محمد الملا عبد الكريم*

كانت ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ثمرة نضال مرير خاضته قوى الشعب العراقي الوطنية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، ضد الاستعمار الانكلو- أمريكي والنظام الملكي العميل وسنده الإقطاع. وكانت معاناة الشعب العراقي قبل الثورة على يد ذلك النظام وسيده الاستعمار عميقا الى حد كان الكثيرون من أبناء الشعب يتوقعون ان تأتي الثورة القادمة، كرد فعل للأوضاع السائدة، جذرية بحيث تحرر الشعب العراقي والى الأبد من مساوئ ذلك النظام وتقيم نظاما ديمقراطيا حقا يتمتع في ظله الشعب بكل ما يصبو إليه من آمال جسام.

ولكن، ومنذ الشهور الأولى للثورة تبيّن ان ظن الشعب بثورته سيخيب، وان نهاية عهد الظلم والفساد والحياة المرّة ما زالت بعيدة. وليس الأمر توقف عند هذا الحد، فلم تكد تمضي سنتان على الثورة حتى باتت الأمور من السوء بحيث لا نكون مغالين بأي حال إذا قلنا ان قطاعات واسعة من الشعب صارت تتحسر على العهد الملكي وتتمنى لو ان الثورة لن تحدث، واخذ الناس ينسجون مزاعم تصب في هذا المجرى، وبات من المألوف ان نسمع منهم على لسان نوري السعيد رئيس الوزراء المزمن في العهد الملكي انه قال: ستتحسرون عليّ وتتمنون لو أنني ظللت باقياً على كرسي الحكم، وصدق ما قيل وأشيع على لسانه.

فما الذي أدى بالثورة الى ان تكون عاقبة أمرها ذلك؟ وما الذي ساق العراق الى الدرك الأسفل للثامن من شباط 1963 ومجازره البشعة، وساق قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم ونخبة من صحبه الأقربين الى ان يظفر بهم الانقلابيون الفاشست ويطلقوا النار عليهم فيخروا صرعى مضرجين بدمائهم التي وضعوها على اكفهم من اجل تحرير العراق وشعبه يوم ثاروا

* كاتب وباحث مقيم في كردستان

ضد الحكم الاستعماري، ويعرضونهم على شاشات التلفزيون ليراهم الناس ويتأكدوا من ان كل ما كان يربطهم بالرابع عشر من تموز 1958 قد انتهى الى غير رجعة فيستسلموا لقدرهم تحت سياط أولئك الجلادين؟ وما الذي ساق الحزب الشيوعي العراقي الى ان يكون مصير معظم قادته، الواحد تلو الآخر، ان يلفظوا أنفاسهم تحت التعذيب، وان يساق الألوف من كوادره وأعضائه وأنصاره الى المعتقلات والسجون التي انتشرت في طول البلاد وعرضها، ويصفي المئات منهم تحت التعذيب وتبقى ألوف أخرى منهم في السجون مثقلين بسنوات طوال من الحَبس؟

لا بد لنا للإجابة على هذه الأسئلة من إعادة النظر الى الوراء لعلنا نتمكن من الإمساك برأس خيط يقودنا الى هذه الإجابة.

إنني أرى ان  من الأسباب المهمة التي أدت الى هذه النتيجة العقلية غير المبتكرة المعتمدة على التقليد والتلقي، وهو ما كان يجري عليه عمل الأحزاب الشيوعية المؤسسة ضمن المدرسة الستالينية. صحيح انه لا احد يمكنه ان ينكر الكفاءة السياسية والتنظيمية والإدارة الحازمة التي كان يتمتع بها الرفيق الخالد فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي. وهناك أدلة واضحة على ذلك تتمثل في تمكنه من بناء حزب جماهيري وقوي وتوصّله مبكرا الى ضرورة ربط العمل السري بالعمل العلني ولا سيما في بلد تنعدم فيه الحريات الديمقراطية، ومحاولته المستميتة لإنجاح فكرته في بناء حزب شعبي قوي هو حزب التحرر الوطني ليكون الى جانب حزبه الشيوعي ويكون ظهيرا له، وتمكنه من التغلغل في الوسط العمالي ونجاحه في تأسيس حركة نقابية، سرية أو علنية، بقيادات طبقية كفوءة، وكذلك عمله المواظب لإقامة حركة فلاحية نشطة أيضا تستطيع استنهاض جماهير الريف بوجه الإقطاع، وصوغه الشعارات الصائبة الملائمة للمرحلة والتي ما تزال تحتفظ بحيويتها الفكرية والسياسية من قبيل: وطن حر وشعب سعيد، قووا تنظيم حزبكم .... قووا تنظيم الحركة الوطنية، ووصايا الحزب الى أعضائه المدونة في خاتمة نظامه الداخلي. هذا إضافة الى تمكن الرفيق فهد من الوقوف بوجه الكتل الانشقاقية التي ظهرت داخل الحزب، مما كان وجودها يعرقل قيام الحزب بواجباته ومهامه التي كان يضعها نصب عينيه، إلا انه شاب عمله الفكري والسياسي أيضا أحيانا بعض التصلب غير الواقعي الناجم عن طريقة عمل الأحزاب الشيوعية يومذاك.

