د. صادق البلادي

 نصف قرن يكتمل منذ قام الجيش والشعب في صبيحة الأثنين، في الرابع عشر من تموز 1958 بالانقلاب وسيلة /الثورة جوهراً، وما زالت ذكرى أحداثها طرية في الذاكرة، يتذكر المرء ذلك اليوم بكل تفاصيله، رغم الشيخوخة.

كان الرابع عشر من تموز وسيبقى هو فرحة العمر. حقاً أن لا وجه للمقارنة بين ما حدث في  العهد الملكي من جرائم وانتهكات وخروقات مع جرائم النظام  الفاشي البعثي، فمقارنة بجرائم النظام الفاشي البعثي كان النظام الملكي التابع للامبريالية نظاما يوفر الأمان للإنسان، ويمنحه بعض حرية فكان من الأولى إذن أن يكون يوم انهيار هذا النظام في التاسع من نيسان عام 2003  هو يوم الفرحة العظمى لكل عراقي ، لكنه لم يكن كذلك ، وأنى له أن يكون وقد امتلأ القلب حرقة نار تتلظى وتستعر. فدبابات الغزاة تحتل بلاد الرافدين، وأقدامهم تدنس الأرض بحجة تحرير أهل العراق من نظام  صدام، ومحاولة تبريرالاحتلال دوليا بذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل. البحث تلو البحث لم يسفرعن وجود لها، بل أكد تماما تقرير الامم المتحدة المقدم  قبل الغزوة الأمبريالية. ولم تفلح أكاذيب وزير الخارجية كولون باول التي قدمها أمام مجلس الأمن في اقناع أحد، فقد كانت مفبركة، كما قال باول ذلك بعد خراب العراق، لا البصرة فقط.

بدت ثورة الرابع عشر من تموز لكثيرين صاعقة مفاجئة نزلت من السماء، لم يكن يتوقعونها، فدار السيد مأمونة، والعراق في حلف بغداد، يوم كان العالم معسكرين مشتبكين في

* هذه المادة قدّمت، في الأساس، كمحاضرة ضمن الأيام الثقافية لنادي 14 تموز احتفالا بذكرى 14 تموز في  ستوكهولم 2007، وقد أجريت عليها بعض التعديلات والاضافات.

حرب باردة. كنت يومها طالبا أدرس على حسابي الخاص في ألمانيا الغربية، بعد أن اجبرتنا الحكومة الملكية على مغادرة فيينا لوقوفنا - نحن اعضاء رابطة الطلبة العراقيين في النمسا - ضد حلف بغداد، فقطعت التحويل الخارجي  عنا،  وسحبت جوازات السفر فانتقلت الى ألمانيا الغربية لاكمال الدراسة مع غيري من العراقيين الديمقراطيين، وهناك مع الفجر، فجر يوم الاثنين، الرابع عشر من تموز58 سمعت خبر الثورة واستمعت للبيان رقم واحد، وماتزال تفاصيل ذلك اليوم البديع في الذاكرة. كان الفجر بديعا طقسه، زاده وزانه النبأ العظيم روعة، وجنون فرح.

 ضخامة الحدث وتأثيراته المحتملة في تغيير التوازن الدولي عبر عنها صدور عدد ملحق لجريدة الــ " دي فيلت " كبرى صحف ألمانيا يومذاك، بعد بضعة ساعات فقط  من إعلان الثورة في بغداد، صدور ملحق لكبرى الصحف الألمانية أمر لم تشهده الصحافة الاوربية، حتى و لا في أشد أزمات الحرب الباردة سخونة. كان هذا قبل خمسين عاما، يوم لم يكن الراديو متوفرا في كل بيت في أوربا، ناهيك عن التلفزيون، والانترنيت والموبايل ما كانا يخطران في الحلم.

وأول عدد من مجلة الشبيغل الألمانية المعروفة بعد الرابع عشر من تموز، كان تقريبا مخصصا لأنباء الثورة في العراق، ومن أطرفها و ما يكشف عن أساليب الدس و التضليل والوجهة التي يراد استخدامها لمقاومة الثورة، هو القول أن عبد الكريم قاسم عضو في الحزب الشيوعي العراقي، اسمه الحركي مطر ورقمه 27. نعم كانت بعض الدراسات التي صدرت تتحدث وبحق عن دور الحزب الشيوعي في الحركة الوطنية العراقية ، حتى أن كتابا صدر في لندن عام 1956 عن القومانية والشيوعية في الشرق الأوسط  شدد  وركز على نقاط الخلاف بينهما ، لتكون تلك النقاط واضحة من أجل تأجيجها بين الشيوعيين والقوميين فيما بعد، فسياسة فرق تسد هي أمضى سلاح بيد الحاكمين، واستنتج مؤلف ذاك الكتاب - والتير لاكير- أن الثورة القادمة في العراق ان نجحت ستكون تحت تأثير الشيوعيين. استقراء أثبتت الاحداث صوابه، سواء في دور الحزب الشيوعي في نجاح الثورة والدفاع عنها، أو في شق صفوف الجبهة  الوطنية.

