زوايا
البيروتية
-
ثلاثة أسئلة
عن حرب الخليج الثانية *
- كامل شياع
هل كان من
المحتم لحرب الخليج الثانية ان تحدث على الإطلاق؟
هل كان لها ان
تأخذ أبعادا غير تلك التي اتخذتها؟
كيف يمكن
تفسير الاختلاف الحاد في المواقف إزاء دلالاتها؟
هذه الأسئلة
الثلاثة هي ما يحاول مقالنا هذا التعرض إليه إطلاقا من وجهة نظر
تهتم بمعنى الحدث (الحرب) أكثر من اهتمامنا بظرفيته، بالضرورات
الداخلية التي هيأته أكثر من الاستجابات العاطفية التي اختلفت به
أو انتكست معه.
لقد غدا واضحا
الآن، بالنسبة للكثير من الناس، انه بعد مضي أكثر من عام واحد على
تفجّر أزمة الخليج الثانية فإنها، وما يترتب عليها لاحقا من نتائج
بسبب الحرب، قد " رفعت " تاريخ المنطقة الى عتبة جديدة حقا ولكن
بأكبر قدر من الخسائر والتنازلات. وربما تصح في هذا المجال الإشارة
الى ان هناك خطا واصلا بين التطبيع السياسي الذي دشنه السادات في
عام 1978 وبين التطبيع العسكري، (ويُفهم هنا باعتباره تحجيما للقوة
العسكرية، من خلال حصر وتدمير أسلحة المجابهة الإستراتيجية
المتطورة) الذي انقاد إليه صدام في العام 1991. لقد ادخل كلا
الرئيسين تاريخ المنطقة في انعطافة حادة، غير متوقعة وبعيدة
العواقب، بل، ويمكن اعتبار السياسة الارادوية للثاني – السياسة
القائمة على إشاعة العنف الداخلي والحرب – بمثابة إكمال وتحقيق
للإمكانية التي أوجدتها السياسة الإسلامية للأول. وبتركيب هذين
التطبيعيين على بعضهما يصبح بالإمكان توقع التاريخ اللاحق للمنطقة
بهيئة تاريخ انزياح متزايد للدور الوطني، للدولة وللمشروع القومي
الذي تخيلته. وإذا كان هذا يمثل، بحد ذاته، ظاهرة عادية حينما
يتعلق الأمر بفهم الدور القومي للدولة في البلدان المتطورة، حيث
تسود مصالح الشركات متعددة الجنسية، فانه في سياقنا العربي يعكس
مؤشرا لاختلال وتشوه تاريخي عميق. ذلك، ان الانزياح التدريجي
للدولة الحديثة سوف لن يترك وراءه ضمانات أكيدة لحقوق الإنسان
والمواطن (القانون والديمقراطية)، ولا درجة مقبولة من الرفاه
وتوزيع الثروات بين العرب، وربما أيضا لا إرثا علميا أو ثقافيا
يمكننا من خلاله استئناف مشروع أصيل للإصلاح.
من هذه
المناطق، التي عجزت السلطة عن تفعيلها في الواقع، والتي بارك الفكر
السلطوي تغيبيها، تنطلق رؤيتنا لمشهد الخراب الذي أمكنه أخيرا ان
يتوج حقبة كاملة من السيادة " الوطنية ".
أولا: لنبدأ
بالسؤال الأول، رغم المفاجأة التي شكلها غزو الكويت فان أي نظرة
استرجاعية متأنية لا يمكنها ان تخطئ في إقران هذه الحدث بمقدماته
على الساحة العراقية. فقد تجمعت في العراق، عقب عقدٍ قاسٍ من
الدكتاتورية الإرهابية والحرب، بؤرة من الأزمات الداخلية: أزمة
اقتصادية خانقة أفرزتها سنوات الحرب مع إيران، أزمة سياسية وشرعية
نتجت عن الطريق المسدود الذي أدت إليه سياسة الحزب الواحد
والدكتاتور الأوحد، أزمة منطق تفكير يتغذّى من الخرافة والوهم،
أكثر مما يتغذّى من حقائق التاريخ والواقع. ولكن شرط الإمكانية
الذي فجّر بؤرة الأزمات هذه، والذي هو في الوقت نفسه أداة لجمها،
كان يكمن قبل كل شيء في عسكرة الدولة، الأمر الذي جعل العقلية
العسكرية تتحكم في معنى التطور والتحديث، في استخدام العِلم
والتكنولوجيا، وفي قيم المواطنة والأخلاق. وقد حوّل هذا العامل
بشكل خاص سياسة الحرب والعدوان، الى ان تكون الاحتمال الداني
والوشيك بدون منازع. فبالحرب وحدها يمكن لهكذا دولة ان تتحسس
وجودها وحدودها، وان تمارس فعلها في صنع التاريخ.
