المؤتمر الوطني الخامس ..... مؤتمر الديمقراطية والتجديد- د. فائق بطي

 

    لعب المثقفون الماركسيون الأوائل دورا رائدا في نشر الفكر العلمي التقدمي في العراق في بدء المرحلة الأولى من مراحل تشكيل وتكوين الدولة العراقية والحكم الأهلي في مفتتح عشرينيات القرن المنصرم. وكانت وسيلتهم، في تثبيت المبادئ الاشتراكية ومن ثم نشرها على نطاق أوسع، ما تناولوه من مواضيع فكرية واجتماعية  في الصحف والمجلات الصادرة في تلك المرحلة، كجريدة (المصباح) على يد الكاتب والقاص محمود احمد السيد، وجريدة (العراق) بما كان ينشره سليم فتاح في نصرة المرأة والدفاع عن حالتها الحقوقية الاجتماعية، والكاتب حسين الرحال في جريدة (العالم العربي)، وعوني بكر صدقي الذي ذكر اسم الاشتراكية لأول مرة في جريدة (دجلة).

    وكانت جريدة (الصحيفة) التي اصدروها في 28 كانون الاول1924 بشارة لميلاد أول منشور ماركسي في العراق، وفي صدر صفحتها الأولى الأسطر المستقاة من الكاتب الفرنسي أناتول فرانس: " نسمى مفسدين كل من نشأت أفكارهم على غير الصورة التي نشأت عليها أفكارنا، وعديمي الأخلاق، من ليس لهم أخلاقنا، ندعو –غير معتقدين- من لا يعتقدون عقائدنا،غير ملتفتين الى ان لهم معتقدات أخرى". وقد ساهم في تحرير الجريدة المذكورة والكتابة فيها كل من الرواد: حسين الرحال، مصطفى علي، محمد سليم، عوني بكر صدقي، عبد المجيد رفعت، محمود احمد السيد، وعبد القادر إسماعيل، وآخرون من مثقفي العشرينيات.

    وكما كانت (الصحيفة)، باكورة صحافة اليسار في العراق في طورها العلني، جاءت جريدة (كفاح الشعب) لتكون أول جريدة شيوعية سرية تصدر بعد تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في آذار  1935 لتخطو أولى الخطوات على درب الصحافة الشيوعية، التي يحتفل الشيوعيون العراقيون في 31 تموز من كل عام بعيد صحافتهم على مر السنين اللاحقة حتى يومنا هذا.

    لم يكن تأسيس حزب شيوعي في عراق ملكي شبه إقطاعي، وبحكم رجعي مرهون بالاستعمار البريطاني، بالعملية السهلة وفي ظروف اعتيادية، بل كانت التنظيمات السرية التي بناها الرواد بقيادة الرفيق فهد يوسف سلمان يوسف (فهد)، سكرتير اللجنة المركزية لأول حزب شيوعي عراقي، كثيرا ما تتعرض  الى الملاحقة والتنكيل بأعضائها. غير ان ضرورة بقاء الحزب والثبات على مبادئه، والتبشير بأفكاره الاشتراكية، والالتزام بخطه وأهدافه الوطنية والتحررية، كانت مجتمعة وراء صمود قائده وكوادره على مر السنين في تاريخ البلاد، حيث لعب الحزب في تطور أحداثها ، دورا رائدا على كافة الصعد، وصولا الى العراق الجديد اليوم، الذي كان يتطلع إليه الشيوعيون العراقيون، خلال أكثر من سبعين عاما  من الانتصارات والانكسارات، والتي دفع هذا الحزب التاريخي في مسيرته الشاقة، ثمنا باهضا من الشهداء في سجل نضاله البطولي.

 

    كانت سياسة الحزب تتركز، آنذاك، في شعاراته:

-          إلغاء معاهدة 1930 الاسترقاقية بين الحكومة العراقية وبريطانيا.

-          تصفية القاعدتين العسكريتين للقوات البريطانية في الشعيبة (البصرة) وسن الذبان.

-          الاستقلال الوطني.

-          من اجل الحريات الديمقراطية وحقوق العمال النقابية وبالارض للفلاحين.

-          من اجل الحقوق القومية للشعب الكردي.

