن ثورة تموز كانت تجمع هذه المرة بين ثورتين، ثورة
الجيش وثورة الجماهير الغاضبة”...(8)
بمعنى آخر كانت ثورة 14 تموز في العراق " ثورة الشعب عامةً لا مجرد
انقلاب عسكري ومع أن الشعب كان مع الجيش في ثورته إلا أن الطريقة
التي يلجأ إليها الجيش غير الطرق التي يتبعها الشعب، إنهما يحملان
فكرة واحدة، ولكن لكل منهما دوره في الأحداث، وعلى الرغم من أن
الشعب كله قد قام بالثورة إلا أن الجيش هو الذي حركها... وبمعنى
آخر قد وقعت الثورة قبل الرابع عشر من تموز، ولكنها كانت تنتظر
نقطة الانطلاق (فقط) وهذه الكلمة (فقط) عنت الشيء الكثير. وكان
ممكن أن لا تحدث ولكنها وقد حدثت عن طريق ثورة الجيش...”.(9)
لقد مثلت الانتفاضات في بعض جوانبها الرد العملي الذي عكس التناقض
البنيوي للنخبة الحاكمة والذي كان في أحدى مظاهره المتمحورة في "
التركيز الشديد للثروة و خصوصاً خلال العقدين الأخيرين من العهد
الملكي... وكان التفاوت الحاد في حيازة الأملاك وغياب أي تدرج
معتدل بين ثراء قمة المجتمع وفقر الجماهير، واحدا من الأسباب غير
قليلة الأهمية الكامنة وراء رديكالية لهجة سياسة المعارضة وعدم
الاستقرار المزمن للنظام الملكي”.(10) كما عكست الانتفاضات الإرادة
الشعبية في صيغتها الجمعية.. وقد تحسس الضباط الأحرار هذه الإرادة
التي لولاها لكانت حركتهم انقلابا عسكريا وأدى إلى حالة من الفوضى
وصراع النخب السياسية. وقد " عرف قاسم أنه سيحظى بتأييد الشعب، إذ
رأى هذا التأييد في احساسهم وقرأه في عيونهم، وكان دور الشعب في
الترحيب بالثورة والحماس لها...”(11)
كما كانت هذه الإنتفاضات، في بعض جوانبها، تعبر عن المناهضة
الواعية الرافضة للعقد الاجتماعي المبرم بين الدولة العراقية
والمجتمع ولأسسه وتوازناته ومضامينه التي أقيم عليها بناء الدولة
في مجتمع متعدد الثقافات والاثنيات والاديان، في حين كانت الدولة،
في الكثير من المفاصل، أحادية الدين والمذهب والقومية وذات توجه
أحادي وهذا ما لا يمكن الاستمرار فيه أو الاعتماد عليه. كما أنه لا
يمكّن من إعادة انتاج المقومات المادية للدولة ذاتها وتطورها
اللاحق ولا في تمتين الهوية العراقية ولا في إعتماد التداول السلمي
للسلطة وتجديد التركيبه الاجتماعية في سياق تطورها. لهذا أنصبت
الفئات العضوية الواعية والقائدة لهذه الانتفاضات في الدعوة إلى
عقد اجتماعي جديد يعكس واقع البنية الاجتماعية للعراق ومؤسس على
أسس حضارية جديدة تتزامن وتلك التغيرات في التركيبة الاقتصادية وما
يناظرها من طبقات وفئات، تتمحور أبعادها حول العلاقة بين الفرد
والدولة؛ وبين الجماعة والدولة، وبين الجماعات المتعددة.. من حيث
القومية والأثنية، الدين والمذهب، الطبقة والفئة.
لقد تجلى هذا الموقف في افصاح مطالب الحركة الشعبية عن الأمل
بالتطور وعن ضرورة التغيير نحو الغد الأفضل لفئات اجتماعية واسعة
لها موقع مهم في عملية الانتاج الاجتماعي لكنها مهمشة سياسياً
وقلقة اقتصاديا لواقعها المزري وانغلاق أبواب تطورها المستقبلي..
كما أنصبت في بعض جوانبها على ضرورة الاسراع، حسب الامكان، في
تعجيل وتائر التنمية الاجتصادية والتخلص من الفقر والإملاق وكسر
حلقات التخلف بمفهومه العام، الذي كان في بعض جوانبه واسعاً في
ماهيته المادية وقيمه الروحية، الاقتصادية والاجتماعية، الفكرية
والفلسفية والموقف من الحياة. بمعنى آخر أن هذه الانتفاضات كانت
تعبر، عن ضرورة إعادة بناء الدولة والمجتمع والعلاقة بينهما على
اسس أكثر موضوعية وإنسجاماً مع واقع تركيبة العراق الاجتصادية.