ما من منصف يستطيع إنكار حقيقة ان الحزب الشيوعي العراقي الذي تكونت بواكيره الأولى في العقد الثالث من القرن الماضي ونزل الى ساحة النضال الوطني والطبقي بقوة قيادية بارعة، من العقد الرابع منه، كان لولب الحركة الوطنية العراقية، وانه بالرغم من قساوة الإرهاب وعدم توفر أكثر من الحد الأدنى من إمكانيات العمل السياسي القانوني إلا في اقصر الآجال واقلها، كان ذا حضور دائم وفعال رغم كل المحن والصعوبات. كما لا يستطيع المرء تجاهل حقيقة ان سائر القوى الوطنية كانت تمارس على وجه العموم نضالا موسميا، فمتى توفر شيء من الحريات نزلت الى الساحة وبدعاوى أكثر بكثير من طاقاتها الحقيقية، ومتى عاودت طاحونة الإرهاب الى الدوران بسرعتها المعهودة عادت تلك القوى الى قواعدها مكتفية بالتفرج من بعيد، وكفى الله المؤمنين القتال.

إزاء هذه الحالة، ومعها، كان الحزب الشيوعي العراقي يظل يواصل الدعوة الى الجبهة الوطنية والعمل الوطني المشترك، ليس انطلاقا من تجربة وطنية عراقية على ما أظن، وإنما استجابة لطروحات جورجي ديمتروف والأممية الثالثة، رغم أن الإحداث كانت تبرهن، على الدوام، على ان الجبهة الوطنية المنشودة هذه لم تبرز الى الوجود يوما ما إلا في حالتين: الأولى عندما يكون حزب ما من القوة بحيث يفرض تشكيل الجبهة والانضمام إليها على الجميع، والثانية عندما يكون ضغط العدو على قوى الجبهة من الشدّة بحيث يفرض عليها ان تتوحد في جبهة واحدة معادية لذلك العدو. أما الحالة الأولى فلم تتحقق أبدا حتى بعد الثورة وسيطرة الحزب الشيوعي على الشارع العراقي الى حد كبير. وأما الحالة الثانية فلم تتحقق في تاريخ العراق قط إلا لعدة أشهر في العام 1954 عند انعقاد الجبهة الوطنية التي شارك فيها الحزب بفعالية، وكان له دور جد كبير فيها. ومع ذلك لم يظهر اسم الحزب ضمن المشاركين فيها إلا من خلال بعض المنظمات التي كان الناس يشخصون بصواب من الذي يقودها. هذه الجبهة هي التي خاضت الانتخابات البرلمانية الأولى بقدر من الحرية واتت بعدد من النواب لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، وسرعان ما انفضت وانفرط عقدها عندما جاء نوري السعيد بوزارة جديدة وحل البرلمان بعد جلسته الأولى اليتيمة التي كانت جلسة الافتتاح. وحتى في عهد الطاغية صدام حسين، ورغم بشاعة مظالمه، لم يحدث ان ظهر الحد الأدنى لبادرة عقد جبهة وطنية جديدة على نطاق العراق كله، وإرادة الكثير من هذه القوى كانت منوطة بجهات خارجية معادية لاماني الشعب العراقي وآماله العظام في التحرر والديمقراطية.