وانشغل العالم بأحداث ثورة العراق العاصفة. قوات الدولتين الرئيسيتين في قوات غزو العراق واحتلاله اليوم لأكثر من خمس سنوات من الدمار و الخراب و الموت و النهب، النتاج الطبيعي لسياسة " الفوضى الخلاقة "، أعني بهما الولايات المتحدة الآمريكية وبريطانيا "حليفتا " العراق في حلف بغداد، الذي كان يومها " الاتفاق الستراتيجي طويل المدى " أو أدق " اتفاقية وضع القوات " الأمريكية، الإتفاقية التي يراد توقيعها نهاية تموز، قامت أمريكا وبريطانيا بإنزال قواتهما العسكرية في لبنان والاردن بعد يومين من اعلان الثورة، وكان الاردن يومها جزءا من دولة متحدة مع العراق سميت : الاتحاد العربي، وأسست ردا على  قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام  1958.

لكن وجود قطب آخر يومذاك، المعسكر الاشتراكي أمام ألأمبريالية، والتهديد الذي قدمه الاتحاد السوفييتي للدولتين، وحشد قوات عسكرية في بلغاريا، اضافة لدورالاسناد القوي الذي عبرت عنه حركة التحرر الوطني، العربية والعالمية، وفوق وقبل كل هذا الاسناد الشعبي الجماهيري والعارم الذي عبأته جبهة الاتحاد الوطني، كل هذا منع الدولتين من التدخل العسكري رغم الغطاء القانوني الذي كان يمكن أن يوفره لهما كون العراق جزءا من الاتحاد الهاشمي وعضوا في حلف بغداد  فتراجعت الدولتان واضطرتا على سحب جيوشهما، مثلما ستضطران اليوم أيضا، وإن بعد حين، وسيعود للعراق تحرره واستقلاله، ودوره التقدمي.

للعراق منذ القدم دور كبير في المنطقة وفي العالم لموقعه الجيو سياسي و لثرواته المتنوعة. فكان دائما موضع مطامع و صراعات بين مختلف القوى الاقليمية والدولية، وما زال حتى اليوم هذا هو قدر أهليه. في الصراع بين المعسكرين يومها استطاعت الدول الغربية، وبفضل سياسة أعوانها، ولا أقول عملاءها، في النظام الملكي، أن تشق حركة التحرر الوطني العربية باخراج العراق منها، وربطه بحلف بغداد. بعد هزيمة بريطانيا وفرنسا وثالثهما دولة اسرائيل الصهيونية في حرب السويس عام  1956 أعلن الرئيس آيزنهاور في عام 1957 حق أمريكا في ملء الفراغ الذي حدث  نتيجة خسران الدولتين الاستعماريتين لنفوذهما في المنطقة واشتداد ساعد حركة التحرر العربي، فكان حلف بغداد أداته لتحقيق ذاك الهدف  وتعميق سياسة فرق تسد بين الدول العربية ، وكان العراق حصنهم الحصين لإيقاف المد الطاغي يومذاك لحركة التحرر الوطني،  التي حققت الاستقلال السياسي للعديد من الدول المستعمرة والتابعة ، وأخذ تفكك المعسكر الاستعماري يتسارع ، يصاحبه اشتداد تحالف دول التحرر الوطني ، دول مؤتمر باندونغ. وكانت حركة التحررالوطني العربية يومذاك تشغل دورا طليعيا. وفي مجرى الحرب الباردة استطاعت الامبريالية أن تجعل العراق حصنا لها  وقاعدة للهجوم على حركة التحرر الوطني و لمحاربة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، فلا عجب أن يكتب الرئيس الآمريكي آيزنهاور في مذكراته لدى وصول النبأ العظيم اليه ، نبأ ثورة الرابع عشر من تموز : " هذه هي البلاد التي كنا نعتمد عليها بكل ثقلنا في أن تكون الحصن الحصين للإستقرار والتقدم في المنطقة... إذا لم يلق تحوّل الأحداث بهذه الصورة المريعة ، الرد الشديد من جانبنا فقد يؤدي إلى إزالة كل النفوذ الغربي في الشرق الأوسط ، ويقصد النفوذ الأمريكي بالأساس، وهذا هو مربط الفرس بالأمس، مثلما هو اليوم أيضا.

