مثقف بادئ الأوهام
- كامل شياع
هناك، ثلاثة
افتراضات أساسية يقوم عليها مقال الأستاذ محمود صبري المعنون "
المثقف والسياسة والاستبداد " والمنشور في العدد 256 من " الثقافة
الجديدة ". هذه الافتراضات هي الكلية، المستقبلية والانسانوية.
وتعني على التوالي نظرة شاملة تمسك بجوهر الظواهر الطبيعية
والاجتماعية المختلفة، إيمانا لا محدود بالمستقبل كغاية حتمية تلئم
تجزؤ واستلاب الحاضر، وتسليما بان الإنسان صانع التاريخ وسيد
لمصيره. تأخذ هذه الافتراضات، ارتباطا بالمثقف موضوع المقال المشار
إليه أعلاه، الصيغة التالية: ما دام من الضروري للمثقف ان يكون كلي
الرؤية، مستقبلي النزوع وانسانوي المثقف، فانه ينبغي له إتباع طريق
المعرفة العلمية، التي تستند على مبدأ الترابط العام والتفاعل
المتبادل للظواهر المختلفة. وكل هذا يجد تلخيصه في الاقتباس الآتي:
" الثورة العلمية – التكنولوجية تضع أمام المثقف إطارا جديدا يربط
بين مفهوم ثقافة واحدة تلتقي فيها كافة فروع المعرفة في سياق علمي،
ورؤية أكثر وضوحا وإقناعا لعالم مستقبلي من الجمال والوفرة والحرية
" ص 310.
وبمقدار ما
يتعلق الأمر بالمثقف فإننا سنحاجج أولا: بأنه حتى لو جعل المثقف من
المعرفة العلمية الإجمالية مثالا له، فان علاقته بالعلم ليست
مباشرة بل تمر عبر حدّين توسطين هما الثقافة والسلطة، وثانيا: ان
المثقف المعاصر هو ليس بالضرورة ذلك المحمول على تركيب صورة شاملة
للعالم وفق نموذج علمي. بالنسبة الى النقطة الأولى يلاحظ ان
المثقف، خلاف الاختصاصي التكنولوجي (Technologue)،
مغروس في ثقافة محددة قد يسودها العلم أو قد لا يسودها. وبفضل هذه
الثقافة بجديدها وقديمها، بلغتها ومعانيها واكتشافاتها ونظام
إنتاجها المعرفي، يجد المثقف دوره ويجعل أفكاره وخواطره مفهومة
وذات صلة بشعبه. لا يصح، إذن، لأجل تنصيب المثقف كقيّم على الحقيقة
الكلية، النظر الى الثقافات ككيانات شفافة الحدود قابلة للصهر في
ثقافة عالمية واحدة. وبالعكس، فان الثورة العلمية – التكنولوجية،
التي يتخذها الأستاذ الكاتب كأساس لنشوء ثقافة عالمية واحدة تهيء
الأرضية، تحديدا بفضل طابعها، للاعتراف بتمايزات ثقافية سبق لمشروع
الحداثة الغربي ان طواها باسم واحدية الحقيقة والتقدم الخطي
للتاريخ. وإزاء هذه الوضعية أصبح دور المثقف هو ليس الترويج
للانعزالية الثقافية أو نقيضها – أي الاندماج الثقافي – بل تأشير
اتجاهات التفاعل بين المحلي والعالمي، بين الاستمرارية والانقطاع
وبين التمايز والوحدة.
أما بخصوص
التوسط الثاني (السلطة) فإننا نجادل بلا إمكانية وجود علاقة مباشرة
بين المثقف والعامل، وبين النظرية والتطبيق لأنها – أي العلاقة –
تمر بالضرورة عبر الكيفيات الملموسة لتنظيم السلطة والتي قد تكون
سائدة أو مسودة. ولهذا عند الإشارة الى ان الفكر يصبح قوة مادية
حين يهيمن على أذهان الناس فإننا لا نستطيع ان نعفي أنفسنا من
التعقيب بان نفس هذه القوة المادية ستهيمن على الفكر وتحرمه من
استقلاليته النسبية. ولقد انتهى الفكر، لأكثر من مرة في التاريخ
الحديث والمعاصر الى ان يكون ضد نفسه بفعل السلطة التي هي وراءه.