-          الوقوف ضد الفاشية والتنبيه الى خطرها.

-          شد أزر الشعوب العربية ضد المستعمرين الانكليز والفرنسيين ومن اجل الحق الفلسطيني.

 

    وأبان الحرب العالمية الثانية، كانت سياسة الحزب قد تأطرت بأهداف جديدة اتخذت شكل المطالبة بتعزيز الحركة الوطنية الديمقراطية، وذلك بالسعي الى تأليف جبهة وطنية موحدة منظمة بالتعاون مع الأحزاب وسائر المنظمات الشعبية، وبتوطيد الوحدة العراقية وإطلاق الحريات الديمقراطية وإلغاء القيود التي تحد من هذه الحريات، ومن اجل تنمية الاقتصاد الوطني عن طريق تشجيع المنتجات الوطنية والجمعيات التعاونية وإنشاء المشاريع الصناعية والزراعية، ورفع مستوى العمال الاقتصادي والثقافي وتحرير الفلاح وسن القوانين التي تكفل تحسين حاله وإنصاف صغار الموظفين والمستخدمين والكسبة والمساواة بين الرجل والمرأة.

    ثم قاد الحزب المعارك الوطنية والقومية، في أعقاب اندحار الفاشية وانتصار معسكر الديمقراطية في العالم، خصوصا بعد نجاحه في عقد كونفرنسه الأول عام 1944 ومؤتمره الوطني الأول في نيسان 1945 وإقراره (الميثاق الوطني) للحزب، وطوّر برامجه وسياسته وفق الظروف المستجدة خلال فترة المد الوطني الديمقراطي 1946- 1958. كما قاد الإضرابات العمالية والانتفاضات الفلاحية والاعتصامات الطلابية، وشارك في وثبة كانون الثاني 1948 ضد معاهدة بورتسموث وإلغاءها قبل ان ترى النور، وفي انتفاضة تشرين 1952 وانتفاضة مدينة الحي (1956) والوقوف مع الشعب المصري ضد العدوان الثلاثي على مصر، ومقاومة حلف بغداد العسكري، وصولا الى تحقيق جبهة الاتحاد الوطني في نيسان 1957، والتي مهدت بدورها - وبالتنسيق مع حركة الضباط الأحرار - الى انتصار ثورة 14 تموز الوطنية الديمقراطية عام 1958 بقيادة الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم.

    بات الشهيد حسين الرضوي (سلام عادل) بعد سنوات قلائل من استشهاد قائد الحزب ومؤسسه (فهد) ورفيقيه محمد زكي بسيم وحسين الشبيبي الذين أعدمهم النظام الملكي الرجعي في 14 شباط 1949، بات يقود الحزب ونضالاته بثبات حتى تكللت جهود رفاقه بانتصار ثورة الجيش والشعب المجيدة عام 1958. وبفضل سياسة الحزب وبرامجه وأهدافه الوطنية، ونجاحاته في سوح المعارك الطبقية والاجتماعية والقومية، منذ تأسيسه حتى اندلاع الثورة، التفت أوسع الجماهير الشعبية والعمالية والفلاحية، الى جانب عدد كبير من المثقفين الثوريين، حول الحزب، وهو يحتضن ويدافع عن الثورة ومنجزاتها الوطنية والديمقراطية. وقد شكلت مسيرة الأول من آيار 1959 المليونية، تمجيدا وعرفانا بتاريخ هذا الحزب وهو يرسم برامجه الطموحة، ويتمسك بكل مكاسب الشعب التي تحققها ثورة 14 تموز، تلك المكاسب التي حاولت قوى الردة وبالتعاون مع الدوائر الخارجية الإطاحة بها عبر سلسلة من المؤامرات والدسائس، حتى ارتكبت بعض القوى القومية المدفوعة من الدوائر الأمريكية جريمة اغتيالها في انقلاب 8 شباط الأسود 1963 واغتيال قائدها ورفاقه الوطنيين والألوف من أعضاء وأصدقاء الحزب ومن الديمقراطيين العسكريين والمدنيين، وليدخل العراق مرحلة سوداء في تاريخه  الحديث لما ينيف عن أربعين عاما من الحكم الدكتاتوري الشوفيني والحروب الدموية الخارجية والداخلية.