وهذا ما قامت ثورة 14 تموز بانجاز الكثير منه، وإن لم يكتمل
بتشريعه دستوريا لأسباب عديدة يقف على رأسها انقلاب شباط 1963
المدعوم والمخطط له من المراكز الرأسمالية، والذي كان في أرأس
تجلياته، ضد التصورات النظرية والعملية لإعادة بناء الدولة على وفق
متطلبات العصر والحاجات الموضوعية لعراق تلك المرحلة وتركيبته
الاجتماعية/الاثنية/الدينية. ومنذ الانقلاب المذكور أتخذت هذه
الانتفاضات أشكالاً متعددة تتناسب وعنف السلطة.. تمثل بعضها في
الاحتجاج الصامت أوالمشاركة السلبية وبعضها الآخر في الانتفاضة
المسلحة كما حدثت في 3 تموز1963. أفصحت هذه الانتفاضات الشعبية في
صيغتها الايجابية عن المد الجماهيري المؤيد لثورة 14 تموز منذ
ساعاتها الأولى الذي ضم مؤيدي ومناصري القوى العضوية الفعالة من
الطبقات الاجتماعية الحديثة وبالأخص الوسطى منها والعاملة. هذا
التحرك الجماهيري عبر عن ذاته في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة من
خلال نزول زخم بشري كبيراً جداً بلغ، على حد تعبير بطاطو، أكثر من
مائة ألف في بغداد وحدها، وتنامى حجمه وكثافته في الأيام التالية
للثورة، وكان عاملاً مهماً في نجاحها وأغلق منافذ التدخل الخارجي
المحتمل كما كبح نزوات الفعل المضاد الذي حاول القيام به بعض قادة
المؤسسة العسكرية وعرقل " أية أعمال مضادة معادية ممكنة بسدها
الشوارع والجسور لا في بغداد فحسب، بل في مدن أخرى أيضاً. والأهم
من هذا هو أنه كان للجماهير بفضل عنفها تأثير نفسي هائل، إذ أنها
زرعت الرعب في قلوب مؤيدي الملكية وأسهمت في شلّ إرادتهم، وأعطت
الانقلاب طابع العمل الذي لا سبيل إلى مقاومته، وهو ما شكل الحصن
الحصين له...”(12) في الوقت نفسه لم يساور قادة الثورة " أدنى شك
مطلقاً في أن الشعب سيؤيد العمل الذي قام به الجيش. فضباط الجيش
يمثلون الطبقات التي نشأوا منها وهي الطبقات الوسطى والوسطى
القريبة من الدنيا... “(13) وهذا يسري أيضاً على القوى والفئات
الاجتماعية( الوطنية والقومية) ذات النهج الديمقراطي والليبرالي
واليساري وقد أقتنع به رائد الديمقراطية العراقية كامل الجادرجي
عند تبنيه إستخدام القوة عندما اشار أن النضال الذي: " يستهدف
تحقيق الاشتراكية بالوسائل الديمقراطية فقط. وذلك عندما تكون تلك
المسائل ميسّرة، أما إذا سدت بوجه الشعب جميع السبل الديمقراطية
فلا بد آنذاك من اللجوء إلى إستعمال القوة..." غير أنه يرى أن "
مفعول القوة يجب أن يقف عند حده عندما تتحقق الديمقراطية، أي حينما
يسترد الشعب حقوقه الدستورية”.(14)
وتأسيسا على ذلك نقول: أن ثورة 14 تموز تبدو ضمن ظرفها التاريخي
الطبيعي كعلاقة جدلية بين القوى الاجتماعية الحية العضوية الفعالة
و " كأنها ذروة نضال جيل كامل من الطبقات الوسطى والوسطى الدنيا
والعاملة، وأوج ميل ثوري كامل ومتشرب في الأعماق كانت له تعبيراته
التي تمثلت بانقلاب 1936 والحركة العسكرية 1941 والوثبة 1948
والانتفاضة 1952 ثم إنتفاضة 1956... “(15) وغيرها من الانتفاضات
المحلية الأصغر التي عمت البلد منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة
وخاصةً منذ الخمسينيات. وكان من نتائج هذه الانتفاضات أنها عجلت في
تهيئة الظروف الذاتية لقوى المعارضة الوطنية: العسكرية ضمن تنظيم
الضباط
الأحرار وكتلته الرئيسية:للجنة العليا؛ والمدنية التي لملمت وحدة
صفوفها ونظمت تعاونها وحددت أهدافها النضالية في (جبهة الاتحاد
الوطني 1957) ويمكن أعتبار انتفاضات النصف الثاني من الخمسينيات
بمثابة (التمرين) الأخير لتهيئة تربة التغيير لثورة 14 تموز.
