بعض قضايا الديمقراطية والتجديد  في الحياة الداخلية للحزب الشيوعي العراقي - علي العقابي

 

    بدأت موضوعة الديمقراطية والتجديد في الحزب الشيوعي العراقي قبل انهيار المنظومة الاشتراكية وتفكك الاتحاد السوفيتي وتصاعدت وتيرتها بعد ذلك ، وأقرت هذه الوجهة في المؤتمر الوطني الخامس 13 – 25 تشرين الأول 1993، الذي سمي  بـمؤتمر الديمقراطية والتجديد .

    اتسمت أجواء الحوار داخل المؤتمر بحرية كاملة ، وسادته أجواء المصارحة والمكاشفة وروح النقد ، التي كانت سمات أصيلة وحقيقية اتسم بها ، الذي اعتبر بحق المرحلة الأولى لسياسة التجديد والديمقراطية في حياة الحزب الداخلية .

    كما تناول المؤتمر وبتركيز واهتمام شديدين القضايا التنظيمية , فمن اجل ان يكون الحزب في مستوى الإحداث ومساهما فعالا في مسيرة الديمقراطية, كان لابد له ان يعيد بناء نفسه ، ويوطد أركانه على أسس صحيحة.

    جرت خلال المؤتمر دراسة مشروع النظام الداخلي للحزب وكان عليه ان يلخص النقاش الذي جرى في المنظمات الحزبية وعلى مدار السنتين اللتين سبقتا عقده. كما كان على المؤتمر، أن يدقق ويغني نظرية الحزب التنظيمية المثبتة في النظام الداخلي.

    استقر رأي المؤتمرين على ان تعتمد في النظام الداخلي صيغة " الماركسية " كمرشد يهتدي به الحزب في نضاله ومسعاه وجهوده للتعرف على واقع المجتمع العراقي وخصوصياته ، وهكذا حددت الهوية الفكرية للحزب.

    ماذا نقصد بالماركسية هنا ؟  نقصد بها أفكار مؤسسيها ماركس و أنجلز و لينين والتطورات التي جرت بعدهم ، على يد المفكرين الماركسيين والحركة الشيوعية العالمية. فالماركسية لم تنتهِ بانهيار الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي يتطلب العمل على تطويرها وإغنائها بمستجدات الحياة ومعطياتها، وإيجاد الحلول النظرية لتناقضات الواقع .

    الماركسية مرشد ودليل عمل، تغتني بالجديد دائما. نعني بالماركسية: كل هذا الماضي، الحاضر والمستقبل من جهود عباقرة الفكر ومؤسسي الماركسية والتلامذة المبدعين الذين يطورون الماركسية انسجاما مع الواقع .

    وكان اعتماد هذه الصيغة، أي "الماركسية"، في وثائق الحزب قد وفر له مساحة اكبر لتجديد الفكر الماركسي والاشتراكي .

    وجرى في المؤتمر فحص المبادئ التنظيمية، والمبدأ الأساسي الذي يرسو عليه كامل نسيج بناء الحزب (المركزية الديمقراطية).

    وحول هذا المبدأ لم يهدأ النقاش والجدل، على أوسع نطاق، لحد يومنا هذا . وقد استأثر هذا النقاش باهتمام كبير خاصة بعد انهيار التجربة الاشتراكية في شرق أوربا والاتحاد السوفيتي .

    فباسم المركزية الديمقراطية جرى التجاوز أحيانا على الديمقراطية ، والجماعية , والروح الإنسانية والرفاقية. وهذه الثغرات والنواقص والمثالب لم تقتصر على الحزب الشيوعي السوفيتي والأحزاب الشيوعية الحاكمة ، بل انسحبت على الأحزاب الشيوعية والسرية منها بالذات، وبينها حزبنا .

    لذلك أرتؤي ان المهم هو  تخليص المبدأ من التشويهات التي حولت بعض الممارسات الى ممارسات بيروقراطية أدارية أوامرية بدلا من ان يكون عونا للشيوعيين في تجديد أحزابهم وإشاعة الديمقراطية.

    في المؤتمر الخامس جرى الإبقاء على مبدأ المركزية الديمقراطية بعد تخليصه من هذه الشوائب،  وتوفير الضمانات النظامية والضوابط التي من شانها تعزيز وترسيخ الممارسة الديمقراطية وان تمنع تحويل المركزية الديمقراطية إلى مركزية بيروقراطية . وقد وضع النظام الداخلي الذي اقره المؤتمر الكثير من الضمانات التي تعزز وتؤمن الديمقراطية في حياة الحزب .

    مختصر القول مركزية مؤطرة ومبنية على أسس ديمقراطية عبر مبادئ القيادة الجماعية والنقد الذاتي وإطلاق الحوار والإبداع الفكري وحمايته .