    خسر الحزب، في انقلاب شباط الدموي، خيرة قيادييه وكوادره المدنية والعسكرية، يتقدمهم سكرتيره الأول الشهيد سلام عادل، وعدد من أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية  وجمهرة واسعة من المثقفين والأكاديميين والعمال والفلاحين والكسبة،. وازدادت أعداد الشهداء تصاعدا في انقلابي تشرين 1963 وتموز 1968، بعد ان استطاع خلالها الحزب إعادة تنظيم صفوفه و(اختيار) قيادة جديدة انتخبت بدورها الرفيق عزيز محمد سكرتيرا للجنة المركزية لفترة امتدت حتى انعقاد المؤتمر الوطني الخامس (12 – 25 تشرين الأول 1993)، والذي نحن بصدد تقييم سياسة الحزب وبرامجه في ضوء وثائق المؤتمر الذي يعرف بمؤتمر الديمقراطية والتجديد، والسنوات التي أعقبت انعقاده في الساحة العراقية، وهي فترة طويلة وهامة، حتى سقوط النظام الدكتاتوري في 9 نيسان 2003 وبدء مرحلة الاحتلال ومحاولة إعادة البناء لوطن دمرته سياسة الإرهاب والقمع والحروب وعمليات الأنفال والحصار الاقتصادي، وصولا الى حرب الخليج الثانية وانتهاء عهد النظام الدكتاتوري البغيض.

 

فأين وضع الحزب أقدامه، قبل وبعد المؤتمر الوطني الخامس؟

وماذا تحقق في المؤتمر عبر وثائقه المهمة التي صاغها المؤتمرون؟

وما هي انعكاسات مؤتمر الديمقراطية والتجديد على الخطاب السياسي وممارسات الحزب النظرية (والمهم العملية) ونشاطاته التنظيمية؟

وماذا تحقق في تحالفاته 1973 ومن ثم في (جود) و(جوقد)، والمؤتمر الوطني العراقي (احمد الجلبي)، وتحالفاته الجديدة قبل وبعد سقوط الدكتاتورية؟

وأين يقف اليوم كشريك في العملية السياسية؟

 

    السؤال الذي يطرح نفسه بعد 15 سنة من انعقاد المؤتمر الوطني الخامس: لماذا هذه التجديدات والصياغات التي تجيء به، ولأول مرة، وثائقه بعد مناقشات مستفيضة دامت ما يقرب من أسبوعين؟ خصوصا ان المؤتمر عقد بعد فترة ليست بالقصيرة منذ انتهاء أعمال المؤتمر الوطني الرابع عام 1985 في كردستان العراق، وقبله المؤتمر الثالث عام 1976 في بغداد.

 

    كانت من سلبيات ونواقص المؤتمر عند طرح وثائقه ما يلي:

- المدة الطويلة التي طرحت فيها قيادة الحزب مسودة التقرير السياسي قبل انعقاد المؤتمر. إذ من غير المعقول ان يطرح تقرير سياسي هام أمام مؤتمر حزب شيوعي قبل أشهر عديدة في وقت كانت قد استجدت ظروف داخلية وتعرّت مواقف سياسية، على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما تطلبت وضوحا ورؤى جديدة في أكثر من موقف وتجاه أكثر من قضية مصيرية. يضاف الى ذلك، ان التقرير جاء، كغيره من التقارير السياسية التي كانت تعدها اللجنة المركزية للحزب لسنوات طويلة دون الرجوع الى قواعد الحزب، جاء كنشرة إخبارية مطولة دون ان يحتوي على التحليل المطلوب والتشخيص الواجب توفره في ظروف سياسية بالغة الخطورة، بل احتوى على سرد مواقف تتكرر وبأسلوب سردي تجاوز حدود المعقول. لهذا السبب بالذات، تطلب أمر تعديله وإغنائه من قبل أكثر من 76 مشاركا من مندوبي المؤتمر الذين ينتخبون ولأول مرة في تاريخ الحزب من قبل منظماتهم عن طريق الانتخاب المباشر وليس عن طريق الاختيار وفق السلم الحزبي، كما كان يحلو لقيادة الحزب ان تفرض هذا التقليد، تطلب أياما طويلة من عدد أيام المؤتمر لتعديله وإخراجه وثيقة مهمة من وثائق المؤتمر الخامس التاريخي. ودأبت مؤتمرات الحزب الوطنية اللاحقة، بعد مؤتمر الديمقراطية والتجديد، على إرساء تقليد مشاركة كل منظمات الحزب في تعديل وإغناء الوثائق الحزبية، وتثبيت كل الملاحظات والمقترحات عليها من قبل رفاق الحزب، لتكون في متناول المؤتمر قبل وأثناء انعقاد مؤتمراته (السادس والسابع والثامن من العام المنصرم).