أما السفارة البريطانية في بغداد فقد أرسلت الى لندن برقية جاء فيها :

    " لقد أحزنت الأحداث الدامية التي وقعت في بغداد العالم الحر [ عالم الامبريالية ] بشكل عميق... وقد حدث ذلك بثورة قامت بها عناصر معينة من الجيش كانت تعمل لصالح قوى أجنبية... ونتيجة لهذه الثورة المهيأة من قبل الناصرية والشيوعية ، تزعزعت وضعفت بشكل خطير مصالح وأمن الأعضاء الإقليميين لميثاق بغداد، أي تركيا وإيران والباكستان، وقد تعرض العالم الحر قاطبة لخطر الشيوعية أكثر من السابق... ".. فلذلك كان الاصرار على إعادة الحصان الجامح الى حظيرته على الأقل قد أضحى هو الهدف المركزي للأمبريالية ، التي استلمت الولايات المتحدة قيادتها كليا ، وعن هذا عبرت مجلة الإيكونومست البريطانية في أول عدد لها بعد الثورة ، إذ كتبت تقول:

" إن الوضع الراهن في الشرق الأوسط ينطوي على أكبر تهديد للإستقرار في تلك المنطقة - ولربما للسلام في العالم - منذ الحرب العالمية الثانية وهذه اللحظة أخطر بكثير من أن تسمح بغير التقديرات الشديدة الدقة لما نواجه من أخطار... فيجب أن يقال بكل تأكيد بأن هذه ليست [سويس أخرى] أبداً. إنها تلبية شرعية وشريفة لطلبات حكومات قائمة - حكومات لم تستطع المراهنة على أي إغاثة مناسبة ومقررة أصولياً من قبل هيئة الأمم المتحدة ، تصلها في الوقت المطلوب...والآن وقد هرب الحصان العراقي، فقد تم الإنزال الأمريكي في بيروت والبريطاني في الأردن، على أمل أن لا يترك أي من أبواب الإسطبل مفتوحا”. ولم تستطع  الدولتان أن تجهضا  ثورة تموز بل وقفتا أمامها وأياديهما مشلولة رغم الإصرار على التدخل العسكري في العراق...، بوقوف المعسكر الاشتراكي وحركة التحرر العربية الى جانب جماهير الشعب العراقي العارمة المنطلقة ، المليئة بالحماس ملتفة حول الثورة  ، حيث أضحى كل شيء بعد تموز جديد، ومن يبخس قيمة الجديد في إشاعة الفرح في قلوب الناس ، خاصة وهم صناعه.

لقد نجحت ثورة تموز واكتسبت تلك الأهمية التاريخية من كونها موضوعيا كانت جزءا من الصراع العالمي الدائر والذي كان ، وما يزال ، يتمثل تناقضه الاساسي في الصراع ضد الآمبريالية . لقد ربطت الرأسمالية العالم عبرتوسعها الاستعماري ، ومنذ أن وصلت الى مرحلة الامبريالية لم يعد أي حدث في العالم ، في أية بقعة مهما نأت وانعزلت ، يجري  بمعزل عن هذا التناقض ، بمعزل عن الصراع من أجل التحرر من الامبريالية . ومنذ أن هزت ثورة أكتوبرالعالم وتحررت من الامبريالية تجلى هذا التناقض الرئيسي ، وتبين الترابط التام والتشابك بين أحداث العالم كلها ، ولم يعد ممكنا فهم الاحداث والتأثير فيها بدون اخذ هذه الحقيقة بنظر الاعتبار ، حتى وإن كان الحدث في دارفور او في مجاهل من أية قارة كانت.

في أواخر القرن التاسع عشر كان قد جرى تقاسم العالم  الى مستعمرات و مناطق نفوذ بين بريطانيا ، التي أصبحت والشمس لا تغيب عن مستعمراتها ، وبين فرنسا ، ورفعت أ مريكا شعارها " أمريكا للأمريكيين " ، بمعنى احتكار أمريكا الجنوبية تحت نفوذها هي  بعيدا عن بريطانيا وفرنسا. وبدأ التوجه نحو الرجل المريض ، الامبراطورية العثمانية ، للإستحواذ على أشلائه وتقاسمها ، وحل المسألة الشرقية ، مسألة الشرق الأوسط الجديد ، هذه الأيام .