    في المؤتمر الوطني الخامس، استأثرت قضية احترام رأي الأقلية باهتمام كبير وبضمانات دستورية تكفل ان لا يترتب على الفكر المخالف أو المغاير أية ضريبة، وضرورة ان يجري التعامل، باحترام، مع الرأي المخالف والمعارض حتى يتمكن من إقناع الأغلبية أو يقتنع برأيها , ولكن يبقى تنفيذ القرارات الحزبية ملزم للجميع , سواء كان مقتنعا بها أو غير مقتنع طالما أقرت بالأغلبية في الهيئة المعنية .

    كما أتيحت للأقلية حرية النشر لآرائها وفق الأصول في الصحافة الحزبية، كي لا تقمع تلك الآراء وتحبس في دهاليز حزبية ضيقة .

    يجب علينا ان لا نخشى الحقيقة، وعلينا إعادة تربية أنفسنا بروحية الجدل وصراع الآراء وتبادل الخبر والأفكار، فالحقيقة تكتشف عبر البحث الجاد عنها وعبر المعرفة الأعمق بالواقع .

    هكذا توجه الحزب، على الصعيد الفكري، الى الابتعاد عن عادة الاستنساخ والتقليد والمحاكاة الميكانيكية ، وإطلاق  الطاقات الإبداعية للفكر الشيوعي لتجديد مقولاته وصياغاته النظرية مسترشداً بالماركسية .

    انتهى المؤتمر بتحديد الإجراءات الملموسة ، الواجب اتخاذها لتحويل شعار الديمقراطية والتجديد إلى واقع حي في حياة الحزب الداخلية وفي سائر مفاصل وميادين نشاطه .

    قيّم المؤتمر بصورة ايجابية ما تحقق من خطوات في  مجال إشاعة الديمقراطية داخل الحزب، واعتماد مبدأ علنية الفكر والسياسة، ومبدأ الانتخابات في جميع الهيئات على أساس الترشيح الفردي وعقد الكونفرنسات الحزبية ، مؤكدين على ضرورة تطوير هذه العملية واغتنائها في الممارسة العملية، وإنماء الوعي الديمقراطي والوعي الانتخابي.

 

المرحلة الثانية - المؤتمر الوطني السادس 26 – 29 تموز 1997

    في النقاشات داخل المؤتمر السادس، شكلت موضوعة الديمقراطية والتجديد هاجساً أساسيا أيضا. إن ما تحقق على هذه الصعد ليس قليلا، خلال السنوات الأربع التالية (من عام 1993 حتى 1997)، غير انه ظل دون مستوى الطموح ويتطلب مواصلة العمل الذي وضع أسسه المؤتمر الوطني الخامس . جرى التوجه والعمل لتدقيق الخطاب السياسي للحزب - بالاعتماد أكثر فأكثر على الوقائع والحقائق الموضوعية وفي رسم المهمات والحلول. أي التخلص من الأحكام الجاهزة، واعتماد المحاججة والمنطق العلميين في التعامل مع المشاكل ووجهات النظر المختلفة والمخالفة، ثم التركيز على الديمقراطية كمفهوم وممارسة ، ونظام سياسي بديل .

    ان كل هذا جر ى في ظل ظروف صعبة تمثلت بضغوط للتأثير على وجهة الحزب وخطابة السياسي ، وإبعاده عن انتهاج سياسة مستقلة متوازنة تحافظ على هويته الفكرية والسياسية .

    ان مواصلة ترسيخ الديمقراطية والتجديد في  كل المجالات تتطلب فهم الواقع الذي يعيشه الحزب ، وتأمين المستلزمات الضرورية لتحقيق هذه المواصلة بنجاح .

    وأما على صعيد الحياة الداخلية فقد تحققت نجاحات في ميدان مشاركة القاعد ة الحزبية في رسم سياسة الحزب العامة وصياغة شعاراته وتكتيكاته. وهذه المسالة لم تعد حكراً على عدد محدود من قيادي الحزب وكوادره، بل أصبح شأنا يخص كل رفاق الحزب وهيئاته ولجانه. كما جرى اطلاع منتظم لجميع المنظمات الحزبية على مجريات اجتماعات ل. م وقراراتها .

    لقد تنشط الصراع الفكري وتحسنت إدارته، وجرى اهتمام جدي بالرأي الأخر. وتم فسح المجال لطرح الآراء المغايرة على  مجموع الحزب سواء في الصحافة العلنية أو الداخلية، فضلا عن إجراء الموسعات الحزبية لعموم الرفاق وإبداء الآراء بمجمل سياسة الحزب .