كان الحزب الشيوعي، وهو ينظر الى واقع وجود عدد من القوى السياسية الوطنية في العراق، يفترض ان يكون هذا الواقع أساسا لتكوين جبهة وطنية منها، دون ان تنظر تلك القوى الى المسألة بمثل هذه الجدية التي ينظر إليها الحزب الشيوعي، فلا يتمكن من ان يفكر في ان بالإمكان، مادامت تلك القوى سلبية الى ذلك الحد الذي شاهده كل المراقبين طيلة عشرات السنين، ان يسحب جزء من الأهمية التي يضفيها هو على أمر عقد الجبهة الوطنية وقواها - المفترضة - غير المستعدة لعقدها (أي عقد الجبهة) ويضيفها الى جهوده الخاصة ليعمل بصورة أكثر اعتمادا على الذات لتحقيق مطالب الشعب، منه على جهات خاملة في الغالب.

لقد مرّ الحزب الشيوعي العراقي بتجربتين جبهويتين الأولى في عام 1954 وقد تحدثنا عنها. والثانية في عام 1957 وقد رأينا ان القوى القومية العراقية إرادتها وفق التصميم  الذي تريده هي ويحقق لها ما تريد، ومع ذلك لم تحافظ عليها بعد انتصار الثورة وأخذت تتآمر عليها وعلى عموم منجزات الثورة للاستحواذ على العراق كله دون ان تترك شيئا لغيرها. وكانت عاقبة هذه السياسة هي ما جرى في الثامن من شباط 1963. ومع ذلك فإنني لست ضد ان يعمل الحزب لعله يمر بتجربة ثالثة، ولكنني اعتقد انه كان عليه ان يدرس تلكما التجربتين بعمق، ويعمل، الى جانب الأمل في تكرارها لمرة أخرى أو أكثر، من اجل إيجاد موطئ قدم أقوى لنفسه مما كان له، لعله يستفيد من ذلك في محاولاته لتكرار التجربة الجبهوية التي لم يؤد الإرهاب الصدامي حتى ان تخطو القوى الأخرى خطوة واحدة باتجاه تكوينها.

لم تكتف القوى الوطنية العراقية بعد ما آل إليه أمر الجبهة الانتخابية بانسحابها المطلق من الميدان ساعة ان عاد نوري السعيد الى تبوء كرسي رئاسة الوزراء وتولي زمام الحكم من جديد، وكان انسحابها بحيث لم يجد النظام صعوبة تذكر في عقد حلف بغداد الذي كان يجري التحضير لعقده منذ أكثر من سنتين والاتفاقية الجديدة مع بريطانيا التي ألغت معاهدة 1931 التي كان إلغاؤها مجرد عملية لذر الرماد في العيون، والارتباط بجملة من الاتفاقيات السياسية والعسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية البديل الجديد الأقوى لبريطانيا العظمى التي شاخت، وفرض جو إرهابي على البلاد امتلأت فيه السجون بالمناضلين، ولم يمض عامان حتى وضع النظام كل ثقله الى جانب العدوان الثلاثي على مصر. وعندما حاول الحزبان الوطني الديمقراطي والاستقلال الانفلات من قيود تعطيل الحياة الحزبية بتشكيل حزب موحد باسم حزب المؤتمر الوطني، لم يسمح النظام حتى بهذا الانفراج الجزئي في الوضع رغم انه كان على ثقة تامة من ان هذا الحزب الجديد لو سمح له بالظهور، فسيكون أكثر ليونة من الحزب الوطني الديمقراطي السابق بمفرده نظرا لوجود قادة حزب الاستقلال السابق في قيادته. ولم يكتف النظام بهذا الموقف وحده بل وزج الأستاذ كامل الجادرجي زعيم الحزب الوطني الديمقراطي السابق في الحبس مثقلاً بثلاث سنوات سجن لمجرد انه أرسل برقية استنكار لموقف النظام من العدوان الثلاثي على مصر!.

