حرب كوسوفو في
كتابات عربية -
كامل شياع
في نقطتين
اثنتين، على الأقل، يتشابه التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في
أزمة كوسوفو مع عملية " عاصفة الصحراء " التي قادتها الولايات
المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت. تكمن أولاهما في عدم
التناسب الكبير في قوة طرفي النزاع، الأمر الذي برر الحديث عن
مواجهة بين نوعين من الحرب: واحدة تقليدية وأخرى غير تقليدية. ففي
الحالتين أظهرت الولايات المتحدة وحلفائها، منذ اللحظة الأولى،
تفوقا تكنولوجيا واضحا تمثل في حرب " نظيفة " قوامها استهداف العدو
من الجو، التدمير الواسع لبنى التحتية وإلغاء الجبهات وخطوط
القتال. ودعا هذا التفوق التكنولوجي الى اعتبار الحربين نموذجا لما
ستكون عليه حرب المستقبل، حيث البطل الأول هو الآلة المعقلنة الى
ابعد الحدود وليس العنصر البشري والحماسة التقليدية، وحيث المواجهة
هي بين عالمين مختلفين في النوع والدرجة، هما العالم الواقعي
والعالم الافتراضي أو الوهمي. لقد دفع هذا التفاوت الشاسع في
الأسلحة والإستراتيجية العسكرية بمفكر كجان بودريار الى ان يصف حرب
الخليج بأنها حرب لم تحدث لا لشيء إلا لأنها لم تستوف الشروط
التقليدية للحرب التي تفترض وجود طرفين متكافئين في قوتهما، وتستند
على مفاهيم عسكرية متماثلة (1). وبالمقابل، بقي الطرف المغلوب على
أمره، من الناحية التكنولوجية، ينتظر اللحظة المناسبة لينازل خصمه
غير المنظور على الأرض، وقد حصل هذا في حالة العراق، ولم تستغرقه
المنازلة أكثر من مائة ساعة ليعترف بهزيمته العسكرية. أما في حالة
يوغسلافيا فلم تكن هناك حاجة لميدان معركة تقليدي. فقد أذعنت
الحكومة الصربية، بعد اثنين وسبعين يوما من القصف الجوي المتواصل،
للشروط التي اتفق عليها وزراء خارجية " السبعة الكبار " وروسيا،
كما يبدو.
النقطة الثانية
للشبه بين عمليتي " عاصفة الصحراء " و " القوة المتحالفة " تتمثل
في ما نتج عنهما من تشطير وإعادة توزيع للمواقف والآراء. فقد تجاوز
الجدل، حول مسؤولية حصول الأزمة وحق استخدام لتسويتها وكيفية تطبيق
الشرعية الدولية، الحدود المسبقة لمفاهيم اليمين واليسار، ولموالاة
سياسات الغرب ومعارضتها، وتشعب وفق خريطة فسيفسائية معقدة شطرت
الأيديولوجيات جميعا، وزجّت دعاتها في نزاعات داخلية واصطفافات
جديدة مرحلية أو إستراتيجية. ولدينا من حرب الخليج أمثلة ما زالت
حية في الأذهان عن حالة البلبلة وتشوش الرهانات حيث ألمحت، الى حد
كبير، التمايزات التقليدية في مواقف وشعارات القوميين والماركسيين
والإسلاميين والليبراليين. وانقلب المعارضون العرب للنظام العراقي،
بين ليلة وضحاها، الى مؤيدين متحمسين لشعاراته القومية، بينما تحول
حلفائه القريبون، كالسعودية ومصر ومن شاطرهم الموقف ممن أطلقت
عليهم تسمية عرب أمريكا، الى خصوم لدودين. هذه المعادلة غير
المعهودة لانمساخ الموقف ولاحتدام صراع ضد الكل في نطاق العالم
العربي ستغدو واضحة أكثر لو قورنت، مثلا، بالإجماع الذي تحقق عبر
التضامن مع مصر وإدانة عدوان عام 1956 الثلاثي عليها. لقد وفرت حرب
الخليج مثالا نادرا على قوة الخطاب الشعبوي في تشويه العلاقة بين
الأنا والآخر، وعلى الدور الخطر للمثقفين في تزييف صورة الواقع،
وهذا ما كشفه بشجاعة كنعان مكية في كتابه (القسوة والصمت ". في
حالة النزاع الجاري حول كوسوفو، وهو النزاع الذي لم يستثر، لأسباب
مفهومة، نفس الدرجة من الحماسة في الرأي العام العربي، ظهر التباس
من نوع آخر نتج عن تعارض العاملين الأخلاقي والقانوني في تبرير
انتهاك سيادة دولة مستقلة، هي يوغسلافيا، ومساعدة أقلية مضطهدة
فيها من قبل نظام قومي متعصب. هذا الالتباس اخذ مداه الكامل فارضا
انقساما في الرأي عند أحزاب حاكمة في أوربا، كما في حالتي حزب
الخضر في ألمانيا والتحالف اليساري في ايطاليا. ورغم الدعاية
الأطلسية لتمويه اختلاف مواقف الدول الأعضاء في الحلف، فقد تبلور
موقفان تتصدر أولهما ايطاليا وألمانيا الداعيتان الى تهيئة شروط
مناسبة لنجاح الجهود الدبلوماسية، وتتصدر الثاني بريطانيا
والولايات المتحدة الداعيتان الى تصعيد الضغط العسكري على بلغراد.
