الباحث كامل شياع :
الخطورة تأتي من توظيف الحقل الثقافي لصالح الأيديولوجية* -
حاوره -
مازن لطيف
على خارطة
المحاصصة هو دم المثقف، دم تشيعه الأشجار والطيور والفراشات والناس
المنسيون، الجميع يشعر بالعار عندما يقتل مثقف إلا القتلة ومن يقف
وراءهم , فهم يفتخرون بالنذالة ويقدسون الجبن وإلا كيف يتجرأ إنسان
على قتل طفل، كيف يضغطون على زناد سلاح لقتل مثقف اعزل درعه قلبه
وسلاحه عقله يدافع به مستميتا لإنقاذ الحياة، كم الفرق هائل بين يد
تنتزع طفلا من تحت عجلات سيارة وبين يد تخنق أنفاس الحياة كما فعل
قتلة كامل شياع فهنيئا للجبناء القتلة وهم يقتلعون كل الأشجار
المثمرة والجميلة ليبقى وحده الظلام والجهل يخنق العراق.
علي الثقافة
العراقية في تجربتها خلال العقود الستة الماضية تميزت بكونها ثقافة
ذات منحى دنيوي علماني غالب.. إنها ثقافة مدينية تأثرت
بالأيديولوجيات السياسية الحديثة التي سادت العراق وانحازت لأفقها
وعبرت عنها, مثلما خالفتها وتمردت عليها. هذا ما يؤكده الكاتب
والباحث الأستاذ كامل شياع أحد ابرز مثقفي العراق الذي يرى ان
الأمل معقود على المثقف العراقي في المساهمة بصنع نظام إنتاج ثقافي
متعدد المصادر ومتنوع الاتجاهات, وفي دوره كمروج لرؤية إنسانية
عقلانية منفتحة على العالم تسهم في قيم المساواة وحرية الإنسان
وكرامته وخلق استجابة عامة للفن والجمال..
* بعد التغيير
الكبير الذي حصل في 9 نيسان 2003 ظهرت ملامح حقيقية لجميع البنى
والتركيبات الاجتماعية المكونة للمجتمع العراقي ماذا سيكتب التاريخ
عن هذه البنى والتكوينات ؟ وهل تمثل إعادة كتابة التاريخ إعادة
تقييم جديدة تعطي لكل ذي حق حقه؟
- من الصعب التفكير
بكتابة التاريخ أو إعادة كتابته بالمعنى الحرفي للكلمة في هذه
المرحلة المعقدة المليئة بالمفاجئات والمشحونة بالأفعال وبردود
الأفعال لمختلف الأطراف السياسية التي تمتلك أحيانا صوراً وهمية عن
دورها وحجمها ومشروعها. تاريخنا الآن في طور الصنع، وعلينا ان نعيش
المرحلة قبل أن نفكر بكتابة تاريخها. الوضع السياسي الانتقالي
والقلق والحراك الاجتماعي الشديد الموجود في البلد يعكس في عمقه
تشظي المجتمع وحالة البلبلة العامة التي من مؤشراتها انعدام اللغة
المشتركة بين أفراد المجتمع والجماعات والقوى، وبينها وبين الدولة
الناشئة. كل يبحث عن ضالته وفرصته ومصالحه المباشرة، أما شروط
الحوار والتفاهم فاضعف بكثير من شروط الاختلاف والخصام. أمل ان
تفضي هذه المرحلة الاستثنائية ولكن الضرورية الى نقطة من الوضوح
وإنجلاء حقيقة البرامج السياسية، وزرع الثقة بين اللاعبين
السياسيين وإيمان بالمشرع الديمقراطي والسبل المؤدية إلى تحقيقه.
والديمقراطية ليست شعاراً يرفع، وإنما مبادئ والتزامات. ينبغي أن
لا ننسى أننا خرجنا من تجربة إستبدادية من العيار الثقيل. فالحاكم
لا يأمن المحكوم ويحتقره، والمحكوم لا يأمن الحاكم ولا يثق به،
والنظام الديكتاتوري السابق كان قائماً على قرارات اعتباطية وخوف
وقتل وتجنيد الناس جماعات وأفرادا في مهام عبثية. طيلة مدة السنوات
الـ35 حكم الحزب الواحد الماضية، مارست السلطة دورين: تضليل الوعي
وتشويهه، وتسلط عار ونظام أوامري وسلسلة مغامرات مدمرة سيق لها
الناس من دون سبب، وغالباً من دون ممانعة ومن دون مقاومة تذكر.