وأما في المرة الثانية، فرغم ان عقد الجبهة في ظروف إرهاب خانق لم يكن يدع لقوى المعارضة مناصا من الانتظام في جبهة معارضة، ورغم انه جاء في ظروف وجود منظمات للضباط الأحرار في صفوف الجيش إحداها تابعة للحزب الشيوعي العراقي، فان عدم إيمان بعض أطراف هذه الجبهة - حزب البعث العربي الاشتراكي وحزب الاستقلال - وإنكارهما وجود عنصر أساسي من عناصر الشعب العراقي وهو الشعب الكردي، كان من الشدّة بحيث رفضا الموافقة على انضمام الحزب الديمقراطي الكردي الموحد الى هذه الجبهة وأصرّا على رفضهما هذا. وبالمقابل فان أكثر القوى راديكالية في جبهة الاتحاد الوطني واعني به الحزب الشيوعي العراقي وجد نفسه مضطرا للموافقة على تكوين هذه الجبهة المبتورة والاكتفاء من جانبه بعقد اتفاق ثنائي مع الحزب الديمقراطي الكردي الموحد يربط هذا الحزب من خلال الحزب الشيوعي، بشكل ما بالجبهة المعقودة. وهذا الموقف المتشنج من جانب البعث والاستقلال، الرافض للاعتراف بوجود القومية الكردية في العراق ووجود حزب قومي يمثل مطامحها، كان هو احد العوامل التي تحمل بذرة نذير شؤم بتخريب جبهة الاتحاد الوطني ويدل على وجود فايروس قاتل في جسدها عندما تحين ساعة الاستغناء عنها، وقد حانت هذه الساعة بعيد انتصار الثورة مباشرة.

إذا، فقد تفككت جبهة الاتحاد الوطني منذ الأسابيع الأولى للثورة ولم يعد لها وجود، ولم تجدِ كل المحاولات التي بذلت لإعادة الحياة فيها وتوسيعها بضم الحزب الديمقراطي الكردي الموحد إليها، ولم تعد الحياة إليها مرة أخرى.

ومن جهة أخرى فأثر الثورة واستتباب الأمور لها مباشرة، أخذت قيادة الثورة هي الأخرى يتسرب إليها الانشقاق والتمزق وتظهر الصراعات بين قطبيها: الزعيم عبد الكريم قاسم والعقيد عبد السلام عارف. وفي الصف السياسي لم يبقَ هناك تجانس واشتراك مصالح بين معظم الأحزاب. كانت هناك كتلة قومية من البعثيين والاستقلاليين والناصريين من مدنيين وعسكريين. وكان الحزب الشيوعي يقف، من الناحية العملية، لوحده دون ان يكون هناك معه احد من الأحزاب إلا عناصر متفرقة في صفوف هذا الحزب أو ذاك أو في مجال العمل المستقل. وحتى الحزب الديمقراطي الكردي الموحد لم يعد في المرحلة الأولى من الثورة حزبا متماسكا موحدا، فعلى نوع من الأساس الذي كان يستند إليه انشطاره في بداية الخمسينات وحتى إعادة توحيده في عام 1956، كان جناح منه يميل الى التعاون مع الحزب الشيوعي العراقي وآخر بالعكس. وكان للانشقاق الاجتماعي الذي ظهر في كردستان أيضا بعد الثورة وسيطرة الحزب الشيوعي على شوارع المدن وعلى فلاحي الأرياف بدرجة اكبر بكثير مما كان يتسنى للحزب الديمقراطي الكردي الموحد، وهو ما لم يستطيع الحزب الشيوعي ان يستغله استغلالا مبنيا على وضع القيم الكردستانية في مقدمة أهدافه، دور غير قليل في هذا الواقع.

لا أريد الإطالة في هذا الجزء من الموضوع رغم انه يتحمل الكثير ويحتاج الى مزيد من التفصيل ووضع النقاط على الحروف بدقة وشفافية. ولكني اصرف النظر عن الأمر لأنني لا أريد أن انكأ الجراح التي لا يصح القول أنها اندملت تماما رغم مرور ما يقارب الخمسين عاما. ولذلك أحاول ان أركز على بيان وجهة نظري في ماذا كان علينا ان نعمل منذ البداية.