    وبالمقابل فقد توطدت الانتخابات الحزبية كأسلوب لاختيار الرفاق الأكفاء لجميع المراكز الحزبية، خصوصا في مناطق كردستان العراق. ومع هذه النجاحات جرت الإشارة في المؤتمر الوطني السادس الى انه ليس من الصحيح تجاهل واقع أن الحزب لم يتخلص بعد من جميع الشوائب والعيوب في هذا المجال . لان هذه العملية تتطلب وعيا عاليا ودأبا متواصلا ، وعملا تربويا وتثقيفيا كبيرا، للتغلب على صعوبة التكيف مع الأساليب الجديدة بالنسبة لبعض الرفاق , وحاجة البعض الأخر لهذا التكيف ونبذ الأساليب المعرقلة، وتذليل الصعوبات الناجمة عن التباعد في المواقع النضالية ، وما ينجم عنها من تفاوت واختلاف في فهم الظواهر والمشاكل التي  تواجه الحزب .

    كانت هناك تجاوزات وأخطاء ومظاهر للخروج عما هو نظامي وأصولي، في مجال إبداء الرأي الأخر، ولكن هذا يجب ان لا يدفع الحزب للتخلي عن الاتجاه السليم الذي اتبعه منذ المؤتمر الوطني الخامس، ولابد من ضرورة الانتباه الى ان حرية النقاش يجب ان لا تضر بالعمل التنظيمي ولا تقدم مادة مجانية ، بدون قصد لإيذاء الحزب.

    حصيلة تجربة الحزب للأعوام الأربعة التي تلت المؤتمر الخامس أكدت ان عملية الديمقراطية والتجديد هي عملية عسيرة وصعبة بل ومعقدة بسبب بعض المفاهيم النظرية المشوهة ، وقوة العادة وما تركته التقاليد والممارسات السابقة من آثار يصعب تجاوزها بسهولة وبفترة زمنية قصيرة،. هذا الى جانب التأثير السلبي للظروف الموضوعية التي كانت سائدة في بلادنا، وعموم الأجواء المحيطة بعمل الحزب ، والمتمثلة بنظام القمع والإرهاب ومستوى التطور الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي . وبحكم ارتباط موضوعة الديمقراطية والتجديد بحركة الواقع والظواهر الجديدة التي يفرزها ، فقد كانت بحاجة الى المزيد من الوقت والجهد الجماعي ، الى  جانب الحاجة الى الصراع والتفاعل من اجل بلورة مفهوم متكامل لعملية التجديد، على صعيدي النظرية والممارسة . ورغم هذا وذاك من الممكن الإشارة إلى إنه كانت هناك ثلاثة اتجاهات في الحزب، آنذاك، حول الموقف من عملية الديمقراطية والتجديد.

1.      الاتجاه المحافظ المتسم بالركود والانشداد إلى الماضي .

2.      الاتجاه العدمي المتسم بالليبرالية والتحلل من الالتزامات السياسية والفكرية .

3.      الاتجاه التجديدي الذي يسعى باستمرار للاقتراب من الواقع والتعامل بموضوعية مع الظواهر .

    ولكن لابد من الإشارة أيضا إلى حقيقة واضحة وهي إن الرأي العام الحزبي الغالب كان مع عملية التجديد والتطوير، بالمنظور الذي يسعى إليه الحزب.

    من جانب أخر أكدت التجربة خلال هذه الفترة كم هي خطرة على عملية التجديد، المعايير الذاتية والانتقائية التي تنطلق عمليا من مواقف تشكك بموضوعية هذه العملية.

    كذلك أظهرت التجربة أيضا مدى حاجتنا إلى الواقعية في رصد الظواهر في حياتنا الحزبية وعلاقتنا من خلال تفعيل المنهج المادي  الجدلي والأخذ بنظر الاعتبار الظروف الملموسة ومستوى التطور الاقتصادي الاجتماعي الثقافي عند صياغة مفاهيم الديمقراطية والتجديد أو عند ممارستها فعلياً .

    وهنا لابد من الإشارة بأن هناك ميولاً في الحزب كانت تهدف الى معارضة إشاعة الديمقراطية بذرائع وأسباب عديدة ومتنوعة وهي:

1.      التقاليد السائدة في المجتمع والحزب .

2.      غياب الثقافة السياسية.

3.      التخلف الاجتماعي أو المستوى الحضاري المتدني.

4.      التعكز على "الخصوصيات" و "الواقع الملموس" لعرقلة ما هو ناضج باتجاه إشاعة الديمقراطية داخل الحزب وتجديده فكراً وممارسة وتنظيماً.

5.      محاولات التوظيف المفتعل لما آلت إليه البريسترويكا (إعادة البناء في الاتحاد السوفيتي) المأساوي لصالح تكريس روح المحافظة والجمود .

    هذه الميول كانت موجودة داخل الحزب، آنذاك، وهي ميول كانت خطرة ومؤذية له.

