التوسع الرأسمالي
والفكر السياسي لليسار الاشتراكي
- لطفي حاتم
يثير غياب
المنظومة النظرية لأحزاب اليسار الديمقراطي الناقدة لحركة التوسع
الرأسمالي،كثرة من التساؤلات الفكرية والسياسية لدى أوساط التيار
الديمقراطي المهتم بقضايا الإنسان والعدالة الاجتماعية. وتنبع هذه
التساؤلات من المصاعب الجدية التي تواجه حركة اليسار الاشتراكي
بمختلف تلاوينه وتياراته الفكرية والسياسية. وفي هذا الإطار
تواجهنا جملة من الأسئلة المثيرة للسجال الفكري منها: هل تستطيع
أحزاب اليسار الاشتراكي أن تلف حول شعاراتها السياسية كتلا
اجتماعية فاعلة ؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، عندها يطرح سؤال آخر
هو: ما هي منظومتها الفكرية وبرامجها السياسية/ الاجتماعية الناقدة
والكابحة لحركة رأس المال التخريبية ؟ وما هي البنية التنظيمية
الملائمة لاستيعاب القوى الناشطة والمناهضة لتهميش الدول الوطنية ؟
.
تقدير مضامين
الأسئلة المثارة، يشترط قراءة تاريخية متأنية لمسار اليسار
الاشتراكي، ارتباطاً بنمو وتطور الدولة الوطنية من جهة، ومعالجة
الفكر اليساري لنمطها وتعقيدات تطور أشكال نظمها السياسية ونمو
قاعدتها الاجتماعية من جهة أخرى.
قبل الخوض في
مضامين القراءة الفكرية- السياسية لليسار الاشتراكي لابد من إثارة
الملاحظات التالية:
الملاحظة
الأولى. إن هدف الدراسة الحالية، هو مراجعة تاريخية تهدف إلى تحديد
أهمية الدور الإيديولوجي لحركة التيار الاشتراكي، ولا تعني
المراجعة التاريخية استبدال الوعي الحاضر بعقلية الماضي الفكرية
وظروفها التاريخية.
الملاحظة
الثانية. تتوخى الدراسة الحالية حث حركة اليسار الديمقراطي النابذ
لمنتجات الليبرالية الجديدة، على صياغة رؤى فكرية جديدة تساعده على
تجاوز حالة الركود الفكري والتحلي بعدّة فكرية ناقدة ومتصدية للطور
الجديد من العولمة الرأسمالية.
الملاحظة
الثالثة. إن مضامين الدراسة الحالية هي قراءة شخصية للباحث قابلة
للاغتناء والتماثل والتعارض والاختلاف.
على أساس
الملاحظات المثارة، دعونا نتعرض إلى تاريخية الفكر السياسي لحركة
اليسار الاشتراكي عبر ثلاث مراحل أساسية كبرى تتمثل في:
المرحلة الأولى:
مرحلة التحرر الوطني ومضامين الفكر السياسي لحركة اليسار
الاشتراكي.
المرحلة الثانية:
الفكر السياسي لليسار الاشتراكي في مرحلة الاستقلال والسيادة
الوطنية.
المرحلة الثالثة:
الرؤية الفكرية لحركة اليسار الديمقراطي في المرحلة الراهنة من
العولمة الرأسمالية
(1).
على أساس الحقب
التاريخية المكثفة لمواقع اليسار الاشتراكي الفكرية، ننطلق من
موضوعة عامة تتمثل في أن فكر الحداثة المتمثل بتياريه الليبرالي
والماركسي، دخل البلدان العربية مع الوافد الخارجي في المرحلة
الأولى من التوسع الرأسمالي المتسمة بروح المنافسة واقتسام العالم
بين مراكزه الكبرى وما حمله من بناء الدول الوطنية المحاطة بسيادة
شكلية. بكلام آخر، أن تطور الفكر الليبرالي والاشتراكي ترابط ونشوء
دولة ازدواجية الهيمنة في المرحلة الكولونيالية، لذلك لابد من
التعرض إلى المنظومة السياسية لهذه الدولة الناهضة بمساعدة خارجية
ضمن مستويات بنائها الاجتماعي والسياسي والأيديولوجي.
إن التعرض لتلك
المستويات، يشترطه سؤال كبير مفاده: لماذا لم تستطع التشكيلات
العربية إنتاج منظومة فكرية - سياسية نابعة من مسار تطورها السياسي
المعبر عن حاجات قواها الاجتماعية الناشطة ؟
إن الجواب على
التساؤل المذكور يكمن في البني التي تحكمت في مسار تطور تلك
التشكيلات والمتمثلة في ما يلي:
أولاً،
ازدواجية السلطة وقاعدتها الاجتماعية.
ثانياً،
المستوى الأيديولوجي المتحكم في بناء التيارات المناهضة لنظام
ازدواجية الهيمنة الكولونيالية.
أولاً :
ازدواجية السلطة وقاعدتها الاجتماعية .
