هل طوت ثورة تموز 1958 فصلها الاخير؟ - كامل شياع

 

    الحاضر يخبرنا عن الماضي اكثر مما يخبرنا الماضي عن الحاضر, والظاهرة الاكثر تعقيدا تكشف أسرار الظاهرة الاقل تعقيدا, وليس العكس. من هذا المنظور سأناقش ثورة الرابع عشر من تموز التي  احتفل العراقيون بذكراها الخامسة والاربعين. الفكرة المطروحة هنا ان  الحقبة الجمهورية الاولى التي دشنتها تلك الثورة قد طوت فصلها الاخير يوم  سقوط بغداد في التاسع من نيسان الماضي. في ذلك اليوم ، حانت نهاية حاكم مستبد وتهاوت صروح نظام شرس جلبت سياساته كوارث للعراق والمنطقة.

 

    الا ان القصة لا تقف عند هذه الحدود. فازاحة الحاكم ونظامه انطوت, برأينا, على ازاحة المشروع التاريخي للحقبة الجمهورية الاولى. التزامن بين هاتين النهايتين يبدو اشكاليا. فهناك اختلافات بينة, أيديولوجية وسياسية, تميز الاولى عن الثانية, وهناك ايضا تشابهات عديدة بينهما لايصح اغفالها.

 

    فالثورة التي هيمن على سنواتها الاولى اتجاه برجوازي ديمقراطي وطني مدعوم  من اليسار, انتقلت قيادتها الى تحالف قومي بعثي هش تصادمت اجنحته بعنف قبل ان يستقر الامر للبعثيين منذ عام 1968. في سياق الانتقال صعد رجال وغيب اخرون, وبرزت رموز وطمست اخرى. اما المحصلة الاخيرة , التي تتجاوز ادوار  الرجال وافهالهم, فجاءت بجواب حاسم على الصراع المحتدم بين الخطاب القومي الوحدوي والخطاب الوطني العراقي لصالح الاول. وهذا وجه اساسي من وجوه الاختلاف. اما عن التشابه فمن علاماته موقف جذري ازاء القطاعات الاقتصادية الرئيسية ( النفط, الزراعة والصناعة).  ومن علاماته ايضا ان غلبة الخطاب والشعار ما كانت الا مسألة شكلية, الغلبة الحقيقية كانت للأستحواذ على السلطة والانفراد بها؛ وأن الميل الى حكم مركزي صارم وجد تجسيداته طيلة خمسة واربعين عاما في التعامل مع قضايا المجتمع ككل, والقضية الكردية, بشكل خاص.

 

    هكذا نجد أنه رغم اختلاف الأولويات, فأن العديد من المقدمات السياسية التي أرسلتها ثورة تموز 1958, اّلت فعليا الى نتائج اقترنت بحكم البعث. هل كانت تلك المقدمات تسمح بنتائج مخالفة؟ نعم, ولكن فقط على صعيد التصورات النظرية والاحتمالات المجردة, حيث لا حاجة هناك لأن نضع في الحسبان الضرورات الملموسة  والمصادفات المفاجئة, ولا الظروف المتغيرة, ولا ادوار الافراد. على هذا المنوال يمكن ان ننسج حكايات وروايات, لكننا سوف لا ندرك  أين بدأ التاريخ الفعلي وأين توقف, ولا نقترب من مادته الصلبة التي صنعتها تلك العوامل مجتمعة.

 

    احتلال امريكا للعراق حدث فاصل حول كل " الثورات" والانقلابات والنزعات,التي شهدها العراق طيلة السنوات  الخمس والأربعين الماضية, الى تفاصيل في مسار حقبة واحدة, نسميها الحقبة الجمهورية الأولى. لنبدأ من البداية, ولنتوقف أولا عند الحدث المؤسس لتلك الحقبة, في كتابه (( الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق)) أورد حنا بطاطو ملاحظة عميقة, تستوقفني دائما, فحواها أن ما حصل في العراق عام 1958 لم يكن مجرد تغيير شكلي في الحكم , فالمسألة لم تقتصر على انهاء الملكية واضعاف مواقع الهيمنة الغربية على المشرق العربي, بل جلبت تأثيرا عميقا لمصائر جميع الطبقات. لذلك يستخلص بطاطو أن (( الثورة بقلبها لبنية السلطة القديمة,والتشكيلة الطبقية القديمة  قد أخلت بالتوازن القلق بين مختلف الجماعات الأثنية والطائفية في العراق, وبشكل اساسي بين العرب والاكراد والشيعة والسنة, وذلك نتيجة لتباين مستويات التطور الاجتماعي لهذه الجماعات , لهذه  الاسباب , علاوة على الانقلابات المتكررة, فان الثورة ما زالت في طور صيرورة, ومن غير المؤكد أنها ستبلغ حالة توازن اجتماعي دائم في المدى المنظور)) (عن الطبعة الانكليزية ص 807 ) .