ويمكن لهذا الغرض استذكار أكثر من مثال، من الشرق والغرب، لتنكر
السلطات والحركات الثورية للفكر والمثقفين. وبالأحرى فبدلا من
المفاضلة المجردة بين أسبقية السياسة على الثقافة، أو العكس كما
حاول المقال، ينبغي الاعتراف، ما دامت السلطة هي توسيط لازم ضمن
الشرط الحاضر أو المستقبلي للثورة العلمية – التكنولوجية، بان
المسالة هي مسالة ادوار تاريخية يكون فيها المثقف تارة داخل نسيج
النخبة السياسية، وتارة أخرى خارجها. وعليه ينبغي ان نتذكر بان
الوجه الآخر للمثقف الذي ينتدب نفسه، أو تنتدبه ضرورات التاريخ،
لان يلعب دور المشرع الثوري للمجتمع هو المثقف المفسر والاعتذاري.
وإذ لا يستطيع المثقف في الحالتين إلا ان يعي نفسه كبوصلة للحقيقة،
فان علينا أما ان نصدق ادعاءه هذا أو ان نرجعه الى إنشائه بالسلطة
أو استيائه منها.
تفترض النقطة
الثانية من محاججتنا بأنه لا يشترط بالمثقف في زمننا هذا ان يكون
علموي النزوع ليتأهل لصفات المعاصرة والصدق والروح النقدية، لكن
دون ان يعني هذا الحط من قيمة المعرفة العلمية وإيثار الذاتوية
والظلامية. عند تطرقه الى مشكلة المثقف العراقي يدعو المقال الى
الخروج من " البدائل والأطر الفكرية التقليدية التي لم تعد تلاءم
الظروف الجديدة " ص 240 ثم يقترح لنا البديل كإعادة " تقييم لمفهوم
المثقف وموقعه ودوره المجتمعي في سياق المعرفة الجديدة التي تقترن
بالثورة العلمية – التكنولوجية " ص 250. وبيت القصيد هنا هو ماهية
هذه المعرفة الجديدة؟ حسب ما ورد في المقال تتأسس هذه المعرفة على
تكافؤ الثقافة والعمل، على ظهور المثقف كقوة اجتماعية مستقلة، على
التعامل الشمولي مع ظواهر الواقع وعلى الاعتقاد بالإمكانيات
الهائلة للتكنولوجيا في السيطرة على الطبيعة والارتقاء بحياة
الإنسان. أين الجديد في كل هذا عندما نتذكر ان يوتوبيا سان – سيمون
ووضعية تلميذه ارنست كونت في القرن التاسع عشر قد رهنتا كل
إيمانهما وتفاؤلهما على قدرة العلم الحتمية و " السحرية " على
تنوير البشر وتوحيدهم؟.
ويمكننا الذهاب
ابعد الى القول بأنه ليس هناك اليوم معرفة تركيبية شاملة بل جملة
تعاريف جزئية متنامية عميقة التخصص. وإذا عدنا الى الفلسفات أو
النظريات المعاصرة للعلم كالبراغماتية والتأويلية والتواضعية
والواقعية، فإننا نلاحظ ان الميل السائد هو باتجاه نسبته ( من
نسبي) ونبذ أو إعادة تفسير لمبدأ التطابق (Correspondence
principle
). أي ان ما يحدث في الغرب هو فصل للعقل العلمي الأدائي عن العقل
العملي الأخلاقي (فصل يعود بالأساس الى الفيلسوف الألماني كانت) أو
احتواء للعلم في المصلحة العملية أو في مجال اللغة والفهم. الظاهر
انه، بفضل الثورة العلمية – التكنولوجية ذاتها، توفرت فرص أوسع
لفصل الممارسة العلمية والاستخدام التكنولوجي عن النظرة العلمية
الشاملة للعالم. وهذا ما يحصل فعليا حتى في بلداننا العربية التي
تتجاوز فيها التكنولوجيا مع أكثر الأفكار تقليدية. وهذه مسالة
تتطلب الوقوف عندها لأننا نعيش اليوم في شرط، يسمى بحق شرط ما بعد
الحداثة، تطغي فيه وفرة الوسائل وتعددها بدرجة لا سابق لها على
واحدية الغاية ومثاليات المستقبل.
وإذا كان الأمر
هكذا يصبح من العبث حقا مطالبة مثقفنا العراقي بمثلنة العلم
واستشراف نظرة كلانية الى العالم ابتداءا منه، لقد كان هذا أفيون
الايديولوجيا التي يعيد الكاتب إحياءه باسم الموضوعية والاطلاقية.
هذه العقلانية
العلمية هي ليست العقلانية بدون منازع، وربما سيساعد وعي هذا
الاختلاف على شحذ الروح النقدية عند المثقف. دون ان يكون رافضا
للعلم وللأبعاد الايجابية للثورة العلمية – التكنولوجية فان ما
يستحق الدفاع عنه بالنسبة للمثقف هو عالم الحياة منظورا إليه من
زاوية عقلانية رحبة.
* الثقافة الجديدة،
العدد 259، حزيران 1994، ص 98 – 100.
--------------------------------------------