بداً نقول: إن
التقسيم الكولونيالي للدول العربية أفضى إلى بناء سلطة سياسية
مزدوجة تستند على تحالف سياسي - اقتصادي - عسكري بين الوافد الجديد
وبين القوى الاجتماعية المستفيدة من البناء السياسي للدولة الناهضة
المتمثل بمؤسسات حكم مرتكزة على قوانين دستورية، فصل السلطات، وجود
شرعية انتخابية للمجالس البرلمانية .... الخ من المؤسسات التي
تحمل طابعاً تقدمياً اشترطته طبيعة حركة التوسع الرأسمالي المتسم
بالمنافسة والنزاع بين أقطابه الرأسمالية الكبرى.
إن بناء مؤسسات
الدولة الجديدة، تزامن ونشوء سلطة ازدواجية الهيمنة الكولونيالية
التي اعتمدت على تشكيلة اجتماعية تميزت بضعف بنائها الداخلي، وعدم
تبلور حدودها الطبقية بسبب تحكم المؤسسات الأهلية في بنائها، حيث
تحكمت التقاليد العشائرية المترابطة والروح الدينية بمناحي تطور
العلاقات الاجتماعية.
إن الواقع
المشار إليه تراجع بعد تطور وترسخ سلطة ازدواجية الهيمنة
الكولونيالية والتي أنتجت تغيرات ملموسة يمكن تحديدها بالوقائع
التالية:
أ. نشوء قوى
وشرائح طبقية جديدة تمثلت بنمو وتطور ( الطبقة العاملة، الطبقة
الوسطى بمختلف شرائحها، الطبقة الإقطاعية الناهضة، فضلاً عن تطور
الشريحة التجارية المنتفعة من استيراد وتصدير البضائع الوطنية
والأجنبية ).
ب. حمل نمو
وتطور تلك الشرائح والطبقات الاجتماعية، سمات تقدمية نقلت التشكيلة
العراقية من تخومها القبلية إلى تخوم العلاقات الرأسمالية، رغم إن
ذلك التقدم حد من نمو وتطور البرجوازية الوطنية وما نتج عن ذلك من
ضعف انتشار الفكر الليبرالي بين صفوف الطبقة الوسطى الناهضة في
التشكيلة العراقية.
ج. أخيراً أفضت
تاريخية التوسع الرأسمالي المتسمة بالهيمنة على الثروات الوطنية،
وتصدير البضائع والرأسمال الى تشكل شرائح كومبرادورية اتسمت بغياب
روحها الوطنية لتشكل قاعدة اجتماعية لازدواجية السلطة
الكولونيالية.
المستوى
الثاني: المستوى الأيديولوجي
إن الحديث عن
المستوى الأيديولوجي يمر بالضرورة عبر التطورات الدولية التي أثرت
على مسار الحركة الوطنية العراقية، في تلك الحقبة التاريخية. وبهذا
الصدد نشير إلى أن ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى (1917) حملت في
برنامجها الأيديولوجي قضيتين أساسيتين الأولى منهما هي رفض الخيار
الرأسمالي والدعوة لخيار التطور الاشتراكي الذي أعطى الأمل والقوة
لبلدان المستعمرات في النهوض الاقتصادي ومواصلة الكفاح بهدف التطور
الاجتماعي. والثانية منهما هو حل المسألة القومية عل أساس التحرر
السياسي وبناء الدولة الوطنية.
إن التطورات
الدولية ورنينها الإيديولوجي، ناهيك عن ضعف التشكيلات الاجتماعية
العربية هي التي أعطت دوراً متميزاً للطبقة الوسطى في ميادين
الكفاح السياسي وذلك بعد انقسامها أيديولوجياً إلى تيارين أساسيين
هما اليسار الاشتراكي ذو التوجهات الأممية والتيار القومي الطامح
لبناء الدولة العربية الواحدة.
لقد تمحور
الانقسام الأيديولوجي في صفوف الطبقة الوسطى إلى برامج سياسية /
اجتماعية مناهضة للهيمنة الخارجية وعاملة على استلام سلطة الدولة
الوطنية واحتكارها. بمعنى آخر، أن سيادة العامل الأيديولوجي في
توجهات أحزاب الطبقة الوسطى انطلق من رؤى برنامجية تمحورت حول بناء
الدولة الوطنية وسلطتها السياسية بشعارات مثالية تتخطى وقائع
التشكيلات الاجتماعية معتمدة على ثنائية العلاقات الدولية
وازدواجية خيار التطور الاجتماعي.
لتقدير شرعية
سيادة الحقل الأيديولوجي في النشاط السياسي للطبقة الوسطى لابد لنا
من إكسابها ـ الشرعية ـ ملموسية تاريخية متوقفين عند الفكر
الإيديولوجي لليسار الاشتراكي.
المرحلة
الأولى: الفكر السياسي لليسار الاشتراكي في مرحلة التحرر الوطني
بداية، نشير إلى
أن مرحلة التحرر الوطني امتازت بغنى مضامينها السياسة- الاجتماعية-
الاقتصادية التي اشترطتها التطورات الدولية وتطور الحركة اليسارية
الاشتراكية المستندة إلى ثراء وتعدد المهام التاريخية الشاخصة
أمام الحركة الشعبية الناهضة، والتي تصدرها الحرية والاستقلال
الوطني، السيطرة على الثروات الوطنية، حق الشعوب في تقرير مصيرها،
مكافحة الروح العسكرية, الحفاظ على السلام العالمي .....الخ من
المهام الدولية - الوطنية التي شكلت إضافة إلى تنامي قوة وتأثير
طراز الدولة الاشتراكية دافعاً أساسياً لتطور كفاح اليسار
الاشتراكي.
