تناقضات عصر
الإمبراطورية ووعوده *
- كامل شياع
منذ صدوره قبل
عامين، أثار كتاب «إمبراطورية»(*) لأنتونيو نيغري ومايكل هارت
اهتماماً واسعاً في الأوساط الأكاديمية واليسارية في الغرب. فأشاد
عدد من النقاد والمفكرين البارزين بتحليله العميق لحالة العالم ما
بعد الحرب الباردة، ورؤيته الثاقبة لتناقضات عصر العولمة وآفاقه.
وأخذ عليه آخرون تقييمه الخاطئ لظاهرتي الإمبريالية والدولة
الوطنية، واستنتاجه بأنهما في طور الزوال، وبأن النضال اليوم ضد
الرأسمالية ينبغي أن يتم ضمن شروطها الجديدة، وليس خارجها. التقريض
والنقد لا يغني عن قراءة هذا الكتاب الذي هو تركيب نظري جامع
وخلاصة فلسفية ـ سياسية مكثفة لمصادر أساسية في الفكر الحديث
والمعاصر، ولنزعات الثورة والتغيير الاجتماعي.
رغم اشتراك
مايكل هارت في التأليف، إلا أن بصمات أنتونيو نيغري هي الأوضح في
الكتاب. فقد كلّل به بحوثه النظرية التي ظهرت، خلال العقود
الثلاثة، في أعمال ملفتة، مثل «ماركس ما بعد ماركس» (1979)،
و«الاستثناء الوحشي: السلطة والقوة عند سبينوزا» (1983).
الماركسية، كما يفهمها نيغري، الأستاذ السّابق لفلسفة القانون
والعلوم السياسية في جامعة بادُوا الإيطالية، والمناضل العمالي
الناشط منذ نهاية الخمسينات، هي فلسفة حياة وممارسة قبل أن تكون
عقيدة جامدة أو نظام مفاهيم مجردة. لذلك تحفل ماركسيته بروح ثورية
قلقة وحالمة تراهن على قوّة العمل والتضامن في تغيير نمط الإنتاج
الرأسمالي من داخله، عبر دفع تناقضاته إلى مدياتها القصوى، والمضي
في تحقيق المشروع التاريخي للتحرّر الإنساني.
أما سيرة نيغري
السياسية فهي مثيرة ككتاباته، فقد أودع السجن بعد أن اتهمته
السلطات الإيطالية بكونه العقل المدبّر لأعمال العنف المسلّح
والاغتيالات التي لجأ إليها اليسار المتطرف خلال سنوات السبعينات.
وظل معتقلاً لأربع سنوات ونصف حتى أطلق سراحه عام ثلاثة وثمانين
بفضل الحصانة البرلمانية التي حصل عليها لفوزه في قائمة مرشحي
الحزب الراديكالي بقيادة ماركو بانيللا. بعد شهرين من الحرية،
رُفعت عنه الحصانة البرلمانية لتخلّي الحزب الراديكالي عنه، فأختار
نيغري الهروب إلى فرنسا، حيث بقي فيها لاجئاً حتى عام 1997. في ذلك
العام، قرر أن يضع حداً لما أسماه بسنوات المنفى الثقيلة، فغادر
إلى روما ليضع مصيره بيد القضاء الإيطالي. وهو حالياً نزيل أحد
سجونها.
فترة إقامته
بباريس جعلته على تماسّ مباشر مع أفكار ميشيل فوكو وجيل دولوز الذي
جمعته به علاقة وثيقة. شهدت تلك الفترة تأثر نيغري بمفهوم علاقات
القوة التي يتجاوز نطاقها علاقات الإنتاج المتموضعة في المصنع،
ليغطي الحياة الاجتماعية بأسرها. ويعترف نيغري بأن ذلك المفهوم
قاده إلى أن يتخلى عن اللغة العمالية الصرفة، لغة التحليل الطبقي
الكلاسيكية، ليأخذ بلغة عالمية على قدر غير قليل من التعقيد
والصعوبة. لذلك اعتُبر كتابه هذا من المراجع الأساسية للحركات
المناهضة للعولمة من موقع اليسار.