    ولا يقل خطورة عن هذه الميول سعى البعض لاستنساخ تجارب الآخرين ومحاولة فرضها قسراً على واقعنا، دون الأخذ بنظر الاعتبار خصوصيات هذا الواقع .ان ما جرى التأكيد عليه في المؤتمر الوطني السادس هو ان تبقى عملية البحث قائمة للوصول الى قراءة صحيحة لما انتهت إليه التجارب السابقة لبناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية لاستخلاص نتائج سليمة ومعللة وذلك بسبب غياب الديمقراطية السياسية واعتماد آليات بعيدة عن أفكارنا ومثلنا  من قبيل عبادة الفرد والبيروقراطية ، إضافة الى القفز على المراحل، والتنكر للفعل الموضوعي للقوانين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من الممارسات المدمرة لبناء الاشتراكية، كي تتمكن أحزابنا من النهوض و معاودة المسير على هدى الاشتراكية كبديل موضوعي للرأسمالية وشرورها . من المهم الإشارة الى ان عملية القراءة الصحيحة والسليمة تتطلب من الشيوعيين العراقيين:

1.      تفحص النجاحات التي حققتها الأحزاب الشيوعية والاشتراكية واليسارية الجديدة في العديد من البلدان.

2.      الاستفادة من تجارب الماضي وإخفاقاته .

3.      استلهام حقائق الواقع لصياغة برامج عملية تعبر عن مصالح الجماهير الفعلية .

ولابد من القول ان الحزب قطع شوطاً لا يستهان به حتى الآن، على طريق الديمقراطية والتجديد .

المرحلة الثالثة - المؤتمر الوطني السابع 25-28 أب 2001

    ما أكده المؤتمر الوطني السابع هو ان الحزب تبنى الديمقراطية والتجديد بقناعة لا يقربها شك، وكضرورة ترتبط بهويته الفكرية والطبقية، وحاجة ماسة لتواصل نشاطه الحالي والمستقبلي، ووجوده حزبا واقعيا، وعصريا، متجدداً باستمرار ورافضاً الجمود الفكري والتكلس التنظيمي، حزباً ديمقراطيا في بنائه الداخلي، جماعيا في قيادته، منظما. وهي عملية معقدة، شاملة متواصلة، لا تقف عند  حد، فهي مستمرة ما بقيت الحياة متغيرة ومتطورة .

    وانطلاقا من ذلك، توجب على الشيوعيين العراقيين ان يواصلوا الجهد لاستلهام توجهات عملية الديمقراطية والتجديد ، حتى في ظروفهم الصعبة ، وان يكيفوا معانيها وفقا لواقعهم الملموس، ومواقع نشاط منظماتهم ، وبما يزيد من قوتهم التنظيمية، وعلاقتهم الجماهيرية، وحضورهم السياسي – الفكري. وقد بينت التجربة  ان  مواصلة عملية الديمقراطية والتجديد لا تنسجم مع العفوية ، والفوضى ، وكل ما يشيع الإرباك والجدل العقيم الذي لا يستند الى معطيات الواقع الموضوعي وملموسياته وحاجاته الفعلية.

    وأكد المؤتمر على ان الحزب يملك ذخيرة كبيرة واحتياجات كثيرة، لا تكمن في تاريخه وحسب، وإنما في حاضره، وفي إمكانيات رفاقه ومنظماته وطاقاتهم الكبيرة، وضرورة العمل، بمثابرة، من اجل مواصلة نهج الديمقراطية والتجديد الذي لا رجوع عنها إطلاقا .

    في أول اجتماع للجنة المركزية للحزب (بعد سقوط النظام) يومي 24 و 25/7/2003 وكان الاجتماع اعتيادياً ، إلا انه اكتسب أهمية خاصة لأنه جاء بعد انهيار الدكتاتورية، الذي افرز ظرفا موضوعياً وذاتياً جديدا، كليا، ثم التعامل معه بفهم وإدراك عميقين، ودراسته بدقة علمية ووضعت الخطط (التنظيمية والسياسية والفكرية) الكفيلة برفع مكانة الحزب بين الجماهير وتوسيع قاعدته الاجتماعية .

    في هذا الاجتماع اتخذت اللجنة المركزية جملة من الإجراءات والتدابير الضرورية لبناء الحزب وإعادة منظماته، واتخذت قراراً بصدد تعليق بعض المواد، في النظام الداخلي، التي تخص منح العضوية دون العودة الى فترة الترشيح , منطلقة من أن معركة الحزب القادمة هي الوصول الى البرلمان المرتقب وبالتالي المشاركة في الحكم، وهذا يتطلب كسب أوسع الجماهير . أي ان الظرف الجديد يحتم على الحزب عدم التباطؤ في الكسب والقدرة على استيعاب الرفاق الجدد وفق شروط مناسبة حددت بثلاثة نقاط:

1.      خلو تاريخ الشخص المعني من الخيانة الحزبية وعدم الحاقة ضرراً جسيما برفاقنا وتنظيماتنا الحزبية .