من الجانب
الآخر، فلم يكن إمام الولايات المتحدة وبعض حلفائها الغربيين سوى
الاستجابة " الغريزية " للتحدي المطروح (1). وهو تحدٍ ما كان يمكن
ان يُحسم إلا لصالحها، ليس من النواحي العسكرية والسياسية
والاقتصادية وحسب، بل والقانونية أيضا. لقد ثبّتت الولايات المتحدة
سابقة تاريخية في رصيدها، يمكن ان تقارن بموقفها من ألمانيا
النازية، باستخدام القوة من اجل صيانة الشرعية الدولية، شرعية
الأمر الواقع. وهكذا كأثر للتقوية المتبادلة لمنطق المجابهة
العسكرية والتصعيد أصبحت الحرب خيارا حتميا. فلا " المنازلة الكبرى
" ولا " عاصفة الصحراء " كانت تبتغي اقل من التحقيق العملي من مبدأ
السيادة للأقوى. ولكن، هل يصح تقديم استنتاج يقول بحتمية لا رادٍّ
لها للحرب في لحظة تاريخية يتعزز فيها بشكل استثنائي منطق التسويات
السلمية والمساومات السياسية والاعتماد الاقتصادي المتبادل؟.
وبعبارة أخرى، لماذا أمكن لخيار الحرب ان يصبح أمرا مطلقا لا يقبل
التجزئة والتأجيل؟. رغم ان هذا الخيار في الوضعية الملموسة التي
نحن بصددها، وربما في أي وضعية أخرى، لم يستند الى مبررات أخلاقية
كافية، إلا انه عكس مبررات واقعية قوية. وينبغي التأكيد هنا، تجنبا
لأي سوء فهم، إننا معنيون هنا بطرح تفسير للوضعية أكثر من الدفاع
عنها. من هذه المبررات:
-
ان احتلال وضم
العراق للكويت قد قُوبل بإدانة دولية واسعة، توّجها قرار مجلس
الأمن بإلزام العراق بالانسحاب تحت طائل استخدام القوة.
-
في حالة التغاضي
المؤقت عنه، فانه كان يمكن لهذا الاحتلال ان يخل بالتوازنات
الاقتصادية والعسكرية التي سادت المنطقة لصالح الولايات المتحدة
وحلفائها في المنطقة (خصوصا بلدان الخليج وإسرائيل). وبالأحرى،
فان مواجهته ستضع المحور الامبريالي الرجعي في مستوى استراتيجي
من التحكّم.
-
غباء التفكير
السياسي للنظام العراقي الذي تجاهل الاحتمالات الوشيكة للكارثة
الناجمة عن المواجهة العسكرية وظل مأخوذا باحتمال معجزة نصر
عسكري على الولايات المتحدة وحلفائها، بعد ان أسكره ما بدا وكأنه
نصر سياسي لقوة عالمثالثية أخذت العالم على حين غره.
-
توفر فرصة ذهبية
لتجريب وتسويق الخزين الهائل من الأسلحة المودعة في ترسانة
الولايات المتحدة وحلف الأطلسي.
لهذه الأسباب لم
تتأجل ساعة الحسم طويلا، مما مثّل دحضا للرأي الذي ركّز أو راهن
على إدراج هذا النزاع في سجل الإقليمية المزمنة. بالعكس فقد جاءت
أزمة الخليج الثانية بمثابة اختبار للوضع الدولي الجديد: هل ان
التسوية السلمية للنزاعات مفضّلة على سواها في كل الأحوال؟ هل يمكن
للعراق ان يلعب دور شريك قوي للولايات المتحدة في تقرير مصير
المنطقة والشرق الأوسط؟ لقد جاءت الإجابة بالنفي القاطع وهو ما
فُسّر بطريقتين متناقضتين؛ ذهبت الأولى، انطلاقا من موقف واقعي،
الى ان المجابهة العسكرية كانت تحصيلا طبيعيا للإصرار على العبث
بثوابت سائدة في العلاقات الدولية. أما الطريقة الثانية فقد
استثارتها سلبية " وعدوانية " القوى الكبرى، لتتساءل: إذا كانت
افتتاحية النظام العالمي الجديد، المزمع تشييده على أنقاض الحرب
الباردة وبلبنات الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي حرب تكنولوجية
مدمرة الى هذا الحد، فكيف ستكون فصوله اللاحقة؟. ان هناك مسافة
قصيرة جدا، وفق هذا السيناريو الفنطازي، بين رؤية الأفق المفتوح
للتاريخ وبين الانغلاق النهائي في ظلام حاضر تسوده إرادة الأقوى،
بين انهيار مقاومة الرأسمالية في قارة وبين إخمادها في قارة أخرى
!.