وهكذا برزت ألمانيا القيصرية تريد حصتها ، فكان المغرب من مطامعها ، والعراق والمشرق العربي في مطامحها للحصول على موارد الطاقة واسواق لتصريف منتجاتها.

وقد انعكس ذلك في حصول الـدويتشة بانك ( البنك الألماني ) على امتيازانشاء سكة حديد برلين بغداد ومدها فيما بعد  الى تخوم الخليج عام 1888 ، لضمان أسواق التصريف. ومنذ أن أصبح معروفا وجود النفط في العراق والكويت خاصة بعد عام 1902 صار السعي من أجل اكتشافه هو المحرك الرئيسي والثابت لتحقيق السيطرة العسكرية والاقتصادية، و ما زال الحال عليه حتى اليوم.

وفي المفاوضات لتمويل خط سكة حديد برلين- بغداد حصل  الدويتشة بانك من السلطان العثماني عام 1912  على امتياز" الحق في جميع الموارد النفطية والمعدنية على جانبي السكة الحديد لمسافة 20 كلم من كل جهة الى حد ولاية الموصل " .

 وهنا السبب وراء المشاكل والازمات والعداوات والتكتلات التي قادت الى الحربين العالميتين الأولى والثانية والى الحرب البارد ة ، التي حال  التوازن الذري دون تحولها الى حرب ساخنة ، فاستعاضت بحروب وكالة وحروب أهلية ، وسباق تسلح قتال ، انتهى بهزيمة المعسكر الاشتراكي ، وانهيار نجاحات حركات التحرر الوطنية  بالكامل ، بعد أن كان تراجعها قد بدأ مع انقلاب شباط 63  في العراق ، واكتملت اليوم برجعة العالم الى نقطة الصفر للنضال ضد النزعات الاستعمارية الامبراطورية الجديدة ، في عهد القطبية الاحادية. لقد كان الاندفاع والحماس في النضال ضد الامبريالية لدى الجماهيرفي العراق وفي كل مكان يحركه الشعور و الوعي بالمساهمة والمشاركة  في بناء عالم جديد ، ووجود معسكر يقف بوجه الامبريالية ، لم ينهكه بعد سباق التسلح ، و ابتعاده عن المبادئ الثورية لم يكن قد انكشف تماما بعد أمام جماهيره، فصار همه الحفاظ على بقائه ، لمصلحة النخب البيروقراطية دون التمسك بالمبدأ فعلا!.

نعلم أن الوجود يحدد الوعي  (الوجدان)، ونعلم أن الإنسان في تبدل وتحول بيولوجيا، و نفسيا، واجتماعيا، فالفتى اليافع، المندفع، المتحمس، المستعد للتضحية بحياته في سبيل مثله العليا ليس بالضرورة أن يبقى بنفس الخصال وهو يرتقي  في المركز والوظيفة والمكانة الاجتماعية والعمر.

عندما ينحدرالمرء، وان كان فيما مضى ثوريا، صاعدا الى فئة البيروقراطية  فيحترف العمل السياسي، والحزبي جزء منه، يتسيس، يصبح سياسيا ممتهنا، محترفا ، العمل السياسي مصدر رزقه، والبعد بين الاحتراف والارتزاق ليس كبيرا ، فهو أدق من شعرة معاوية، ومن يتسيس يصبح عرضة سهلة للتسوس، وللاصابة بأيدز الفساد السياسي .

والتمسك بمصلحة تحققت لتلك الفئة الاجتماعية من النخب السياسية الجديدة، والسعي لمصالح جديدة، لجاه ومكانة اجتماعية، عبر المنصب الرسمي أو في منظمات أهلية  وشعبية قد تنسي المرء تدريجيا منظومة القيم والأعراف  التي تربى عليها،  مما ينخر في الضمير، ويضعف الوازع الأخلاقي فيقبل شخصيا بما يدينه لدى الآخرين . وإذ تصبح السياسة حرفته ، تبدأ أصول الحرفة وقوانين السوق  -  موضوعيا وإن لم يشعر بذلك - في التأثير والضغط على سلوكه. وكما هو صعب الجلوس على كرسيين كصعوبة خدمة سيد ين ، كما قال السيد المسيح قبل قرنين :" لا يقدرأحدكم أن يخدم سيد ين: الله والمال." ، وبينت التجربة الحديثة أن

 " لا يقدر أحدكم أن يخدم في نفس الآن : المبدأ والمنصب " ، إلا من عصم نفسه!.

