الديمقراطية
والتجديد في الحزب الشيوعي العراقي
بمناسبة
مرور 15 عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس
بيان اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي العراقي
المؤتمر الوطني
الخامس للحزب الشيوعي العراقي
مؤتمر الديمقراطية
والتجديد
بعد ثماني
سنوات من انعقاد المؤتمر الوطني الرابع لحزبنا، وفي وقت بلغت فيه
المصاعب والتعقيدات التي تواجه شعبنا وحزبنا، مستوى لا سابق له،
باشر المؤتمر الوطني الخامس (12 – 25 تشرين الأول/93) بحثا جادا
ومكثفا لقضايا الساعة في البلاد، وسبل الخروج بالشعب من المأزق
الذي أوصلته الدكتاتورية إليه، وللمهمات التي يتوجب انجازها في
سياق عملية تجديد الحزب وإشاعة الديمقراطية داخله.
وفي مجرى
المناقشات والمساجلات التي شهدها المؤتمر، ركز المندوبون على
اشتداد معاناة الشعب نتيجة سياسات النظام الدكتاتوري وحملاته
الإرهابية الوحشية وحروبه العدوانية واستهتاره بحياة المواطنين
وحقوقهم الأساسية وتبديده الثروة الوطنية، ونتيجة الحصار الاقتصادي
الدولي المتواصل منذ ثلاث سنوات، والذي تحول الى عقوبة لشعبنا،
أكثر مما للدكتاتورية، وأدى ذلك كله الى تصاعد النقمة على الحكام
والتطلع الى الخلاص من سلطتهم الاستبدادية وإسقاطها.
ومن ناحية
ثانية تفاقمت أزمة النظام نفسه وتعمقت عزلة رؤوسه على نحو لم يسبق
له مثيل، فازدادوا هزالا واستعدادا للتفريط بالسيادة والحقوق
الوطنية من جهة، وأوغلوا في إشهار سيف العسف في وجه عموم الشعب وضد
خصومهم السياسيين بوجه خاص.
وعلى صعيد آخر
وفي سياق تطورات الأعوام الأخيرة العاصفة التي أعقبت توقف الحرب
العراقية – الإيرانية، وما شهدته من إصرار الطغمة الدكتاتورية على
نهجها الإرهابي الدموي في الداخل وسياستها العدوانية في الخارج،
والتي تمثلت هذه المرة في كارثة غزو الكويت وما تلاها من تدمير
مريع وغير مبرر لوطننا في مجرى " حرب الخليج الثانية " ثم السماح
للزمرة الحاكمة باستخدام قواتها الضاربة لإغراق انتفاضة آذار/1991
الشعبية بالدم، في سياق ذلك واصل حزبنا وشدد نضاله ضد الحكم
الدكتاتوري وللوصول الى هذه الغاية سعى جاهدا، بصورة خاصة، الى
توسيع وتعزيز نشاطه المفعم تضحية داخل الوطن، رغم القمع الدموي
نادر المثال. وفي الوقت نفسه عمل بمثابرة على تحقيق التقارب بين
أحزاب المعارضة وقواها المختلفة، وجمع شملها وقدراتها في الكفاح
لإنقاذ الشعب من الدكتاتورية.
ولقد توقف
مؤتمرنا بمسؤولية – من بين أمور أخرى – عند مسالة العمل المشترك
للمعارضة بالذات، ووجه في هذا الشأن نداء الى أحزابها وقواها كافة،
يدعوها فيه الى تغليب المصلحة الوطنية العليا للشعب والوطن وتجاوز
تبايناتها وخلافاتها، ورص صفوفها في المعركة ضد الدكتاتورية. وفي
الوقت ذاته، وفي خطوة ملموسة على هذا الطريق، قرر المباشرة عاجلا
في بذل الجهود لتحقيق العمل المشترك للقوى الديمقراطية ودعوة ممثلي
هذه القوى والشخصيات الديمقراطية المستقلة الى التداول والحوار في
هذا الخصوص.