ثانيا: ان
استخلاصنا لحتمية الحرب، استنادا الى انه لا منطق المصالح المادية
المكشوفة ولا منطق القانون المجرد قد أتاح خيارا آخر خلافها، يعني
أيضا إسهاما في تحديد محتوى الحرب من خلال إعادة تشكيل السياق الذي
اشترطها. ما سنحاوله الآن، لغرض الإجابة على السؤال الثاني، هو
اختيار شكل الحرب، أي الكيفية والأبعاد التي أخذها فعل المجابهة
العنفية، ليس بلغة الأرقام بل بلغة المفاهيم والمبادئ، الأمر الذي
يضعنا مباشرة أمام مسألة تعريف الحرب. من المناسب هنا الرجوع الى
النص الكلاسيكي " عن الحرب " للجنرال المفكر الألماني كارل فون
كلاوسفيتس حيث أورد مفهومين للحرب. الأول، ويدعى المفهوم النسبي أو
الواقعي للحرب، يتصورها كاستمرار للسياسة بوسائل أخرى (أو بوسائل
عنفية كما اقترح لينين). أما الثاني، ويدعى بالمفهوم المطلق، فانه
يحددها كفرض لإرادة احد الطرفين المتحاربين على الطرف الآخر وذلك
باستخدام اكبر قوة متاحة من اجل تحويله الى حالة من العجز التام.
يقول كلاوسفيتس في هذا الصدد " ان الحرب هي قضية خطيرة من النوع
الذي يجعل الأخطاء التي تنبع من العطف هي الأسوء تماما. ان اكبر
استخدام ممكن للقوة هو ليس، على أية حال، متنافرا مع استخدام العقل
بصورة متوازنة " (2).
من الواضح ان
هناك توترا بين وضع الحرب ضمن حدود مسبقة – سياسية أو قانونية –
وبين نبذ أي فكرة للاعتدال والرحمة أثناء خوضها. وهذا التوتر، يسم،
في الحقيقة، أي موقف لفهم فعل الحرب الذي لا يمكنه، من جهة، ان يظل
مُساقا حتى النهاية بالضوابط الأخلاقية والقانونية التي بررته،
متجاوزا بذلك احتمالات الخطأ في التقدير والانجذاب الى المجازفة
والانفلات في ردود الفعل .... الخ. أما من الجهة الأخرى، فان هذا
الفعل مهما بلغت قدرته على التدمير لا يمكنه ان يبلغ نقطة العدم،
لان تأثيره يبقى في كل الأحوال كميا وليس كيفيا (الاستثناء الرئيسي
لهذه الفكرة هو الحرب النووية التي هي تهديد فعلي بمقدوره ليس فقط
إفناء مقاومة الخصم بل أيضا إنهاء وجود كلا الطرفين المتحاربين،
وهو ما أُطلق عليه بتوازن الرعب). وقد لمسنا من هذا التوتر بين
الساسة والجنرالات في المراحل الأخيرة لحرب الخليج الثانية إذا
أراد شوارتسكوف إبادة اكبر ما يمكن من القطعات العسكرية العراقية،
في حين سارع بوش الى إعلان إيقاف الحرب لأنها قد حققت هدفها
المعلن. ما طمح إليه الجنرال كان التحقق التام من عقيدته العسكرية
الغربية: بلوغ النصر بأكثر الأسلحة فتكا وبأقل الخسائر البشرية.
أما ما طمح إليه السياسي فكان تأطير الحرب للإبقاء على قدر من
المصداقية لحجة اللجوء إليها كردع للعدوان. بعبارة أخرى فان التوتر
الذي نعتبره مُلازما لظاهره الحرب هو بين المبادئ المجردة التي
يستحضرها دعاة الحرب – والتي لا يمكنها في الظروف الملموسة إلا ان
تنطوي على مصالح عادلة أو غير عادلة – وبين القوى العمياء التي
تُستفز لغرض هذه المبادئ، أو بين الضرورات الأخلاقية التي تفترضها
– والتي لا تستطيع بأي حال نزع سمة النفاق والازدواجية عنها – وبين
الوسائل المادية التي في متناولها.
منطلقين من
الاعتبارات انفة الذكر، يمكننا القول، كإجابة على السؤال التالي
الذي طرحناه أعلاه، بأنه لا معنى لتساؤل عن مدى تجاوز الحرب
لحدودها إلا بوجود افتراض بان ثمة حروبا نظيفة أو معتدلة وأخرى غير
نظيفة ومتطرفة. بمعنى ان النوع الأول من الحروب ينطوي على عدالة
الحجة مع دقة احترافية في التنفيذ، أما النوع الثاني فانه فاقد
بالأساس للحجة ولضوابط العمل. وافتراض عقلي أو مثالي كهذا يجعل من
الممكن إدخال النوع الأول من الحروب في جسد التاريخ باعتباره (أي
التاريخ) ليس سوى تناوب دائم لوجهي الحرب والسلام، بالمقابل إخراج
النوع الثاني من التاريخ والحضارة الإنسانية، لأنه يتقارع معها
ويقود الى الانحدار نحو مهاوي البربرية.