واليوم بعد مضي أكثر من خمس وأربعين عاما على القضاء على ثورة تموز وزعيمها النزيه الشريف عبد الكريم قاسم نرى كيف ينهب السياسيون خيرات البلاد ونعمها، و الناس يموتون بسلاح الارهابيين والتكفيريين، وجنود الاحتلال ، والمرتزقة من أفراد الجيوش المخصخصة، شركات الأمن التي فاق عدد مرتزقتها قوات الاحتلال، وأيضا لجوع أومرض ، ونتيجة الفساد  ثالث الأثافي مع الاحتلال والإرهاب . نعم ما نراه من نهب المحاصصين وفسادهم يدع المرء يقول دون خشية ، ودون الإفتئات على الواقع أن:" السياسي فاسد حتى يثبت هو نزاهته ، البينة عليه لا على من ادعى. " هذه هي القاعدة للسياسيين، فهم الاستثناء الذي يؤكد قاعدة " أن البينة على من إدعى”.

 المرحلة التي سبقت ثورة تموز كانت طوال الوقت منذ أن وطأت قوات الاحتلال البريطاني أرض العراق، بحجة أنهم جاؤوا محررين لا فاتحين، كانت مرحلة النضال في سبيل التحرر الوطني الديمقراطي. وللأفكار التنويرية والتحررية التي نشرها الحزب الشيوعي صار النظر للتحرر الوطني العراقي كجزء من نضال العالم العربي من أجل الاستقلال والوحدة القومية باعتباره جزءا عضويا من النضال العالمي ضد الامبريالية في سبيل الديمقراطية. وأن تحقيق أهداف الحركة القومية الكردية في العراق مرتبط بالنضال المشترك من أجل استقلال العراق والديمقراطية. وقد أدركت القوى الوطنية العراقية آنذاك هذه الحقيقة ، حقيقة كون النضال الوطني-القومي جزءا من النضال العالمي ضد الامبريالية واعتبرت القضية الوطنية العراقية جزءا مهما في هذا الصراع ، وأن العراق جزء من العالم العربي. ولقد وجد هذا الادراك تعبيره في هدفين من الاهداف الخمسة في ميثاق جبهة الاتحاد الوطني الذي أعلن في آذار 1957 :

2-الخروج من حلف بغداد وتوجيه سياسة العراق مع سياسة البلاد العربية المتحررة.

3-مقاومة التدخل الاستعماري  وانتهاج سياسة عربية مستقلة أساسها الحياد الايجابي.

وتوفرت مرجعية وطنية استطاعت أن تضم كل القوى ذات المصلحة الموضوعية بالتحرر من الاستعمار في اطار جبهة وطنية - جبهة الاتحاد الوطني- أثرت في القوى العسكرية وفي تعبئة رأي عام وطني ديمقراطي كبير. وبهذا الارتباط وبوحدة القوى الوطنية، المدركة أن النصر يحدده بالأساس نضالها هي، فالعامل الداخلي لا العامل الخارجي هو أساس النضال، انتصرت ثورةالرابع عشر من تموز، بتلك السهولة .وتتالت الانجازات، والانتصارات واشتدت في المنطقة الحركات المناهضة للآنظمة الموالية للآمبريالية ، بفعل استمرار نجاح الثورة حتى أصبح العراق في ربيع 1959 [ أخطر ما في عالم اليوم ] بتعبير آلن د لس مدير وكالة المخابرات الامريكية "، فقد أضحى خطرا راهنا يشكل تهديداً كبيرا للنظام الرأسمالي العالمي.

 ومع اطراد توالي الانتصارات اشتدت المؤامرات والمكائد  ضد ثورة تموز، وسياسة المستغلين ، لأنها قائمة على الباطل لا تبتغي الحق ، مجبرة على أن تعتمد المؤامرة والتضليل والخداع من أجل شق القوى ، فآليتها منذ عهد فرعون فرق تسد، وقد وصفه القرآن: " ان فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين " القصص.