وفي الإطار
نفسه، وانطلاقا من الحرص العميق على تطوير الجهد المعارض وتفعيله
توصل مؤتمرنا الى ضرورة مفاتحة الهيئات القيادية في المؤتمر الوطني
العراقي الموحد في شأن نشاطه وآلية عمله وعلاقاته، كما في شأن موقع
حزبنا داخله وعلاقته معه. وذلك بهدف تطوير عمل المؤتمر، ونقل نشاطه
الى داخل الوطن والاقتراب من الواقع الذي تعيشه الجماهير، وتجميع
طاقات اكبر من قوى المعارضة فيه، والاعتماد على القوى ذات الامتداد
الحقيقي بين جماهير شعبنا والتعويل بالأساس على نضالها لإسقاط
الدكتاتورية، وتقرير موقف حزبنا اللاحق في ضوء ذلك.
وأعار مؤتمرنا،
اهتماما استثنائيا لمسالة الحصار الاقتصادي المفروض على البلاد منذ
1990، والذي أوصل معاناة شعبنا اليوم الى حدود لا تطاق. وتوقف عند
المعطيات التي تؤكد ان الطغمة الحاكمة التي هي أس كل البلايا التي
حلّت وتحل بشعبنا ووطنا، تستخدم استمرار الحصار ستارا للتغطية على
مسؤوليتها المباشرة والأساسية عن المحنة التي تسحق الملايين،
وذريعة لحرف نقمتهم بعيدا عنها، وانطلاقا من هذه الوقائع ومن حقيقة
ان الحصار لم يلحق كثير ضرر بالنظام من الناحية العملية، ولم يمنعه
مع التدابير العقابية الدولية الأخرى التي اتخذت ضده بعد غزو
الكويت من الحفاظ على مواقعه، وتدعيم أجهزته الأمنية وترسانته
القمعية، وجد المؤتمر ان الحاجة غدت ماسة الى المطالبة برفع الحصار
الاقتصادي عن شعبنا وتأمين احتياجاته من الغذاء والدواء وإيصالها
الى المحتاجين مباشرة عن طريق وكالات الأمم المتحدة ذات العلاقة
والمنظمات الإنسانية.
ورأى مؤتمرنا
ان من الضروري في الوقت نفسه تكثيف الجهود وتصعيدها لدفع المجتمع
الدولي الى تشديد الخناق على الدكتاتورية، وإلزامها بتنفيذ القرار
رقم 688 والذي يمنع زمرة صدام حسين من انتهاك حقيق الإنسان في
العراق، والدعوة الى إجازة قرار مماثل في شأن تشكيل المحكمة
الدولية لمحاكمة صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه عن الجرائم
التي اقترفوها ويقترفونها بحق شعبنا والإنسانية والسلام، وقرار آخر
يفرض إجراء انتخابات ديمقراطية في العراق تحت إشراف الأمم المتحدة
وبأداتها.
واهتم المؤتمر
كذلك بمسالة ترسيم الحدود مع الكويت وأكد موقف الحزب المعروف منها
ورأى ان قرار مجلس الأمن رقم 773 المتعلق بها، قرار وحيد الجانب
ومجحف، وان أي اتفاق في خصوص الحدود لا بد ان يحضى بمصادقة شعبنا
في ظل أوضاع ديمقراطية وحكومة تجسد إرادته. فترسيم الحدود مسألة
سياسية وقومية بالدرجة الأولى تمس مصالح الشعبين ومستقبل
علاقاتهما، وينبغي حلهما بما يضمن المصالح المذكورة وسيادة البلدين
الوطنية، ويحول نهائيا دون عودتها مصدرا للنزاع والصدام.
وبحث مؤتمرنا
في موضوع الحملة الإرهابية الدموية التي يشنها الحكم الدكتاتوري
على أبناء شعبنا في الأهوار، وسعيه الحثيث في إطارها الى إجبار
عشرات الألوف من السكان على ترك قراهم ومواطنهم حتى على طريق تجفيف
الأهوار وتسميم مياهها، وبالتالي تغيير البيئة الطبيعية للمنطقة
وقطع موارد الرزق فيها. وناشد الرأي العام استنكار هذه الأعمال
الإجرامية والمطالبة بوضع حد لها وبان تطبق الأمم المتحدة قرارها
رقم 688.