2.      لم يلحق الأذى بالناس .

3.      لم يكن بوقاً من أبواق النظام الديكتاتوري المقبور.

    فإذا ما تمتع المواطن أو الرفيق الذي انقطعت صلته الحزبية بهذه المزايا الثلاث يكون مؤهلا بعضوية كاملة تمكنه من المساهمة في عمل الحزب .

    ان هذا التعليق جرى عبر دراسة لواقع عراقي جديد  ولا يخرج عن الإطار الذي نتحدث به حول الديمقراطية والتجديد في الحزب. وانطلاقاً من ذلك واصلت اللجنة المركزية وهيئات الاختصاص الأخرى المعنية  توجهاتهما وتأكيداتهما على فهم الظرف الجديد، وإيجاد الخطط  والمشاريع الفكرية والسياسية والتنظيمية المناسبة .

    وبالمقابل فقد شخصت اللجنة المركزية بأن هناك ضرورة ملحة يجب ان تبذل من اجل العمل الفكري، ولهذا عقد موسع فكري في 9/10/2003 حضره ما يقارب (85 ) رفيقاً ورفيقه يمثلون عموم منظماتنا الحزبية في العراق . وجاء ت توجيهات الموسع دعما للديمقراطية وتجديد حياة الحزب الداخلية، حيث جرى التأكيد على الحاجة الماسة الى مباشرة كافة المنظمات بصياغة برامج للعمل الفكري، وضرورة تشكيل هيئات العمل الفكري واختيار أفضل الرفاق لذلك ، وخاصة الرفاق الذين يستوعبون عملية الديمقراطية وتجديد الحزب. كما جرى التأكيد على الاستيعاب الأعمق للنظرية الماركسية من اجل ان لا نتكلس على ما اكتسبناه من معرفة. وهذا بحد ذاته يتطلب السعي الى التفكير بالجديد، فالماركسية قوية بمنهجيتها وقدراتها على استلهام الجديد. والنظرية تتطور دائما في مجري النضال السياسي والفكري ويخطئ من يعتقد بان الماركسية قيلت ولمرة واحدة وتبقى على ما  هي عليه دون تغيير . فالماركسية نظرية لحزب الحاضر والمستقبل وليس الماضي . فمثلا طبيعة المرحلة التي نعيشها الآن ، هي  مرحلة تحرر وطني نواجه الاحتلال ولكن هل هذه المرحلة منفصلة عن مهمات البناء الديمقراطي ؟ الجواب: كلا، فلا يوجد فصل بين المهمتين. فهناك علاقة وثيقة بين مهمات التحرر الوطني والمهام الديمقراطية في بلادنا. انطلاقا من ذلك جرى التأكيد، ومنذ سقوط النظام الدكتاتوري، على تحويل الحزب الى حزب جماهيري قادر على التأثير الواسع وخوض النضالات الجماهيرية والانتخابية. وجرت الإشارة الى الطبيعة المؤقتة لتشكيل الهيئات الحزبية، ولذلك اعتمد أسلوب التنسيب بقرار من  لجنة التنظيم المركزية لتشكيل الهيئات المسؤولة وبنفس الوقت التأكيد على انه سيتم اعتماد أسلوب "الانتخابات" الحزبية لاحقاً .

    أما في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الذي انعقد يومي 11- 12 من ديسمبر (كانون الأول) 2003 فقد تم التأكيد على ان اعتماد أسلوب الانتخابات الحزبية وإشاعة الديمقراطية والتجديد في الحزب يتطلب أيضا الارتفاع بالمستوى  الفكري والتثقيفي ليكونا بمستوى هذه العملية التي تتطلب وعياً حزبياً ولتكون بمثابة نقلة نوعية في العمل الحزبي . وقد كانت بعض الطروحات تستعجل القيام بالانتخابات وتستسهل اعتمادها فوراً دون ان تراعي وضع الحزب آنذاك. وقد جرى تخطئة هذه الطروحات والتوضيح  بان هذه العملية يجب ان تتوفر لها ظروف مؤاتية لنجاحها .

    وفي ظل هذه السياسات التي اختطتها اللجنة المركزية حققت المنظمات الحزبية قدرا لا بأس به من النجاح على شتى الصعد إلا انه ظل دون مستوى الطموح .