قبل كل شيء أود الإشارة الى فقرة مهمة في نظري وهي أننا كشيوعيين، كنا ننظر الى الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مرحلة دخوله العالمية التي بدأها بمؤتمر باندونغ لدول عدم الانحياز وأعقبه بكسر احتكار السلاح ومن ثم مشروع بناء السد العالي فتأميم قناة السويس ثم جاء العدوان الثلاثي، كنا ننظر إليه كرمز لمعاداة الامبريالية العالمية ولاسيما أننا كنا نقف آنئذ وجها لوجه مع حلف بغداد ونظام نوري السعيد ونحتاج الى أي يد عون تمتد إلينا ولو بالكلام المجرد. كانت الحركة القومية التي يرعاها ويقودها عبد الناصر حركة تقدمية من وجهة نظرنا بمفهوم معاداتها للاستعمار المسيطر على الشرق ومصادر نفطه وتعتبر خطرة عليه. وهكذا ظلّ الموقف الى ان جاءت الوحدة المصرية - السورية التي أقدمت عليها الأحزاب السياسية السورية نكاية بالحزب الشيوعي السوري ومن كان يحيط به من عسكريين وسياسيين تقدميي النزعة ليس إلا في الواقع، رغم أنها - أي تلك الأحزاب - كانت تدعي الحرص على الوحدة العربية. وإذا اخذ الحزب الشيوعي السوري يناوئ هذه الوحدة من منطلق الحرص على الديمقراطية خشية القضاء على الديمقراطية السورية، انضممنا نحن أيضا الى الحملة بقدر ما كان في وسعنا، رغم أننا كنا مضطرين الى مراعاة كثير من الحذر لأننا كنا ما نزال نقف في العراق بوجه نوري السعيد ويقف بوجهنا ولأننا كنا ما نزال في صراعنا ضد الوضع القائم في العراق يومذاك نفتقر للاستظلال بعبد الناصر وحركته القومية العربية. أما كان بإمكاننا، على الأقل، ان ندع المعركة فيما بعد تدور بين أنصار الوحدة ودعاة الاحتفاظ الوطني بالشخصية العراقية ونقف على حياد وحذر لئلا نبرز بمظهر المناوئ الأول لهذا المشروع، في حين ان عبد الكريم قاسم الذي كان هو في الواقع قطب المعركة الحقيقي في العراق ونار الخصومة موجهة ضده، لا يعير أهمية حقيقية للتضحيات الكبيرة التي تورطنا فيها من اجل صيانة حكمه هو وبخاصة في هذا المجال، ذلك الحكم الذي لم يكن يعتبرنا ركنا ضروريا لنظامه في صراعه ضد خصومه، ولم يقف الى جانبنا خلاله عندما كنا نناضل عنه، ولو بأضعف الإيمان، بل ما ان وجد الفرصة سانحة بعد سحق مؤامرة الموصل حتى قلب لنا ظهر المجن كما جاء في خطابه في أول ايار 1959 الذي أطلق فيه شرارة العداء للشيوعيين. فماذا كان يضيره لو انه استجاب لنداء الجماهير المحتفلة بيوم العمال العالمي ومطالبتها العارمة بإشراك الحزب الشيوعي في الحكم، أولم يكن من حق الحزب الشيوعي، وهو الحزب المناضل التاريخي ذو التضحيات المجيدة المريرة، ان يشارك في الحكم كما شارك حزب البعث على الأقل في أول وزارة عراقية تؤلف بعد الثورة، وهل البعث كان أكثر نضالية وأجدر من الحزب الشيوعي بتولي وزارة؟

لم يكتف عبد الكريم قاسم بهذا القدر من الموقف غير الودي وغير الايجابي وغير الصحيح تجاه الشيوعيين، بل واصل خطه الخاطئ على النطاق الوطني أيضا، فأطلق سراح ألوف المشتركين في مؤامرة الموصل والمؤامرات التي سبقتها منذ الأيام الأولى للثورة، وأطلق العنان عمليا لحثالات الرجعية العراقية من أتباع العهد المباد ومن لف لفهم من كل طيف ولون وترك الأمر على هذا المنوال تقريبا حتى الثامن من شباط 1963 إذ تحولت المهمة الى واجب رسمي مبرمج من أعمال الحكومة صاحبة البيان رقم 13 المشؤوم للحاكم العسكري العام لحكومة الانقلابيين القتلة. وما ان وقعت أحداث كركوك التي وصف فيها الزعيم عبد الكريم قاسم، ظلماً وعدواناً، الشيوعيين بأبشع النعوت ووجه إليهم أخس الاتهامات تحت تأثير تهويشات وتلفيقات الرجعية المرتبطة بشركات النفط الاحتكارية، ذلك الوصف الذي اضطر هو نفسه، بعد أيام، الى التراجع عنه عندما تبينت له الحقيقة، ولكن قبل ذلك كان خطابه في كنيسة مار يوسف قد أطلق العنان لكل الأبواق المعادية للشيوعية والشيوعيين لتشتم وتسب الحزب وأعضائه وأنصاره بأبشع السباب والشتائم، والقي القبض على عشرات المناضلين ولاسيما في كركوك وقدموا الى المحاكم وحكم على العشرات بالإعدام وابقوا في السجون الى ان استولى البعثيون على الحكم وأعدموهم.

