رحلتَ هادئاً ..
وهذا الصيف كئيب-
كامل شياع
فجأة، رحل عبد
الأمير الحبيب عن عالمنا تاركاً وراءه فراغاً موحشاَ. مكتب المجلة
في أبي نؤاس ما عاد ذلك المكتب الذي تقاسمناه مرتين أو ثلاث مرات
في الأسبوع طيلة السنوات الأربع الماضية. جلست وحيداً، اليوم،
لأكتب نعيّه إلى جريدة " طريق الشعب". لم أصدّق أنه غاب إلى الأبد
حتى سطّرت كلمات النعي الأولى، وانسكب الدمع مع الكلمات حتى صار
بكاءً مرّاً.
على الطاولة
لفظ ذلك الشيوعي الأصيل نَفَسه الأخير، جالساً وهو يصحّح النسخة
المعدة للطبع من وثائق المؤتمر الثامن للحزب الشيوعي. كان الحزب
ملاذه الأنيس وواجبه اليومي وولاؤه الثابت.
حين توقف نبض
قلب أبي أثير، تاركاً وراءه مهمة لم يقوَ على إنجازها، كان الوقت
عصراً واليوم هو آخر خميس من شهر تموز القائض.
كالباحث عن أثر
من آثاره، فتحت أدراج مكتبه علّني أجد نسخة من مجموعته القصصية
اليتيمة "في انتظار الزمن القادم". لم أجدها بين كتب النحو
والإملاء. نظرت إلى مقعده بشيء من الرهبة، لم أجرؤ على الجلوس
عليه... فتركته ينتظر صاحبه لأيام أخر... علَه يعود.
من سيرة حياته
روى لي عبد الأمير الحبيب نتفاً ولقطات:
ـ كان يعتز بعمله
المبكر في مجلة المثقف بعد ثورة تموز 1958. حدثني باحترام خاص عن
معلّمه الأبرز علي الشوك الذي إشتغل معه في تلك المجلة، ونشر له
أول قصة قصيرة فيها.
ـ شارك في حركة حسن
سريع عام 1963، وكان آنذاك طالباً في كلية التربية وأعتقل بعد
إجهاضها. قال لي إنه شكّ بقدرته على الصمود أمام الحرس القومي
والشرطة في المعتقل. وكاد أن يستسلم للمحقق لولا صفعة مفاجئة أتته،
فأعادت إليه تماسكه وإصراره.
ـ غادر العراق إلى
الجزائر ليعمل مدرساً في إختصاصه: الرياضيات، قبل أن يعود منها عام
1977. " كان ينبغي عليّ ألا أعود في ذلك الوقت" قال لي مستدركاً:
فلم تمض سوى شهور معدودة قبل أن يتدهور الوضع السياسي... وتنقضّ
أجهزة البعث على الشيوعيين والديمقراطيين.
- من الجزائر واظب
على كتابة رسائل ثقافية لـ "طريق الشعب"، وكتب مقالات لجريدتي
"الشعب" و "الشرق" الجزائريتين وعقد صداقات مع الطاهر وطار وأدباء
ومثقفين آخرين.
ـ أطلعني قبل شهرين
أو ثلاثة على عدد من مقالاته القديمة، وكان واحداً منها عن تجربة
عبد الرحمن مجيد الربيعي. من القراءة الأولى وجدت أن الحبيب كان
يوماً كاتبا جيداً، لكنه للأسف هجر الكتابة.
قد يكون ذلك
خياراً أراده لنفسه، لكنني أُعزيه إلى القسوة الإستثنائية لسنوات
الثمانينات والتسعينات، التي أسقطت العراقيين في دوامة من الخوف
والقلق وحولت الهمّ الثقافي إلى ترف زائد. سنوات الحصار أجبرت
الحبيب على أن يعمل سائق سيارة أجرة، وكان يدين بالعرفان لسيارة
الـ "رينو" القديمة التي تحولت إلى ملجأ له في بعض الليالي.
قبل عدة
أسابيع، وصل المكتب متأخراً، وكان عائداً للتو من محطة الوقود في
أيام أزمة لا تنتهي، أوقفته في طابور المنتظرين لأكثر من عشر
ساعات. الشمس الحارقة والحرّ الشديد تركا أثراً واضحاً على سحنته
وصوته. غضبت عليه ورجوته أن لا يفعلها مرة أخرى.
بعد سقوط نظام
البعث في 9 نيسان 2003، عادت له الروح فانطلق يجمع من بقايا الوهج
الثقافي لعقد السبعينات مداداً لزمن جديد. وحين خبت وعود هذا الزمن
صار أكثر مرارة مما آل إليه حال الوطن والناس.
حين افترقنا قبل
رحيله بيومين، شكا لي من العمل المرهق في الجريدة... لم أتخيّل
أنني سأبادله آخر كلمة وداع وهو على قيد الحياة. مضى عبد الأمير
الحبيب إلى عالم الأموات سريعاً هادئاً ... يحمل معه هموم صيف
كئيب، ولوعة من موت جارف أكتسح حرمة الحياة.
عليّ، من الآن،
أن أعتاد دخول مكتب "أبو نؤاس" دون رؤيته مسمّراً في مكانه، محدقاً
كالصقر في صفحة من صفحات الجريدة، دون الإنتباه إلى إشاراته
الوردية بين الكلمات، ودون سماع صوته مرحباً أو آمراً.
حزنت من الأعماق
لغيابك المبكر يا أبا أثير.
نشرت في جريدة "
طريق الشعب "
------------------