ويمكن ان نضيف، تدليلا على التباس المواقف، حالة الكنيسة التي وجدت
نفسها منقسمة حول عدالة أو لا عدالة عملية الأطلسي التي دعاها
المعلقون حرب اليسار لكون اغلب الحكومات المشاركة فيها هي حكومات
اشتراكية – ديمقراطية، ولكون صقورها، ككلينتون وسولانا وروبين كوك،
هم من المعارضين السابقين للحرب (2). ويذكر هنا ان الأول قد عارض
حرب فيتنام وتهرب من المشاركة فيها، في حين لعب الآخران دورا نشيطا
في الحركة الأوربية لنزع السلاح النووي.
في الحالتين
عكس اتساع مجال تأويل الدوافع والغايات وراء الحرب ومسؤولية اللجوء
إليها أو التهيئة لوقوعها الى الفوضى الحاصلة في العلاقات الدولية
وميل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين الى إرساء نظام أحادي
القطب تهيمن عليه في مضمونه السياسي والاقتصادي (3). وفي الحالتين،
كذلك، كانت الولايات المتحدة هي الطرف الرئيسي في النزاع، بينما
كان الطرف الآخر إما ديكتاتورا غازيا أو حاكما منتخبا ديمقراطيا
ولكنه متعصب قومي وضالع في مسلسل من الإبادة الجماعية والتطهير
العراقي. ومن جانبها، أتاحت أزمة الخليج الناتجة عن احتلال القوات
العراقية للكويت أول فرصة للولايات المتحدة لممارسة دورها كشرطي
للعالم مستثمرة في ذلك الأجواء الناتجة عن انسحاب الاتحاد السوفيتي
كقوة دولية عظمى، وحالة العدوان العراقي الصريح الذي أدانه مجلس
الأمن الدولي ودعا الى إنهائه دون قيد أو شرط تحت طائلة اللجوء الى
القوة. أما في أزمة كوسوفو فلم يحتاج الحلف الأطلسي، الذي ترسم
سياسته واشنطن قبل أي عاصمة أخرى، الى قرار صريح من مجلس الأمن
الدولي باستخدام القوة التي غدت، رغم اعتراض المعترضين، الخيار
الوحيد المتبقي أمام الحلف بعد فشل محاولاته الدبلوماسية وتهديداته
العسكرية في ثني الرئيس اليوغسلافي عن سياسته القمعية في كوسوفو.
وبعكس حالة العراق بدت الرسالة السياسية للولايات المتحدة والأطلسي
صريحة ومباشرة؛ على يوغسلافيا ميلوسيفتش ان تنهج نهجا إنسانيا "
متحضرا " إزاء الكوسوفيين، وان تنضوي دون إبطاء، كسواها من دول
جنوب شرق أوربا، تحت المضلة الغربية عسكريا وسياسيا واقتصاديا. وفي
الواقع، لم تجد الإستراتيجية الجديدة لحلف شمال الأطلسي، التي أقرت
في قمة واشنطن الأخيرة، ما يبررها إلا في تعميم قيم الديمقراطية
وحقوق الإنسان واقتصاد السوق. بل وورد صراحة على لسان خافير سولانا
سكرتير عام الحلف قوله ان للحلف مبادئ لا ينادي بها فقط ، وإنما
يدافع عنها، وينبغي ان يفهم هذا الدفاع على انه هجوم طالما ان
الإستراتيجية الدفاعية للحلف فقدت مفعولها مع سقوط " الخطر "
الشيوعي، وطالما ان الحلف جرّب فعليا للمرة الأولى منذ تأسيسه قبل
خمسين سنة، اللجوء الى القوة ضد بلد أوربي.