خلاصة القول، لقد
شكلت الموضوعات المشار إليها شعارات ورؤى فكرية لأحزاب اليسار
الاشتراكي تجسدت بالممارسة السياسية عبر برامج اجتماعية تشابكت
فيها المهام الطبقية- الوطنية - الأممية.
لقد انعكست
الترابطات الوطنية - الطبقية في برامج اليسار الاشتراكي على وحدة
القوى السياسية الوطنية المطالبة بالاستقلال الوطني والتحرر من
الهيمنة الخارجية، الأمر الذي أفضى الى تشكل الجبهات الوطنية
الرافضة للتواجد الأجنبي والمطالِبة بحرية الوطن واستقلاله. أما
على صعيد المهام الاجتماعية فقد أفرز نظام ازدواجية السلطة
الكولونيالية كثرة من الاختلالات الاجتماعية وأظهر المزيد من
التناقضات الطبقية الأمر الذي دفع قوى اليسار الاشتراكي إلى الدفاع
عن مصالح القوى الطبقية المتضررة من النهج الكولونيالي، وما نتج عن
ذلك من التفاف كثرة من الشرائح والطبقات الاجتماعية حول برامج
اليسار الاشتراكي الاجتماعية.
إن الإشارة إلى
قدرة اليسار الاشتراكي على بناء قوة شعبية رافضة لنظام ازدواجية
الهيمنة الكولونيالي تلازم واتساع حركة التضامن الأممية المساندة
لحرية خيار التطور السياسي - الاجتماعي والمناهضة لعدوانية رأس
المال وتدخله في الشئون الوطنية للدول الفتية.
إن الرافعات
والترابطات الوطنية / الأممية أغنت حركة اليسار الاشتراكي، وأنتجت
توجهاً سياسياً متحركاً على صعيد الممارسة العملية. وبهذا المعنى
فان الحركة اليسارية، واستناداً إلى غنى مضامين حركتها
الوطنية،أنتجت سياسة وطنية تتلاءم وطبيعة تطور تشكيلاتها
الاجتماعية رغم اعتمادها استراتيجياً على نموذج (موديل) فكري -
سياسي أنتجته ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى.
المرحلة الثانية:
الفكر السياسي لليسار الاشتراكي في مرحلة الاستقلال والسيادة
الوطنية.
إن تعرضنا إلى
الديناميكية الأيديولوجية الدافعة لحركة اليسار الاشتراكي، الناتجة
عن تمثلها (أي حركة اليسار) لكثرة من المنطلقات الفكرية - السياسية
لتجارب اشتراكية أخرى، لا تعني استمرارها بل توقفت تلك الفاعلية
بمرور الوقت، بسبب عجز اليسار الاشتراكي عن تطوير المضامين
النظرية، بما يتناسب وطبيعة التشكيلات الوطنية الناشطة في إطارها
وتحويلها (أي الأفكار) إلى قوة مادية فاعلة في السياسية اللاحقة.
لغرض إضفاء
شرعية فكرية وعملية على الموضوعة الزاعمة بعجز حركة اليسار
الاشتراكي عن تطوير رؤاها الفكرية بما يتجاوب وطبيعة التشكيلات
العربية، لابد لنا من تناول بعض الموضوعات الأساسية في الفكر
الاشتراكي، بملموسية اكبر، وحصرها بالمفاهيم التالية:
1. القضية القومية
على الرغم من
غنى الأفكار الماركسية بشأن القضية القومية وتطورها اللاحق على
أساس البناء الفدرالي المرتكز على التعدد القومي- الإثني للدولة
السوفيتية، إلا أن الحركة اليسارية الاشتراكية التي واجهتها القضية
القومية المتمثلة بالوحدة العربية بعد انتهاء التجزئة الاستعمارية
لم تستطع تقديم رؤية فكرية اشتراكية لقضية شكل بناء الدولة
العربية. ومرد ذلك تحكم العوامل الإيديولوجية التي لعبت دوراً
سلبياً من زاويتين. الأولى منهما سيادة النزعة الوحدوية لدى القوى
القومية العربية المتشحة بروح عنصرية وعقلية انقلابية اقصائية (2).
والثانية تمثلت في المعالجة الإيديولوجية لفكر اليسار الاشتراكي
انطلاقاً من صيغ قطرية، حيث اشترط ذلك الفكر تحقيق الوحدة القومية
بعد انتصار السلطة الاشتراكية. وبهذا المنحى تجنب الفكر السياسي
لليسار الاشتراكي تقديم صيغ فدرالية أو كونفدرالية لبناء شكل
الدولة بهدف معالجة القضية القومية (3).