كتاب
«إمبراطورية» طرح تصوّراً جريئاً، يستدعي التأمّل، حول الحالة
الراهنة للعالم وآفاقه المستقبلية، وقدم اجتهاداً مثيراً حول ماهية
الماركسية في بعديها الفلسفي والتحرري. ومن هذه النقطة نبدأ
تناولنا له، حيث يدعونا مؤلفاه إلى أن نتخلى مرة واحدة عن جملة من
المفاهيم الأساسية في التحليل والسياسة الماركسيين. وهي مفاهيم
تشمل المادية التاريخية، التفكير الجدلي، الحتمية والغائية، الفكر
العلمي، النزعة الإنسانية، القاعدة والبناء الفوقي، الطبقة
العاملة، الإمبريالية، الإستراتيجية والتكتيك، المركز والأطراف،
الحزب السياسي، الأممية البروليتارية، الثورة الاشتراكية، حركات
التحرر الوطني. هل فاتني شيء من مفردات هذا الجرد الجذري
للماركسية؟ وهل بقي للمرء، بعد كل هذه المفاهيم المسحوبة من مجال
التداول والمسقطة من منهج التحليل، ما يسمح له بالإدعاء أنه صاحب
موقف ماركسي أو شيوعي؟
نعم، هناك على
الأقل، مؤلفا هذا الكتاب الخطير اللذان يختمان كتابهما بعبارة
مستوحاة من القديس سان فرانسيس (ومقامه في مدينة أسّيسي الإيطالية)
تدعو إلى مجابهة بؤس السلطة ببهجة الوجود. وهي عبارة يردفانها
بالقول إن «قوة الحياة والشيوعية، التعاون والثورة يمضيان سوية في
حب وبساطة وبراءة. وذلك منبع الرقّة والبهجة اللتين لا يمكن كبحهما
في المرء حين يكون شيوعياً». بلغة المفاهيم، وليس بلغة الشعر
والاستشراف، تظهر ماركسية مؤلفي الكتاب في تمسكهما الصارم بمفهوم
مادي للوجود، بموضوعة التقدم التاريخي، بترابط العدالة والحرية،
بالحاجة إلى إعادة بناء الكيان الإنساني الممزق خارج علاقات السوق
والاغتراب، وبأولوية الممارسة على التأمل، والصيرورة على الثبات،
والفعل على النظرية.
على هذه الرؤية
الماركسية أو ما بعد الماركسية، إن شئتم، تستند أطروحة الكتاب التي
تتلخص في أن العالم المعاصر يشهد تشكّل إمبراطورية جديدة تعبر عن
نفسها من خلال العولمة، ثورة الاتصالات والمعلومات، فكر ما بعد
الحداثة، تراجع دور الدولة القومية واضمحلالها التدريجي، تزايد
الهجرات إلى البلدان الغنية، تغير أساليب حل النزاعات بين الدول،
أزمة الشرعية، عدم تمركز الإنتاج والسلطة وانتشارهما عالمياً،
تلازم الفساد والانحلال مع صيرورة النظام العامة، وتَوفّر إمكانات
أوسع للتغيير الاجتماعي.
تمثّل
الإمبراطورية، بالنسبة لمايكل هارت وأنتونيو نيغري، قطيعة تاريخية
في مضمون السلطة السياسية، ونقلة جذرية في ممارسة الهيمنة. وهي
تعكس إلى حد كبير الانتشار العالمي لفكرة الدستور الأمريكي، فكأن
أمريكا تمثل صورة مصغّرة لعالم الإمبراطورية الذي يخترق الحدود
الدولية، ويدمج في ثناياه الدول والثقافات وأنماط الاستهلاك
والتبادل، وإمكانات الثورة وفرص التحرر، كاسراً ثنائيات المركز
والأطراف، الداخل والخارج، النظام المدني والنظام الطبيعي، العمل
والرغبة، الإنسان والآلة، الفوضى والنظام، الخاص والعام.
فكرة الدستور
الأمريكي، كما يناقشها الكتاب، تتضمن مفهوماً للسيادة مختلفاً عن
سواه في دساتير الدول الغربية الحديثة لأنه ينطوي على أسس أو مبادئ
السيادة الإمبراطورية الجديدة. السمة الأساسية لهذا الدستور، الذي
يوصف بأنه الأكثر ديمقراطية في العالم، أنه يحدد السيادة ارتباطاً
بالشعب كما ينبغي أن يكون عليه أي نظام جمهوري ديمقراطي. السيادة
هنا ذات مرجع دنيوي ونابعة من تناقضات الحياة الاجتماعية
وصراعاتها، وليست مفروضة عليها من خارجها. السمة الأخرى المهمة
للسيادة، كما يحددها الدستور الأمريكي، أنها تمثل مشروعاً مفتوح
الآفاق قادراً على استيعاب عناصر جديدة، وغير مقتصر على جماعة
محددة أو أمّة بعينها بالمعنى المتداول للكلمة. السيادة هنا ذات
نزوع توسّعي، لكن ليس وفق الطريقة الكولونيالية القائمة على
الاحتلال والاستغلال والنهب والعزل والإبادة الجماعية والعبودية.
التوسّع الإمبراطوري يستوعب الشعوب ويضم الأقليات والجماعات ضمن
علاقات موزّعة ومتشابكة تتجاوز الحدود الوطنية وتلغيها على المدى
الأبعد، الأمر الذي يؤهل الإمبراطورية لتكون جمهورية عالمية. بيد
أن الدستور الأمريكي، كما يلاحظ المؤلفان بحق، لم يكن دائماً محرّك
السياسة الأمريكية. فهي حين تقيّد نفسها بمصالحها القومية، تتحول
إلى قوة استعمارية تقتفي خطى نظيراتها الأوربيات الأقدم تاريخياً،
مثلما تشهد تجربتها المبكرة في الفيليبين أو لاحقاً في فيتنام.