ولم يرتو البعثيون وسائر الزمر الرجعية بكل الاضطهاد الذي مارسته أجهزة حكومة قاسم ضد الشيوعيين وأنصارهم، إذ كان حقدهم على الزعيم نفسه ونظامه عميق الغور، فقاموا بمحاولة آثمة لاغتياله في التاسع من تشرين الأول 1959، وسقط الزعيم على أثرها جريحا في المستشفى لعد أسابيع ولم يكن اتعاضاً واعتباراً بالمحاولة بالعودة الى طريق الصواب وترك سياسة اللعب على حبال الخلافات الدائرة في المجتمع، إنما أطلق شعاره الذي أرخى المزيد من العنان لخصوم الديمقراطية واعني به شعار " عفا الله عما سلف "، ذلك الشعار الذي زاد الطين بله ودفع البلاد الى مهاوٍ أعمق من كل ما دفع بها إليها من قبل. ومع انه تم إلقاء القبض على كثيرين من البعثيين وعلى أكثر الذين كان لهم ضلع في المؤامرة تخطيطا أو تنفيذا وحوكم من القي القبض عليه أو لم يقبض من القائمين بالجريمة إلا ان جميع عقوبات الإعدام التي صدرت بحق من صدرت منهم ألغيت. أما بالنسبة للشيوعيين وأنصارهم، فقد ظلّ الأمر على حاله رغم تكرر العديد من المؤامرات على قاسم ونظام حكمه، ورغم ان الحزب الشيوعي هو الذي كان ينبهه الى تلك المؤامرات على الدوام ويضع يده على خيوطها ويقدمها إليه دون جدوى.

لماذا لم ينتبه الحزب الشيوعي الى هذا الوضع وهذه الأخطار المحدقة بالوطن، ولماذا ألقى بثقله وراء أشخاص ذوي نزعة يمينيه في قيادته وعاقب أولئك الذين كانوا يريدون ان يقفوا بوجه ما كان يدبر للثورة وللشعب وللحزب منذ البوادر الأولى للانحراف، من مؤامرات؟ إننا كنا ندرك منذ الأشهر الأولى للثورة أنها ليست حازمة في حماية نفسها وحماية الشعب ومكاسبه وأنها تلعب على حبال التفرقة بين القوى السياسية تتظاهر بالميل الى هذه الفئة يوما والى تلك يوما آخر، وكل هذا كان ينصب في مجرى أعداء الشعب. وحتى عندما طرح موضوع إجازة الأحزاب عامل قاسم الحزب الشيوعي بمنتهى الجحود. لقد رفض منح الحزب الإجازة الرسمية وكان أكثر الأحزاب عضوية وتأييداً وجماهيرية، وربما كان هذا بالذات السبب الرئيسي لحجب الإجازة عن الحزب. وبالعكس مُنح الإجازة باسم الحزب الشيوعي العراقي دعيا لا يملك من القيم الحزبية شروى نقير، وحتى عندما تخلينا عن اسم حزبنا من اجل الحفاظ على العلاقة بيننا وبين قاسم زعيم الثورة واخترنا لأنفسنا اسما آخر، رفض إعطاءنا الإجازة بهذا الاسم أيضا، وليته اكتفى بما فعل، فقد سحبت إجازات الصحف التي كان يمتلكها الحزب الواحدة تلو الأخرى. ومع كل هذه وتلك فقد بقي الحزب على أتم الحرص على الدفاع عن نظام حكم عبد الكريم قاسم. فلماذا لم نلجأ الى عمل ما بغية إنقاذ الثورة وإنقاذ مكاسب الشعب وإنقاذ الحزب؟

لسبب جد بسيط هو ان مصلحة الاتحاد السوفيتي كانت تقتضي الوقوف الى جانب قاسم رغم كل سيئات نظامه ومساوئه، ولهذا فإننا لم نتمكن من القيام بأي عمل لإصلاح الأوضاع السيئة رغم الأضرار التي لحقت ببلادنا وشعبنا وحزبنا. وحتى عندما سقط النظام في انقلاب الثامن من شباط لم يلبث الاتحاد السوفيتي ان وضع ثقله الى جانب النظام الجديد رغم بعض الحملات الإعلامية والدعائية السياسية التي لم تكن في الواقع أكثر من جعجعة دونما طحين، وبقينا نحن راضين بكل ما جرى، حتى قمنا بطرح خط آب على منظمات حزبنا، هذا الخط الموحي به من الخارج لصالح علاقات الاتحاد السوفيتي مع مصر والدول العربية السائرة في ركابها.