إن الأطر
الإيديولوجية المتحكمة في العقل السياسي، الموجه لنشاط التيارين
القومي والاشتراكي، اشترطتها طبيعة البناء المشوه للدولة الوطنية
المستند إلى تشكيلات اجتماعية هشة ومؤسسة عسكرية قوية شجعت على
تنامي النزعة الانقلابية عند التيارين الأساسيين في حركة التحرر
الوطني لغرض استلام السلطة واحتكارها.
2. الصراع الطبقي
ونتائجه السياسية
الموضوعة
الثانية التي أزعم إنها حدّت من حركة اليسار الاشتراكي هي التفسير
الميكانيكي لمقولة الصراع الطبقي، التي جرى اعتمادها في برامج
سياسية - اجتماعية لا تتناسب وتطور الحركة الفعلية للنزاعات
الاجتماعية في التشكيلات العربية.
إن تطبيق
مفاهيم الصراع الطبقي المنبثقة من سيادة أسلوب الإنتاج الرأسمالي
على تشكيلات اجتماعية هشة تتعايش فيها أنماط اقتصادية مختلفة وبنى
اجتماعية متعددة، أفقد القوى اليسارية حرية إنتاج فكر ديناميكي
معتمداً على المنهجية المادية لتحليل مواقع الطبقات والشرائح
الاجتماعية، تناقضاتها وأشكال نزاعاتها الاجتماعية، وأخيراً دورها
في عملية التحالفات الوطنية وآفاق التغيير الاجتماعي. إن التفسير
الميكانيكي لمقولة الصراعات الطبقية، ومحاولة فرضها، بالممارسة
السياسية والمعالجة الفكرية، قد أضر بحركة اليسار الاشتراكي وحدّ
من تحولها إلى بديل تاريخي قادر على قيادة التحولات الاجتماعية
بشكل يتلاءم وحركة التطور الديمقراطي المتنامي للتشكيلات
الاجتماعية العربية.
وتأسيساً على
ذلك، فإن المعالجة الفكرية المبتسرة لموضوعة الصراع الطبقي،
والتركيز على الطبقة العاملة ودورها ( التاريخي ) في قيادة
التحولات الاجتماعية من خلال وحدانية سلطتها السياسية، وضع اليسار
الاشتراكي في محور القوى الشمولية المناهضة للديمقراطية السياسية.
3. خيار التطور
الاجتماعي
احتل طريق
التطور الاجتماعي موقعاً أساسياً في فكر اليسار الاشتراكي. فقد
أصبحت الاشتراكية خياراً وحيداً في البرامج السياسية، وهدفاً
مرحلياً من خلال ربطها بموضوعتين فكريتين أساسيتين. الأولى منهما
الرفض المطلق لطريق التطور الرأسمالي عبر إنجاز الثورة الوطنية
الديمقراطية، التي تعددت أسماء قواها الاجتماعية القائدة سواءً
كانت سلطة الطبقة العاملة أو تحالف القوى الديمقراطية الثورية.
وثانيهما، بناء شكل الحكم السياسي المرتكز على سيادة ديكتاتورية
البروليتاريا وحزبها السياسي. إن تكرار المهام البرنامجية وثبات
منطلقاتها الفكرية – السياسية، من حقبة إلى أخرى، دون التوقف عند
المتغيرات الوطنية - الدولية افقد حركة اليسار الاشتراكية حرية
مواكبة التغيرات الفعلية الحاصلة في التشكيلات الاجتماعية العربية،
وما نتج عن ذلك من حالة المراوحة والركود.
4. الوطنية
والأممية
إن ترابط
الأهداف الإستراتيجية بين القوى المناهضة لخيار التطور الرأسمالي
لم تمنع من تعدد طرق وأشكال بناء نظم العدالة الاجتماعية. إلا أن
الإصرار على رفض السمات الايجابية للنظم الرأسمالية، والتأكيد على
تبني طراز الدولة السوفيتية واعتباره نموذجاً في بناء دولة العدالة
الاجتماعية حجّمت فرص التمعن في معالجة الإشكالات الحقيقية
المنبثقة من تعقيدات الحياة الفعلية. وبهذا المعنى، فان الفكر
السياسي لليسار الاشتراكي عالج المهام الوطنية في إطار رؤية
أيديولوجية - أممية شاملة لا تنطلق من التطور التدريجي للتشكيلات
الاجتماعية العربية بل من الطفرة التطورية التي تصنعها سلطة الثورة
الاشتراكية.
إن الإشارة إلى
بعض مضامين الفكر السياسي اليساري الاشتراكي، في تلك الفترة،
يقودنا إلى تأشير عدد من النتائج السلبية أهمها:
أ. إن كفاح النخب
السياسية القائدة لحركة اليسار الاشتراكي، في حقبتي التحرر الوطني
وبناء الدولة الوطنية المستقلة، كان نضالاً سياسياً وطنياً
ديمقراطياً غلفته ملفات اديولوجية مثالية (سلطة الطبقة العاملة،
قيادة الحزب للسلطة، بناء الاشتراكية.....الخ ) وما نتج عن ذلك من
تحجيم فعاليتها السياسية (حركة اليسار)، وغياب رؤيتها الفكرية
لطبيعة المتغيرات الوطنية- الدولية.