 

    حقا, ان ثورة تموز 1958 دشنت سياقا تاريخيا يختلف جذريا عما سبقه من نواحي القضايا التي تبنتها, القوى المحركة لها, والافق التاريخي لمشروعها التحرري. لنصف أولا , بخطوط عريضة, تلك المحددات الثلاثة للثورة. فقضاياها الأبرز تمثلت في انهاء الحكم الملكي ومعه التبعية للأستعمار البريطاني, استكمال عناصر السيادة والاستقلال, تقليص العلاقات الاقطاعية  وتحرير الثروة النفطية, بناء نظام سياسي تمثيلي يتبنى الديمقراطية وحل القضية الكردية. اما قوى  الثورة  فضمت أحزابا علمانية,من برجوازية وطنية وشيوعية وقومية، وكان الجيش ذراعها  الضارب. فيما يخص أفقها التاريخي فقد توفر على خلطة من أهداف بدت مترابطة في وقتها, حيث اقترن اتباع سياسة الحياد الايجابي مع تقارب مع الدول الاشتراكية, واقامة حكومة وطنية مع تمهيد لوحدة عربية, وتدشين تعددية سياسية مع مفهوم تقليدي " كاريزماتي" للرئاسة.

 

    والان , بعد سلسة من المنعطفات الحادة والمغامرات المدمرة, يبدو أن تلك المحددات قد استنفدت زخمها, وبلغ العراق طريقا مسدودا. مؤشراته لاحت في غزو الكويت عام 1990, ثم تفاقمت خلال سنوات الحصار القاسي الذي فعل فعله في شلّ النشاط الاقتصادي, وخلخلة سطوة الدولة ( باستثناء وظيفتي القمع والفساد) والاخلال بتوازن المجتمع نتيجة احياء العشائرية والطائفية وبروز  ظاهرتي الفقر والأسلمة. بعد سقوط نظام صدام  الذي كان الثمرة المرّة لنبتة طيبة. نسأل: أما زالت هناك امكانية عودة, للأستئناف أو التصحيح, باتجاه مرحلة ثورة 1958 بقضاياها وقواها وافاقها؟ وهل يسمح الاختلاف بين الزمنين, وهو أمر لايمكن تفاديه موضوعيا, بالادعاء ان الحقبة التاريخية طور التأسيس قد طرت لصوت سابقتها نظريا, وستنسخها فعليا بصورة تدريجية؟

 

    على السؤال الأول نجيب بالنفي, فليست هناك مهمة مركزية ثابتة تنتظر استئنافها, بل هناك صيرورة متعرجة ومعقدة تضمن تراجعا وتقدما دائميين. ولا يكفي الاقرار بحتمية دخولنا التاريخ العالمي للرأسمالية كي نسبغ التماثل على المرحلتين, لان تلك قضية مفروغ منها. المهم هو تشخيص الاشكال المتاحة والحالات الظرفية لعملية الدخول, وهنا تجتمع مصادفات ومفارقات من شتى الانواع , منها أنه خلال عمرها القصير, انزلت ثورة تموز ضربة قوية بالعلاقات ما قبل الرأسمالية. ومهدت لسيادة الوعي المديني على الوعي الريفي , وعززت عوامل التماسك الاجتماعي والوطني مقابل عوامل التفتت الطائفي والقومي والاثني. أما اليوم, حيث المطروح هو التحول الحاسم صوب العلاقات الرأسمالية في الانتاج , فنلاحظ أن الأساس السياسي والاجتماعي لهذا التحول يقتضي الاعتراف بالعلاقات التقليدية ما قبل الرأسمالية, وربما تكريسها الى حين يطول او يقصر. ولكوني لا اعتقد بالمسار الخطي للتاريخ( رغم ايماني بالتطور), اظن أنه سوف لا يترتب, بصورة مباشرة, على التحول الجاري في العراق تفتيت منظومة الولاءات التقليدية - العشائرية والدينية - والقيم الأبوية التي تعزى الى نمط الحياة ما قبل الرأسمالي. الأرجح أن هذا التحول سيقود, ضمن المدى المنظور, الى نموذج هجين ( بالمقارنة مع نظيره الغربي) لعلاقة الدولة بالمجتمع, التقاليد المتوارثة بأنماط الحياة الحديثة, الدين بالسياسة ؛ نموذج يؤمّن شروط  التبعية للرأسمالية " الفعلية" دون أن يستهدف صهر مكونات  المجتمع, الاصلية أو المصطنعة, في قوالب  سياسية جاهزة مستمدة من تراث النزعة الانسانية والقيم اللبرالية. ومن تعايش العناصر المتناقضة لهذا النموذج, تنبثق نسختنا الخاصة من مشروع الحداثة التاريخية.