وعالج مؤتمرنا
كذلك الوضع في كردستان التي تواجه مصاعب جمّة بفعل الحصار الدولي
والحصار الذي يفرضه النظام الدكتاتوري والمساعي التي يبذلها الحكام
في بغداد لإفشال التجربة الديمقراطية الكردستانية عن طريق عملائهم،
وضغوطهم المستهترة التي تضاعف صعوبات العيش اليومي للجماهير
الواسعة. ويعتقد مؤتمرنا ان التجربة التي تعيشها كردستان اليوم
جديرة بالدعم والإسناد، وان حمايتها وتطويرها يستلزمان تكاتف
المخلصين جميعا في كردستان لتخليصها من النواقص والثغرات التي
تشوبها.
واقر المؤتمر
موقف حزبنا من مسألة الفيدرالية لكردستان في إطار الجمهورية
العراقية.
وكرس مؤتمرنا
جزءاً أساسيا من مداولاته التي استمرت أسبوعين لدراسة موضوعة "
الديمقراطية والتجديد " التي رفعها عنوانا لإعماله، وتحديد
الإجراءات الملموسة الواجب اتخاذها لتحويل هذا الشعار الى واقع حي
في حياة الحزب الداخلية وفي سائر مفاصل وميادين نشاطه.
وقيّم المؤتمر
بصورة ايجابية ما تحقق من خطوات في مجال إشاعة الديمقراطية داخل
الحزب، واعتماد مبدأ علنية الفكر والسياسة، ومبدأ الانتخاب في جميع
الهيئات على أساس الترشيح الفردي وعقد المجالس الحزبية في جميع
المنظمات، مؤكدا ضرورة تطوير هذه العملية واغنائها في الممارسة،
وإنماء الوعي الديمقراطي. ونوه في هذا الإطار بأهمية ضمان حق
الأقلية في الاحتفاظ بآرائها والدفاع عنها ونشرها في الصحافة
الحزبية.
وشدّد مؤتمرنا
على وجوب الالتزام بعقد مؤتمرات الحزب في مواعيدها المحددة، وقرر
تقليص الفترة الزمنية الفاصلة بين مؤتمر وطني وآخر الى ثلاث سنوات،
وعقد مجلس حزبي في منتصف الفترة بين مؤتمرين، كما قرر ان تكون
لقرارات المجلس قوة قرارات المؤتمر الوطني. وأكد ضرورة تشاور
القيادة مع منظمات الحزب في القضايا الجوهرية والمنعطفات السياسية،
والدعوة لهذا الغرض حتى الى عقد مؤتمرات استثنائية.
وفيما يتعلق
بالعمل القيادي توصل المؤتمر الى ضرورة اعتماد آلية جديدة تستهدف
إشباع اللجنة المركزية والهيئات القيادية الأخرى بصلاحياتها
والحيلولة دون تداخل الصلاحيات بين هيئة وهيئة. ومن اجل تحسين
النشاط النوعي للقيادات وتطوير عمل الحزب في الميادين كافة أوصى
بتشكيل لجان متخصصة لتحقيق ذلك.
وانطلاقا من
خصوصيات الوضع في كردستان أولى المؤتمر اهتماما كبيرا للدور الذي
يتوجب ان يضطلع به الشيوعيون الكردستانيون في تطوير عمل الحزب في
كردستان، وصادق على وثائق وقرارات المؤتمر الثاني لمنظمة إقليم
كردستان، واقر قيام الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق (حشكع)
والحزب الشيوعي العراقي (حشع)، تقوم على استقلالية (حشكع) في
معالجة الشؤون الكردستانية كافة، بالاستناد الى منطلقات (حشع)
البرنامجية العامة.
وفي إطار دعم
نضال القوميات والأقليات وتعزيز نشاط الحزب بين أبنائها أكد
المؤتمر أهمية إقامة هيئات حزبية خاصة لتوجيه نشاط الحزب في صفوفها
وشدد على الدور الهام الذي ينهض به حزبنا الشيوعي العراقي،
باعتباره حزب الطبقة العملة والفلاحين وسائر الكادحين من شغيلة
اليد والفكر، في الدفاع عن مصالح الجماهير الشعبية وحقوقها والنضال
من اجل إقامة عراق ديمقراطي فيدرالي موحد.