ب. أرغمت الملفات
الأيديولوجية أحزاب اليسار الاشتراكي على تكييف بنيتها التنظيمية
والروح الانقلابية، الأمر الذي دفعها إلى العمل في ظروف سرية وما
حمله ذلك من سيادة نهج المركزية البيروقراطية في عملها وجعلها عرضة
للنزاعات والخلافات الفكرية.
ج. اتسمت النزاعات
التاريخية بين تياري الحركة الوطنية العربية القومية منها
واليسارية بسمة أيديولوجية نابعة من أوهام الطبقة الوسطى المثالية
المتمثلة في قدرة أحزابها القومية واليسارية على استلام سلطة
الدولة وتحقيق أهدافها الإستراتيجية الكبرى ( بناء الوحدة القومية،
إنجاز الثورة الاشتراكية ) (4).
د. تميز النزاع
السياسي في مرحلة الاستقلال الوطني بين الفصائل القومية واليسارية
على قاعدتين أساسيتين. الأولى منهما تتمثل في الدفاع عن القضايا
القومية بهدف احتكار السلطة واستمرار حالة الطوارئ. أما الثانية
فتتمثل في الدعوة إلى الاشتراكية عبر الوصول إلى السلطة والانفراد
بها من قبل اليسار الاشتراكي.
هـ. أفضى احتكار
السلطة وغياب الديمقراطية السياسية، فضلاً عن استمرار الرؤية
الأيدلوجية لليسار الاشتراكي، إلى وضع الدولة الوطنية ومنظومتها
السياسية على أعتاب أزمة وطنية شاملة، وما نتج عن ذلك من انتشار
حالة اليأس والإحباط لدى القوى الفاعلة في التشكيلات العربية.
خلاصة القول،
لقد كبلت الايدولوجيا وروحها الشمولية اليسار الاشتراكي، ومنعت
تحوله إلى كتلة تاريخية قائدة للتحولات الديمقراطية في إطار
التشكيلة الاجتماعية الوطنية.
المرحلة الثالثة:
التوسع الرأسمالي ومواقع اليسار الديمقراطي
تتميز المرحلة
الراهنة من العولمة الرأسمالية بجملة من التغيرات الكبرى، سواء على
صعيد المهام الكفاحية المناهضة لقانون الاستقطاب الرأسمالي
وتجلياته التخريبية في الدول الهشة، أو على إعادة بناء العلاقات
الدولية استناداً إلى موازنة المصالح- الوطنية- الدولية. وبهذا
المعنى، ولغرض تحقيق بيئة فكرية سياسية ملائمة لقيادة الكفاح
الوطني الديمقراطي، فان الأمر يتطلب من اليسار الديمقراطي صياغة
جملة من المفاهيم الفكرية تشكل دالات واقعية لخطوطه السياسية.
وقبل الاجتهاد
في تحديد تلك الدالات الفكرية، لابد لنا من التعرض إلى ملامح
المرحلة الجديدة من التوسع الرأسمالي وإشكالاتها الفكرية السياسية
المتعلقة بموضوعة البحث:
الموضوعة
الأولى: أفضى الطور الجديد من التوسع الرأسمالي إلى وحدة العالم
الرأسمالي انطلاقاً من ترابط مستوياته الدولية- الإقليمية- الوطنية
المرتكزة على وحدانية أسلوب الإنتاج الرأسمالي وما يشترطه ذلك من
تداخل وتشابك مصالح دوله المتطورة منها والنامية.
الموضوعة
الثانية: أفرز تشابك وتداخل مصالح التشكيلة الرأسمالية العالمية
واقعاً جديداً تمثل في تنامي فعالية ودور الشريك الخارجي في صناعة
القرارات الاقتصادية السياسية الوطنية.
الموضوعة
الثالثة: تبعاً لتلك المشاركة، فإن النزاعات الاجتماعية الداخلية
تتخذ امتدادات دولية. وبهذا المعنى فان كفاح القوى الديمقراطية
الوطنية يتداخل والكفاح ألأممي المناهض للنزعات التخريبية
المتلازمة وحركة التوسع الرأسمالي في مرحلته الجديدة.
الموضوعة
الرابعة: يشترط الكفاح الوطني لقوى اليسار الديمقراطي الأخذ
بمنتجات فكرية أطلقتها العولمة الرأسمالية تتلخص في ثلاث دوائر
أساسية الديمقراطية السياسية، حقوق الإنسان والقضية القومية.
على أساس تلك
الموضوعات، نحاول الانتقال من المفاهيم الفكرية العامة إلى
تجلياتها الواقعية عبر مفاصل أساسية تشترط رؤية فكرية ناقدة للطور
الجديد من التوسع الرأسمالي وتأثيراته على كثرة من الموضوعات منها:
الدولة الوطنية وسلطتها السياسية، التشكيلة الوطنية وموقع اليسار
فيها، فضلاً عن مضامين الفكر السياسي لليسار الديمقراطي.