ومع ذلك فانه
التسليم بطبيعة وبايجابية ظاهرة الحرب – إذا ما تم خوضها ضمن قواعد
محددة متعارف عليها – لا يخلو من مشاكل، منها ان سجل الحروب عبر
التاريخ لا يظهر لنا سوى حروب فعلية وليس حروبا افتراضية. وفي هذه
الحروب الفعلية تجتمع الحجة الإيديولوجية (التي تسعى عادة الى
تغليف المصالح الأنانية للطبقات الحاكمة بشعارات الدين والوطن
والإنسانية) مع السلوك التدميري الغريزي والدوافع العدوانية
للأفراد. أما المشكلة الآنية فهي ان الحرب في عالمنا المعاصر قد
بلغت بفعل تطور التكنولوجيا الحربية النقطة التي ينبغي استثمارها
كوسيلة، على الأقل، لحل المشاكل الدولية. فما عادت المسالة اليوم
هي تبرير حروب نظيفة وإدانة أخرى غير نظيفة، بل هي مسالة الموقف من
الحرب كحرب. وإذا فُهم هذا الرأي على انه يوتوبي النزعة فإننا
سنكون عندئذ ملزمين بتوضيحه. فلا جامع لرأينا هذا مع أي منطلق
رغائبي يسعى الى تدارك الحرب في نفس اللحظة التي تكون فيها
مقدماتها الضرورية قد مكثت على المسرح. وبالعكس فانه، بدلا من ان
يتغافل عن أسبابها ليُفجَع لاحقا بعواقبها، ينطلق من رفض الحرب
كوسيلة لحسم الاختلاف أو لاستشعار عظمة روح الأمة أو لانجاز تطورٍ
تاريخا مطلوب.
وللتدليل على
موقفنا هذا يكفي تأمل المفارقة المأساوية لحرب الخليج الثانية التي
برزت في البداية كتنافر مطلق وعدم اعتراف إستراتيجي بين طرفيها،
ولكن سرعان ما انتهت كحدث " عادي " استهلكته وسائل الإعلام وطوي في
أرشيفات الدوائر السياسية. بين الادعاء الرسمي العراقي بحرب أو "
جهاد " في سبيل انتصار الحق (أو كما صار يتردد أخيرا كصمود ضد
تحالف عدواني بقيادة الولايات المتحدة) وبين ادعاء الولايات
المتحدة بحرب نظيفة بمواصفات متعهد ذي خبرة طويلة، طُمِست حقيقة
الحرب. وما كان للنتيجة ان تكون غير ذلك للأسف. فاكبر الحروب في
عصرنا يمكن ان تكون في نفس الوقت أكثرها لا مرئية. كيف يمكننا توقع
حرب بمديات أخرى، أكثر إنسانية، إذا ما اعتبرناها بالأساس نتاجا
لتصادم قوتين عدميتين؟ (مثّل النظام العراقي باعتقادنا قوة عدمية
ذات اثر محلي موجه بالأساس ضد إنسان وتاريخ العراق، بينما مثلت
الإدارة الأمريكية قوة عدمية ذات بعد عالمي تنزع الى فرض نوع من
التجانسية السياسية والحضارية). وتصادم كهذا كان يُنذر دائما
بالأسوء: التلويح باستخدام النووي التكتيكي من قبل الولايات
المتحدة، تمكّن العراق من استخدام صواريخ حاملة لمواد كيمياوية،
اشتراك إسرائيل المباشر في الحرب. حقا ان أي عراقي شريف ما كان
ينتظر مصيرا كهذا لوطنه. النظرة الواقعية للأشياء لا تستقيم كما
يبدو بدون حسٍ بالسخرية المريرة. وهذا ما ينبغي تذكره في اللحظات
العصيبة منذ عرفنا بوجود شخص بيننا وفينا اسمه " سعيد أبو النحس
المتشائل ". وقد وجدت هذه النظرة تعبيراتها في مواقف قوى عديدة،
بينها المعارضة العراقية، حاولت من جهة تدارك نشوب الحرب بالدعوة
الى إزالة الأسباب الموجبة لها، ولكنها، من الجهة الأخرى، لم تؤخذ
عاطفيا بما كانت قد استشرفته: هول الحرب. عكس ذلك فان مشهد الحرب
قد افرغ أولئك الذين كانوا لأول وهلة مهوسين به أو مغرورين بجدواه.
فبالنسبة لهؤلاء قبل غيرهم – ربما بسبب تناسيهم المفاجئ لحقيقة ان
رهانهم كان على حرب فاصلة من شانها ان تجلب انقطاعا حاسما في تاريخ
المنطقة، أو بسبب سوء تقديرهم لموازين القوى المتجابهة، أو أخيرا،
بسبب خذلان نتائج الحرب لتوقعاتهم السحرية – بدت الحرب كما لو أنها
قد تجاوزت حدودها. ولكن هل كان هذا التجاوز، الذي لا يمكن فصله عن
مفهوم وعن واقع الحرب كما بيّنا سابقا، اكبر من تجاوز المندفعين
إليها على حقائق الواقع ومسلمات الحس السليم.