ان قولنا ان
نزاعي نهاية القرن المشار إليهما أعلاه قد فتحا أبوابا واسعة للجدل
حول مفاهيم الشرعية الدولية والسيادة الوطنية والحرب والخيارات
السياسية وأسلوب إدارة الأزمات، وما يرتبط بها من مشاكل عملية عن
إعادة تشكيل العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة، لا يعني،
بأي حال، فقدان الرؤية وانعدام معايير تقييم السياسات والمصالح
التي تمثلها من منطلقات جذرية أو عملية. فإذا أخذنا بنظر الاعتبار،
مثلا، حركة الاحتجاج ضد التدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي في نزاع
كوسوفو، وهي حركة شملت بلدان أوربا وأمريكا اللاتينية واسيا
وإفريقيا والشرق الأوسط لأمكننا الاستنتاج بان طابع عدم اليقين
السائد في هذه اللحظة التاريخية، لحظة ما بعد الحرب الباردة لم يزح
القضايا الكبيرة من مفكرة الحركات والأحزاب السياسية. بالأحرى،
يمكن الحديث عن تجدد حالة الإجماع حول رفض الحرب كوسيلة لحل
الخلافات الدولية، وعن مسؤولية سياسات الدول الغربية، خصوصا
الولايات المتحدة، في تأجيج التوتر والفوضى في العالم. ان مجرد
حصول معارضة واسعة، معلنة أو غير معلنة، للقصف الأطلسي في بلدان
بعيدة عن منطقة البلقان وليس لها مصلحة مباشرة بما يدور فيها، هو
مؤشر على حقيقة لا تضرب فقط على وتر النزاعات التقليدية المعادية
لسياسة الولايات المتحدة، بل تتجاوز ذلك باتجاه أرضية عقلانية
وموضوعية لكيفية فهم القضايا الدولية والتعامل معها. فقد ورد مثلا،
على لسان رئيس الوزراء الهندي آتال بيبهاري فاجباي قوله " ثمة
لعبة تدمير جارية هناك. آلاف من الناس غدو مشردين. والأمم المتحدة
شاهد صامت على ما يجري. هل جاء تدخل الحلف الأطلسي للحيلولة دون
الحرب أم لاشعالها ؟" (4). ويضيف كاتب المقال، أنتوني فايولا،
الذي نقلنا عنه الاقتباس السابق، ان الاحتجاج على العملية الأطلسية
ضد يوغسلافيا قد نما بسرعة في بلدان العالم الثالث الفقيرة التي
قبلت، على مضض، منذ نهاية الحرب الباردة بهيمنة الولايات المتحدة
وبالتبعية لنموذجها الاقتصادي. لكن على خلاف ما ادعته واشنطن
وحلفاؤها بان عملية " القوة المتحالفة " هي ذات غاية إنسانية بحتة،
جاء رد الفعل، الشعبي والرسمي، في هذه البلدان عكسيا، إذ أحيت فيها
شكوكا قديمة، مصدرها تربتها الطويلة، مع التدخل الأمريكي
والاستعمار الأوربي، عن النوايا الحقيقية الكامنة خلف هذه الغاية
المعلنة.
بعد هذه
الإشارة العابرة الى ردود الأفعال، الرسمية والشعبية، المنددة
بعملية " القوة المتحالفة "، يجدر بنا السؤال عن الموقف العربي
منها. ما سنحاوله أدناه لا يطمح الى أكثر من تقديم إجابة جزئية
مستقاة من قراءة بضع كتابات عن الحدث البلقاني. مع هذا يلزمنا
القول ان ثمة عاملا محددا، ذا طبيعة تاريخية وأيديولوجية، ميّز
الموقف العربي، إجمالا، من أزمة كوسوفو، وهو عامل قومي ديني مركب.