قبل محاولة
الخوض في تفاصيل المفاهيم المشار إليها، نمر سريعاً على المصاعب
الفكرية - السياسية وكذلك التنظيمية التي تواجه انطلاقة اليسار
الديمقراطي، والتي أراها في العناوين الرئيسية التالية:
العنوان الأول:
افتقار اليسار الديمقراطي لرؤى فكرية تشكل حواضن لخطوطه السياسية،
حيث لم يستطع مثقفو اليسار الديمقراطي إنجاز صيغ فكرية تتعلق
بالموقف من الدولة الوطنية ومسار تطورها اللاحق في إطار التشكيلة
الرأسمالية العالمية، فضلاً عن طبيعة التشكيلة الوطنية المراد
بناءها. إن سيادة صيغ الاعتماد على العقل القيادي لأحزاب اليسار
الديمقراطي تتنافي وروح العقل الجماعي لهذه الأحزاب، التي تواجهها
مهام جديدة لا تستطيع عبقرية القادة المجربين أن تلم بجوانبها
المعقدة التي تفرزها مسارات الحياة الفعلية.
العنوان الثاني:
اعتماد أحزاب اليسار الديمقراطي على بنية تنظيمية أوامرية تنسجم
والنزعة الانقلابية، والتي أصبحت لا تتلاءم والطور الجديد من
الكفاح الوطني الديمقراطي المرتكز على علنية الأهداف وشرعيتها
ناهيك عن ضرورة مشاركة القوى الاجتماعية الناشطة في صياغتها
وتدقيقها.
العنوان الثالث:
غياب الكتلة الاجتماعية الساندة لبرامج اليسار الديمقراطي، وذلك
بسبب تشتت القوى الاجتماعية وتوزعها على تشكيلات جديدة طائفية-
قومية فرضتها شعارات الليبرالية الجديدة. أن تحديد المطالب الفعلية
لكثرة من الشرائح والطبقات الاجتماعية، المتضررة من النهج الجديد
لليبرالية الجديدة، يوفر لليسار الديمقراطي حرية الحركة في جذب
أوساط اجتماعية مختلفة لرؤيته المستقبلية.
العنوان الرابع:
أنتجت مضامين الإعاقة المشار إليها نهوجاً سياسية تفتقر إلى تحديد
الأهداف المرحلية وتعيين الوسائل الكفاحية ناهيك عن التوجه المنظم
للقوى الاجتماعية وصياغة مطالبها الفعلية.
على أساس تلك
الإشكالات لابد لنا من رؤية تحليلية ناقدة، لبعض إفرازات الطور
الجديد من العولمة الرأسمالية، وما يشترطه ذلك من بناء نهوج سياسية
ملائمة لمسار تطور العلاقات الوطنية - الدولية. وهنا لا بد من
الإشارة الى القضايا التالية:
أولاً: الدولة
الوطنية
شهدت العلاقات
الدولية الكثير من التغيرات السياسية يمكن تلخيصها بتنامي دور
الشركات الدولية، وانحسار مبدأ السيادة الوطنية بعد هيمنة منتجات
الليبرالية الجديدة المتمثلة بحقولها الأساسية وهي:
أ:ـ الحقل
الاقتصادي، الهادف إلى إبعاد الدولة عن المشاركة في الحياة
الاقتصادية- الخدمية، وتحجيم دورها في الضمانات الاجتماعية ، فضلاً
عن تبني الكثير من الدول الوطنية لوصفات الليبرالية الجديدة ودخول
الشركات الاحتكارية الكبرى شريكاً خارجياً في التطورات الوطنية.
ب: ـ الحقل
العسكري، المتمثل بإستراتيجية الضربات الإستباقية، التدخل العسكري
للإطاحة بالأنظمة الاستبدادية، فضلاً عن سياسة الحصارات
الاقتصادية.
ج: ـ الحقل
السياسي، المتسم بالتدخل في النزاعات الاجتماعية عبر مساندة
الشرائح الاجتماعية الداعية للمشاركة الخارجية، ومحاصرة الطبقات
الاجتماعية المدافعة عن مصالح بلادها الوطنية.
إن الوقائع
الجديدة في السياسة الدولية قادت إلى جملة من النتائج الفعلية، لعل
أهمها يتجسد في المعطيات التالية:
المعطى الأول: يسعى
الطور الجديد من التوسع الرأسمالي إلى إعادة السيطرة على الدولة
الوطنية عبر ما أسميته بازدواجية الهيمنة السياسية – الاقتصادية
(5). وبهذا المسار، وبسبب هشاشة الدولة الوطنية وتشكيلتها
الاجتماعية، فان مضمون التوسع الرأسمالي الراهن يتلخص في اختزال
الدولة الوطنية إلى سلطة إدارية- قمعية تفتقد الشرعية الوطنية
الضامنة لموازنة المصالح الوطنية- الدولية. وهنا يعاد تأكيد
الموضوعة الماركسية القائلة ( أن الدولة أداة قمع بيد طبقة ضد
الطبقات الأخرى )، وذلك بعد تجريف وظائفها الاجتماعية- الخدمية.