ثالثا: أخيرا
فانه للإجابة على السؤال الثالث، لا بد من الاعتراف بان أزمة
الخليج الثانية قد وفّرت مصدرا مثاليا لتشويش والتباس المفاهيم. إذ
هي نجحت في ان تخترق طوليا وعرضيا المواقف والإيديولوجيات السياسية
جاعلة العربي يقف ضد العربي، والمسلم ضد المسلم، واليساري ضد
اليساري، واليميني ضد اليميني. فتقاطعت الاجتهادات وتضاربت الرؤى
وصارت " أم المعارك " أشبه بدمية كل صار يحاول ان يلبسها زيّه
المقموع سواء استجلبه من الماضي أم الحاضر أم المستقبل، بل وهناك
الكثير ممن أغرتهم لعبة الخلط بين المعطيات المباشرة والمسبقات
المتوارثة، وبين صلابة الواقع وهلامية الخيال. ان السر الأكبر لهذا
الحدث يكمن ربما في تزامن حضوره العاري مع غيابه وعسره مع انبساطه
المرتجى. ولهذا أصبح موضع الرهان فيه هو معناه ومردوده القريب
والبعيد وليس ماديته. ولكن هذا لم يعدم ظهور بريء يقول في المشهد
الصاخب بان الملك عارٍ! الحرب الفاصلة قالت ذلك وفرضته على الجمهور
المخدوع. " نقطة البداية " الجديدة تحولت الى نقطة العودة الى
الوراء... الى الانغلاق في زمن كثيب.
الشيء الأكيد
رغم هذا هو ان الحدث في وقته، قبل الحسم العسكري، كان واقعا في طور
الصنع، كان أشبه بلحظة وهمية بين النجاة وبين الهاوية على مستوى
المنطقة بأكملها، وهو ما برر الأخذ بالمنطق الشكلي للتفكير/
أما/أو. فإما مع دكتاتور العراق بغض النظر عن سجله غير المشرف
وإغراضه المشبوهة أو مع الولايات المتحدة وحلفائها بغض النظر عن
الدوافع التي غذّت موقفها للدفاع عن الكويت و " لنصرة شعبه المسالم
". وكان من المتوقع ان يميل رأي الشارع العربي الى الاختيار الأول
مؤكدا بذلك أكثر أشكال التسيّس سوءاً ولا مبدئية. في تلك اللحظة
النادرة اسقط في يد المعارضة العراقية – وربما أغلبية العراقيين
داخل العراق وخارجه – التي وجدت في غزو الكويت دليلا قاطعا على
موقفها من نظام بغداد. في تلك اللحظة النادرة في التاريخ تمكنت
المغالطات من أذهان الأذكياء، وتهيأ للأكثرية ان " الحسم " قريب
وان غض النظر عن السجل المروع لنظام " وطني " و " قومي " ضرورة
أخلاقية. ولكن ماذا عن حرب الثماني سنوات مع إيران؟ ماذا عن البطش
والاستبداد الذي هبط بالإنسان العراقي وبقيم التمدن والثقافة الى
الحضيض؟. لا جواب، لان الفصائل الثورية كانت مشغولة باستثارة أكثر
أشكال التضامن بدائية، مفتعلة التركيز على الخطر الخارجي
للامبريالية، على " الحملة الصليبية الجديدة " المجهزة ضد دار الحق
والكرامة القومية !. أما " أهل العلم " – ممن أيدوا حاكم العراق –
فمنهم من أفتى بالجهاد ضد الغرب الكافر، ومنهم مَن " نظّرَ "
بطريقة مستقيمة لا اعوجاج فيها ضد مصالح امبريالية المركز
وعدوانيتها. وهكذا فانه بسبب التفكير النظري للأقلية أو الاندفاع
العنيف ولكن غير العفوي للأكثرية برز دكتاتور العراق فجأة وكأنه
رافعة لمشاكل المنطقة وأزماتها المستفحلة. وليس هناك اعتراض كبير
على هذا ما دامت إحدى السمات المميزة للإيديولوجية هي تجسيدها
للمشاكل الحقيقية بأشكال ووسائل وهمية ومزيفة. الاعتراض الفعلي عن
حقيقية المشاكل التي تجعل أصحابها يستجيبون تلقائيا " لرافعة
تاريخية " مغرقة بدرجة غير اعتيادية بما هو غير مرغوب: قمع وعسكرة
عنصرية وعدوان، ظلم وخداع. ان هذا التوافق قد برر أحيانا الاستنتاج
بأنه في حالة تمكن الدكتاتور من تمرير عدوانه مرة أخرى ( كانت
المرة الأولى مع إيران) وبالتالي صورته كبطل محرر، فان ذلك سيكون
بمثابة علامة اختلال جدي في الذات و (المخيلة) العربية المعاصرة.