- كما ان غياب وثيقة تقييمية لمسيرة الحزب بين مؤتمرين أخيرين (1985 – 1993) بل حتى  من اجل العودة الى نهاية السبعينيات، كان نقصا كبيرا في الوثائق، خصوصا ان الكثير من منظمات الحزب في الداخل والخارج، طالبت بضرورة طرح التقييمات كما فعلت قيادة الحزب في المنعطفات الهامة، بعد تجارب مريرة مرّ بها حزب الشيوعيين في العراق في مراحل خطرة تسببت في  كل تلك الماسي والكوارث التي حلّت بالوطن والشعب. وتأتي هذه الضرورة لتوضيح المواقف، وتشخيص الأخطاء والكبوات بأسلوب نقدي صريح يصب في مجرى إعادة النظر بمجمل المواقف السياسية والقضايا الفكرية والتنظيمية، الأمر الذي دفع بالعشرات من مندوبي المؤتمر، الذين يمثلون بالفعل القاعدة الحزبية الواسعة، الى طرح تلك الأمور بصراحة وموضوعية، تمخض عنها إقرار الوثيقة البرنامجية اللاحقة لعمل الحزب، وهو تقليد جاء بثماره في سياسة وبرامج وأهداف الحزب في مجرى الأحداث والتطورات التي تعاقبت بعد المؤتمر الخامس. ان هذا الغياب غير المقصود، للتقييم الضروري لمجمل سياسة ومواقف الحزب، دفع بعدد من المندوبين الى  طرح وإقرار حقيقة الأزمة التي كان يعيشها الحزب وقيادته، وعادوا الى تثبيت وتشخيص أسبابها، وفي مقدمتها، تلك الازدواجية في اتخاذ المواقف، وبالذات:

موضوعة التحالفات وخصوصا مع حزب البعث.

الكفاح المسلح، ثم الانسحاب الكامل من كوردستان بعد عام 1988.

الموقف من لجنة العمل المشترك في دمشق عام 1990 – 1991.

اجتماعات اللجنة التحضيرية في دمشق ومن ثم القرار المتعلق بعدم المشاركة في مؤتمر فيينا وبعدها العودة الى المشاركة في مؤتمر صلاح الدين- (المؤتمر الوطني العراقي – احمد الجلبي) موضوعة الانتخابات في كوردستان العراق.-

 

- كانت تلك المواقف تحصيل حاصل لرفاق القيادة الذين كانوا على رأس الحزب فترة طويلة، وهي نفس القيادة التي كانت ترسم السياسة الحزبية، ثم تعود وتنقض تلك السياسة، بل وتعمل ضد تلك الموضوعات وخصوصا اتخاذ الموقف السياسي المعيّن في هذا التحرك أو ذاك دون الرجوع الى قواعد الحزب. ( وكانت البعض من تلك القرارات خطيرة ومصيرية). وبالرغم من ان تغيّر الظروف، في الواقع السياسي المعني، يفرض تغييرا في اتخاذ الموقف الجديد، إلا ان التذبذب (والارتباك) في فترات زمنية قصيرة، إنما يدلّ على تأرجح رأي بعض رفاق قيادة الحزب، وهو ما عكسته في أحيان كثيرة، تناقض البيانات والتصريحات الصادرة عن القيادة، وما كانت تنشره جريدة الحزب المركزية (طريق الشعب).

