مقابلات وحوارات
صحفية -
كامل شياع : وحدة
المجتمع في الأزمات التأريخية شـــرط
ضـروري
لنجـــاح الدولة
- حاوره
حسام السراي
يرى الكاتب
والباحث كامل شياع، ان منظمات المجتمع المدني
بعد
انتشارها الكبير تحولت الى جماعات شبه مستلبة ذات حضور وقتي قائم
على ردود
الأفعال،
ولنا اليوم أسباب حقيقية في اعتناق الخيار التاريخي
لتأسيس نظام
ديمقراطي في العراق. فالميل نحو ذلك قوي وواضح وفق ما
يعتقد ويشير
الى ضرورة ان نبقى نسلم بأهمية وجود منظمات المجتمع المدني، لان
تذبذب
نشاطاتها
ناتج عن تعددها، ويؤكد على وجود جهد حقيقي مبذول لمعالجة قضايا
مصيرية تخص
العراقيين
وملامح الدولة الناشئة عبر آلاف المقترحات المقدمة بشأن الدستور
ومئات
الندوات
التي عقدت لمناقشة ذلك، مبينا ان المنظمات التي تتحول الى واجهات
لأفكار
تقليدية
ليست ضمانا للتحول الاجتماعي المطلوب. ولم يجد إشكالية في دخول
الناشطين
السياسيين
الى المنظمات شرط احترامهم خصوصيتها، وان السياسي الذي يراهن على
هذه
المنظمات
لحل مشكلات مجتمعية واهم جدا. كما نوه الى ان التجربة البرلمانية
في
العراق،
ستخلف بلا شك طبقة سياسية من كل الأحزاب قائمة على الإجماع
والاختلاف في آن واحد، لحل قضايا ملتهبة لا يواجهها إلا البرلمان
الذي يصنع طبقة سياسية تختلف تماما
عن الأحزاب
التي اعتادت ان تكون بعيدة عن بعضها وتعمل بشكل عدائي. وفي مجال
الجمع
بين
الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية، لا يجد إمكانية
لتحقق ذلك في العراق، لأننا لا نملك دولة قوية والاقتصاد العراقي
غير إنتاجي. وعن إدراك هويتنا
كعراقيين
ولحظة التماهي- بحسب رأيه- بين الدولة والمواطن يجد تحقيقها مهما
لنحصل على دولة ذات هيبة ومواطن حر.
قوى الضغط بين
الدولة والأحزاب
* هل
تعتقد ان
منظمات المجتمع المدني، استغلت إخفاق الأحزاب السياسية وفشلها في
تحقيق
مطالب
المواطنين؟
- نشأت
منظمات المجتمع المدني في العراق في أوقات
مختلفة، غير
ان نشاطها ظهر واضحا وملموسا في الفترة التي تلت سقوط النظام 2003،
وكان
هذا رد فعل
طبيعي لقوى اجتماعية مشلولة، ولاحتكار السلطة وهيمنة الحزب الواحد
والدكتاتورية على الحياتين العامة والخاصة، فظهرت منظمات اجتماعية
ثقافية إنسانية
وغيرها نهلت
من مناهل التحولات الديمقراطية الجارية في العالم وأصبحت جزءا من
رهان
دولي على
ترسيخ الديمقراطية في العراق. وارى من الصعب القول إنها أخذت مكان
الأحزاب
لأنها
موجودة بالتوازي معها (أي الأحزاب) وهي أيضا في الجانب النظري تلعب
دورها
بوجود حياة
سياسية تعددية، ونرى ان منظمات عديدة اتجهت لممارسة السياسة بعد
ثبوت
فشل الكثير
من الأحزاب التقليدية والأيديولوجية والسلطات القمعية عن أداء
واجبها،
وجذبت
أعدادا ونخبا راقية الى عملها، الإشكالية التي تحيط بها أنها ترفع
قضايا
مطلبية وهذا
ما يضعها في حدود الظرف والآنية، بمعنى أنها ليست أحزابا تمتلك
مشاريع
سياسية
متكاملة لكنها تصلح ان تكون قوى موازية وقوى ضغط ضرورية بين الدولة
والأحزاب
وبين
المجتمع والحكومة، من دون ان تكون بديلا لهذا الطرف أو ذاك، أصالة
دور
المنظمات
تتمثل بوجود حاجات حقيقية وغير مفتعلة، وشاهدنا انتشارا كبيرا لها
وبدت
كما لو أنها
أشكال مصدرة ولا تخلو من الافتعال في قدرتها على تحريك قضايا
فعلية،
فبدلا من ان
تكون رقيبا على عمل الدولة والسلطة وحافزا لتحريك المجتمع تحولت
الى
جماعات شبه
مستلبة ذات حضور وقتي قائم على ردود الأفعال، مما يشير الى
اعتمادها على
قوى خارجية
ويجعل الشك قائما على شرعيتها وفي قدرتها على ان تصبح طرفا مساهما
في
إعادة دمج
المجتمع وليس تفتيته، ولكي تكون قوى مكملة للمجتمع، وليست هدامة
لمشروعة
يجب توفر
مؤسسات دولة وأحزاب ونظام سياسي تعددي.