ان المشكلة الرئيسية للتفكير بمنطق أما/أو تكمن في تحويل الاختيار
على المستوى الوجودي، الى قسر، وعلى المستوى السياسي (الجماعي) الى
فصل بين الرؤية والتجربة. وهذا يتحقق من خلال منح أسبقية للمجردات
والعموميات (من قبل المحلي ضد العالمي والوطني ضد الأجنبي) على
الوقائع والممارسات، إذ تتحول التفاصيل الملموسة والمستجدة الى
مادة طيعة لنظام القواعد الراسخة للمعرفة الصحيحة ! فعلى سبيل
المثال، ان هذا المنطق لا يعني باختيار حقيقة موقف كموقف العداء
للامبريالية – وهو موقف أصبح بصورة متزايدة ذا دلالة اسمية لا غير
– من خلال الكيفيات التي يتجلى فيها والعواقب التي يمكن ان يحرّضها
في شروط محددة، بل يعني بإمكانية تجيير هذا الموقف لصالح نظرة
إيديولوجية محددة. على النقيض من هذا فإننا نقترح نظرة تبتدئ من
تحليل الأصول والبواعث والغايات الفعلية للموقف، وليس من التصنيفات
الخارجية المعطاة له. ان التركيز على محتوى الموقف ودلالاته
الداخلية سيساعد بلا شك على استرجاع قيمة حقائق إنسانية عامة
كحقائق العقل والحرية التي هي أول ضحايا المزايدات التي تعلق
الثابت باسم المتغير والجوهر باسم العرضي. ليس هناك في هذه النظرة
أسبقية لما يمكن تسميته بلحظة الانغمار (لحظة المعايشة الفعلية لما
هو مشخص وفعلي) على لحظة التجرد (لحظة التأمل والتصور الجمالي).
ولكن هناك تاكيداً ما على انه لا معنى للحظة الأولى بمعزل عن
الثانية؛ فبدون معايشة مباشرة يمكن ان تتحول لحظة التجرد الى شكل
أو قالب دون مضمون، كذلك فانه بدون قدرة على تأمل الكل تصبح
المعايشة مضمونا مبعثرا يفتقد الوحدة. إذن فهاتان اللحظتان
الأساسيتان للتجربة الإنسانية هما منفصلتان ومتداخلتان في نفس
الوقت، إنهما أشبه بوجهي العملة الواحدة لا ينتجان قيمتها إلا من
خلال تمايزهما. بعبارة أخرى، إننا لا نملك الإقامة الدائمة في إحدى
هاتين اللحظتين لنستجوب الأخرى، لان حضورنا الحقيقي هو بيننا رغم
ان ذلك لا يتكشف لنا إلا بَعديا (في التجربة العملية لا يمكننا ان
نفصل بين اللغة وبين الواقع أو بين القصد وموضوعه).
ولغرض التوضيح
يمكن إيراد مثالين: احدهما منطق التفكير الذي حاول البقاء في موقع
وسطي بين الوقائع الصارخة والتجريدات الميتة، أما الثاني فهو منطق
التفكير الذي جرفته الوقائع الزائلة وانجرف بها أو ضل حبيس
التجريدات. تجسد المثال الأول في موقف من كان يعرف، بحكم المعايشة
أو بحكم قابلية عدم النسيان الاختياري، ان إبطال احتمالات الكارثة
التي كانت محيقة بالعراق وبالمنطقة يبدأ من إزالة أسبابها
المباشرة؛ وتتسلسل حجج هذا الموقف كالأتي:
-
لا يمكن فهم
الأزمة إلا ارتباطا بفهم طبيعة النظام العراقي ليس فقط من حيث
إيديولوجيته وقوانينه وسياسته الخارجية، بل وبشكل رئيسي من حيث
طبيعة الأفراد الذين يمثلونه.
-
ان احتلال الكويت
من قبل نظام بمواصفات بغداد لم يكن، رغم طابعه المفاجئ، مصادفة.
انه بالأحرى فصل آخر من نزعة مستحكمة تبدأ بالتنافس الخارجي
والتوسع وتنتهي بإشاعة حالة من التدمير الذاتي.
-
ينبغي التمسك
بقرارات مجلس الأمن الدولي التي اتخذت ضد النظام العراقي، كما هي
في الظاهر، لأنها استندت بالأساس على حجة قانونية رصينة: إدانة
عدوان دولة على دولة أخرى وإلحاقها بالقوة.
-
رغم وجود مصالح
متناقضة في العلاقات الدولية فانه ينبغي الارتكان الى الأبعاد
الموضوعية والشمولية للمبادئ التي تنظم العلاقات بين الأفراد
والجماعات والدول.
ان أحكام
القيمة جاءت سلبية في النقطتين الأولى والثانية بمقدار انطوائها
على عدم التعاطف مع النظام العراقي ومع الأدوار التي يدعيها لنفسه،
ولكنها – أي أحكام القيمة – أصبحت ايجابية في النقطتين الثالثة
والرابعة. إنها تؤكد على ضرورة التمسك ببعض المبادئ والمسلمات في
العلاقات الدولية، وهي مبادئ ذات صلاحية ونفاذ شكليين ولكنهما
مهمان جدا رغم ما يزخر به الواقع من تنازع في المصالح وتباين في
التأويلات.