مؤشرات السيادة
الإمبراطورية
يمكن تشخص
الإمبراطورية الناشئة في الحقبة التاريخية المعاصرة بمفاهيم مثل
العولمة وما بعد الحداثة، إلا أن أساسها المتين قائم في المجال
السياسي حيث يتجلى كنمط للسيادة الشاملة لا يستثني بلداً أو منطقة
في العالم. ثمة ثلاثة مؤشرات لتشكّل هذه السيادة:
أولاً، إن فكرة
الحقّ الدولي (في تعبيرها القانوني) ما عادت مستندة، في سياق
الإمبراطورية الناشئة، على اتفاقات وتعاقدات حرة بين دول مستقلة،
بل على شبكات من الاتفاقات وقنوات الوساطة وحل النزاعات وضبط مجال
حركة الدول في إطار نظام أشمل للسيادة. هذه السيادة تجمع القوى
المتنازعة والمتناقضة عالمياً في بنية واحدة وتعاملها وفق مفهوم
خاص للحق يستند على نمط جديد للإنتاج، ووسائل قانونية للإخضاع
والقسر من أجل ضمان التقيّد بالاتفاقات وتسوية النزاعات. الحق
القانوني في إطار الإمبراطورية يعكس واقع ما بعد الإمبريالية،
تهيمن عليه قوة عليا فوق قومية أو ما بعد قومية. يرتكز الأساس
القانوني للإمبراطورية، التي هي بخلاف الإمبريالية التي وجدت وتجد
أساسها المادي في الدولة القومية، على مبدأين: مكاني وزماني. يقوم
أولهما على نظام موحّد لإسناد فكرة الحق الإمبراطوري في كل بقاع
العالم دون استثناء. أما المبدأ الثاني، فيقوم على اعتماد معيار
أخلاقي يدّعي أنه ملزم وصالح لجميع الأزمنة التاريخية والحضارية
المتعايشة والمتجاورة في كوكبنا. النموذج الكلاسيكي لتضافر هذين
المبدأين تحقق في الإمبراطورية الرومانية التي دفعت بالبعدين
القانوني والأخلاقي الشاملين إلى أقصى حد ممكن لتضمن الاستقرار
والسلام وسيادة القانون لجميع المناطق الخاضعة لنفوذها. وارتباطاً
بقانون الإمبراطورية الرومانية وبطانته الأخلاقية تبلور مبدأ الحرب
العادلة الذي عاد للظهور مؤخراً في ظل الإمبراطورية المعاصرة في
حرب الخليج الثانية عام 1991، التي تمّ شنّها كفعل بوليسي ضد خصم
اعْتُبر خارجاً عن القانون، والترويج لها كممارسة شرعية للقوة. من
مثال حرب الخليج وما تلاه في يوغوسلافيا السابقة وكوسوفو
وأفغانستان، بدا واضحاً أن السلطة الإمبراطورية توظِّف فعلها
العسكري لأغراض أمنيّة. فهي أشبه بشرطة دولية تتدخل لحفظ النظام،
ولفرض معيارها الخاص عن الحق والسلام. الشرطي الدولي الذي تمثله
الإمبراطورية يعمل بالشكل الآتي: أولا، تحديد المشكلة الحاصلة على
أنها مشكلة استثنائية أو طارئة والتلويح بضرورة التدخّل لاعتبارات
قانونية؛ ثانياً، القدرة على استخدام الوسائل المسلحة في ظروف
متباينة بهدف التعامل مع المشكلة أو الأزمة القائمة. وهنا يثير
الكتاب تساؤلاً عن مدى تطابق الحق الإمبراطوري في التدخل مع فكرة
الحق المجردة، وعن معنى الحق (والقانون) عندما يُختزل إلى عنصر
الفاعلية أو التأثير أو النجاعة.
مهما يكن من
أمر هذا التساؤل، فإن الكتاب يتوصّل إلى أنه في سياق التحوّل نحو
الإمبراطورية يسود القانون فوق القومي على القوانين الوطنية
ويخترقها ويكيّفها، بل ويحددّها أو يحدّ منها بقدر كبير. إضافة إلى
ذلك فقانون الإمبراطورية يسود على ميثاق الأمم المتحدة من ناحية
مبادئه وآليات تطبيقه أو فرضه. فالأمر ما عاد يتعلق بصيانة أو
احترام اتفاقات موقعة بين دول ذات سيادة، ولا في الاحتكام للإجماع
والحق الدوليين، وإنما في إباحة التدخّل نتيجة حصول ظرف طارئ وباسم
مبادئ أخلاقية سامية وقيم عدالة شاملة مزعومة. غير أن اللجوء إلى
مبدأ التدخل لحل الأزمات لا يدل على استقرار النظام العالمي
الجديد، أي النظام الإمبراطوري، بقدر ما يدل على عدم استقراره
وتقلبه في حالة أزمة وحرب دائمتين.
