نظرة في الأزمة
الأخيرة * -
كامل شياع
مرة أخرى
يتفاقم التوتر في خليج الأزمات، ومرة أخرى تتدخل القوة لرفع سوء
الفهم أو لتأكيده، بينما صارت تنبعث من جديد، هنا وهناك، التساؤلات
في الأسباب والغايات والأبعاد. المواقف وردود الأفعال على الضربات
العسكرية الأخيرة للعراق عديدة ومتضاربة، ذلك لأنها، كما هو الحال
دائما، لا تتعامل مع الحقائق الملموسة بذاتها بل من خلال تأطيرها
بتصورات مسبقة (عالمية أو شعبية، عملية أو خيالية) لمصير المنطقة
والعالم. ما شهدناه في الأيام الأخيرة من دروس محدودة في استعراض
القوة سوف لن يضيف إلا اختلافا الى الاختلاف الذي قسّم الرأي العام
العربي منذ نشوب أزمة الخليج الثانية عام 1990. فهناك بيننا من
بشّر بان اندفاع الولايات المتحدة وحلفائها لتحرير الكويت كان جزءا
من مخطط استراتيجي بعيد المدى للهيمنة على المنطقة والاستفراد
بشعوبها وبثرواتها. ان ما صرنا نجابهه كعرب من خلال حالة العراق –
كما يواصل أصحاب هذا الرأي – هو ليس غير عنصر جديد من هجمة
الامبريالية الغربية. وتلازم وضوح الحجة هنا مع طريقة متميزة في
دمج الحقائق الجزئية بلغة بلاغية عرمة، الالتزام المبدئي بهذيانات
لاوعي الضحية (بالمعنى السياسي للكلمة) والتاريخ الفعلي بالمعتقدات
الأخروية الخلاصية. من الناحية العملية وحّد هذا الرأي بعض القوى
اليسارية أو المتياسرة مع القوى الاصولية الشعبوية من حيث ان
كليهما ألقى، كل لأسبابه الخاصة بالطبع، ثقل الإدانة على قوى
الخارج.
مقابل هذا ظهر
رأي آخر ما كان مستثارا بما تبغيه قوى الخارج بقدر استصارته بما
جلبته علينا قوى الداخل ( الأنظمة السياسية بشكل خاص) من طرق
مسدودة وكوارث. فلا معنى هناك لإدانة قوة الخارج، هذه الإدانة التي
رهنت دائما على أنها سيف ذو حدّين يكرر ويضلل، قبل ان تتم تسوية
مشكلة الداخل. وهذه تتم عبر إيجاد تركيبة سياسية تضمن حدا مقبولا
من الاستقرار والعقلانية، تركيبة ينسجم فيها محتوى التحديث المطلوب
مع شكله السياسي والفكري. ان نظام الأولويات المقترح هنا هو نظام
إجرائي لان الداخلي والخارجي تربطهما، رغم تمايزهما، علاقة تداخل
واعتماد متبادل. فالأنظمة الدكتاتورية، في منطقتنا مثلا، لم تعكس
فقط الخصائص الاجتماعية والسياسية لواقعها المحلي بل وأيضا خصائص
التناقضات العالمية التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية. وقيمة
إحالة الأولوية الى العامل الداخلي هي ان العامل الآخر (الخارجي)
سيظل دائما غير مؤاتٍ لنا إذا ما عجزنا عن تنصيب أنظمة حكم تحترم
مسؤوليتها إزاء مصائر شعوبها وتكف عن اجترار مشاعر الحيف
والمظلومية، أو لنقل تتجنب اكساءها بعدا لا تاريخيا.
انطلاقا من هذا
الرأي أُعتبر عدوان العراق على الكويت مثالا للطريقة التي يستجيب
بها النظام الحاكم في العراق لأزماته الداخلية: خنق أزمة بأزمة
أخرى (أي الأزمة الداخلية بالأزمة الخارجية). وخلافا لكل ما سبقها
فان مغامرته تلك قد توافقت، قصديا أو عبر المصادفة، مع بداية
انسحاب الاتحاد السوفيتي سابقا كقوة عالمية، ومبادرة الولايات
المتحدة للبروز كقوة عالمية وحيدة ومقرِّرة. ما وفرته أزمة الخليج
الثانية هو محك الاختبار الضروري لهذه الإمكانية. وجاءت النتيجة
لتخبرنا، بالإضافة الى كل ما شهدناه وعرفناه، بان زمن الحروب
الكبيرة التي يؤمل منها تدشين عصور تاريخية بديلة قد تأجل الى حين
– قد يطول – من الزمان. ما بقي على السطح هو، بالأحرى، حروب صغيرة
( أهلية أو بين الدول) متأثرة أكثر ما يثير فيها هو فداحة العنف
والتدمير. ولكونها غير ذات أفق، من حيث أنها لا تمثل أكثر من ردود
فعل يائسة على وضعيات غير مرغوبة، فان القوى العالمية المهيمنة لا
تقابلها إلا بالتجاهل أو المحاصرة أحيانا وبالإخماد الفوري أحيانا
أخرى. ان الأمثلة في المشهد الدولي المعاصر أكثر وضوحا من ذكرها
بالاسم.