وحدة المجتمع..
نجاح الدولة
* منظمات
مجتمع مدني بعدد
كبير
وبنشاطات متذبذبة، كيف لنا ان نسلم بأنها من ضرورات النظام
الديمقراطي وهي على هذا الحال؟
- لا توجد
وصفة جاهزة لطبيعة المجتمع الديمقراطي، وبالتأكيد
هناك تنوع
كبير في عملية تشكله وباشرنا بالفعل في العراق بوضع لبنات أساسية
لقيام مثل هذا المجتمع، ولنا أسباب حقيقية لاعتناق هذا الخيار
التاريخي بعد تعاقب النظم
الدكتاتورية
على حكم العراق، وكذلك التجربة البرلمانية الكسيحة التي مررنا بها
في العهد الملكي، فالميل نحو الديمقراطية قوي وواضح، وهناك من
يدافع عن ذلك فوجود
منظمات
بنشاطات متذبذبة ظاهرة تستحق النقد لكنها لا تنفي ضرورة وجودها،كما
أنها لا
تنفي وجود
أحزاب سياسية ومنه لا يمكن بناء الديمقراطية إلا من خلال التعددية
وإقرار
الحقوق
للجميع بعد ضمان المساواة وقدرة جميع الفاعلين الاجتماعيين على طرح
الشأن
العام
والتداول فيه، فتبدو الاتجاهات التي تسير بها العملية الديمقراطية
في بلدنا
متنافرة
لأول وهلة وكأنها ليس بالإمكان ان تصب في نهاية محددة لكنها لابد
ان تنتهي
الى شكل من
التبلور لان مشاكل العراق السياسية تعني فشل المجتمع في التعبير عن
نفسه
وإيجاد
مقومات أساسية لوحدته فتم ترحيل كثير من القضايا الاجتماعية
وتحويلها الى
قضايا
سياسية وأصبحت موضع صراع يسهم في إضعاف المجتمع بطبقاته وفئاته
ومكوناته
الثقافية
والاجتماعية التي هي أساس لانبثاق الدولة ولا يمكن تخيل دولة تنشئ
مجتمعا
بطريقة
اصطناعية خاصة في مجتمع عريق كالعراقي، فنحن لا نتكلم عن مجتمع
مهاجرين إنما
له جذور
عميقة وتاريخ طويل حتى من الصراعات والتناحرات الطائفية والعشائرية
والطبقية
غير ان وحدته في الأزمات التاريخية شرط ضروري لنجاح الدولة، أخيرا
إذ ظهر
لنا ان
نشاطات المنظمات وحتى السياسية منها لا تصب في غاية التحول
الديمقراطي في
البلد فيجب
ان نبقى نسلم بأهمية وجودها، فهذا التذبذب الناتج عن التعدد، فضلا
عن
عوامل
داخلية وخارجية جميعها تحفز حركية المجتمع الذي لا يمكن ان يكون
ديمقراطيا
بلا توتر،
فالديمقراطية بقدر ما تحتاج الى التوافق تحتاج الى التوتر بين
السلطات
وبين الدولة
والمجتمع وبين الحيز الخاص والعام وعلى مستوى الحقوق ومن سمات
الطرح
الديمقراطي
انطلاقته من فكرة مفتوحة للمواطنة بدخول عناصر جديدة للمجتمع تنعكس
ايجابيا على
حركيته وتحوله.