 4-و تجاه هذه المؤامرات المدروسة دلت الخبرات المتجمعة والمكدسة عبر القرون ، والمستندة على آخر دراسات العلم في التضليل والتأثير على الوعي وغسل الادمغة ، ودراسات علم النفس في استخدام مختلف وسائل الاعلام لم تثبت النخب السياسية الجديدة في العراق كفاءة وقدرة في التصدي لهذه المؤامرات فانجرت وراء التناقضات الثانوية، وكادت تنسى التناقض الرئيسي  ، وراحت في نشاطاتها تتيه في مستنقعات  ردود الفعل ، بدل الامساك بالنهج القويم في تتبع المهام الأساسية، فغاصت في حمأة الانشقاق ، واشترك في  تعميق هذا الخلل قادة حركة التحرر العربية أيضا. وكانت بذور هذا الانشقاق مبثوثة في كل مكان و منذ بداية تأسيس العراق، وكانت في الغالب من بذار الاستعمار، يتعهدها وينتظر ثمارها المرة لوقت بعيد، وكان من أهمها بذور العداء للشيوعية ، الى جانب زرع بذور الطائفية، والتمييز القومي. فمنذ ما قبل ثورة العشرين كان الحديث عن الشيوعية والبلشفية معروفا في العراق، اتهم أبن الشيرازي على أنه على علاقة وصلة بالبلاشفة ، وكان عداء فيصل الاول للبلشفية أحد   العوامل التي استندت اليها الخارجية البريطانية لتفضيله على غيره ليكون سدا أمام الشيوعية في العراق وفي المنطقة. وعرفت معاداة الشيوعية بفترة طويلة قبل تأسيس الحزب الشيوعي. وكانت بعض القوى القومانية وهي تعمل للخلاص من الانكليز قد وقعت تحت تأثير النازية!.

التي أعلنت أن هدفها هو استئصال البلشفية، وكان انطلاق القوميين العرب معتمدا على المبدأ الساذج والسطحي: عدو عدوي صديقي. وانطلاقا من لزوم  توفيرعدة قنوات وأساليب وجهات ضد الحركة الوطنية باسم مكافحة الشيوعية جرى السعي لجر رجال الدين الاسلامي الى محاربة الشيوعية، فلم يفلحوا في محاولاتهم قبل تموز، فقد رفض الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء والعديد من رجال الدين المشاركة في نشاطات المستعمرين لجرهم ضد الشيوعية، الخطر المحتمل افتراضا ونسيان الخطر القائم فعلا: الاستعمار والصهيونية، الا أنهم أفلحوا قبيل تموز في بذر بذور حركة اسلامية لتقف بوجه " الاعصار الأحمر" حسب قول مؤسسي الحركة الاسلامية أنفسهم، وتتصاعد لتسفر عن وجهها في فتوى تكفير الشيوعية التي لعبت دورا كبيرا في اسقاط  الجمهورية الاولى، وما زالت هذه الفتوى قائمة رغم أنها اصبحت مناقضة للدستور الذي أثر الاسلاميون في صياغته فهو يحرم الافكار التكفيرية.

كان العراق من أوائل الدول العربية وفي العالم الذي لعب فيه العسكر دورا فعالا في رسم سياسة البلاد، سواء عبر كون الجزء الاعظم من سياسيي العهد الملكي  من أصول عسكرية، أوعبر استخدام الجيش لإحداث تغييرات سياسية. وكان انقلاب بكر صدقي عام 1936 أول انقلاب يقوم به الجيش واعتمد في البداية على جماعة الاهالي وجمعية الاصلاح الشعبي، ولكن سرعان ما انقلب ضد اليسار، وصرح بكر صدقي " أن الشيوعية لا تصلح للعراق مثل عدم صلاح أرض السويد لزرع النخيل".

وبلغ الامر بحكمت سليمان، كما يورد عزيز سباهي في الجزء الاول من عقوده، أن أعلن في مجلس النواب من تخوفه حتى من استخدام كلمة (الفقراء) لئلا يفهم المقصود بها هو الشيوعية و قال " وبصفتي رئيس الحكومة أقول يا جماعة ان هذه الحكومة بعيدة كل البعد عن الشيوعية وعن كل كلمة يشتم منها رائحة شيوعية " مما دفع النائب الشاعر معروف الرصافي للرد قائلا :" ان الذي أفهمه من كلام  فخامة رئيس الوزراء في هذه المرة وفي غيرها أنه يتحفظ  و يتحذر كل الحذر من أن يسمع أو أن يتكلم بكلمة تدل على الشيوعية أو يشتم منها رائحة الشيوعية و أفهم أيضا أن هناك أناس يريدون في  طي  الخفاء أن يضعوا تحت أقدام هذه الحكومة مزالق من ثلوج الشيوعية . ان هذا الشئ غريب. الشيوعية مبدؤها معلوم ، و مبدؤها عال و سام جدا ، فليت شعري من هم هؤلاء الذين يريدون أن يقاوموا هذا المبدأ السامي ان هذا المبدأ لا يقاوم الا بشيئين اما بثقافة عالية أو بقوة غاشمة "  عزيز سباهي ج1 ص181