1-د. فالح عبد الجبار، اربعون عاماً من ثورة 14 تموز 1958، رسالة
العراق العدد 43 تموز 1998.
2-للمزيد راجع د. مجيد خدوري، العراق الجمهوري، المتحدة للنشر،
بيؤوت 1974.
3-يقول الاكاديمي بريماكوف والعامل في الحقلين الدبلوماسي
والاستخباراتي، أن قادة الثورة المصرية أبلغوا " بريطانيا قبل
يومين على الانقلاب بأمر من عبد الناصر. وأحيط علماً بالانقلاب
أيضاً عن طريق علي صبري، أحد الضباط الأحرار، مساعد الملحق العسكري
الأمريكي ديفيد ايفانز الذي كان رده: إذا لم تكونوا شيوعيين، هيا
افعلوا. وقال ايفانز إن الولايات المتحدة تسعى إلى التحالف مع
الشرق الأوسط لمنع تغلغل الاتحاد السوفيتي في هذه المنطقة ووقف نمو
الأحزاب الشيوعية المحلية... (وكان) الرد الأمريكي الذي تلقوه عن
طريق علي صبري فقد ألهم الضباط الشباب وبعث الأمل في إقامة علاقات
وثيقة مع الولايات المتحدة ". الشرق الأوسط المعلوم والمخفي، ت.علي
العرب،عبد السلام شهباز، ص.87، دار اسكندرونة دمشق 2006. وهذا ما
أكده هيكل كتابه ملفات السويس، ص. 164 ، كذلك مايلز كوبلاند، في
كتابه لعبة الأمم، ت. مروان خير، ص.95، أنترنشنال سنتر، بيروت
1970. والمؤلف كان مسؤل محطة C.I.A في الشرق الأوسط.
4-كامل شياع، هل طوت ثورة 14 تموز 1958 فصلها الأخير,(ث.ج) العدد،
310، ص. 55، بغداد 2003
5-للمزيد حول هذه الموضوعة راجع كتابنا: الجيش والسلطة في العراق
الملكي 1921- 1958، دفاعاً عن ثورة 14 تموز،ط.2، الشؤون الثقافية،
بغداد 2005.
6-د. عقيل الناصري ، الجيش والسلطة، مصدر سابق، ص. 165.
7-للمزيد راجع، عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي
العراقي،ج.2. الفصل 5، منشورات الثقافة الجديدة، دمشق 2003
8-د. مجيد خدوري، العراق الجمهوري، ص. 74، مصدر سابق.
9-كاراكتاكوس، 14 تموز ثورة العراق، ت. خيري حمادة ص.111و127،
المكتب العالمي للتأليف والترجمة بيروت التاريخ بلا.
10-حنا بطاطو, الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية،ترجمة عفيف
الرزاز، ج. 3، ،ص. 429 ط. الثانية، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت
1999.. ويستطرد المؤلف في ذات الصفحة بالقول: " إن 11 من 23 من
أكبر العائلات الرأسمالية, و41 من 49 من أكبر عائلات ملاك الأراضي,
بما فيها البيت الملكي, كانت ترتبط رسمياً, بطريقة أو بأخرى, أو في
لحظة معينة أو أخرى, بالدولة مقدمةً لها رؤساء الوزارات أو الوزراء
أو الأعيان أو النواب. وفي الوقت نفسه, فإن رؤساء 28 من هذه
العائلات وعائلات المشايخ القبليين و(السادة) القبليين كانوا من كل
النواحي, حكاماً حقيقيين في عقاراتهم أو على قبائلهم". ويبدو أن
هذه السمة ميزت النخبة الحاكمة في العراق، كما لو أنها أحدى سنن
الانظمة في عالم الأطراف ومنها العالم العربي.
11-كاراكتاكوس، 14 تموز ثورة العراق، ص. 114، مصدر سابق.
12-بطاطو/ الكتاب الثالث، ص. 115.
13-كاراكتاكوس، 14 تموز ثورة العراق، ص. 118، مصدر سابق.
14-محمد حدديد، مذكراتي ص. 209، مصدر سابق.
15-حنا بطاطو، الطبقات ،ص.116، المصدر السابق