كما أكد
تمسك الحزب بالماركسية منطلقا فكريا ومرشدا في الكفاح لبلوغ أهدافه
وخياره الاشتراكي.
وتناول
المؤتمرون تطورات الأوضاع العربية في السنوات الأخيرة وأشاروا
خصوصا الى الوضع الشائك والمعقد الذي تعيشه حركة التحرر الوطني
العربية وفصائلها الناجم عن اشتداد الهجوم الأمريكي، لا سيما غداة
انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية السابقة والنتائج
الكارثية للحرب العراقية – الإيرانية وغزو الكويت.
وتوقف المؤتمر
عند ظاهرة تنامي الحركات " الأصولية " الناجمة عن فشل الحكومات
العربية في حل مشاكل الجماهير، وحرمانها من حرياتها الديمقراطية،
وملاحقتها القوى الديمقراطية واليسارية. ومن الواضح ان التغيرات
التي طرأت على الوضع في المنطقة وفي ميزان القوى، وبضمنها
الاصطفافات الجديدة التي أحدثها الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي،
تلقي بمسؤوليات جسيمة على قوى وأحزاب حركة التحرر الوطني العربية
وفي المنطقة للتصدي لكل ما يمس سيادة واستقلال شعوبها ويهدد
مكاسبها وتطورها المستقل وحقوقها المشروعة.
وتدارس المؤتمر
كذلك، الوضع الجديد على الصعيد الدولي، وانفراد الولايات المتحدة
الأمريكية في تقرير المصائر الدولية. وأشار الى ان ما يسمى بالنظام
الدولي الجديد لم يسفر عن تحقيق أي من الآمال التي قيل انه يستهدف
الوصول إليها في إشاعة الديمقراطية في العلاقات الدولية والتكافؤ
بين الدول ووضع حد للصراعات والنزاعات. ذلك ان العالم لم يصبح أكثر
أمنا، ولا الشعوب أكثر حرية واستقلالاً في تقرير مصائرها واختيار
طرق تطورها المستقل. فيما تحولت الأمم المتحدة الى أداة بيد واشنطن
لتغطية مخططاتها وتنفيذ سياستها. غير ان هذا الوضع لن يستمر،
والولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن ان تبقى القطب الأوحد في
السياسة الدولية.
وتطرق المؤتمر
أيضا الى عوامل انهيار التجربة الاشتراكية ودحض المزاعم القائلة ان
هذا الانهيار هزيمة للفكر الاشتراكي، مؤكدا ان طموح البشرية منذ
الأزل الى العدالة والعيش الكريم وإلغاء الاستغلال الطبقي والتمييز
القومي والديني يبقى حياً، ولا بد ان يتجسد واقعا ملموساً.
وأظهرت مناقشات
المؤتمر ومداولاته التي جرت في جو من الديمقراطية والمكاشفة
الرفاقية الجريئة وجود تباينات في الرؤية والاجتهاد إزاء مختلف
مفاصل نشاط الحزب وسياسته الى جانب الحرص الشديد على وحدة الحزب
وتعزيز مكانته وتطوير نضاله. وقبل ان ينهي المؤتمر جلساته، قيّم
المندوبون تقييما عاليا نضال الرفيق عزيز محمد السكرتير العام
السابق للجنة المركزية، كما أشادوا بجهود ونضال الرفاق الآخرين من
قدامى الشيوعيين. وردَّ الرفيق عزيز محمد، معاهدا المؤتمرين على
بذل كل ما يملك من طاقة لخدمة قضية الحزب والشعب والوطن، وتمنى لهم
ولقيادة الحزب الجديدة كل النجاح.
وتجسيدا للعزم
على تجديد الحزب انتخب مؤتمرنا في ختام أعماله لجنة مركزية جديدة،
يزيد أعضائها الجدد على نصف مجموع الأعضاء. وفي أول اجتماع عقدته
اللجنة المركزية بعد انفضاض المؤتمر، انتخبت مكتبها السياسي،
وأجمعت على انتخاب الرفيق حميد مجيد موسى سكرتيراً لها.
اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي
العراقي
26/10/1993
----------------------------
ورقة عمل:
الديمقراطية
والتجديد في الحزب الشيوعي العراقي
بمناسبة مرور 15
عاما على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس
في تشرين الأول
من عام 2008 تمر الذكرى الخامسة عشرة لانعقاد المؤتمر الوطني
الخامس للحزب الشيوعي العراقي (مؤتمر الديمقراطية والتجديد). فقد
أعاد فيه الحزب صياغة برنامجه، ونظامه الداخلي، وخطابه السياسي،
واتخذ جملة من الإجراءات التنظيمية العملية، وصاغ أسلوب علاقاته
وآليات عمله الداخلية، بما وضعه على الطريق السليم لتجسيد شعاره في
الديمقراطية والتجديد.
وفي ظل الخراب
الذي كان يعم بلادنا أثناء فترة هيمنة النظام الدكتاتوري المنهار
وأيضا في ظل التحولات العالمية الكبرى التي بلغت ذروتها بانهيار
النظام الاشتراكي تبيّن ان متطلبات صياغة خطاب جديد ليست سهلة،
أنها تدخل ضمن متطلبات جديدة لا تستكين لاستعارة النماذج الجاهزة
وتطبيق الوصفات الآلية، بقدر ما هي مطالبة باستئناف حوار مباشر مع
حركة الواقع ومتطلبات التناقضات التاريخية الملموسة.
وبينت التجربة،
وخاصة منذ تجربة حركة الأنصار في كردستان، ان عملية التجديد
والمقرطة داخل الحزب الشيوعي العراقي، عملية ضرورية، وحاجة موضوعية
أصيلة، ولا يمكن بالتالي حصر دوافعها ومبرراتها فقط، كما يشير
البعض، بما أصاب التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوربا
الشرقية من الانهيار، رغم ما لهذا الانهيار من دور في تحفيز وتفعيل
هذه العملية، وفي تنشيط التناول النقدي - العلمي للنشاط النظري
والممارسات العملية السابقة، ولتشخيص النواقص والأخطاء، ولسبل
معالجتها. لذلك سعى الحزب خلال فترات مختلفة، بهذه الدرجة أو تلك،
لتجديد أفكاره وبرامج عمله وتكييفها لحاجات التطور الملموسة لتجيب
على أسئلة الواقع وحركة تناقضاته الملموسة.
أما في المؤتمر
الخامس تحديداً، فقد توصل الحزب إلى إن التجديد عملية " معقدة
ومركبة وشاملة "، وبالتالي فهي :
1. ليس قراراً
فوقياً ، أو أمراً حزبياً صادراً من هيئات الحزب القيادية،
2. ولا هو استجابة
ظرفية لأوضاع طارئة،
3. أو مسايرة لصرعة
سياسية أو فكرية جديدة،
4. أو إجراء عابراً
لإصلاح جانب دون غيره.
إنها على العكس
من ذلك:
-
عملية موضوعية
وحاجة أصيلة،
-
وضرورة حتمية لبقاء
الحزب (كقوة فكرية - سياسية وتنظيمية) بمستوى يبرر وجوده ودوره
المنشود في النضال للتعبير عن مصالح الطبقة العاملة والفلاحين
وجميع شغيلة اليد والفكر، القريبة والبعيدة المدى، ولتأمين مطامح
الشعب في الديمقراطية والسلام والتنمية والتقدم الاجتماعي.