فهناك، من جهة، البعد القومي الذي وفر له التدخل العسكري الأطلسي
مناسبة جديدة لاسترجاع التجربة المريرة للعرب مع سياسة الولايات
المتحدة المنحازة الى إسرائيل والسلبية تماما عندما يتعلق بتهجير
شعب كالشعب الفلسطيني ومصادرة أراضيه، أو باحتلال أراض عربية كما
في الجولان وجنوب لبنان، والعدوانية عندما يتعلق الأمر بالعراق
وليبيا والسودان. ومن هذا المنطلق بنى مواقفه التي تفاوتت بين
الانحياز الى يوغسلافيا، كما في حالة حكومتي العراق وليبيا، وبين
وضع اللوم على الغطرسة الأمريكية في خرقها للشرعية الدولية وفضح
دوافعها المشبوهة، دون ان يصمت عن جرائم القوات الصربية في كوسوفو.
وكان الموقف الأخير هو ما التزمت به اغلب الحكومات والقوى السياسية
العربية. وهناك، من جهة أخرى، البعد الإسلامي، الذي وان غاب دوره
الرسمي ممثلا بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وجد صداه في تصريحات
الأحزاب والمنظمات والشخصيات الإسلامية الداعية الى تقديم الدعم
والتضامن وإعلان الجهاد المقدس لنصرتهم. والتعاطف الديني مع ألبان
كوسوفو في محنتهم يعيد الى الأذهان التعاطف المفاجئ (إسلاميا
وعربيا) مع الأكراد بعد اختطاف عبد الله أوجلان ونقله مكبلا الى
تركيا، وقبل ذلك واهم منه مع أفغانستان. ولكن بينما اتفقت المواقف
الإسلامية على تقديم مساعدات عاجلة للكوسوفيين، سجل بعض المعلقين
الإسلاميين ضعف الاستجابة الشعبية لها واعتبروا ذلك دليلا حيا على
ضعف تقاليد المجتمع المدني عندنا، فإنها اختلفت على سبيل معالجة
الأزمة (5). فبعض القوى الإسلامية عولت على الحلف الأطلسي ودعته
الى " التدخل العسكري الجوي والبري لإخراج عصابات الإبادة من
كوسوفو وحماية المدنيين وتسليحهم للدفاع عن وجودهم " (6).
بينما طالب بعض علماء الأزهر بتشكيل جيش إسلامي للدفاع عن المسلمين
في كوسوفو، في حين دانت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وحشية
التعامل الصربي مع ألبان كوسوفو وما اعتبرته تدخلا غير بريء
للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. وبنفس المنحى ذهبت تصريحات
السيد محمد حسين فضل الله التي ألقت اللوم كله على الولايات
المتحدة واتهمتها بمحاولة " إغراق أوربا بالكثير من المشاكل حتى
لا تتفرغ لتقوية الاتحاد الأوربي " ونفت سعيها الى " حل
مشكلة المسلمين " ووصمتها بـ " الرقص على آلامهم " (7).
وموقف السيد فضل الله ذي العلم الواسع والاجتهاد الجريء، لا يقبل،
في هذه الحالة، تمييزه بسهولة عن أكثر المواقف الإسلامية تطرفا
والتي صورت الحدث على انه حرب صليبية ضد المسلمين يتقاسم أدوارها
نظام بلغراد والحلف الأطلسي.
في مقاربته
لازمة كوسوفو التقى هذا العامل، الواقعي في مضمونه والأيديولوجي في
شكله، بالخطاب اليساري في مناهضة النزعة الامبريالية للولايات
المتحدة وفي الحكم السلبي على نواياها (وحتى وان كانت الى جانب
أقلية مضطهدة كألبان كوسوفو). فقد كتب، مثلا، طلال سلمان، رئيس
تحرير " السفير "، مشككا في حماية الغرب والولايات المتحدة "
للديمقراطية من العنصرية "، وواصفا عملية " القوة المتحالفة "
بأنها " حرب القطب الأوحد ". وبنبرة مشابهة يتهم رفعت
السعيد، أمين عام حزب التجمع، الولايات المتحدة " بقيادة أوربا في
حرب تحقق أهداف الغرب في سيادة إستراتيجيتها على المنطقة وتحاصر
روسيا وحلفائها ولو على حساب المواطنين الأبرياء ". ويعتبر السعيد
الطرفين اليوغسلافي والأطلسي مضطلعين بعملية إخلاء كوسوفو من سكانه
" أو على الأقل تحويله الى قاعدة عسكرية أمريكية وموطئ خاص لها
في أوربا " (8). ويلقي يعقوب زيادين، السكرتير السابق للحزب
الشيوعي الأردني، في مقال له بعنوان " إمبراطورية العم سام في مأزق
وتتلقى اللطمات من شعوب العالم " اللوم على ألمانيا وأمريكا
لتسليحهما جيش تحرير كوسوفو الانفصالي. ويتهم الأخيرة بالطمع في
مناجم كوسوفو الغنية " بالمعادن الثقيلة مثل النحاس والرصاص
والذهب والفضة "، ويضيف الى هذا ان الحلف الأطلسي لم يشهر
السلاح دفاعا عن مساعي كوسوفو أو عن حقوق الإنسان، بل لإيجاد دور
جديد له بعد غياب الاتحاد السوفيتي (9). خلاف هذا لا يتفوه الأستاذ
يعقوب بكلمة واحدة عن مسؤولية نظام ميلوسيفيتش في اضطهاد الألبان
وإلغاء الحكم الذاتي الذي تمتعوا به حتى عام 89 وطيلة الفيدرالية
اليوغسلافية الثانية التي قادها بعد الحرب العالمية الثانية جوزيف
بروزتيتو.