الإمبراطورية،
كما يستنتج الكتاب، وُلدت في الأزمة وتتجلى كأزمة ناتجة عن التعارض
بين البنية القانونية للإمبراطورية والقوة المكونة لها والفاعلة
فيها، من جهة، وبين مصلحة الجَّمْع (multitude)
المتشكّل من ذوات منتجة ومبدعة، من جهة أخرى. وما كان لهذه الأزمة
أن تظهر لولا هيمنة نظام محدد للسيطرة السياسية ـ الحياتية (bio-politics)
(المقصود بهذا المصطلح تحويل الحياة إلى موضوع مباشر للسلطة حيث
يتم إنتاج الوجود الإنساني مادياً ومعنوياً). فهذه الأزمة التي كان
الفيلسوف الظاهراتي هوسيرل قد عزاها إلى هيمنة العقلية العلمية
الرياضية على عالم الحياة المعاش، تكمن، بنظر مؤلفي الكتاب، في
التدخّل المخلّ لسياسة رأس المال في عالم الحياة. هذه السياسة وذلك
العالم لا يمكنهما، في الشروط القائمة، أن يتواءما على المديين
القريب والبعيد. السمة المميزة لأزمة الإمبراطورية أنها لا تتجلى
في صراع رئيسي ولا تتموضع في جبهة واحدة، لأنها جملة أزمات جزئية،
صغيرة، متوالدة ومتتابعة. وذلك ما يضفي عليها طابع الديمومة
والحضور الكلّي. أمّا حرب الإمبراطورية فلا يتم شنها ضدّ خصم خارجي
محدّد، لأنها سلسلة حروب أهلية ومناسبات للتدخل البوليسي بقوة
عسكرية عالية التسلح والكفاءة. وهذا بالضبط ما حدث في اضطرابات لوس
أنجليز (1992) ومقديشو، في سراييفو وأفغانستان. وتكرر حدوثه في
العراق مرتين.
ثانياً، لا
تقتصر الإمبراطورية الناشئة على الإطار القانوني فقط، لأن لها
بعداً مادياً يتمثل في السوق العالمي الذي لولاه لا يكتمل فهم
السيادة الإمبراطورية بمكونيْها السياسي والقانوني. ويعتبر الكتاب
أن عولمة الإنتاج والسوق تمثل حالة جديدة غير مسبوقة تاريخياً. من
هذا المنظور فهو يرفض الرأي القائل بأن الظاهرة الرأسمالية عملت
دائماً كسوق عالمي، وبالتالي فليس هناك اختلاف جوهري بين صورتها
الكلاسيكية في القرن التاسع عشر وصورتها الراهنة في القرن الحادي
والعشرين. كذلك فهو يرفض رأي من يراهن على استمرار الدولة القومية
في الغرب في أداء دورها لإحكام طوق الهيمنة الإمبريالية على الدول
والمناطق الأخرى في العالم. إن صحّ هذان الرأيان، فهما لا يصحان،
بنظر مؤلفي الكتاب، إلا بصورة جزئية لأن المستجدات الحاصلة في
الاقتصاد والسياسة تشير إلى تحول نوعي باتجاه ظهور قوة ما بعد
إمبريالية أو ما بعد استعمارية، قوة تدور في فلكها كل التناقضات
والصراعات المحلية والعالمية. إنها قوة تحتوي جميع الظواهر
والأحداث، وتحدّد مجالات الأفعال والتجارب، وتملي الخيارات
الجماعية والفردية، السياسية والثقافية، الاقتصادية والأخلاقية.
في سياق
الإمبراطورية تلازَم نشوء السوق العالمي مع تحوّل جذري في سيرورة
الإنتاج التي اتسع نطاقها ليشمل إنتاج الحياة ذاتها. فبموازاة
الإنتاج المادي، يتم إنتاج الذوات المنتجة أي أجساد البشر وعقولهم،
حاجاتهم وعلاقاتهم، أذواقهم ورغباتهم. وذلك هو حقل صناعة الثقافة
وأنماط الحياة. مجتمع الإمبراطورية هو مجتمع سيطرة قصوى قائم على
إنتاج وإعادة إنتاج الحياة ذاتها بواسطة آليات قيادة وتحكّم أكثر
ديمقراطية وأقل تعسفاً إذا ما قورنت بأساليب المجتمع الحديث الذي
هو، حسب وصف ميشيل فوكو، مجتمع انضباطي يتطلّب العزل والعقاب
والمراقبة من خلال مؤسسات كالمدرسة والسجن والمستشفى والمصح
والثكنة والمصنع. لكن مفعول تلك الآليات «اللطيفة» أكثر حلولاً في
جسد المجتمع، وأعمق تجذّراً في روحه. في مجتمع الإمبراطورية ما بعد
الحداثي تقوم هذه الآليات بتأطير المجال الاجتماعي بأسره عبر شبكات
مرنة وديناميكية، لتنشئ نموذجاً جديداً للسلطة معنياً، بشكل مباشر،
بالحياة ذاتها حيث تتولى احتواءها وتصميمها وفهمها وتفسيرها. إن
سيرورة إنتاج الذوات داخل الإمبراطورية تسير بتواز مع عملية إنتاج
البضائع، في حين يعتمد فائض القيمة اعتماداً متزايداً على العمل
الذهني والمعلوماتي. خارج النظام الكلي لشبكات الاتصال التكنولوجية
لا يوجد ثمة مرجع يحتكم إليه كأن يكون الحقيقة أو الإنسان أو الروح
المطلقة، فهي الواقع والممكن معاً، وهي الضرورة ونقيضها مجتمعان.
نظام الإمبراطورية يجسد، إلى حدّ كبيرة، فكرة القفص الحديدي
للتاريخ، لكنه، مع ذلك، ليس نظاماً شمولياً (توتاليتارياً) بالمعنى
المتعارف عليه. ففيه تختمر ممكنات التحرر وتنبثق بدائل المستقبل.