معارك فكرية
وثقافية
* تتحدث عن
الفاعلين
الاجتماعيين
ومن ضمنهم النخب المثقفة والناشطين في المنظمات ألا تعتقد أنهم
تقاعسوا عن دروهم في التثقيف بمبادئ أساسية في عملية التحول التي
نشهدها؟
- ان
عددا غير
قليل من منظمات المجتمع والنخبة المثقفة والاكاديميين ورجال
السياسة لعبوا
أدورا كبيرة
وقدموا خدمات جليلة في مجال بلورة وعي اجتماعي عام يمسك بتلابيب
التكوين
الاجتماعي المفتت ويعيد له وحدته المفقودة. فاذكر ان آلاف
المقترحات قدمت
بشأن
الدستور ومئات الندوات عقدت لمناقشة قضايا الدستور وإثارة القضايا
الخلافية
وشمل ذلك
بغداد وبقية المحافظات، مما يؤشر جهدا حقيقيا لمعالجة قضايا مصيرية
تخص
العراقيين
وملامح الدولة الناشئة وساهم فيها المجتمع المدني وهي بحد ذاتها
معارك
فكرية
وثقافية ونظرية ومع الزمن ستظهر النتائج التي تحققت وتراكمت
نتيجتها أي أنها
ستؤدي الى
الأهداف المطلوبة ضمن شروط محددة في عملية التحول الديمقراطي التي
هي
ليست خاضعة
لوصفة مسبقة، بل ان المفاهيم هذه كلها أظهرت أنها غير ذات صلة بما
يجري
في الواقع
على مدى الثلاث سنوات الأخيرة، فهناك جوانب تناحرية وجوانب اتفاق
وتسويات
سياسية
أيديولوجية وتغليب للجانب الأخير سيفضي الى تحقق إجماع على مبادئ
التعايش
السياسي
الذي لا ينشأ من دون توفر الثقة والتي فقدت بين فئات مجتمعية
مختلفة ومناطق
وقوى سياسية
وأننا لكي ننتقل من نظام دكتاتوري الى ديمقراطي تعددي فيدرالي يجب
ان
تتحقق هذه
الثوابت اللازمة لذلك ولكن بين الثوابت والمصالح المختلفة مسافات
كبيرة
للمناورة
والالتفاف والصراع حول السلطة والثروة. ان السعي لزرع جسور الثقة
مطلوب
وكلنا نعرف
أنها فقدت لفترة طويلة بين الموظف والدولة والموظف وزميله والمحكوم
لا
يثق بالحاكم
هذا التدهور الكبير نحاول الآن تجاوزه بجهود ومحاولات الأقلام
الشريفة
ودعاة حقوق
الإنسان والسياسيين الناضجين.
مجتمع مدني .. آخر
أهلي
* برأيك أين
الخلل ان أصبح المنتمون لأحزاب سياسية أعضاء في منظمات مجتمع مدني؟
-
فكرة
المجتمع
المدني، قد
طرحت في منطقتنا (ارتباطا بالوضع العراقي) منذ التسعينيات واعتبرت
علاجا
شافيا
لتحديث المجتمع الذي أنهكته الدكتاتورية والحكومات العسكرية ونظام
الحزب
الواحد كرد
فعل على كل ذلك وعلى المنظومات الأيديولوجية التي تبنتها الأحزاب
وخاصة
الشيوعية
منها ومنه نشأت فكرة المجتمع المدني، الذي يراهن عليه كبديل عن
الطبقة،
وسلمت
الطبقة العاملة هذا الدور له بعد انتهاء دورها، فأصبح هذا البديل
يمثل قوى
وسطية
متنورة مشحونة بقيم
حقوق
الإنسان والحريات تؤمن بالسوق والديناميكية المدنية
وراهن عدد
الكتاب والباحثين العراقيين على تحويل المنظمات الى حامل للتغيير
الاجتماعي
المطلوب، بعد عجز الدولة والأحزاب السياسية التقليدية عن ذلك، غير
انه لا احد يضمن ان تتشكل في بلداننا منظمات تضمن استمرار عملية
التحديث المطلوبة
لمجتمعاتنا،
لأنها يمكن ان تكون حاملة لأفكار تقليدية أي لبوسا لمنظمات أهلية
وهناك
فرق بين
مجتمع مدني وآخر أهلي وهنا ربما تتحول الى واجهات لأفكار تقليدية
ومن ثم هي
ليست ضمانا
للتحول الاجتماعي المطلوب، فلا اعتقد ان هناك مشكلة لو دخل ناشطون
سياسيون في
المنظمات شرط احترامهم خصوصيتها والتمييز بين النشاط السياسي
والمطلبي، والمنظمات تدخل في إطار الحقوق المطلبية لأنها لا تتولى
مهمة تغيير العالم. إنها
محاولة سد
الثغرات الموجودة بين السلطة وخلق التفاعل بينهما لا أكثر ولا اقل
فهي لا
تحمل مشروعا