من هذا
الاستعراض الأولي للمواقف العربية يمكننا وصف رد الفعل العربي بأنه
قد تميز، عموما، بقدر من التوازن في تناول أزمة كوسوفو و " التسوية
" الأطلسية لها. ولو تركنا جانبا المواقف الأحادية المتطرفة لبعض
الأنظمة والأحزاب والحركات الحبيسة في كهوف مظلمة من صنعها، فقد
مالت كفة الإجماع الى نقد كلا الطرفين؛ الحكومة اليوغسلافية والحلف
الأطلسي. واحسب ان نقد السياسة القومية المتطرفة لنظام ميلوسيفيتش،
وهو النقد الذي لم يحركه، فقط، التعاطف الآتي من المأساة
الكوسوفية، وإنما الى الاعتراف بحقوق الأقلية الألبانية، قد أرسى
نفسه على منطلقات حداثية علمانية صريحة أو ضمنية. وإذا ذهبت لغة
هذا النقد أحيانا الى حد التشكيك بمفهوم السيادة الوطنية في حالة
إخفاق الدولة المعنية في احترام الحقوق الأساسية لمواطنيها، فان
دلالته عميقة بالنسبة لدول، كبعض دولنا العربية، مافتئت توحد وتدمج
بالإكراه والقسر مجتمعاتها المتميزة اثنيا وثقافيا (10). ولهذا
يقيل الاعتراف بحقوق الأقليات، حتى لو كانت بعيدة جغرافيا كبعد
كوسوفو عن بلاد العرب، تفسيره من زاوية معارضة تراث وفكر الدولة
التسلطية العربية وما يرتبط به من تمثيلات مغرضة عن الهوية الثابتة
والخصوصية الفريدة وما شاكلها من مسميات تعصم مدعيها من مساءلات
الفكر والقوانين الإنسانية.
أما نقد الطرف
الآخر، الذي هو الحلف الأطلسي الذي تتزعمه الولايات المتحدة، فلم
يكن مفاجئا لأحد لا سيما أن نقدا كهذا غدا فاتحة كل نقد سياسي
عندنا، وهو نقد آلته القياس على السوابق الأمريكية مع الشعوب التي
خالفتها. في حالة كوسوفو، على الأقل، يستند رأي الطرف المعارض
للولايات المتحدة على حجج وجيهة هي عدم توفره على الشرعية الدولية
ممثلة بقرارات صريحة من قبل الأمم المتحدة تخول استخدام القوة ضد
يوغسلافيا، واحتمال تحول الحالة البلقانية الى سابقة لتفرد الأقوى
بمهمتي التشريع والتنفيذ لما يعتبره صحيحا أخلاقيا أو مهما
استراتيجيا أو حيويا اقتصاديا. ومن هذا الرأي انبثقت تنويعات
عديدة، الغالب فيها يذهب الى نفي أي مصداقية أخلاقية لتدخل
الولايات المتحدة، من خلال الحلف الأطلسي، في كوسوفو، وعدم الثقة
بدورها كمخلص للضحايا الكوسوفيين، بل وتحميلها مسؤولية مضاعفة
آلامهم. لكن هناك أيضا من بقى في نفس المضمار، وان فضل، لأسباب
عملية بحتة، مساومة عدائه المتحكم للولايات المتحدة واتخذ منها
حليفا ليس من بد، أملا في نصرة شعب كوسوفو المغلوب على أمره. أما
من دعا الى تصديق الرسالة الإنسانية للولايات المتحدة، ولو لمرة
واحدة، فقد اخذ على الذين يناصبونها العداء ربيبتهم المبالغ بها
والتي لا تعكس الواقع الفعلي قد عكسها لهواجس مرضية عن عدو شيطاني
موهوم (11). لذلك بينما اتخذ أعداؤها من الشأن الكوسوفي حجة إضافية
لتعزيز حكمهم المسبق عليها، سار معارضوهم بالاتجاه المعاكس
ليذكروهم بخرافة التفكير بمنطق الخير والشر المطلقين. فهذه