ينبغي الإشارة
هنا إلى أن تفسير نيغري وهارت للرأسمالية المعاصرة لا يعتمد
النموذج الماركسي القائل بأولوية العامل الاقتصادي كعامل مقرّر،
ولو في المطاف الأخير. إنه يميل إلى تفسير الرأسمالية في تجليها
كإمبراطورية من منظور سياسي يركّز على نقاط مثل وظيفة السلطة
وآليات ممارستها، أشكال مقاومتها والبدائل المضادة لها، المصادر
القانونية والأخلاقية للشرعية، ومبدأ التدخل الخارجي والحرب
العادلة. ويستند الكتاب في إثارته لهذه النقاط على مفهوم علاقات
القوّة المستوحى من نيتشه والنيتشويين الجدّد، خصوصاً ميشيل فوكو
وجيل دولوز وغوتاري. غير أن عدم اعتماد مؤلفيْ الكتاب على النموذج
الماركسي التقليدي في التحليل، لا يعني تناولهما لعلاقات القوة
بصورة مجردة من مضمونها المادي. فما يتفاداه المؤلفان هو تحديداً
النظرة الاقتصادية الاختزالية التي تفترض أن للقوة اتجاهاً واحداً
صاعداً من الأسفل إلى الأعلى، أو منتشراً من المركز إلى الأطراف.
إن للقوّة أو للسلطة، في عالم الإمبراطورية، مراكز متعددة ونقاطاً
متناثرة، إنها موزّعة في كل مكان، وليست متموضعة في مصنع أو شركة
أو دولة أو منطقة جغرافية. بصورتها المتعدّدة الأبعاد هذه، تستند
علاقات القوة على مضمون مادي هو الاستغلال الرأسمالي الذي غدا في
مجتمع ما بعد الامبريالية (أي مجتمع الإمبراطورية) أكثر قسوة وشدّة
مما سبق، والذي صارت شبكته تغطي البشرية جمعاء، وإن بدرجات
متفاوتة. انتشار الرأسمالية عالمياً لا يعني زوال الحدود الجغرافية
والعرقية للقمع والاستغلال، بل تعزيزها وتكثيفها. وهذا، بالنسبة
لنيغري وهارت، مدعاة للتفاؤل لأن الإمبراطورية برأيهما أحدثت نقلة
إلى الأمام لا يمكن التراجع عنها، الأمر الذي يقطع الطريق على
السياسات القديمة والمحافظة المرتكزة على مصالح الدول القومية.
فهما في حذوهما حذو ماركس الذي فسّر الرأسمالية كظاهرة تاريخية
تقدمية مقارنة بأنماط الإنتاج التي سبقتها، يذهبان إلى أن
الإمبراطورية تطرح نموذجاً للمجتمع والإنتاج أكثر تقدمية من
الإمبريالية، التي اعتبرها لينين أعلى مراحل الرأسمالية. بعبارة
أخرى، تمثل العولمة التي هي سياسة الإمبراطورية واقتصادها الشرط
الوحيد للتحرر. فمقابل العولمة ينبغي لليسار أن يطرح عولمة بديلة،
ومقابل إمبراطورية رأس المال ينبغي أن تشكّل البشرية إمبراطورية
مضادة. فلا عودة ممكنة إلى الوراء باسم الهويات الوطنية والخصوصيات
الثقافية، لأن هذا خيار خاطئ وضار.
القوى المضادة
للإمبراطورية
لكن ما هي
القوّة أو القوى المعاصرة المكلّفة بمهمة التحرير؟ إنها ليست
الطبقة العاملة الصناعية حصراً، بل بروليتاريا عصرنا التي تشمل «كل
أولئك الذين يتمّ استغلال عملهم بشكل مباشر أو غير مباشر، والذين
يخضعون للمعايير الرأسمالية للإنتاج وإعادة الإنتاج». إن أحداثاً
مثل حركة الاحتجاج في بكين (1989)، الانتفاضة الفلسطينية، اضطرابات
لوس أنجليز (1992) تمرّد إقليم تشاباس في المكسيك(1994) الإضراب
الكبير في فرنسا (1995) وفي كوريا الجنوبية (1996) هي، في جوهرها،
مؤشرات على رفض الاستغلال والقهر، وعلى حتميّة النضال والتضامن.