أما المثال
الثاني فانه تجسد في موقف لم يعني بأصل الأزمة قدرَ عنايته
بتوظيفها لغايات محددة. وتتوالى حججه كالأتي:
-
لا يغير كثيرا في
السياق الناشئ (عقب الأزمة) التوقف جديا عند الطبيعة الخاصة
للنظام العراقي إذ انه ليس نظام الدكتاتورية الوحيد في المنطقة
وسوف لن يكون آخرها.
-
ان احتلال جيوش
هذا النظام للكويت يجئ، بغض النظر عن ردود الفعل التي استثارها،
كعامل تحريك وزحزحة للأوضاع الراكدة في المنطقة وخصوصا ما يتعلق
بالقضية الفلسطينية. ينبغي التعامل مع هذا الاحتلال كحقيقة عادية
في الصراع من اجل انتزاع حقوق " الأمة " وتطمين مطالبها.
-
ان قرارات مجلس
الأمن ضد العراق فشلت في رؤوية المسببات الفعلية للازمة، ولهذا
يلزم بالتالي، من اجل تطمين حقوق العراق المشروعة، إيجاد حل عربي
– عربي للازمة، حل مُستمد من الأعراف العربية المعمول بها وليس
من المبادئ المجردة للقانون الدولي.
-
مادامت القرارات
الدولية في صيغتها المكتوبة مفتوحة دائما لتأويلات ضيقة، ومادام
بعض هذه القرارات يولد بأنياب قاطعة وبعضها بدون أنياب، فانه من
غير المجدي بمكان التعويل على موضوعية أو شمولية القاعدة
القانونية. ان إخضاع بعض القرارات الدولية للتسويف والتجاهل من
جهة، وخرق مبادئ القانون الدولي من الجهة الأخرى لا يمكن إلا ان
يسوق المرء على الاعتقاد بان القانون هو ليس غير وسيلة للإيهام
بالحق وبالعدالة، انه حجاب خادع للتمويه على إرادة الأقوى. ورغم
الصحة الظاهرة لهذا التشخيص فانه قد يخدم أيضا كوصفة لإعلان حالة
ما من الفوضى والعنف، حالة لها منطقها السفسطائي وأسلحتها
المدمرة كما رأينا.
كخلاصة يمكن
القول بان الخلاف بين الموقفين المذكورين لا يقف عند حدود اختلاف
في التأويل (بين مثلا التفسير المتصلب والتفسير المعتدل للقاعدة
القانونية) لان التأويل يفترض أساسا وجود ما هو ثابت (المعنى) وما
هو متغير (الدلالة). انه بالأحرى خلاف بين القانون والحق. فالموقف
الأول يصر على رؤية ما حدث (العدوان على الكويت) على انه خروج على
القانون من دون ان يضمن ذلك بالضرورة إغفال حقيقة ان هذا ليس
الانتهاك الوحيد لان ثمة، على الصعيد العالمي، انتهاكات عديدة تشمل
حقوق البشر (بسبب الاستعمار والاستغلال والتسلط) وحقوق البيئة. ومع
هذا فرغم الإمكانية المفتوحة للتجاوز عليه من جهة أو عدم تكامله من
الجهة الأخرى، فانه لا بديل عن الرجوع الى القانون نفسه لأنه –
خصوصا في لحظة الأزمة – اقرب النقاط الى الحس العام والعقل.
أما الموقف
الثاني فانه بتشكيكه بعدالة القانون أو، بصورة أدق، بصدق أولئك
الذين يتحمسون لتطبيقه بطريقة انتقائية ينتهي الى الإقرار بوجود
علاقة استبعاد بين القانون (المكتوب) وأحق (المسلوب). فالحق لا
يفهم نفسه هنا من خلال القانون ما دام هذا الاخير ملوثاً باثار من
هو أقوى، بل من خلال تمثيله لنفسه كمطلب مجرد للقوى الهامشية ضد
القوى المركزية، للدول العالمثالثية ضد الامبريالية. وأكثر الأشكال
ملموسية لهذا التمثيل هو العنف (إرهاب أو حرب) كرد على وضعيات غير
متكافئة وغير عادلة. ولكن بدلا من بلوغه غايته المعلنة فان العنف،
إذا تحول الى رؤية ومهنة، لا يسهم إلا في تعميق افتراق السياسة عن
التاريخ ومصالح طبقة السياسيين عن مصالح طبقات الشعب. ففي ذروة
انفعال أصحاب هذا الموقف لانبجاس لحظة " الحق " على لسان دكتاتور
العراق ضد الامبريالية وركائزها المحلية، أغراهم تجاهل عنيد لحق
شعب العراق وشعوب المنطقة في العيش بكرامة وديمقراطية وسلام.