الثنائية العقيمة تقود القائلين بها الى نظرية المؤامرة التي تتصور
وجود قوة ذات نوايا شريرة تتربص بالضعيف وتفتعل الظروف لتوقعه في
شراكها. فهي تفترض ان الذات، من حيث المبدأ، مسيّرة لا مخيّرة، وان
أدوارها مرسومة مسبقا من قبل ند واسع الحيل وشيطاني المآرب. في
نسختها العملية تعلق نظرية المؤامرة أخطاء سياسيي بلدان العالم غير
الغربي على مشجب الغرب الرأسمالي الاستعماري الصليبي الأناني وما
شابهها من أوصاف، فتقلب بذلك قصور الذات واغترابها عن الواقع
والتاريخ الى تضخيم صورة الند. وبالنتيجة تبرأ الذات من عواقب
أفعالها لتجرم العدو البعيد والماكر. وجدت هذه النظرية آخر أمثلتها
التطبيقية في النقاشات العربية لحالة كوسوفو، مما دفع بنقادها الى
امتشاق أسلحتهم من جديد لفضح نظرتها التبسيطية وتوظيفاتها المغرضة.
فكتب وضاح شرارة في صحيفة " الحياة " ما مفاده ان مقدمات التدخل
العسكري لحلف شمال الأطلسي، ومن ورائه الولايات المتحدة، أهم من
نتائجه التي تكللت في حرب لا يريد مدحها ولا " إطراح التحفظ عنها "
(12). وهذه المقدمات تتمثل في السياسة القومية الصربية المتعصبة
التي سامت شعوب يوغسلافيا في العقد الأخير من السنوات الأمرّين،
وأججت حربا بعد أخرى منذ عام واحد وتسعين حين أعلنت سلوفينيا
وكرواتيا استقلالهما. وبنفس مشابه كتب حازم صاغية ان تشويه حقيقة
الولايات المتحدة بتحويلها الى شيطان دولي يسر لمن يستسيغه "
الإغفال عن تاريخ البلقان وعن قسرية الدولة اليوغسلافية وبالطبع عن
طموحات ميلوسيفيتش " (13). نقد نظرية المؤامرة، كما يرد في كتابات
شرارة وصاغية وسواهما، يستند على وعي متحرر، ظاهرا، من تقييدات
الايدولوجيا التي تمنح أسبقية الحكم على التحليل، وتصادر المعطيات
الفعلية في كلائش جاهزة. كذلك ينطلق نقد نظرية المؤامرة من منظور
يحيل النزاع الى سياقه ويتجنب إشهار أحكام قيمة مسبقة تلقي
المسؤولية على احد طرفيه دون الآخر. ولذلك نراه يهتم بالحفر في
الأصول وعلاقات القرابة بين المواقف الأيديولوجية المعادية للغرب
والولايات المتحدة، كاشفا عن تواطؤها مع بعضها في التحليل على
الحقيقة والتاريخ. فيلقي اللوم، دون تردد، على حكام من أمثال صدام
وميلوسيفيتش اللذين يتحملان وحدهما تبعات خلق الأزمة وتفجيرها،
ويعفي منه جزئيا أو كليا الطرف القوي الذي يتصدى لهما ويستفيد من
مغامراتهما سياسيا واستراتيجيا. وقد تطال الشبهات هذا النقد، الذي
يخالف جذريا طبائع الاستبداد وحميات التعصب، لكونه ينتصر لحجة
القوي والخارجي على حجة " الضعيف " والمحلي. ولو وضعت نفسي موضع
شبهات من هذا النوع لقلت ان النقد المذكور لا يخفي مصادره الفكرية
الغربية، التي لم تزل تزود نسبة كبيرة من مثقفينا بعنادها النظري،
ولا يبشر برسالة سياسية محددة لأنه يكتفي بالتعليق على قصر النظر
المزمن في خطابات السياسة العربية.