تاريخيا بدليل أنها متنوعة بشكل يصعب حصره تبدأ من البيئة ولا
تنتهي
بالمرأة
وحقوق الإنسان، ان تحرك السياسيون عليها ونشاطهم فيها باعتبارهم
أعضاء في
منظمات لها
استقلاليتها لا يوجد أي شك عليه، ولكن ان حصلت وفكر البعض أما
بتجييرها
لصالح أحزاب
محددة فهذا قصور في السياسة وفي الوقت نفسه السياسي الذي يراهن على
هذه
المنظمات
لحل مشكلات المجتمع بعد عجز السياسة واهم جدا وظاهرة اختراق
السياسة
للمجتمع
المدني لن تدوم طويلا لعدم امتلاكها أسباب الديمومة ويبدأ هنا
أعضاء
المنظمات
يدركون أنهم أما يناضلون من اجل قضايا مطلبية أو يؤطرونها بإطار
سياسي
وتصبح
القضية بحثا عن مواقع نفوذ وامتدادات في عمق المجتمع، في حين أنها
إثارة
قضايا حيوية
لتحريك المجتمع وليس مناطق نفوذ سياسية أو حزبية.
الخلاص من
الفرص
التدميرية.
*
بالاستناد الى ما
ذكره المحامي حسين جميل في كتابه (نشأة
الأحزاب
السياسية) عن ظهور أحزاب وتطورها بفعل تجارب برلمانية في العالم
أنستطيع ان نلمس اتجاها مماثلا لذلك في العراق؟
- التجربة
التعددية تأخذ شكلها
وإطارها
العملي من خلال البرلمان ولاستمرار أي نظام برلماني يجب ان توجد
طبقة
سياسية
لازمة لديمومته، ففي تركيا التي بدأت بنظام دكتاتوري استخدمت
البرلمان
كواجهة
لسلطة عسكرية أثرت على إعادة هيكلة المجتمع التركي الخارج من هزيمة
كبيرة في
الحرب
العالمية الأولى بتراثه الكامل من التسلط والاستبداد العثماني
وكانت الصراعات
واضحة بين
اليسار واليمين متمثلة بحزب اليسار التركي والجمهور التركي، فبقت
السلطة
العسكرية
خارج العملية السياسية لكنها مسكت بكل مفاتيحها وفي إيران مارست
السلطة
نوعا من
الرقابة على الحياة البرلمانية بعد عام 1979، ومع كل هذه المحددات
والتأطيرات
على سلطة البرلمان إلا انه فرز طبقة سياسية لان البرلمان مختبر
فعلي
للعملية
السياسية واستمرار التقاليد البرلمانية يعيد صياغة البرامج
والأحزاب
السياسية
ويشذب الأيديولوجيات باتجاهات أكثر براغماتية كما في ايطاليا التي
تشكلت
فيها أكثر
من 49 حكومة منذ الحرب العالمية الثانية بينما بريطانيا من عام
1760 وحتى
تغيير بلير
فيها 53 تغييرا وزاريا أي أكثر من 300 سنة، وفي 50 عاما فاق عدد
الحكومات
الايطالية ما يقابلها في بريطانيا بما ساعد على التطور الاقتصادي
الذي
شهدته
ايطاليا وهو اقتصادي قوي في أوروبا ونلمس هذا بشكل واضح على مستوى
حياتهم
ايطاليا في
السبعينيات ليست كما هي عليه في التسعينيات أو ما بعد الألفية
الثالثة
اليوم هناك
قدر عال من الرفاه على مستويات كثيرة، هذا بفعل اعتماد مسالك
ملتوية
طويلة النفس
ضرورية للعملية السياسية تخلصها من الفرص التدميرية والانقلابات،
وفي
العراق
ستخلق التجربة البرلمانية طبقة سياسية من كل الأحزاب قائمة على
الإجماع
والاختلاف
في آن واحد وقائمة على الأرضية الأساسية لإدارة العملية السياسية
كعملية
نيابية
تستند الى الشرعية ومسرحا لصراعات ضارية حول قضايا كشكل الدولة
والسياسة
الاقتصادية
وما يتعلق بالنفط وعلاقة الدولة بالدين والتمثيل السياسي والنظام
اللامركزي
والمركزي والفيدرالية وحقوق الجماعات الثقافية وغيرها كلها قضايا
ملتهبة
لا يواجهها
ويصوغها إلا البرلمان. نعم الأحزاب السياسية تصنع برلمانا لو
اختارت هي
ذلك لكن
البرلمان بطريقة جدلية يعيد صناعة القوى السياسية ويصنع منها طبقة
تختلف
تماما عن
الأحزاب التي اعتادت ان تكون بعيدة عن بعضها وتعمل بشكل عدائي،
وأيديولوجيا
تحركها مسبقات وأحكام قطعية ضد بعضها البعض.