لقد كان
المؤتمر الوطني الخامس ابن ظروفه الصعبة والمعقدة، ولا يمكن لأي
تحليل للمؤتمر وأعماله وقراراته ان يكون منصفا إذا لم يأخذ هذه
القضية بنظر الاعتبار. وبيّنت حصيلة التجربة خلال الفترة التي تلت
انعقاد المؤتمر حتى الآن ان عملية التجديد وترسيخ الديمقراطية، بغض
النظر عما تحقق من نتائج ايجابية، هي عملية عسيرة ومعقدة، بسبب بعض
المفاهيم النظرية المشوهة، وقوة العادة وما تركته التقاليد
والممارسات السابقة من آثار يصعب تجاوزها بسهولة وبفترة زمنية
قصيرة. هذا الى جانب التأثير السلبي للظروف الموضوعية في بلادنا،
وعموم الأجواء المحيطة بعمل الحزب، ومستوى التطور الحضاري
والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
إن ما تحقق،
على أهميته، ليس إلا خطوات أولى على طريق طويل، ومسيرة متجددة ذات
متطلبات متنوعة. إن الحزب إذ يضطلع بمسؤولية كبيرة للمساهمة في
خلق الشروط
اللازمة لتمكين شعبنا العراقي من إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة
الوطنية والاستقلال بأسرع ما يمكن، بترابط وثيق مع وضع البلاد على
سكة التطور الديمقراطي وإعادة البناء،
ينبغي أن يتمسك
بعملية الديمقراطية والتجديد، ويرسخها ويطورها دون تراجع أو
انتكاس.
وبمناسبة
الاحتفال بالذكرى الخامسة عشرة لانعقاد المؤتمر الوطني الخامس ثمة
أسئلة كثيرة يمكن ان تطرح من زوايا مختلفة. ومن بين القضايا
الجديرة بالنقاش المعمق والعلمي ما يلي:
-
لماذا هذه
التجديدات، أو الصياغات الجديدة في الوثائق التي صادق عليها
المؤتمر الوطني الخامس وما هي ضروراتها؟
-
ما هي انعكاسات
المؤتمر الخامس على الخطاب السياسي للحزب وممارساته النظرية ونشاطه
التنظيمي وعلاقاته مع الأطراف السياسية الأخرى وعلى تحالفاته؟
-
إشكالية
الديمقراطية السياسية/الديمقراطية الاجتماعية. تجربة الحزب الشيوعي
العراقي التاريخية مع قضية الديمقراطية وكيف تعامل معها في مختلف
المراحل تحتاج الى مقاربات مجتهدة. في المراحل المبكرة من نضال
الحزب ألقت وثائقه المختلفة وبرنامجه الضوء على قضية الديمقراطية
في جوهرها القائم في الحريات العامة والحقوق الأساسية للجماهير،
وعارض الحزب اللجوء للقوانين الاستثنائية وفرض حالة الطوارئ ،
آنذاك ، من جانب عدة حكومات، وطالب بالحكم الذاتي لكردستان العراق
كمقترح ديموقراطى مبكر لحل القضية القومية. ولكن بالمقابل وفي
مراحل لاحقة راهن على خيار الديمقراطية الاجتماعية على حساب
الديمقراطية السياسية.
-
إشكاليات المرحلة
الجديدة التي بدأت في 9/4/2003 والظروف الجديدة التي يناضل الحزب
فيها بما في ذلك انتقاله من المعارضة إلى المشاركة في السلطة.
وتبيّن في الممارسة ان هذه المرحلة تحتاج الى أشكال جديدة للتنظيم،
وصيغ جديدة للممارسات الديمقراطية، والى أنماط جديدة للمحالفات
السياسية وآليات التفاوض الجماعي بين القوى السياسية سواء تلك التي
تشكل موضوعيا أساس هذا الخيار أو قوى المعارضة الأخرى.
-
جدل
المحلي/العالمي. لم يكن التجديد حدثا محليا صرفا بل ارتبط بجملة
أحداث على الصعيد العالمي بدأً من أواخر الثمانينات في القرن
العشرين، تمثلت بحدوث جملة التحولات الاسمية أو الفعلية في الأحزاب
الشيوعية والعمالية العالمية وأعيد تشكيل خارطة اليسار عموما. لقد
أطلقت تلك الأحداث وما ارتبط بها من تداعيات نقاشا وجدلا صاخبا
مما أضفى حيوية على الصراع الفكري وطرح جملة من التحديات الفكرية
والأسئلة التي تحتاج الى مقاربات بعيدة عن الأجوبة المعلبة.