أما لو وضعت
نفسي موضع الناقد لهذا النقد لأخذت عليه فصله للخطابات التي
ينتقدها، بحجج مقنعة ظاهرا، عن الحقائق التاريخية. فهو على ما فيه
من مخالفة محمودة للتفكير السائد البالغ في نزعته العيابة على
انجاز المواقف السياسية التي يتصورها من بنات خيال أناس جامدين
عقائديا ان لم يكونوا أشرارا سذج. وهو كذلك يشطح بعيدا حين يحاول
ان يحسم، بالحجة والبلاغة، اختلالات واقعنا السياسي والاقتصادي
الثقافي والتي هي عندنا كعرب، وعند من شابهت أحواله أحوالنا، مرتع
للأيديولوجيات وحقل تتغذى منه وتغذيه السياسة وأحزابها. وبوسعنا ان
نضيف ان هذا الاختلال ليس نتيجة طريقة معينة في النظر الى العالم
وتمثيله، بل هو حقيقة موضوعية تشترك في صنعها عوامل القوة والضعف،
والأسباب الخارجية والداخلية. في هذه النقطة ينبغي ان نقف لنتأمل
أوجه قوة وضعف الموقف الذي يدين طرفي النزاع في أزمة كوسوفو. فهو
يقوى بمقدار تفكيرنا بما ينبغي ان يكون مقابل ما هو كائن، فالحوار
أفضل من الحرب، وإتباع سبيل العقل والمصلحة المشتركة أفضل من إتباع
التعصب والأنانية. وهو ضعيف بمثاليته التي لا تحسب حسابا للسياسة
التي تحركها، حتى عند أكثر الدول ديمقراطية وتحضرا، دوافع لا
عقلانية وتدميرية، فكأن هذا الموقف الذي يوزع المسؤولية، بمقادير
متساوية أو متباينة، يترجم قاعدة فرقة المرجئة، التي عرفتها العصور
الإسلامية الأولى، ترجمة ايجابية، فبدل تعليق الحكم، الى ما يشاء
الله، على الطرفين المتخاصمين يعلن الحكم عليهما ويعطي كلا منهما
نصيبه منه. ولكن ما هو البديل عن هذه المثالية لمن مازال ينأى
بنفسه عن الانغمار في فوضى نهاية العصر.
3/حزيران/1999
------------
الهوامش:
(1)
في كتابه " حرب
الخليج لم تحدث " (نشر بالفرنسية عام 1991) توقف عالم الاجتماع
الفرنسي بودريار عند دور الاعلام في انتاج واقع لا ينتمي الى
الواقع ولا الى الصورة. وذهب الى انه في غياب الاشتباك الفعلي بين
طرفين متكافئين، كما ينبغي في المواجهة العنفية التي تسمى الحرب،
بدا وكأن الغرب قد دخل في نزاع مع نفسه في العراق. هذه الحرب التي
جرت من طرف واحد لا تستحق ان يطلق عليها حربا. استنتاج كهذا ورد
ايضا عن مفكر اخر اكثر جدية والتزام هو الامريكي نعوم شومسكي الذي
قال " الحرب، كما افهمها، تتضمن طرفين يطلقان النار على بعضهما في
معركة، هذا لم يحدث في الخليج (يقصد حرب الخليج) ". الاقتباس اورده
بول باتون في مقدمته للطبعة الانكليزية لكتاب بودريار المذكور.
(2)
انقسمت الكنيسة
الكاثوليكية على نفسها في الموقف من التدخل العسكري لحلف شمال
الاطلسي في كوسوفو. فقد دعا البابا يوحنا بولص الثاني صراحة الى
نبذ السلاح والعودة الى الحوار. وبالمقابل لجأ المونسنيور كارل
ليمان، رئيس مجلس الاساقفة الالمان، والمونسنيور جاك لابورت، رئيس
اساقفة كامبري ورئيس لجنة العدالة والسلام في الاسقفية الفرنسية،
الى تعاليم الكنيسة بخصوص الحرب العادلة التي ينبغي اللجوء اليها
شريطة استنفاذ جميع السبل السلمية، وجود اسباب عادلة لخوضها وصدور
قرارها عن جهة مؤهلة. على هذا الاساس وجدا ان من المبرر اللجوء الى
القوة في كوسوفو.