مؤلفا كتاب «الإمبراطورية» يراهنان على إبداعية الفعل المشترك
للجَّمْع وقوّة العمل الحيّ والرغبة لإطلاق إمكانات التاريخ بتجاوز
الرأسمالية لإرساء بداية عصر الإنسان كما تخيّله ماركس. لكن هل
ستقود محصلة رفض الرأسمالية من قبل قوى متنوعة وغير متجانسة إلى
بلوغ البديل المرغوب الذي هو الشيوعية؟ وهل الشيوعية مخطّط طوباوي
جاهز أم غاية لا تبلغ غايتها: فكرة معيارية أو موجِّهة تقود فعل
التحرّر دون أن تفضي إلى تحقق ناجز في أية لحظة معينة؟ ذلك ما يجيب
عليه نيغري وهارت بالرجوع إلى القيمة الإيجابية للنفي. فمن مفارقات
النضال المعاصر أنه لا يسير وفق وصفة واحدة، وغير مؤطّر بنظرية
ثورية. الطبقة العاملة ما عادت طبقة متجانسة، ونضالاتها مبعثرة
وحدثية (ذات مدى زمني قصير)، متقطِّعة وغير متصلة (في زمن
الاتصالات السريعة التي تضغط عنصري الزمان والمكان!). نضالات اليوم
لا تعمل كحلقة مترابطة الأجزاء، أو كمدّ ثوري يجتاح العالم، بل
إنها من مناطق انبثاقها تصعد عمودياً لتضرب مباشرة مدار العولمة،
أي رأس الرأسمالية وقلبها. النضال اليوم لا يتبع مجرى أفقياً، لذلك
لا معنى للأممية البروليتارية التي ولّى زمانها كما يعتقد نيغري
وهارت. النضال اليوم ينتقل كما ينتقل فيروس الكومبيوتر الذي يكّيف
شكله وفق سياق الطّرف المسْتَقبِل. شكل النضال المعاصر يحاكي طبيعة
السيادة الإمبراطورية التي لا تفترض نزاعاً رئيسياً ونزاعات
ثانوية، وإنما على شبكة مرنة للصراعات الصغيرة الناشئة عن تناقضات
مراوغة، متوالدة وغير متموضعة في مكان محدد. فكما أن للسيادة
الإمبراطورية بعداً غير مكاني (الذي هو المعنى اللغوي لمصطلح
اليوتوبيا أي المدينة الفاضلة أو الخيالية)، فإن النضال ضدها لا
ينحصر في مكان بعينه أو جبهة بذاتها. جوهر هذا النضال يكمن في رفض
العمل والسلطة (أطروحة الكتاب هذه تنحو منحاً فوضوياً)، ونبذ
العبودية الطوعيّة بجميع أشكالها. بفضل هذا الرفض يمكن تلمّس بداية
الطريق نحو سياسة تحررية مستمدة مما يسميه نيغري بالكينونة الضديّة
للجَّمْع المرتبط بعلاقة تناقض وجودي (تناقض عدائي) مع سلطة رأس
المال.
في عصر ما بعد
الحداثة، الذي هو عصر العولمة والإمبراطورية، تتجسد مرتكزات هذه
الكينونة الضدية في قوى ثلاث، هي: الانشقاق، موجات الهجرة الواسعة
والترحّل بين البلدان. فالانشقاق، كمصطلح قانوني (subtraction)،
يعني سحب الحق من مالكه المزعوم الذي هو الإمبراطورية الرأسمالية.
والهجرة الجماعية يصفها الكتاب بعبارات مستوحاة من استهلال «البيان
الشيوعي» تقول «شبح يطوف العالم، إنه شبح الهجرة…… كل قوى العالم
القديم تحالفت في حملة لا تعرف الرحمة ضدها، لكن حركة الهجرة لا
يمكن مقاومتها». شبح الهجرة، المتمثل بموجات نزوح هائلة للكفاءات
العلمية والبروليتاريا الزراعية والصناعية والخدمية، سيؤسس، كما
يتوقع الكتاب، شرطاً منقطع الجذور (أي معولماً) للفقر والبؤس. أمّا
الترحّل فسيجلب جنساً جديداً من الغرباء يجتاح أوربا والعالم الأول
كما اجتاح برابرة الشمال معقل الإمبراطورية الرومانية. نضال هذه
القوى ذات القابلية العالية على الحراك يطرح نمطاً شديد البأس
للصراع الطبقي داخل الإمبراطورية ما بعد الحداثية وضدها، نمطاً ما
زال حتى الآن في طور العفوية، لكنه يحمل في ثناياه وعود إنتاج
إنسان جديد (ما بعد الإنسان الذي تخيّلته الحداثة)، وجماعة متضامنة
يوحِّدها النشاط الحسّي والذهني، وقوة حياة مبدعة يصنعها جَمْع
تعددي ومتنوع، متآلف بعاطفة الحب ورغبة الحياة. حركيّة وهجانة
الجمع ليستا بذاتهما تحرريتان ولكنهما سيكونان كذلك إذا ما سيطرتا
على شروط إنتاجهما. إن نيغري وهارت يتحدثان عن قيام برلمانات
للجَمْع، ويتخيلان مصانع اجتماعية لإنتاج الحقيقة تأخذ المبادرة من
سلطة الإمبراطورية: لجان شعبية (ليس على طريقة القذافي بالضرورة)،
أو سوفيتات، أو لجان مصانع على الطريقة الإيطالية أو حتى ديمقراطية
مباشرة.
سبق أن أشرنا
إلى أن الكتاب يعتبر الإمبراطورية ولدت في الأزمة وتظهر كأزمة.