مهام الدولة
* ماهي
الأرضية التي تتيح للنظام السياسي
العراقي
الجمع بين الديمقراطية السياسية والديمقراطية الاجتماعية؟
- ان
النظام
السياسي الموجود في العراق لم يواجه بعد مستحقات الديمقراطية
السياسية
والديمقراطية الاجتماعية ويوجد رأيان بشأن ذلك مثلا في الصين:
الأول يقول بالفعل
يمكن الجمع
بينهما عندما يتعلق الفصل الاجتماعي بإعادة توزيع الثروة والسيطرة
على
التوزيع غير
المتساوي للدخل ومنح فرص متكافئة للأفراد ورسم سياسات اقتصادية
وطنية
غير خاضعة
لمتطلبات منظمة التجارة والعولمة القائمة على التفاوت والتطور غير
المتكافئ،
فالرأي الأول يقول ينبغي فسح المجال للديمقراطية الاجتماعية ولجم
قوى
السوق غير
ان الطرف الثاني المصنف على اتجاه الليبرالية الجديدة المحدثة
يقول: ان
السوق أولا
وفتح أبواب آليات السوق على مصراعيه سيحقق ديمقراطية اجتماعية فلا
يمكن
جمع تفاحتين
بيد واحدة أي ديمقراطية سياسية وعدالة اجتماعية و هذا الكلام يصح
على
الصين
والهند، ففي الصين هناك مشكلة السلطة السياسية غير الديمقراطية وفي
الهند
هناك مشكلة
النظام الاجتماعي غير المتكافئ والقائم على اللاتكافؤ، وفي تجارب
الانتقال
الأخرى التي حدثت في أوروبا الشرقية ووسطها تشير الى صعوبة الجمع
بين هذين
الملفين لكن
وجدت ضمانات مهمة ساهمت باستقرار الحياة السياسية الأوروبية بعد
الحرب
العالمية
الثانية وجعلت الايديولوجيا السائدة هي الاشتراكية مما يعني ان
تجربة
الإصلاح
الاجتماعي أساس للتطور الاقتصادي هناك وهذا يمكن تعميمه على
البلدان التي
ستدخل تباعا
الى الاتحاد الأوروبي فترى ان الضوابط الموضوعة على السوق في تلك
البلدان
ضمانة للحفاظ على الديمقراطية الاجتماعية، أما في العراق لا يمكن
الجمع بين
سلطة قوية
واقتصاد منفتح من جهة أخرى لأننا لا نملك دولة قوية قادرة على
الإمساك
بجميع مفاصل
المجتمع وخلق فرص مؤاتية لنمو اقتصادي رأسمالي منفتح ولان الاقتصاد
العراقي غير
إنتاجي وهذا يميزنا عن الصين والهند، فالقطاعات الاقتصادية عندنا
قطاعات
ثروات طبيعية مصدرة أي اقتصاد ريعي وبقدر تعزيز دور الدولة لا
يعطيها فرصة
كبيرة
للدخول كقوة اقتصادية في السوق فضلا عن إشكالية أخرى مفترضين تحقق
ديمقراطية
سياسية
مستقرة وشرعية هي كيف يمكن تسخير هذه الثروة لمعالجة التفاوت
الاجتماعي
الكبير
وعقلنة الاقتصاد وزيادة قطاعات الإنتاج وتوفير البنى الأساسية
للخدمات
المقدمة وان
تحفز الدولة المستثمرين وتخلق سوقا للاقتصاد الوطني وفضلا عن
الجانب
الاقتصادي
السياسي أيضا الجانب الثقافي فنحن نحتاج الى جهد كبير في مجال
الثقافة
الديمقراطية
وتوضيح مفهوم المواطنة والمسؤولية الفردية لان تحديث الأذهان مهم
لإنجاح
العملية الديمقراطية والتطور الاقتصادي.
التصويت
للدستور.. نحو دولة جديدة.