 وتركت تجربة هذا الانقلاب وضربه تأثيرها في الحذر من التعامل مع الانقلابات العسكرية، كان من المفروض أن تكون هذه التجربة تحذيرا من القبول بمبادرة العسكريين القيام بالثورة، وقد طرح قبيل الرابع عشر من تموز رأي أن تكون المبادرة في اسقاط  النظام يكون  بتوسيع الانتفاضة الفلاحية في الفرات الأوسط ثم يقوم الضباط الأحرار بمساندتها، لكن الضباط الأحرارلم  يقبلوا ذلك، فتركت لهم فرصة المبادرة، رغم ان الضباط الآحرار كانوا على قناعة تامة أن النجاح لن يكون حليفهم دون اسناد الجبهة لهم، كما يذكر الراحل محمد حديد في مذكراته. وكان يفترض التمسك بهذا  الرأي، مثلما تمسك الضباط الاحرار باشتراط قيام الثورة فقط عندما يكون أقطاب الحكم الثلاثة : الملك فيصل الثاني ، وولي العهدعبد الآله ، ونوري السعيد متواجدين كلهم داخل البلاد ، مستذكرين هروب الوصي ونوري السعيد أثناء حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، ثم عودتهما لضرب الحركة واعدام قادتها.

ومعروف كيف جرت الإطاحة ببكر صدقي وحركته، ذلك بتحالف القوى القومية في الجيش مع أعوان الاحتلال، الاحتلال  الذي ربط أعوانه العراق بمعاهدة  1930، وتم التوقيع عليها في يوم الذكرى العاشرة لثورة العشرين، ضمنت للامبريالية القواعد العسكرية وربط العراق بعجلتهم وسوقهم والسيطرة على نفطه وثرواته، ثم منحهم استقلالا شكليا أنهى الانتداب  الممنوح من عصبة الامم، والمشابه  لوضع قوات التحالف  اليوم بتفويض من الامم المتحدة   انتزعته الولايات المتحدة  بما يشبه الفرض والاكراه، فحققت شرعنته دوليا، وهي تسعى لشرعنته عراقيا بعقد الإتفاقية الأمنية واتفاقية طويلة المدى. فكانت المعاهدة عام 1930 ثمنا لانهاء الانتداب  ونيل العراق استقلاله الشكلي وقبوله عضوا في عصبة الامم يوم 3 تشرين 1932، اليوم الذي يريد أعوان الاحتلال الجديد جعله عيدا وطنيا بدل الرابع عشر من تموز.  ومثلما أطيح بانقلاب بكرصدقي واغتياله  بعد ما أبعد اليسار الديمقراطي، أطيح بحكم عبد الكريم قاسم  بتجمع القوميين والرجعيين والاسلاميين، سنة وشيعة، وصارت فتوى تكفير الشيوعيين، الراية التي تلمهم جميعا، وكان المستفيد الاول والاكبر هو الاستعمار الذي جهزالخطط والقطارليأتوا به  مستخدمين القوة الغاشمة والغدرلتصفية قاسم والشيوعيين واليسار الديمقراطي عموما، والحركة القومية الكردية التي نالها بعد الاطاحة بثورة تموز ما نالها من جرائم الانفال وحلبجة، و حروب إبادة لم تنته الا بعد الانتفاضة عام 1991 و صدور قرار مجلس الآمن 688، كما ونالت الحركة الاسلامية نصيبها الوافر من الضحايا. أما تصفية الشيوعيين فلم تتوقف يوما حتى في “زمن الجبهة”  مع البعث الفاشي، كما كان يسميها الشهيد د. صباح الدرة  أيام الجبهة الوطنية والقومية التقدمية. جفف صدام الاهوار ولم يعد اهاليها يتمنون غير ما قالته أمرأة  مسنة من الاهوارفي فلم عن تجفيف الاهوار:" يمـة ما نريد شئ ، بس ماي " ، وعم خوف شديد أن الأهوار لن تعود ثانية، لكن مياه الاهوار بدأت تعود، وعودتها تبقي جذوة الامل متقدة في النفس، تستصرخ كل ذي ضميرألا يبقى بعيدا أومنعزلا في بركة آسنة ، بركة يستعيد فيها النماذج السيئة، والكبوات والنكسات التي حدثت وشهدها وعايشها عن قرب، كانت نكسات وكبوات -- وليتها كانت واحدة فحسب - بل عليه مستفيدا من تجربته الذاتية أن يسترجع في ذكرى الرابع عشر من تموز كيف راكمت و تراكمت النضالات الصغيرة، المتكررة والمتصاعدة، حتى انفجرت كالبركان من حيث الأثر في ذاك الاثنين من الرابع عشر من تموز 1958، وبعد أن تجمعت القوى والطاقات في تنظيم موحد في جبهة الاتحاد الوطني، وبتنسيق مع الضباط الآحرار فكان الانقلاب العسكري وسيلة وأداة تنفيذ التغييرالثوري،  باحتضان الجماهير العارم للأنقلاب منذ لحظته الأولى وصيرورته ثورة، وبالأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي حققتها أوأعلنتها الثورة، وبالتضامن العربي والعالمي.