المعطى الثاني: إن
حركة قانون الاستقطاب الرأسمالي، المتسمة بالتفكيك والتهميش
والمشاركة الخارجية في النزاعات الداخلية، أفرزت أثاراً متناقضة
يمكن رصدها بالمتغيرات التالية:
أ. تفكيك القاعدة
الاجتماعية لليسار الديمقراطي، المرتكزة على الطبقات المنتجة، من
خلال عمليات تهميش كتلها الأساسية وما ينتج عن ذلك من تفكيك بنيتها
الطبقية، الأمر الذي يرغمها على الانخراط في تيارات إسلامية وأخرى
إرهابية - فوضوية.
ب. ظهور اصطفافات
اجتماعية بين القوى الرافضة لمسار قانون الاستقطاب التخريبي (
عمال، فلاحين، طبقات وسطى، طبقات برجوازية متوسطة )، تقود إلى
تناقضات طبقية جديدة بديلة عن التناقض الطبقي الذي اعتمده اليسار
الاشتراكي في الحقب الماضية ( طبقة عاملة وأخرى برجوازية )، الأمر
الذي يدفع اليسار الديمقراطي إلى تجميع القوى المناهضة لحركة
الرأسمال التدميرية، في مسعى لعزل القوى الاجتماعية المتخطية
لمصالح البلاد الوطنية.
* * *
على أساس تحليل
طبيعة التغيرات الوطنية- الدولية، التي أفرزها الطور الجديد من
التوسع الرأسمالي، أحاول إيراد بعض المنطلقات الفكرية السياسية
زاعما ً إنها تشكل دالات مرجعية لنهوج اليسار السياسية.
الدالة الأولى :
مناهضة ازدواجية السلطة (الوطنية)، عبر تعزيز السيادة الوطنية التي
تتعرض للقضم من خلال مشاركة خارجية، اقتصادية عسكرية – سياسية.
بمعنى آخر، تطوير الكفاح الوطني المناهض للهيمنة الأجنبية لغرض
استعادة حرية القرار الوطني .
الدالة الثانية:
ينطلق الدفاع عن سيادة الدولة وبنائها الديمقراطي من مهمتين
مترابطتين. أولهما صيانة الثروات الوطنية التي تتعرض إلى السلب
والاستنزاف بسبب هيمنة الشركات الاحتكارية الكبرى وتدخل المؤسسات
المالية الدولية واشتراطاتها الهيكلية. وثانيهما الدفاع عن الحقوق
الإنسانية للمواطن ذات الصفة الملموسة، وليس الإنسان المجرد بمعنى
الدفاع عن الحقوق الواقعية المستندة إلى رعاية الدولة ومؤسساتها
الاقتصادية- الخدمية لهذا الإنسان المشخص، وذلك تمشياً وشمولية
وحدة المصالح الإنسانية في العلاقات الدولية. إن الدفاع عن الدولة
الوطنية الديمقراطية، ورعايتها لحقوق المواطن، ينقل اليسار
الديمقراطي من مواقع أممية مثالية إلى مواقع وطنية ملموسة تساهم في
بلورة فكر سياسي إنساني، يشكل، في نهاية المطاف، أغناء لحركة القوى
الأممية الحقيقية الساعية إلى الديمقراطية الإنسانية والعدالة
الاجتماعية.
الدالة الثالثة:
انتقال أحزاب اليسار الديمقراطي، من الفكرة الأيديولوجية الهادفة
إلى استلام السلطة واحتكارها، إلى المساهمة الهادفة إلى بناء سلطة
الشرعية الوطنية - الديمقراطية المرتكزة على موازنة مصالح مكونات
التشكيلة الاجتماعية الوطنية.
الدالة الرابعة:
تشترط مشاركة أحزاب اليسار الديمقراطي في الحكم تلبية جملة من
المبادئ الأساسية، منها تحقيق الديمقراطية السياسية عبر إطلاق
فعالية منظمات المجتمع المدني، ومنها بناء الدولة وسلطتها على
مبادئ الشرعية الديمقراطية وفصل السلطات، وأخرها صيانة مصالح
الطبقات الاجتماعية المتضررة من التوسع الرأسمالي (6).
الدالة الخامسة:
الكونفدرالية العربية. تنطلق رؤيتي، لهذه الإشكالية السياسية، من
ملاحظات عامة تتلخص في جملة من المؤشرات منها:
أ. شكل مبدأ حق
تقرير المصير في بداية القرن المنصرم الأساس النظري المتلائم
وحركتين متعارضتين. أولهما اندفاع رأس المال الأمريكي للخروج من
إطاره القاري لغرض مشاركته الدول الأوربية الكبرى في اقتسام العالم
من خلال مبادئ الرئيس ولسن. وثانيهما الأفكار اللينينية الرامية
إلى تحقيق السيادة السياسية للشعوب، بمعنى إقامة دول قومية بهدف
محاصرة التوسع الرأسمالي ومساندة الثورة الاشتراكية الوليدة.
ب. لم يعد مبدأ حق
تقرير المصير، بمعنى الانفصال وإقامة الدول الجديدة، ملائماً لحقوق
الإنسان السياسية- الاجتماعية الملموسة بسبب الطبيعة التخريبية
لقانون الاستقطاب الرأسمالي، وما يحمله من مخاطر اختزال الدولة
الوطنية إلى سلطة سياسية مزدوجة تعني بحماية مصالح التكتلين
الداخلي والخارجي.