وظل على هذا النمط نفسه حتى بعد ان عاد البعثيون الى الحكم ثانية في 17 تموز 1968 ولكني لا أريد ان أتوسع في البحث بالحديث عن هذه المرحلة أيضا، ولعل لي عودة إليها في فرصة قادمة إذا تسنى لي ذلك.

إننا لم نستطع الحفاظ على جبهة على جبهة الاتحاد الوطني بعد الثورة من اجل الحفاظ على الأخيرة وتطويرها على الطريق الديمقراطي، بسبب من غلبة النزعات الضيقة على معظم القوى العاملة على الساحة السياسية، كان علينا أن نبدي مرونة أكبر في علاقاتنا الطبيعية مع الحزب الديمقراطي الكردي الموحد حتى إذا لم نلمس موقفا مماثلا من الطرف الآخر. حقا ان التقصير في هذا المجال لا يمكن حصره في الحزب الشيوعي العراقي، إلا ان نظرة بعيدة الى المسألة والى تاريخنا الطويل مع تاريخ الحركة الكردية وكون حزبنا قد اعترف بحق تقرير المصير للشعب الكردي وباستقلال كردستان في أدبياته الصادرة منذ الثلاثينات وتبنينا الحكم الذاتي لكردستان في الكونفرنس الثاني للحزب المنعقد في 1956 واشتراكنا مع الحزب الديمقراطي الكردي الموحد في تبني المسألة الكردية والدفاع عنها. كل هذه كانت تتطلب منا أفضل العلاقات على الدوام مع الحزب الديمقراطي الكردي الموحد وغض النظر عن الهفوات التي قد تحدث فيما بيننا والسير معه بحماس في الرد على الهجمات التي كانت حقوق الشعب الكردي تتعرض لها، لا سيما وان قيادة الثورة العراقية التي لم تقصر ما استطاعت في الإساءة الى الحزب الشيوعي أخذت تسيء الى قيادة الحركة الكردية أيضا فيما بعد رغم تعاطفها معها (مع الحركة الكردية) في أول الأمر إذا سمحت لها بتأليف حزبها السياسي في حين حجبت عن الحزب الشيوعي هذا الحق.

حقا كان لدى الحركة السياسية الكردية أيضا ثغراتها العديدة، إلا ان مسالة الحفاظ على العلاقة بين الحزب الشيوعي وهذه الحركة التي يجب ان تبني بطبيعة الحال على تحالف استراتيجي، كانت أهم من تلكم الثغرات.

ومنذ ان بدأت الحركة الكردية المسلحة في كردستان والى آخر يوم من مرحلتها الأولى باتفاقية الحادي عشر من آذار، وبعد ذلك أيضا عندما استؤنف القتال في كردستان في ربيع 1974، ومع ان الاتحاد السوفيتي كان حريصا في الواقع على الحفاظ على الحركة الكردية وقيادتها لصالحه هو على اقل تقدير، إلا انه كان احرص على عدم التفريط بالنظام العراقي أكثر بكثير سواء في عهد عبد الكريم قاسم أو في عهدي البعث أو في عهد الأخوين عارف. وكان معظم السلاح العراقي من الاتحاد السوفيتي، رغم ان الذي كان يراق دمه في كردستان بذلك السلاح هو الجندي العراقي وهو البيشمركة الكردي وهو المواطن الكردي الذي يؤوي النصير الشيوعي المقاتل ضد مظالم السلطة العراقية فوق ذرى كردستان.

خلاصة القول،  يمكن الإشارة إلى ان جميع القوى السياسية، وفي مقدمتها وقبل غيرها الزعيم عبد الكريم قاسم تتحمل، بهذه الدرجة أو تلك، المسؤولية عما آل إليه أمر ثورة الرابع عشر من تموز 1958.