اليوم نحتاج إلى إعادة ثقة الناس بالحكومة، والمناخ المضطرب
والسلبي القائم قد يكون مساعداً لتحقيقها بين الأطراف السياسية،
وبينها وبين الشعب على أرضية الدستور ومجلس النواب والحكومة.
الحاجة أم الإختراع، كما يقال، وليس هناك طريق سهل للإنتقال إلى
نظام جديد لا سابق لنا به، هو النظام الديمقراطي البرلماني. من
إيجاد الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين اللاعبين السياسيين يمكن أن
تنفتح مجالات أوسع للحوار. المهمة التي يواجهها العراق اليوم لا
تنحصر في سماع أصوات حرة من هنا وهناك، المهمة الأساسية هي كيف
نصنع من هذا التنوع والتضاد والتعارض الواسع والقاتل، إجماعاً
صادقاً حول مشروع بناء الوطن، الذي هو مشروع عمل وليس مشروع كلام
وبلاغة سياسية. لا يكفي أن نتكلم عن الديمقراطية والحقوق ينبغي أن
ننتقل الى التسليم بمبادئ وثوابت تنطبق على الجميع من دون إستثناء،
أي العدالة وسيادة القانون. إذا لم نتمكن من تجاوز تكرار أفكار
الماضي بأشكال جديدة، ولدينا اليوم أكثر من حالة لقوى الماضي التي
تتنكر بزي الحاضر وتمارس انتهازية وتظاهراً زائفاً، إذا لم نمتلك
إرادة نقد الماضي وتعريته، لا يمكننا أن نبدأ من حيث ينبغي أن
نبدأ. لا يمكن بناء المستقبل بأفكار معاد تصنيعها من منتجات
الماضي. وللأسف النسبة الأكبر من قوانا السياسية ما زالت مشدودة
للماضي، وغير قادرة على إدراك أن المستقبل، بالنسبة لنا أو لسوانا
من الشعوب، أهم من الماضي. أقول هذا وأضيف أنه ينبغي أن لا نخشى
كثيراً على الماضي لأنه معنا وفينا دائماً، وهو عصب وجودنا الذي لا
يمكن قطعه. ولكن علينا أن ننظر إلى المستقبل، أي إلى ما لم يحدث
بعد. فقيمة الحياة في المستقبل، القوى الأصيلة حقاً هي التي تحترم
المستقبل، وتعمل من أجله وتضحي في سبيله. عكس ذلك نجده عند القوى
المتطرفة والمتعصبة التي لا تريد التنازل عن صورة ما وهمية عن
الماضي. في حين أن الحيود عن الماضي ليس إسقاطا له بل وسيلة
لاسترجاعه على مستوى مختلف. يجب أن نذهب إلى الأمام ولا خشية على
الماضي إذا خدم المستقبل.
* ما هي صورة
المثقف العراقي العلماني عن الحراك الديني؟ وماذا عن إستسلام
المثقف للوضع الذي هو فيه ؟ وما مدى قدرة المثقف على خلق مجتمع
مدني؟
- الثقافة العراقية
في تجربتها خلال العقود الستة الماضية تميزت بكونها ثقافة ذات منحى
دنيوي علماني غالب. إنها ثقافة مدينية تأثرت بالأيديولوجيات
السياسية الحديثة التي سادت في العراق وإنحازت لآفاقها وعبرت عنها،
مثلما خالفتها وتمردت عليها. وإجمالاً فأن تأثرها بالاتجاهات
السياسية لم يأتِ دائماً من خلال مناصرتها للأيديولوجيات السياسية
أو معارضتها لها، فهذه مسألة شكلية أو عابرة. جوهر الأمر أن
النظرات الأيديولوجية الحديثة إجتذبت إليها الثقافة والفنون لوجود
فكرة أو مخيال تاريخي يجمع بينها.