    وبالمقابل، شخص اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في نيسان 2004 التطور الحاصل في عموم منظمات الحزب في موضوعة الديمقراطية والتجديد. إلا ان السبب في استمرار بعض الصعوبات، كما شخص الاجتماع، يعود الى انشداد نسبة كبيرة من الكوادر والرفاق الى الأساليب القديمة في العمل، و"المراتبية" السابقة في التنظيم. ويكمن سبب ذلك في الانقطاع الحزبي وعدم مواكبة التغيرات الفكرية والتنظيمية في الحزب، الأمر الذي يتطلب تنشيط العمل الفكري وعقد الموسعات الفكرية والسياسية والتنظيمية، بإشراف من قيادة الحزب، والاهتمام بتقديم الرفيقات والرفاق الشباب ورعايتهم وتطويرهم فهم الأكثر حيوية وقدرة على استيعاب المتغيرات.

    أكدت الاجتماعات التالية للجنة المركزية على صحة وصواب نهج الديمقراطية والتجديد في الحزب الذي انطلق من المؤتمر الوطني الخامس وضرورة إجراء الانتخابات الحزبية في جميع المحليات، وهذا هو ما جرى فعلاً.

    ففي أيلول 2005 جرت الانتخابات الحزبية في الغالبية العظمى من المحافظات (للجان المحلية فقط) وكانت جيدة وأشاعت نوعاً من الحماسة والاندفاع وتعزيز الشرعية - كما ان الغالبية من الرفاق الذين تم انتخابهم كانوا من الأكفاء والمؤهلين، وتجدر الإشارة الى صعود كادر شبابي في بعض المحليات .

    ومنذ نهاية عام 2005 بدأت اللجنة المركزية للحزب بصياغة سياسة تنظيمية جديدة، خاصة وان ثلاث سنوات تقريباً مرت على السقوط النظام الدكتاتوري فظهر نوع من الاستقرار في التنظيم، حيث بدأ الحزب يعيش حالة استقرار منظماته وشرعيتها عبر الانتخابات. لذلك جرى ايلاء اهتمام اكبر بالنوعية دون التفريط بالكم ، والتأكيد على استكمال الانتخابات الحزبية في جميع المحليات التي لم تجر فيها لتهيئة عموم منظمات الحزب للمؤتمر الوطني الثامن. كما تم التأكيد على ضرورة ان يأخذ النساء والشبيبة دورهم في الهيئات القيادية .

    وأكد اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 15/3/2006 على حاجة الحزب وباستمرار الى التثقيف بمضمون الديمقراطية الحزبية وتفاصيلها، ومكافحة الفهم الموجود لدى البعض بان الديمقراطية والتجديد تعني فقط الانتخابات الحزبية وهذا غير صحيح. ان الديمقراطية والتجديد أوسع من ذلك بكثير، وهي شرط لا غنى عنه لتطوير نشاط الحزب، وإطلاق مواهب وطاقات أعضائه ومنظماته، ولتعزيز التلاحم والوحدة في صفوفه. وهي تعني أيضا مساهمة منظمات الحزب وأعضائه في إقرار شؤونه، كذلك تعني رسم سياسته وحل المهام المطروحة أمامه ورجوع الهيئات القيادية الى (الرأي العام الحزبي) الاستفتاء في القضايا العامة (مثلاً الدخول في  التحالف). الديمقراطية تعني كذلك ضمان حرية التنافس بين المرشحين، حرية ممارسة النقد والنقد الذاتي، جميع الهيئات تقوم بتقديم تقارير منتظمة عن نشاطاتها وكذلك تمسك جميع منظمات الحزب بمبدأ الجماعية في العمل المقترن بالمسؤولية الشخصية وتحديدها، وتشجيع روح المبادرة والإبداع ورفض الأساليب البيروقراطية في التعامل بين الرفاق ومنظمات الحزب وغيرها من الأمور التنظيمية الأخرى .

    لقد أصبح الحزب أكثر خبرة مما كان عليه، لا سيما في تجربته العملية وخاصة ما يتعلق بالديمقراطية والتجديد في حياته الداخلية . لقد تحققت نجاحات كثيرة، ولكن ما زالت الحاجة ملحة لمواصلة بذل الجهود من اجل ان يكون الحزب أكثر تنظيماً وتأثيرا في الحياة السياسية. أما في اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في 15/9/2006 والذي تناول جوانب الوضع التنظيمي للحزب، بما فيه العمل القيادي ونشاط منظماته ولجان الاختصاص المركزية، والهيئة الاستشارية، فقد اقر جملة من التوجهات التي كان من شأنها تفعيل نشاط هيئات الحزب المختلفة. كما تابع الاجتماع التحضيرات والاستعدادات الجارية لعقد المؤتمر الوطني الثامن للحزب ، وما تم بشأن انجاز مشاريع الوثائق التي ستقدم آلية لمناقشتها وإقرارها. وتوقف أيضا عند سير عملية الحوار والنقاش حول تلك الوثائق، داخل منظمات الحزب وفي وسائل إعلامه، بهدف التدقيق والتصويب والتعديل والاغناء مواصلة لنهج الحزب في الديمقراطية والتجديد.