أزمة الإمبراطورية حاضرة في كل مكان، وهي مرادف للفساد ليس بالمعنى
الأخلاقي للكلمة، حيث يكون الفساد نقيض الصلاح. فساد الإمبراطورية
حالة موضوعية تشير إلى سيرورة تحلّل دائمة، سيرورة تشكّل وتفتّت،
وخلق واضمحلال. والفساد ليس سمة جديدة في الإمبراطورية الناشئة،
وليس استثناء يميزها عن سواها، إذْ تعددت الإشارة إليه في الأدبيات
الكلاسيكية عن أحوال إمبراطوريات الماضي. فساد الإمبراطورية
المعاصرة جوهريٌ كامن في طبيعتها، وناشئ عن وجودها الهجين، ومترافق
مع دورها في إعاقة بروز الحاجات الإنسانية وتعطيل سبل بلوغها. لكنّ
ذلك الفساد لا يعني أن الإمبراطورية سائرة نحو زوال وشيك، وأن هناك
نهاية معلومة تنتظرها، فنظام عملها يحتّم وجوده من حيث كونه أكثر
من مجرد ظاهرة عارضة في السياق أو انحراف مؤقّت في المجرى العام.
الإمبراطورية تنتعش من خلال نشر التناقضات التي يفضي إليها الفساد،
وتغدو مستقرة بفضل عدم استقرارها وهجانتها واختلاط مكوناتها.
الفساد يرادف صيرورة تغيّر ومسخ دائمة، صيرورة تتناقض مع الرغبة
الإنسانية لأنها تنطوي على مكوّن بنيوي مخالف لكل سياسة موجَّهة
لخدمة حياة الإنسان. عناصر الفساد الشامل تظهر في أجهزة السلطة،
الكنائس والطوائف، جماعات الضغط للطبقات السائدة، مافيات الفئات
الاجتماعية الصاعدة، مرتكبي الفضائح، التجمعات المالية الكبيرة،
الصفقات الاقتصادية. الفساد إجمالاً ينتج عن استحالة ربط السلطة
بالقيّم، وتلتقي مظاهره وأسبابه في أربعة محاور:
أولاً، تعارض
الخيار الفردي الأناني مع علاقات الجماعة والتضامن في عملية إنتاج
سياسة الحياة الفردية في مستواها اليومي الملموس؛ ثانياً،
الاستغلال المميَّز لنظام الإنتاج القائم على خصخصة ثمار العمل
الجماعي مما يغلِّب الطابع الفردي والخاص على الطابع العام
والمشترك لسياسة الحياة. الرأسمالية، بهذا المعنى، هي نظام للفساد
والإفساد؛ ثالثاً، التحريف الأيديولوجي للمعاني ضمن عملية التواصل
اللغوي في مجتمع الإعلام والصورة، الأمر الذي يؤثر سلباً على سياسة
الحياة ذاتها؛ رابعاً، توظيف الحكم الإمبراطوري للإرهاب كسلاح لحلّ
النزاعات المحدودة والإقليمية.
في هذه المظاهر
والأسباب تجري، حسب رأي نيغري وهارت، عملية إفساد منظَّم للجوهر
الخاص بالجَمع عبر تذريره أو توزيعه في وحدات صغيرة، وإعاقة فعله
الموحَّد. ولئن تمّ تحديد الفساد في التقاليد البرجوازية الحديثة
ارتباطاً بمعايير أخلاقية قويمة يُحتكم إليها، فقد غدا في زمن
الإمبراطورية ظاهرة مشاعة أو، على الأقل، لم يعُد سبباً كافياً
لتغيير حكومة متهمة به مثلاً. الفساد هو ممارسة القيادة دون الرجوع
إلى عالم الحياة. المفارقة الصارخة التي تلازم الإمبراطورية أنها
بينما تستفيد من علاقة التعاون التي تتيح للأجساد إنتاجية أعلى
ومتعة أكثر، تعمل دون ككل على إعاقة هذه الاستقلالية التعاونية، أو
حتى على تدميرها.
قبل أن نختتم
هذا العرض المكثف، لا بد أن نشير إلى أن الكتاب احتوى مسائل كثيرة
جديرة بالنقاش، نختار منها مسألتين. الأولى تتعلق بوصفه حرب فيتنام
كآخر مغامرة للإمبريالية الأمريكية قبل عبورها نحو طور الهيمنة
الإمبراطورية. غير أن ما يظهره تدخلها العسكري الأخير في العراق،
يوحي بخلاف ذلك. القوة الوحيدة في العالم لم تلجأ إلى تلك الحرب
تعبيراً عن فكرة الحق الشامل العابر للدول القومية، بل لاعتبارات
إستراتيجية خاصة بأمنها القومي؛ كما إن تلك الحرب، بمقدماتها
ونتائجها المتحققة على الأرض، لم تسهم في إعادة تشكيل العلاقات
الدولية، بل أججت فيها تصدّعات وخلافات وصراعات خطيرة، سياسية
وفكرية، تكاد تغطي العالم بأجمعه. المسألة التي تبدو غير واضحة في
الكتاب، تتعلق بتأشير الخط الفاصل بين الدور الايجابي للهيمنة
الإمبراطورية والدور السلبي للإمبريالية والاستعمار. فهل يجوز
التنبؤ، بالاستناد على المعطيات الراهنة، إن الهيمنة الإمبريالية
الأمريكية المكشوفة تهيء، بشكل غير مباشر أو غير مقصود، مقدمات
نشوء هيمنة إمبراطورية لا تستقر حدودها دون تحقيق مُثل المساواة
والحرية عالمياً؟ وهل يصح الاعتقاد بأن جوهر الهيمنة الرأسمالية
الغربية أعمق بكثير من الظاهرة الاستعمارية ومن مشاريع حركات
التحرر الوطني؟ وما وجه الاختلاف بين فكرة الإمبراطورية وفكرة
فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ، حيث يبدو أنه لا توجد، في
نهاية المطاف، سوى غاية واحدة لا يحول تعدّد أسمائها دون تحكمها
بمصائر المجتمعات والثقافات؟
المسألة
الثانية، أن مشروع نقض الإمبراطورية، أي المشروع التحرري للجَّمْع،
لا يتحقق إلا بحصول إجماع عليه، والإجماع هو نوع من التعالي عن
الشروط الملموس للوجود الاجتماعي. خلاف ذلك، سوف لن يكون هناك
مشروع منظِّم للفعل والحياة. إذا كانت غاية هذا المشروع هي العدالة
(العدالة التوزيعية التي دعا إليها أرسطو أو العدالة الاشتراكية
التي دعا إليها ماركس) فإن العدالة لا تظهر إلا كجدل بين ما هو
كائن وما ينبغي أن يكون، أي بين البعد الحالّ أو الملازم للتاريخ
والبعد المتعالي عنه. فهي إن تحققت بشكل ملموس، تظل دائماً ناقصة
وقابلة لتجاوز ما هي عليه، وهذا سرّ قوتها الذي حدا بمفكر شكّاك
كجاك دريدا، إلى أن يعتبرها المفهوم الوحيد غير القابل للتفكيك!.