بخصوص العراق
فان الضربات التي وجهت إليه مؤخرا تدفعنا الى التساؤل ليس عن مبدأ
ممارسة السياسة عبر أسلوب القوة بحد ذاته، بل عن الشريط والكيفيات
التي تستخدم فيها القوة من قبل طرف على طرف آخر لعدم إيفائه بـ، أو
انتهاكه لـ، مبادئ القانون والاتفاقيات الدولية. فإذا كان اللجوء
الى القوة يحبرنا بان الطرف الذي لجأ إليها هو قوي بالفعل، فانه
أيضا يخبرنا باحتمالات متعددة لسوء الاستخدام. وليس سوء الاستخدام
هذا شيئا آخر سوى التعبيرات الارادوية للقوة من اجل القوة. فالنظام
العراقي مثلا جرّب أكثر من مرة إغراءات القوة العمياء، ثم جاء الآن
دور الإدارة الأمريكية وحلفائها لتجريبها وان ظهر ذلك ممزوجا
بمطالب الشرعية الدولية. وهذان المثالان وسواها يبرران، من حيث
المبدأ، القول بان الميل الى إساءة استخدام القوة هو أمر وارد بغض
النظر عن الاعتبارات الجغرافية أو التاريخية أو الأيديولوجية، التي
لا تؤشر إلا الى اختلافات في الدرجة لا في النوع. بكلمة أخرى، فانه
يصح من دون إرجاع الميل لإساءة استخدام القوة الى عوامل ثقافية
وسياسية جوهرية (ميتافيزيقية).
ان إشارتنا الى
انعدام المبررات المقبولة لاستخدام القوة من قبل الولايات المتحدة
وحلفائه لا يعني بأي حال ان الحاكم بأمره في العراق كان بمعزل عن
دفع الأمور سريعا نحو التأزم مستفيدا من اقتراب نهاية فترة حكم
الرئيس الأمريكي بوش. حدث هذا التأزم على خلفية تنصّل وعدم اعتراف
النظام العراقي بالنتائج الفعلية المترتبة على هزيمته في مغامرته
العسكرية في الكويت. إذا واصل النظام، تأكيدا لعدم اعترافه اللفظي
والعملي، سياسته " الجهادية " كما لو ان ما حدث حتى الآن، على
هوله، كان مجرد معركة في حرب لا ينبغي لها ان تنتهي ابداً. وربما
كان هكذا تمثيل للواقع، بجعله من " خصوصية " الحق نقيضا " لعمومية
" القانون، هو الاحتمال الأخير للنظام لإسباغ شرعية ما على حكمه،
شرعية تتأتى من التظاهر كما لو انه يحمل حقا رسالة تاريخية. ولكننا
نلاحظ ان هزيمته في حربه الأخيرة قد جلبت – بجانب نتائجها
الميدانية – هزّة عميقة لسبب وجوده: الحكم باسم الأمر الواقع من
حيث انه، حسب تبجحاته، قوة مقتدرة داخليا وخارجيا. وبدلا من الرضوخ
لنهايته الطبيعية: التنحي الفوري أو التدريجي عن الحكم، احتفل
بحلول بداية جديدة ونصّب نفسه لها. فحول اسم البلد من " أنثوية "
الجمهورية العراقية الى " ذكورية " جمهورية العراق، وضيّق قاعدة
الحكم ليصبح أبوياً – عائليا، وأبقى ملف الحرب مفتوحا نكاية بمصالح
الوطن والشعب وبحثا عن مصداقية مستحيلة لمعانٍ صوفية كالسيادة
الوطنية والكرامة والصمود .... الخ. وعندما أصرّ على مواصلة سياسته
التقليدية في القبضة الحديدة ضد شعبه ظهرت على الخارطة منطقتان
آمنتان شمال العراق وجنوبه. ليس هناك في هذا التدهور أي مفاجاءات:
فالقمع يزعزع شرعية نظام الحكم (أي نظام حكم) وزعزعة الشرعية تعبّد
الطريق للتدخل الخارجي.
إحدى وجهي
المشكلة العويصة التي تواجهنا هو ان نظام الحاكم بأمره في العراق
لا يريد ان يرى تبعات سياسته التي أدت بالعراق لان يكون محكوما
بشكل مضاعف: كدولة ملزمة بقرارات بسبب خرقها القانون الدولي،
وكدولة خسرت حربا ليس أمام القانون بل أمام دول أخرى. أما الوجه
الآخر لها فيكمن في ان الولايات المتحدة مستعدة أكثر من أي وقت
سابق للجوء الى القوة من اجل تأديب " العصيان " العراقي وضبط إيقاع
منطقة الخليج. يمكن ان تُفهم الضربات الأخيرة التي وجهت الى العراق
كما لو أنها أشبه بتصويب اطلاقات وداع حاكم الى صدر حاكم آخر، أو
كما لو أنها تتويجا لعامين من سياسة المناورة والابتزاز والشدّ
والإرخاء. وقد تميل كفّة الرأي العام لصالح هذا الطرف أو ذاك. ولكن
من المؤكد ان بقاء الشعب العراقي في حالة وقف التنفيذ، معوَّقا
خارج التاريخ، هو من مسؤولية نظام انتهك سيادة الدول مرارا اقتفاءً
لأوهامه الخاصة، ولكنه تلكأ حتى الآن في ان " يغامر " لإنقاذ شعبه
التي تصدعت بحربين كبيرتين واختنقت بالحصار الاقتصادي والإرهاب.
27/1/1993
* الثقافة
الجديدة، العدد 253، كانون الثاني – شباط 1993 (ص 30 – 32)