    وارتباطاً بالتحضيرات التي جرت لعقد المؤتمر الوطني الثامن فان عملاً كبيرا قامت به منظماتنا ورفاقنا وجماهيرنا, من اجل رفع وتيرة النشاط، وتجميع الصفوف، وتفعيل الجهود، والتطبيق المبدع لبرامج وتوجهات الحزب على مختلف الصعد. ولقد جرى في عموم منظماتنا الحزبية، انتخاب سكرتاري الخلايا ونوابهم ، وتم عقد الكثير من الكونفرسات الأساسية والفرعية ، انتخبت فيها هيئاتها القيادية وسكرتاريها ونوابهم وكذلك مندوبيهم لكونفرنساتها المحلية، والتي تم فيها مناقشة وثائق المؤتمر وانتخاب اللجان المحلية وسكرتاريها ونوابهم، وهذا يحدث لأول مرة في تاريخ الحزب ، كذلك تم انتخاب مندوبي المحليات للمؤتمر الوطني الثامن. ان الكونفرنسات والانتخابات الحزبية كانت خطوة جديدة في عملية الديمقراطية والتجديد ، اتفق على الالتزام بها ، وتهيئة مستلزمات نجاحها وإكمال نواقصها والعناية بمقرراتها وتوجهاتها.

 

المرحلة الرابعة – المؤتمر الوطني الثامن 10- 13 أيار 2007

    قبل سنتين من عقد المؤتمر, بذل الحزب جهودا كبيرة. وانطلاقا من الديمقراطية والتجديد أيضا, وزعت ونشرت وثائق المؤتمر, ليس على رفاق ومنظمات الحزب فقط, بل على العديد من العراقيين.

    وعلى الصعيد التنظيمي، قامت جميع منظمات الحزب بمناقشة هذه الوثائق وإبداء الآراء فيها, كذلك قامت بانتخابات حزبية في جميع مستويات الحزب بدءا بالخلايا وانتخاب سكرتاريها وعقد كونفرنساتها الأساسية والفرعية والمحلية, وانتخاب سكرتاري ونواب هذه اللجان ومكاتبها , وصولا الى انتخاب مندوبي المؤتمر. وبروح عالية من المسؤولية وفي أجواء الشفافية والنقاش الحر والسجال الديمقراطي, توقف المندوبون الى المؤتمر عند سبل تعزيز دور الحزب في حياة البلاد على الصُعد المختلفة , وبحثوا مشاريع الوثائق المقدمة الى المؤتمر واقروها بعد التدقيق والتعديل.

    وعالج المؤتمر بروحية الديمقراطية والتجديد موضوعة الانشداد للأساليب وطرق العمل التقليدية التي عفى عليها الزمن , والبحث عن ما ينسجم مع حركة الواقع المتجدد. كما وضع المؤتمر أسساً جديدة لإتقان فنون وأساليب العمل العلني عموما. وكان لابد من إعادة إحياء صلات الحزب مع أوسع الجماهير الشعبية , وبنفس الوقت أكد المؤتمر على اليقظة والحذر إزاء مساعي أعداء الحزب التخريبية والتشويشية ومحاولات إرباك صفوفه.

    واقر المؤتمرون بأن الحزب يسترشد بالفكر الماركسي والتراث الاشتراكي عامة, وتثبيت هذه الصيغة في وثائق الحزب تتيح له فرصة اكبر لتجديد فكره على أساس المنهج المادي الديالكتيكي – التاريخي, كذلك يستوحي كل ما هو تقدمي في ارث الحضارات الرافدينية والحضارة العربية الإسلامية وسائر الحضارات الإنسانية. كما اقر المؤتمر بأن الحزب الشيوعي العراقي هو حزب ديمقراطي في جوهره يعمل على إقامة نظام ديمقراطي أساسه التعددية السياسية , والفصل بين السلطات , والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق الإنسان , وضمان الحريات الشخصية والعامة, واعتماد مبدأ تكافؤ الفرص, وتأمين العدالة الاجتماعية, وبناء دولة القانون والمؤسسات, الدولة الديمقراطية العصرية.