رابعا:
المفارقة الصارخة لازمة الخليج الثانية تكمن في ان حدوثها في غير
شرطها التاريخي المناسب لم يأت إلا لتأكيد الشرط التاريخي القائم
فعليا. ان اعتبار هذه الأزمة كواحدة من اكبر المجابهات الدولية
لفترة ما بعد الحرب الباردة قد يعني أيضا اعتبارها واحدة من اكبر
الحماقات السياسية المعروفة. ما أتاحته إدانة المجموعة الدولية
لاحتلال العراق للكويت هو التأكيد على أسبقية الحجة القانونية على
الحجة الإيديولوجية في العلاقات الدولية. فلم تنقسم دول العالم هذه
المرة، ابتداءً من الأعضاء الدائمين لمجلس الأمن وانتهاءً بأصغر
دولة حول شرعية أو لا شرعية هذا الاحتلال. حقا انه على المستوى
الأعمق فان هناك دوافع مختلفة بل متناقضة في تصور الكيفية التي
ستطبق فيه هذه الإدانة، إذ لا يغفل ان تكون مصلحة دولة مثل كوبا في
رفض هذا الاحتلال مشابهة لمصلحة الولايات المتحدة. ولكن ما يهمنا
هنا هو البعد الشكلي لهذه المسالة: لا أساس قانوني هناك لقبول حالة
عدوان مكشوف لدولة على دولة أخرى مهما كانت الظروف والذرائع.
واهتمامنا بهذا البعد الشكلي للقانون هو لان النظام العراقي كان
يعوّل لأجل تمرير احتلاله للكويت على إحياء منطق الحرب الباردة في
التعامل معه. وهنا يكمن الوجه الأول من المفارقة، أما وجهها الآخر
فانه يمس، كما نظن، العمق الحقيقي للازمة التي لم ينفصل اندلاعها
ومعالجتها عن ضروراته. انه الشرط المعاش الذي هو شرط الرأسمالية
المتأخرة حيث يمكن تمييز ثلاث سمات عامة فيه هي الشمولية، الفوضوية
واللاعدالة.
ويمكن القول
باختصار شديد ان السمة الأولى تشير الى ان الرأسمالية المعاصرة قد
أرست بدرجة لا مثيل لها حقيقة نظامها كنظام عالمي، وذلك من خلال
الدور المهيمن للشركات فوق القومية، تفريق مراكز الإنتاج وتعميم
النزعة الاستهلاكية. وتشير السمة الثانية الى ان تعاقب التقلبات
والأزمات الملازمة لهذا النظام منذ نشوئه، والتي بررت ظهور ردود
أفعال قوية ضده من أبرزها الماركسية – وقد منحته دينامكية عالية لا
يمكن مقارنتها بأي نظام آخر عرفه التاريخ. يصعب، في الحقيقة، توقع
حدوث مثل هذه الديناميكية لولا مسلّمتين إيديولوجيتين اثنتين:
مسلمة التقدم ( العلمي والتكنولوجي بالدرجة الأولى)، ومسلمة
الإصلاح الجزئي (
peacemeal engineering).
أما السمة الثالثة فان من ابرز مظاهرها هو عدم تكافؤ العلاقات
التجارية بين ما يسمى بالشمال والجنوب، التبعية البنيوية
والاستغلال على الصعيد العالمي، ديون البلدان النامية، تضخم مبيعات
الأسلحة والفقر والمجاعة التي تهدد أصقاعا واسعة من العالم.
وبإيجاز فان لا عدالة الشرط الإنساني المعاصر تتجسد في شموليته
التي هي شرط الإمكانية لحركة فوضوية تتجاوز حدود العقلية والتنظيم
البعيد المدى.
ان ظاهرة
النظام الدكتاتوري في العراق، ما هي إلا إحدى التغييرات المتطرفة
والأورام الخبيثة للاعقلانية ولا عدالة النظام الرأسمالي العالمي.
ما يهمنا تحديدا من هذا الوضع الملوّث الذي يشمل الفعل ورد الفعل
على الصعيد العالمي هو التعرض لتلك الظواهر السياسية – من نوع
النظام العراقي، التي عكست استجابة تلقائية ومارست إعادة إنتاج
لذات الشرط الذي تمردت عليه. ان نقد الرأسمالية كنظام اقتصادي
وكأيديولوجيا لا يكتمل برأينا دون نقد مبادئ وسياسات تلك الأنظمة
التي اختارت الوقوف علنا في مواجهة هذا النظام وهذه الأيديولوجية –
فما نشهده في الواقع يمثل ليس فقط الحقيقة الكونية للرأسمالية
المتأخرة بل وأيضا الحقيقة المحلية للسياسات النقيضة لها من
قومانية وسلفية دينية، بعد ان استنفذت طاقاتها بإحياء روح ماضيٍ
بكر، أو باستحضار مملكة مستقبل وهمي، لم تبدو هذه السياسات مؤهلة
عمليا سوى لتسريب أزمة الآخر ومراكمة أزمة الذات.
* * *
(1) لقد استفاض
الأستاذ عامر عبد الله في إيضاح هذه النقطة. انظر مقاله المهم في
العدد 234 من ث.ج ص ص 26 -55.
(2) كارل فون
كلاوسفيتس: عن الحرب (بالانكليزية)، مطبعة جامعة برنستن 1976، ص
76.
* الثقافة الجديدة،
العدد 242، شباط 1992، ص 76 - 87
-------------------