الثقافة
بطبيعتها تعمل في حقل أو مجال يختلف عن مجالي السياسة والدين. إن
الكتابة والتفكير والبحث كلها مجالات مستقلة عن المصالح السياسية
الآنية وعن المعرفة التقليدية المتمثلة بالمعرفة الدينية المختصة
بدراسة أصول الدين والكلام والفقه والشريعة ومناهج التفسير. هذه
كلها مجالات تتعلق بالثقافة الدينية، أما الثقافة التي نقصدها فهي
الثقافة الحديثة، ثقافة التجربة الإنسانية والأسئلة الوضعية
والصراعات الوجودية. وهذه الثقافة علمانية بطبيعتها، ليس بمعنى
معارضتها أو تناقضها مع الدين ولكن بمعنى إن حقلها يختلف عن حقل
الفكر والممارسة الدينية. واعتقد ان من الخطأ إسقاط البعد الديني
على البعد الثقافي. الثقافة تبحث في الموضوع الديني وتفكر فيه
وتستلهمه على مستوى الرؤية والموضوع من خلال أعمال فنية وأدبية،
لكنها غير ملتزمة بالضرورة بالإطار الديني للنظر لأن حقلها التجربة
الانسانية النابضة بالحس والخبرة الحية، والمشحونة بأسئلة الخيال
والإبداع، والمتشكلة باللغة أو الصورة أو اللون أو الجسد، أي
بأساليب تعبيرية.
نواجه اليوم في
العراق نوعاً من الإلتباس في التمييز بين هذا وذاك، كما نواجه
صراعاً بين الثقافة الشعبية والثقافة العالية، ونواجه أيضاً بوادر
تكرار النزوع إلى الهيمنة السياسية على الحياة الثقافية وكأننا لم
نخرج من مرحلة من أكثر مراحل تاريخ العراق تجسيداً لتعسف الفكرة
السياسية العقائدية حين تفرض على الثقافة فرضاً من فوق. تجربة حكم
البعث في العراق جسدت مخاطر هيمنة العقيدة الواحدة التي ورطت
الثقافة والفنون بمهام تعبوية طارئة وقيدتها برؤية قومية خادعة،
وألزمتها بتمجيد القائد وحزبه والترويج لشعارات مبتذلة وأفكار
عدائية. الكتاب والفنانين والنقاد الذين خالفوا مسلمات وشروط
السلطة السابقة واجهوا مشاكل حقيقية أو اختاروا الصمت أو الهجرة.
أقول إن بلدنا اليوم بعد تلك التجربة المريرة يحتاج إلى فضاء
للحرية يجد تحققه الملموس في احترام مجالات التفكير والمعرفة
والإبداع. والخطورة تأتي من التسييس القسري للحقل الثقافي وتوظيفه
لصالح هذه الأيديولوجية أو تلك، الأمر الذي سيفقده خصيصته الأساسية
التي هي الإبداع والمخالفة والاجتهاد، أو من عودة المثقف ممتثلا
للدولة الأبوية.
أما بالنسبة
للشطر الثاني من السؤال، فالأمل معقود على المثقف العراقي في
المساهمة بصنع نظام إنتاج ثقافي متعدد المصادر ومتنوع الاتجاهات،
وفي لعب دوره كمروج لرؤية إنسانية عقلانية منفتحة على العالم، تسهم
في ترسيخ قيم المساواة وحرية الإنسان وكرامته وخلق استجابة عامة
للفن والجمال. المجتمع الذي يخلو من الإبداع الثقافي هو مجتمع عاجز
عن إدراك هويته، وقاصر عن وعي تجربته في التاريخ. في العراق بعصريه
القديم والحديث، لدينا رموز وأعلام في الأدب والفكر، ولنا رصيد من
الإبداع الثقافي الذي يدعم هويتنا الجماعية. ينبغي أن لا ننسى إن
الثقافة بوصفها مجموع النتاجات الفكرية والعلمية والفنية هي التي
تصنع شخصية الشعب. المواطن العراقي مثلاً، يجد جزءاً أساسياً من
ذاكرته التاريخية المعاصرة مجسدة في نصب كنصب الحرية للفنان جواد
سليم، وأقصد المواطن الوسطي الذي يمتلك حداً معقولاً من المعرفة
بواقع مجتمعه وتاريخه. ما تفعله الثقافة في الواقع هو إيجاد فرص
للتماهي بين الفرد ومجتمعه، ومن ثم صناعة ذاكرة مشتركة وهوية تجمع
الشعب ضمن زمان ومكان فعليين أو رمزيين، وضمن فضاء تخيلي للواقع
والتاريخ.