كذلك حين يعتمد المؤلفان مفهوم الجمْع كبديل عن الشعب أو الأمّة أو
الطبقة، فإنهما يريدان الإشارة إلى حقل غير متجانس للوجود، حقل
ذوات مستقلة، وعلاقات مفتوحة. لكن الجمع قد يبقى قوة قائمة بذاتها
ومنكفئة على نفسها، لو لم تحركه قضية عامة ذات دافع تحرري كي يتحول
إلى قوة لذاتها. دون وجود قضية ووعي ثوري، لا يكون هناك معنى راسخ
لتمردات الجَّمْع، ولا لطموحه إلى مجتمع عادل. هذه القضية العامة
التي يمكن أن نسمّيها قوة الحياة، العدالة، المساواة، أو الحرية هي
ليست قضية ملازمة للواقع ومحصورة في إطاره فقط. أنها تصبح قضية
عامة بمقدار تبنّيها ما هو ممكن وغير متحقّق بعد. إزاء القوى
البشرية الخليطة وغير الموحدة التي يمثلها الجَّمْع المعاصر، ينبغي
أن تنطوي القضية على فكرة متعالية على شَرطَي الزمان والمكان. وإلا
فكيف يتأتى لها أن تمتلك قدرة توجيه الفعل والحياة والتاريخ؟
أختتم هذا
الاستعراض بالقول إن كتاب «إمبراطورية» فيه الكثير من الأمل
والحكمة. أما الأمل فهو في النضال لتخطّي الرأسمالية التي غدت في
تغييرها العميق للعالم خطراً على الحياة كوجود وكمعنى. وأما حكمته
فهي عدم استباق التاريخ بنظرية جاهزة، فالعبرة أو العاقبة لا تأتي
إلا في نهاية الطريق، إنْ وجدتْ فعلاً. لهذا يفتتح صفحاته الأولى
بمقطع عميق الدلالة للمفكر الطوباوي الأنكليزي وليام موريس، يقول
«قد يقاتل الناس في معركة ويخسرونها، غير أن القضية التي قاتلوا من
أجلها تتحقق رغم اندحارهم، ثم يتبين لاحقاً أن تلك لم تكن القضية
التي قاتلوا من أجلها، ينبغي على أناس آخرين أن يقاتلوا من أجل ما
قصدوه تحت اسم آخر». قد يوحي هذا المقطع بنوع من الالتباس، إلا أن
فكرته بسيطة وتتضمن إمكانية إبدال الفاعل التاريخي أو القضية
التاريخية. فقد يصل الفاعل التاريخي (الطبقة، الأمة أو الحزب) إلى
منتصف الطريق أو يفشل في بلوغ غايته، غير أن قصوره أو فشله ليس
شأناً سلبياً، ففي سياق صيرورة التاريخ يمكن أن يظهر دائماً فاعلون
جُدّد. كذلك قد لا تتحقق القضية بالصورة التي أرادها أصحابها، بل
يجيء تحققها كنتيجة عرضية لصراع يتعدّد المنضوون تحت راياته
ويتكاثرون، وتزوغ قضيته وتتباين ملامحها مرة تلو الأخرى. في هذا
الإبدال والتناوب والتحوّل تتجسد جدلية حركة التاريخ التي حاول
مؤلفا كتاب «الإمبراطورية» الإمساك بها وتخليصها من القيود
المثالية للتفكير الجدلي بنسخه المدرسية. فالحقائق والصراعات
الملموسة عصيّة دوماً على القولبة في معادلات مغلقة ذات نتائج
محددة مسبقاً.
(*) عنوان الكتاب
بالإنكليزية هو:
Michael
Hardt & Antonio Negri : Empire, Harvard University Press, 2000.
الثقافة الجديدة
عدد 309/2003، ص ص 60 - 69
--------------------------