    كما أكد المؤتمر بأن مبادئ تنظيم الحزب وحياته الداخلية تتجسد في القيادة الواحدة للحزب, وتنتخب بطريقة ديمقراطية, وتعبر عن إرادة الحزب بجميع أعضائه ومنظماته. كما تعبر هذه المبادئ عن وحدة الحزب السياسية والتنظيمية ووحدة المنطلقات الفكرية المبنية على الأسس الديمقراطية وعلى حرية الرأي والتنافس والتفاعل المتبادل بينها والاتفاق عليها والتي تجد تعبيرها في وحدة الإرادة والعمل. ان اتخاذ القرارات الحزبية على مختلف المستويات يتم بالاتفاق العام أو بالأغلبية المطلقة, بعد المناقشة الحرة والمستفيضة, على ان يجري التمسك بقرارات مؤتمرات الحزب وقيادته وتصبح ملزمة لجميع أعضاء الحزب وهيئاته ومنظماته. كما ان حق الأقلية في مناقشة سياسة الحزب وشؤونه الداخلية وإبداء اعتراضاتها عليها أمام الهيئات الحزبية المسؤولة، بما فيها المؤتمر، حق ضمنه النظام الداخلي للحزب, وهذا تعزيز لمسيرة الديمقراطية والتجديد. وانعكس هذا التعزيز أيضا في رقابة الهيئات القاعدية على نشاط الهيئات القيادية, وحقها في مطالبة الأخيرة بتقديم تقاريرها عن مواقفها ونشاطها في مختلف الميادين.

    ان الديمقراطية والتجديد، كما أكدتها وثائق المؤتمر الوطني الثامن، بأنها مساهمة منظمات الحزب وأعضائه في تقرير شؤونه, ورجوع الهيئات القيادية الى الرأي العام الحزبي عند بحث القضايا الأساسية وذلك عبر استفتاء حزبي داخلي قبل اتخاذ القرار المناسب في أي قضية هامة مطروحة. وكذلك حرية إبداء الرأي والمناقشة والتعدد والتباين في الآراء وصراعها وتفاعلها وبالتالي الاتفاق عليها , واعتماد الشفافية فيما يتعلق بنشاط الحزب العام , وانتخاب جميع الهيئات القيادية والمسؤولين بالاقتراع السري وبالأكثرية المطلقة, مع ضمان حرية التنافس بين المرشحين وحق الناخبين في الاعتراض عليهم, والتخلي عن التنسيب والأخذ بمبدأ التجديد للهيئات في كل دورة , وكذلك حرية ممارسة النقد والنقد الذاتي , وتمسك جميع منظمات الحزب بمبدأ الجماعية في العمل والتأكيد على مكافحة الأساليب البيروقراطية في التعامل بين منظمات ورفاق الحزب.

    وأخيرا،لابد من التأكيد بأن ما جرى في المؤتمر الوطني الثامن للحزب هو استمرار لنهج الديمقراطية والتجديد في حياة الحزب الداخلية الذي اختطه الحزب واعتمده منذ المؤتمر الوطني الخامس. لقد مر أكثر من عام على عقد المؤتمر الوطني الثامن وما زال الحزب يخوض نضالا صعبا ومعقدا. وهذا يتطلب تنفيذ العديد من التوجهات التي تمت مناقشتها والأخذ بها في المؤتمر، وفي مقدمتها :

- هناك حقيقة هي ان العالم قد تغير، والكثير من المسلمات قد تبدلت وتغيرت، ولابد للشيوعيين من تطوير خطابهم وممارستهم وتنظيمهم السياسي.

- الحزب الذي يصبيه الركود مصيره الموت والزوال.

- إذا أردنا للحزب ان يستمر فيجب ان يكون ابن واقعه وليس مجتراً لصياغات ثابتة.

- قيمة الماركسية في تطويرها لأنها اعتمدت المادية الجدلية في دراستها للواقع الملموس.

- ضرورة تشجيع المبادرة والإبداع الشيوعي والتخلص من نزعة التلقين.

- الجدارة والإبداع والمهارة هي من المكونات الأساسية في موضوعة الديمقراطية والتجديد في حياة الحزب الداخلية.

- لا بد من الابتعاد عن النزعة الاوامرية والبيروقراطية، فالبعض ما زال يفكر ان القيادة هي الأوامر والنواهي والسلطة والتعالي على الآخرين.

- على القائد الحزبي ان لا ينسى بان الرفيق هو إنسان يتحلى بمشاعر إنسانية، وعليه ان يعي هذه الحالة ويتعامل معها بوعي وأسلوب صحيح , فالزجر والحدّة والآمرية وتغليب الذات على الحزب ليس لها علاقة بالحزب ومثله وتقاليده السليمة.

- من اجل ان يبقى الحزب حزب المستقبل فان هناك حاجة ملحة للاهتمام بقطاعي الشباب والمرأة , ولا بد من تهيئة كوادر من النساء والشباب، وتجنب ممارسة أدوارا " أبوية " تجاههم بل لا بد من منحهم الثقة المطلوبة.

- وأخيرا، لا بد من التفحص الدائم لما تحقق وما تم انجازه وتوظيفه من اجل التقدم الى الأمام.

 

-------------------