هل يمثل فرض نظام
كهذا ضرورة تاريخية لا يمكن التهرب منها؟ قد يكون الامر كذلك،
ودليلنا هنا هو موقف ماركس من الاستعمار الانكليزي للهند، الذي
عبر، من ناحية، عن اشمئزازه منه لما سببه من تدمير للتنظيمات
الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، ووجد فيه، من ناحية ثانية،
مثالا لدور الارادة غير الواعية للتاريخ في تثوير القديم وتجاوزه.
المشكلة ان تفسيرا من هذا النوع قد يبدو اعتذاريا لهيمنة
الراسمالية على العالم، كما يظهر جليا اليوم اكثر من أي وقت سبق.
غير ان القبول به نظريا، كشرط موضوعي، لا يتعارض مع خوض نضالات
سياسية للتأثير في كيفية تحقيق الهيمنة.
(4)
انتولي فايولا،
جريدة الهيرالد تربيون، عدد يوم الاربعاء (19/5/1999).
(5)
كتب فهمي هويدي في
جريدة " الشرق الاوسط " ليوم الاثنين ( 12/4/99) مقالا بعنوان "
محنة العمل الاغاثي من تجليات ازمة الديمقراطية ". والعنوان وحده
يفصح عن المحتوى. معالجة مماثلة للموضوع ذاته وردت في مقالي زين
العابدين الركابي وعبد الجبار عدوان في " الشرق الاوسط " ليومي
العاشر والرابع عشر من نيسان/ابريل.
(6)
لجنة التنسيق
للعصبة المغربية للدفاع عن الاقليات المضطهدة في العالم. والاقتباس
اورده محمد الاشهب في تغطية نشرها في جريدة " الحياة " ليوم
(19/4/99).
(7)
جريدة " الحياة "
ليوم (19/4/99).
(8)
الاشارة الى موقف
طلال سلمان ورفت السعيد وردت في تغطية نشرتها جريدة " الحياة "
ليوم (19/4/99).
(9)
جريدة العرب اليوم
الاردنية (العدد رقم 723).
(10)
في مقاله " حق
التدخل وفرضية الوصاية " جريدة " الشرق الاوسط " ليوم (3/5/99)
يننبأ خالد القشطيني بان التدخل الخارجي سيصبح " اسلوبا مشروعا
وجاريا في حق الدول القاصرة ". ويلاحظ كاتب اخر هو السيد ولد أباه
ان النهج الديمقراطي يؤدي الى القبول بتفكك الدول المتعددة عرفيا
ودينيا، من منطلق حق تقرير المصير. لكن دعم الدول الخارجية لهذا
الحق تحدده عوامل استراتيجية، مما يضفي على الموقف منه طابعا
انتقائيا. نفس المصدر عدد يوم (4/4/99).
(11)
تركي الحمد "
خاطرات في المسألة البلقانية " جريدة " الشرق الاوسط " ليوم
(4/4/99)، ومحمد الحسن احمد " اهي مخاوف عربية ام اسرائيلية من
سابقة كوسوفو؟ " نفس المصدر عدد يوم (6/4/99). يقول الاول ان ان
المشكلة لا تكمن في وجود مصالح امريكية وراء تدخلها في كوسوفو
وانما في عجزنا، كعرب، عن فهمها والتعاطي معها واقعيا. ويخص في
مقالة موضوع السيادة الذي يعتبره، عن حق، وسيلة وليس غاية، ويضيف "
فكما كانت السيادة وسيلة من وسائل حفظ المجتمع البشري، فربما كانت
المغالاة في ذات المبدأ تهديدا لذات المجتمع البشري. ومن هنا كان
من الضروري ان تتغير الوسيلة من اجل الغاية، الا وهي الانسان ذاته
في الخاتمة ". ويتهم الثاني موقف المتشككين بالدوافع الانسانية
لتدخل الدول الغربية بانه يخلو تماما " من اية نظرة انسانية حضارية
".
(12)
وضاح شرارة، جريدة
" الحياة " ليوم (6/4/99).
(13)
حازم صاغية، نفس
المصدر يوم (18/5/99).
* الثقافة
الجديدة، العدد 289، تموز - آب 1999، ص ص 5 - 14
-----------