كان لطبيعة الصراع العالمي ضد الامبريالية وقوة الافكار الاشتراكية تأثيره الكبير على ثورة الرابع عشر من تموز ونجد تأثيرات روح العصر، سمة العصر تجد لها انعكاسا في وثائق 14 تموز الأولى. فالبيان رقم واحد يعلن قيام جمهورية شعبية ، ولهذا المصطلح مفهومه يومذاك، فالصين كانت جمهورية شعبية، كما نجده في الموقف حتى من الملكية الخاصة الذي ثبته الدستور الموقت وما كان في لجنة صياغته شيوعي واحد، فنصت مادته الثالثة عشرة على:

" الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون وظيفتها الاجتماعية " ما يعني رفض اقتصاد السوق المنفلت، والأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي. أما اليوم فينص الدستور كما يوقع حكام العراق وثيقة العهد الدولي التي تفرض اقتصاد السوق على العراق، رغم أن قرارات مجلس الأمن تنص على حق الشعب العراقي في اختيار ورسم طريقه.

 والاستفادة من دروس الرابع عشر من تموزخاصة تحالف القوى الوطنية في جبهة تضم كل القوى السياسية من كل القوميات والاديان والطوائف، دون محاصصة، واستنهاض رأي عام في العالم العربي من أجل تمتين تضامن قوى التحرر العربية  يلعب ذاك الدور الهام الذي قام به في اسناد ثورة تموز في فترتها الحرجة الاولى، وعدم نسيان الدور العالمي الذي لعبه القطب الآخر في التوازن الدولي عام 1958، المعسكرالاشتراكي آنذاك، والذي يتمثل اليوم في الرأي العام العالمي، الذي تجسدت طاقته الكامنة في تظاهرة الملايين العالمية ضد غزو العراق في الخامس عشر من شباط 2003، حيث وصفتها إحدى كبريات الصحف الأمريكية بأنها القطب الجديد الذي بدأ يتكون مقابل القطب الاوحد، إضافة الى الاعتماد على تقوية دور الامم المتحدة، التي اضطرت حتى أمريكا اليوم الى التأكيد على ضرورة تقوية دورها في العراق على لسان ممثلها خليل زاد.

لم تستطع هذه القوى الجديدة المناهضة للحرب وقف الغزو ومنعه في آذار 2003 غير أن تأثيرها حتى داخل الولايات المتحدة آخذ في التصاعد والنمو مطالبا بانسحاب القوات وانهاء الاحتلال، وانعكس ذلك في معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية. ونرى كيف أن هذا الاحتلال يعرقل استكمال بناء واعداد قوات مسلحة عراقية قادرة على التصدي لجرائم التكفيريين والبعثيين، وللجريمة المنظمة وعصابات المافيا، وقادرة على حل الميليشيات ومحاربة الفساد. ففي ذلك عرقلة لما يريده البعض من تهيئة مستلزمات إنهاء الوجود العسكري ألأمريكي ، الذي يقرره العراق، نظريا، وفق قرارات مجلس الأمن المقرة وفق الفصل السابع، ولكن المحتل الأمريكي مع ذلك يريد ربط العراق باتفاقية وضع القوات و إتفاقية طويلة الأمد تضمن بقاءه في العراق للسيطرة على العراق ومنطقة الخليج .

هل سيكون مآل مشروع هذه الاتفاقية كمعاهدة 1930، الذي وجد أعوانا له بحجة الواقعية  وبحجة الخروج من الانتداب، أو كمصير مشروع معاهدة  بورتسموث عام 1948 ؟ أمر لم يحسم بعـد.

ويبقى درس تموز الرئيسي: قدرة الشعب على تحقيق أهدافه إن اتحدت قواه الوطنية في جبهة واضحة الأهداف الوطنية و الديمقراطية، فتعبئ قوى الشعب في جبهة، و تكسب التضامن العربي والعالمي الى جانبها، وتتمسك بالوحدة العضوية بين المهام الوطنية والديمقراطية فهما تؤأم سيامي، جبهة تحقيقها يشترط وحدة الحركة الديمقراطية  العراقية بتحالفها الوثيق.