ج. وبعكس ذلك، فان
العودة إلى شعار الكونفدرالية العربية يستمد شرعيته التاريخية من
جملة من المعطيات الجديدة أفرزها التوسع الرأسمالي، أهمها سير
العالم نحو بناء تكتلات اقتصادية كبرى وما يشترطه ذلك من مراعاة
الحقوق الأساسية لمواطني الدول المنضوية في اتحادات فدرالية.
د. يشترط برنامج
اليسار، المرتكز على الكونفدرالية العربية، والمبني على
الديمقراطية والحكم اللامركزي، معالجة القضايا القومية في أطار
الدولة الوطنية، والدعوة إلى موازنة المصالح القومية على أسس
البناء الفدرالي لشكل الدولة المتعددة القوميات.
إن هذا
الترابط، بين الدعوة للاتحاد الفدرالي في الدولة الوطنية وبناء
الدولة العربية الكونفدرالية الديمقراطية، يضعف النزعات العنصرية
للتيارات القومية التي مارست الاضطهاد بحق القوميات الغير العربية،
ويتماشى مع النزعات المنبثقة من طبيعة التوسع الرأسمالي المتسمة
بميول الاندماج والحد من جوانب التفتت. هذا فضلاً عن إن هذا
البرنامج يخلق الأسس الفكرية لتقارب التيارات القومية الديمقراطية
مع الحركة اليسارية، ويحقق التحالف التاريخي البديل عن التناحر
المغلف بأطر إيديولوجية.
الدالة السادسة:
موازنة المصالح الوطنية في العلاقات الدولية. يرتكز الفكر الإنساني
لليسار الديمقراطي على قاعدة موازنة المصالح الدولية- الوطنية،
بمعنى آخر التشديد على إن حقوق الإنسان ومساواتها ترتكز على بناء
علاقات دولية متوازنة بين الدول، الأمر الذي يشترط:
-
إدانة النزعات
العسكرية، والوقوف بوجه سياسة الغزو والعدوان.
-
مناهضة سياسة
الاحتلال والإطاحة بالدول الاستبدادية بحجة نشر الديمقراطية، ناهيك
عن رفض المشاركة الخارجية في النزاعات الوطنية.
-
رفض إستراتيجية
الحروب الاستباقية، وما ينتج عنها من تدمير البنى التحتية المنافية
لحقوق الإنسان.
إن بناء
العلاقات الدولية على أساس الديمقراطية وموازنة المصالح، تتيح
الفرصة لبناء أسرة دولية تنبذ العنف والديكتاتورية والإرهاب
بأشكاله المختلفة، وتسمح في تطوير الكفاح المطالب بوحدة مصالح
التشكيلة الاجتماعية الدولية.
------------------
الهوامش:
(1) دفعاً لتشابك
المفاهيم نعمد هنا إلى استخدام مفهومين. الأول منهما مفهوم اليسار
الاشتراكي الشامل لكل الأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية
المتماثلة والمنتجات الفكرية- السياسية لثورة أكتوبر الاشتراكية
بداً من بناء الحزب الثوري، طرق استلام السلطة السياسية وانتهاءً
بطراز الدولة الاشتراكية وبناء منظومتها الاقتصادية- السياسية.
والثاني منهما هو اليسار الديمقراطي المتكيف والرأسمالية المعلومة
والباحث عن منظومة فكرية- سياسية تساهم في دفع حركته السياسية بعدة
نظرية متجددة تعتمد الواقعية في تحليل الظروف التاريخية الملموسة.
(2) إن المعالجة
السياسية- النظرية القاصرة من جانب التيار القومي لفكر الوحدة
القومية، جاء بسبب عدم توقف القوميين العرب عند طبيعة التوسع
الرأسمالي المرتكز على المنافسة وتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين
دوله الكولونيالية الكبرى وكذلك التشبث بأوهام الدولة العربية
الواحدة.
(3) انفرد الحزب
الشيوعي العراقي بشعار ( إتحاد فدرالي مع مصر) أبان نزاعاته
السياسية مع التيار القومي، رغم ارتباط ذلك الشعار بصداقة سوفيتية
بمعنى أن ذلك الشعار لم يتبلور كإستراتيجية فكرية لمعالجة القضية
القومية المتمثلة بكونفدرالية عربية على أسس ديمقراطية. وفي سياق
حل المسألة القومية طور الحزب رؤيته السياسية لحل القضية لكردية في
إطار فدرالية ضمن وحدة الدولة العراقية.
(4) إن الوهم
الأيديولوجي المتمثل بإقامة دولة عربية واحدة حملته أحزاب التيار
القومي بمختلف أشكالها وقد تبدد ذلك الوهم عندما أشادت تلك الأحزاب
سلطات سياسية تتركز على القمع وقوانين الطوارئ وما نتج عن ذلك من
خراب الدولة الوطنية وضياع منجزاتها الاقتصادية- الاجتماعية.
---------------------