نحن نتكلم عن
هوية جماعية تضم الشعب من خلال منجزه الثقافي المتحقق في الماضي
القريب أو في الحاضر، وله امتدادات عميقة في الماضي. التغيير
الكبير الذي مر به المجتمع العراقي بعد عام 2003 افرز حالة من
التشظي والتفكك في مكونات المجتمع وهذا أمر ملازم للطور الانتقالي
نحو نظام جديد يقوم على الحرية والحقوق والمواطنة. هذا الانتقال
الصعب جلب معه ظاهرة تفكك الولاءات وتشتت أرشيف الذاكرة الجمعية
للشعب العراقي، وهو ما كان قد حصل أصلاً منذ تسعينيات القرن
الماضي. الكل صار يبحث عن هوية جزئية أو ولاء فرعي ممثلاً بمذهب أو
طائفة أو عشيرة أو منطقة. ظهور هذه الملامح المجزئة للهوية يعكس
مجموعة من الإشكالات العميقة، أولها، ضعف انتظام العراقيين في إطار
دولة قادرة على توحيد صورة المجتمع ودمجه، وبالتالي تحولها إلى
مرآة أو مرجع للمجتمع، واقصد بالمرجع منظومة القوانين ونظم العمل
والإدارة والتطلعات المشتركة التي تنظم وتضبط حركة المجتمع. وضعف
الدولة حالياً تركها " فريسة" للمجتمع الهائج الذي غزاها ومزق
جسدها، ووظفها لتلبية المصالح الخاصة لهذه الجماعة أو تلك. النقطة
الثانية تتمثل في ضعف قيم المواطنة. هذه أيضاً مشكلة حقيقية يعاني
منها المجتمع العراقي، المواطنة ليست رابطة عاطفية ولا شعورا
أمنيا، إنها علاقة قانونية في إطار نظام جمهوري يقوم على الأفراد
الأحرار. لكن الفرد الحر عندنا لم يصبح حقيقة ملموسة، وإذا ضمنت له
النصوص القانونية مواطنيته، فذلك لا يتحقق على مستوى الممارسة.
عندما أتكلم عن المواطنة أتكلم عن استقلالية المواطن بضمانات
قانونية تحمي حقوقه وتحدد واجباته. هذه المواطنة هي القوة المانعة
إزاء التأثيرات الطائفية والعرقية والعشائرية. للأسف أدت غلبة هذه
التأثيرات إلى إنتاج "مواطن" ذي بعد واحد يحمل الولاء للجماعة
ويحتمي بها من الدولة العاتية. هذه الظاهرة، كما هو معروف، ترتبط
بالتحولات الكبيرة التي مر بها المجتمع العراقي، في العقود
الأخيرة، خصوصا في فترة الحرب مع إيران حيث تغيرت خريطة المدينة
التي هي حاضنة ومسرح لقيم المواطنة. المقصود هنا شبكة العلاقات
المدينية، الحرة، الشخصية وغير الشخصية التي يميز سكان المدينة عن
أهل الريف حيث تسود علاقات القرابة والدم والتضامن. العلاقات في
المدينة يحددها العمل والمصلحة والجيرة وهي ناتجة عن الإرتباط
الوظيفي بالدولة أو بالسوق. فإنشاء أحياء خاصة للعمال أو المعلمين
أو المهندسين أو الضباط مثّل حاجات اجتماعية ناتجة عن علاقات العمل
أو المهنة، وهي علاقات تنطوي على إمكانيات التفاعل والانفتاح
والتسامح. وهذه السمات المدينية كانت موجودة عندنا لكنها سرعان ما
بدأت تندثر تدريجياً منذ نهاية السبعينيات بحكم الوضع القمعي
والهجرات الداخلية الواسعة التي فتّت نسيج الحياة المدينية. نتيجة
لذلك تحولت المدينة في حالات عديدة إلى حاضنة لأشكال من التضامن
العشائري وعصبيات الجماعات الموضعية.
نتكلم اليوم عن
ثقافة متريّفة وهناك ترييف متحقق بالفعل، نقول ذلك من دون أن نفترض
ان المدينة ينبغي أن تظل محاطة بسورها الأمين العازل لعواصف الزمن
وتحولاته. الهجرات جزء من تاريخ المدينة، وهي مسألة طبيعية رغم أن
ما يأخذ على مدينتنا وسواها من المدن العربية أن قدرتها على
استيعاب الهجرات اضعف بكثير من قدرة الهجرات على فرض أنماط حياتها.
هذا ما حصل في عاصمة كالقاهرة وسواها من العواصم العالم. أي أن
المدينة لم تكن مهيأة اقتصادياً واجتماعياً وتنظيمياً لاستيعاب
ودمج الوافدين الجدد فيها.