 

    وعلى الثاني نجيب بالأيجاب. فثمة بوادر تحول تاريخي، من دولة تسلطية أخذت مدياتها الكاملة في زمن حكم البعث, الى دولة " ديمقراطية " طور التأسيس . الامر يتعلق  بقضيتي الوظيفة الاقتصادية للدولة, وطابعها التمثيلي وسلطتها الفعلية. وهذا برأيي , هو الخط الفاصل بين عهدين تاريخيين. خلال السنوات الخمس والاربعين الماضية, لم تتقاطع القضيتان المذكورتان بهذه الحدّة , ولم تطرح مراجعة شاملة لمضمون الدولة الوطنية, لغرض الانتقال بها من دولة الحزب الواحد والقائد الواحد والأيدلوجيا الواحدة الى دولة الشعب أو الأمة القائمة على  التعددية وضمان  الحقوق السياسية للأفراد والجماعات والقوميات والأعراق  والطوائف. ولئن تبدّت لنا الصعوبات الفعلية الجمّة التي تعترض عملية الانتقال, فأن صورته قد حلّت في المخيلة الاجتماعية لقطاع واسع من العراقيين. والا كيف لنا ان نفسر قبول فئات واسعة من المجتمع العراقي بعلاقات السوق, وبالخطاب السياسي المروج  لها. ما يحصل في العراق اليوم يعيد الى الأذهان ما حصل في مصر على يد أنور السادات, أو في دول اوربا الوسطى والشرقية بعد سقوط النظم الاشتراكية فيها. بطبيعة الحال, فان الاعتراف بهذا التحول لا يعني السكوت على النتائج الضارة, اجتماعيا واقتصاديا, المترتبة عليه. وهنا نقطة الافتراق بين قوى اليسار وسواها من القوى.

 

من بوادر التحول نشير الى المعطيات التالية:

- ان الاحتلال الامريكي البريطاني لا يمثل عملية عابرة, لأنه يشي بسمات تحول في تاريخ العالم نحو نظام جديد للهيمنة الامبراطورية المترابطة مع ظاهرة العولمة المتسارعة للشروط  الاقتصادية  والسياسية والثقافية. ويمكن اعتبار العراق حقل اختبار لقدرة الامبراطورية الأمريكية على بناء دول حديثة بمواصفات مفروضة من الخارج, اي بمواصفات تتعارض, جزئيا او كليا, مع مفهوم كان سائدا للادارة  الوطنية المستقلة.

- لا يوحي برنامج اعادة البناء السياسي والاقتصادي المقترح للعراق، أن هناك اهتماما خاصا بالمسألة الاجتماعية التي كانت من أولويات حقبة ثورة تموز.

- دخول  الاسلام السياسي, والخصوصية الثقافية اجمالا, كطرف في معادلة الصراع لتأسيس الدولة العراقية الجديدة . في حقبة تموز الممتدة لخمس واربعين سنة, كان التمثيل السياسي للدين ذا طابع ضمني غير معلن. ولم يحدث قبل اليوم ان وضع شعار الحكومة الاسلامية موضع اختبار, كما لم يحدث أن حظيت قضية الديمقراطية والتعددية بهذه الدرجة من الاجماع.

- انكسار ما يسمى بالمشروع القومي العراقي, وظهور تمايزات ملموسة وافتراق فعلي, قد يكون مؤقتا , بين الخيار الوطني والخيار القومي العربي.

- زوال خطر الشيوعية على الصعيدين المحلي والدولي.

 

    باختصار, ما يحصل اليوم لا يوحي باستئناف مهمة تاريخية كان قد طرحها الماضي, او بعودة نحو برنامج شوهته التطبيقات العملية أوخانته التفسيرات السياسية. ماحصل هو طرق امكانية جيدة للتطور ضمن شروط الرأسمالية المعاصرة, وذلك عقب رحلة خائبة قادتها دولة ما بعد الاستقلال ذات الاغطية الأيدولوجية المتباينة. في تمييزي لحقبة ثورة تموز 58 عن الحقبة الحالية, انطلقتُ من محدّدات ثلاثة هي: القضايا الرئيسية, القوى السياسية والأفق التاريخي.

والمحدّد الأخير أهمّها , برأيي , فهو يحتوي المحدّدين الأخرين ويكيَف محتواهما وتجلياتهما.

    هذه الصورة الأولية عن نهاية حقبة وبداية أخرى مختلفة عنها جذرياَ, تتجاذبها لغتا الوصف والحكم اللذين لا يمكن أن يكونا حياديين ومجردين من الأغراض تماما. والغرض الذي أدركه تمام الادراك أن ما ذهبت اليه لايرمي الى التسليم بالأمر الواقع على حساب فكرة التغيير, ولا يدعو الى نبذ المبادئ والأيديولوجيات للدخول في منطق المساومات والحلول العلمية. في الوقت  نفسه, ما عاد مجديا تكرار المسلمات الجاهزة عن الخصوصية والهوية والتحرر, وما يصدر عنها من ترجمات سياسية متباينة. المهمة المطروحة حاليا تدعو الى انتاج تلك المسلمات في شروط تاريخية حديدة, وضمن صراع مفتوح الاّفاق. لا القومي ولا الأسلامي ولا الليبرالي ولا الماركسي هو نفس من كان يوم لم تكن أمريكا قد وضعت يدها على العراق.

 

    تأشير الخطوط الفاصلة مع اشكاليات الماضي وامكانياته غير المتحققة وافاقه المتخيلة, لا يعني نهاية الصراع على الحاضر والمستقبل. والصراع يدور حول الحريات الخاصة  والعامة,حول العقلانية والعدالة الاجتماعية.

 

الثقافة الجديدة عدد 310/2003، ص ص 54 – 57.