*
مازال البعض في
الشارع يخلط بين مفهومي الدولة والحكومة ويعد
إعلان
الحكومة (المتغيرة) أساسا لقيام الدولة (الثابتة)، فكيف تنظر لذلك؟
- الدولة
صورة للمجتمع ذات صفة معنوية لا تمتلك إلا مؤسسات تتمثل
بالسلطة
والحكومة عمليا وهي تعبير مكثف عن الحقوق الأساسية والغاية
النهائية
للمجتمع،
فروح الدولة مكتوبة بنصوص معينة في الدساتير الحديثة تحدد طبيعتها
وطبيعة
الحكم
والنظام السياسي ومنظومة الحقوق تتجسد من خلال الأجهزة التنفيذية،
والخلط
بين الدولة
والحكومة ناتج عن مفهوم لغوي أشير إليه انه من دال يدول والدوال
يعني
التحرك، فعل
متغير، بينما فكرة الدولة في أوروبا مرتبطة بالثبات ودال فعل حركي
في
حين
(state)
(حال)
(ثابت) ويعكس سياقا ثقافيا لفهم الدولة. ان كل الدول تقوم وترتقي
ثم تمر
بمرحلة التدهور والسقوط وتعقبها أخرى بهذا الشكل وعندما نقول انه
لا توجد
دولة إي انه
لا توجد هيبة للسلطة واليوم في العراق نسبة كبيرة من أبنائه ساهموا
بصياغة دولة
جديدة ممثلين بـ7 ملايين الذين صوتوا للدستور ولدولة جديدة بنهاية
حقبة
زمنية انتهى
دورها وذهبت مع أشخاصها ورموزها، إلا ان الرخاوة المتحققة في الوضع
السياسي
تنعكس سلبا على صورة الدولة ونفس المواطن الذي ساهم في صناعتها
يبدأ بالتعبير عن استيائه ليس من الحكومة فقط بل الدولة ككل.
إننا نحتاج
الى فترة
طويلة حتى
تدخل في نفوسنا قيم هذه الدولة الجديدة التي نشأت بعد 2003 ولسنا
استثناء
من بقية
الشعوب لم يكن فيها الفصل واضحا بين الدولة والحكومة واحتاجت الى
فترة
لإدراكه،
فالثورة الفرنسية نشأت على أساس منظومة فلسفية متكاملة للخروج من
النظام
الإقطاعي
الاستبدادي والكنسي فأتى الرد على ذلك بصورة مختلفة للدولة كانت
خلاصتها
فلسفية
استنادا لقيم المعرفة والتنوير والعقل ونبذ التقاليد والمؤسسات
التي تروج
لمفاهيم
اعتبرت بالية بمقياس التنويريين وعندما تسأل الفرنسي ما الدولة؟
يأتي
الجواب
بشعار الثورة: حرية إخاء مساواة. الآن ما هوية المواطن العراقي
إزاء قضية
الدولة وهل
لنا قيم محددة تشعر المواطن أنها هذه هي هويته؟ وأظن ان المجتمع لا
يتوفر على
الهوية إلا من خلال السياسة والإجماع السياسي صحيح أننا نمتلك
هويات
قديمة تمتد
الى بدايات عصور التاريخ الأولى ولدينا تراثات مختلفة ما قبل
الإسلامية
وبعدها
واتجاهات فكرية وملل وطوائف وأقوام
كلها صحيح
ووجودها طبيعي لكن الضمانة
الوحيدة
لبناء هوية عراقية تبدأ من قيم الإجماع السياسي وليس العكس لأنه لو
حصل ذلك
لأصبحت
القيم الثقافية أداة للانقسام فان تجمعنا على تلك القيم نضمن الشرط
المناسب
والملائم
للتنوع الثقافي والفكري، أخيرا الدولة روح وفلسفة والحكومة هي
تنفيذ
واقتراب من
هذه الفكرة ليس أكثر لان أية حكومة هي محاولة اقتراب من المثل التي
تمثلها
فلسفة الدولة وتحاكم على هذا الأساس حتى نصل الى هذه النقطة لابد
ان ندرك
هويتنا
كعراقيين من خلال الدولة ولحظة التماهي بين الدولة والمواطن يجب ان
تتحقق
لنحصل على
دولة ذات هيبة ومواطن حر وإلا نظل نعيش في هذه الفوضى التي تتناسل
بيننا
حتى اليوم.
*عن جريدة الصباح
-----------------------