* اليسار العراقي
يمر بأزمة بل نقول انه مبعثر بعد إن كان الواجهة الحقيقية للثقافة
العراقية هناك أحزاب تدعي اليسار وهي بعيدة عن اليسار أصلا؟
- أود إن أميز
أولاً بين فكرة اليسار وبين الأحزاب التي تدعي تمثيل اليسار. فكرة
اليسار مثيرة للجدل لأن هناك من يقول إن اليسار واليمين قد سقطا
كمفاهيم بفعل كون المجتمع المعاصر صار يسير باتجاهات لا تنسجم مع
توصيف كهذا. اعتقد إن فكرة اليسار لا تزال قائمة لأنها ترتبط
بموضوعة العدالة الاجتماعية، وتدفع باتجاه التغيير، وتناصر ميول
زعزعة مسلمات المؤسسة والتقليد للخروج من حالة الجمود والامتثال.
إنها فكرة تفتح مجال للتفكير للاستجابة للتغيير في عالم متغير.
لذلك لا تزال فكرة اليسار تمتلك مشروعيتها. أما بالنسبة لأحزاب
اليسار فلها تصورات ومشاريع متنوعة ومتباينة.
الاتحاد
السوفيتي الذي كان في يوم من الأيام قبلة اليسار، أعتبره بعض
اليساريين نموذجاً للدولة البيروقراطية. هناك أحزاب شيوعية وعمالية
نابتة في مجتمعاتها وتعمل من أجل التغيير والعدالة، وهناك بينها ما
يمر بحالة سبات فكري وسياسي، وهناك قوى وأحزاب يسارية أثبتت وجودها
عبر صناديق الإقتراع، وهناك أخرى مغامرة تردد مقولات ووعود
طوباوية، وتخالف منطق الواقع بدرجات متفاوتة. في عراق اليوم يشخّص
اليسار من مشروعه الاجتماعي، إلتزامه بمبدأ المساواة، تعويله على
دور الدولة في تنظيم الحياة الاقتصادية والخدمات العامة وخلق فرص
عمل، الوقوف إزاء سياسة السوق المتطرفة، نقد الأفكار البالية
والتقاليد المتحجرة، وتبني موقف إيجابي من النقلات التي يمر بها
المجتمع الإنساني. في زمن العولمة التي صارت تفرض على اليسار إعادة
النظر ببعض مفاهيمه عن الواقع الاجتماعي، يقف اليسار مع الحركات
غير التقليدية المعارضة للعولمة الامبريالية ويناضل من أجل توزيع
عادل للثروة على مستوى العالم، حرية حركة الأيدي العاملة، وحماية
البيئة. تلك هي مفردات أساسية في المشروع التاريخي لليسار. على
مستوى الثقافة، يواجه اليسار تحديات هيمنة ثقافة الإمتاع الرخيصة
والاستهلاك والتحكم الضار لمنطق السوق في مصير الثقافة الجادة.
في العراق
اليوم ميول يسارية من شتى الأنواع وحول مختلف القضايا. هناك بين
اليساريين من يتمسك بنموذج ما للمجتمع الاشتراكي، وهناك من يصنف
على اليسار لأنه يتمسك بالحقوق الأساسية المواطن وحرية التعبير
وسيادة القانون، أو بالنظرة العلمانية الرافضة للتطرف الديني
وباستقلالية الدولة عن المجتمع. هكذا لدينا مجموعة من القضايا
والمواقف التي تقترب بدرجة أو بأخرى من فكرة اليسار وتسهم في
صياغتها الملموسة كمشروع تاريخي. اليسار فكرة متحركة رغم ما فيها
من ثوابت، ولا يوجد طرف يحتكرها لوحده. في العملية المعقدة التي
نمر بها يحدث فرز بين اتجاهات محافظة فكرياً وثقافياً وأخرى تنزع
إلى التجديد والتغيير. وبالتأكيد فأن المثقفين ينتمون إلى القوى
الأكثر إدراكاً لقيمة المعرفة في التحرر الإنساني، لأهمية حرية
التفكير والتعبير، للحاجة إلى رفض الطائفية والإرهاب.
أعتقد أن
المجتمع العراقي سيشهد مع تزايد الصراع تبلور مواقف أكثر وضوحاً من
قضية الحقوق والحريات، من دور المجتمع المدني، وسيتحقق خلال
السنوات القادمة فرز فكري وسياسي بين قوى التغيير الديمقراطي
والقوى المراهنة على الأمر الواقع. المعرفة ومستوى التعليم، الخبرة
السياسية والمصالح العملية للناس ستساعد على تشديد المطالبة بإقامة
نظام سياسي مدني، والوقوف ضد الميول الشعبوية المرشحة للاتجاه نحو
ديكتاتورية من نوع ما.
*حـوار/جريدة
الصباح ونشر أيضا على موقع النور على الانترنيت في 24/8/2008