    وأشير هنا الى الملاحظة التالية: استمر أعضاء  قيادة الحزب، في المكتب السياسي واللجنة المركزية، في مواقعهم ما يقرب من 20 – 25 سنة  في مسيرته رغم كل الإخفاقات والانتكاسات دون تغيير مطلوب، حتى المؤتمر الوطني الخامس حيث دخل القيادة عدد (أكثرية) لأول مرة عن طريق الانتخاب السري والترشيحات الفردية، لتنتهي مرحلة أعداد قائمة من قبل اللجنة المركزية ليعلن فوزها باعتبارها قائمة الحزب دون ان يكون للرفاق الآخرين الحق في الترشيح داخل مؤتمراته. بل، وتم في المؤتمر الرابع اختيار عشرة رفاق من خارج القائمة عن طريق ترشيح بعض أعضاء اللجنة المركزية لهم، باعتبارهم من الكوادر النشطة والمؤهلة ، وهي فاتحة غير موفقة لخرق النظام الداخلي للحزب، وابتعاد كبير عن ممارسة الديمقراطية في حياته الداخلية، تضاف الى  خروقات أخرى تناولها المؤتمرون في نقاشاتهم والتي توصلوا أثناء فعالياته الى تجديد  وتعديل الكثير من مواد النظام الداخلي.

-كما لم تتضمن وثائق المؤتمر (خصوصا الوثيقة السياسية)، في مجرى الحديث عن التجديد، السبب في غياب دور الحزب في المجال الفكري والنظري وهو يتناول بفقرات مطولة عن الجمود والابتعاد عن الديالكتيك الماركسي الحي وما تعانيه الحركة الشيوعية من تراجع وانهيار البناء الاشتراكي وكيف يتوجب على الشيوعيين العراقيين التأكيد على قيم الاشتراكية وافضلياتها. والسؤال الذي يطرح هنا، في هذا الصدد، هو: لماذا لم يساهم الحزب طيلة السنوات الثلاث المنصرمة في نشر الدراسات الجديدة فيما يتعلق بنقد التجربة الاشتراكية المعاصرة؟ فإذا كان السبب هو عدم قدرة رفاقنا وإمكانياتهم القيام بهذه المهمة، أفلم يكن من الأجدر ان يعمم الحزب الدراسات المنشورة من قبل الأحزاب الشيوعية في البلاد العربية وغيرها؟ ( جرى سد هذا النقص الكبير في نقد التجربة والانهيار والدروس المستخلصة، في المؤتمر الثامن للحزب، من قبل لجنة العمل الفكري في الحزب) وكانت بالفعل دراسة نقدية قيمة تميّزت بالعمق والتمحيص والتفصيل.

    لقد جرى اهتمام كبير في المؤتمر الخامس بالعملية الثقافية الفكرية المغيّبة منذ سنوات عديدة في حياة الحزب، لما للمثقفين من دور بارز قام به عدد من المبدعين في إرساء دعائم ثقافة وطنية وتقدمية في العراق. وما كانت رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين التي تشكلت في المنافي، والتي ضمّت في صفوفها ما يزيد عن 500 عضو ممتهن في مختلف مجالات الثقافة، ما كانت،إلا المرآة التي جسدت ذلك الدور الريادي الذي لعبه المثقفون في صيانة واغناء الثقافة الوطنية وتعرية محاولات الدكتاتورية لخلق ثقافة بديلة، انحصرت بالتالي في ثقافة مشوهة تمجد بالدكتاتور وحروبه، ثم جرى مسخها على يد عدي صدام حسين الذي نصّب نفسه رئيسا للمؤسسات الثقافية ونقيبا للصحفيين. وكان الحزب في سنوات طوال، يحتضن المثقفين الذين يعتبرون " ورودا في صدره"، ويشجعهم ويقدم لهم كل الإمكانات لمزيد من الإبداع، إلا ان الملاحظ ومع الأسف، طوى الحزب بعد المؤتمر هذه (الورقة) ووضعها فوق الرفوف، بل ولم يبذل جهدا لتقوية العلاقة العضوية بينه وبين هذه الجمهرة الواسعة من المثقفين والمبدعين الذين تكتظ دور النشر والمكتبات لا في العراق فحسب، بل في الدول العربية وفي الجامعات الأوربية، بنتاجاتهم الأدبية والفنية وفي مختلف فنون الثقافة التقدمية والإنسانية.

 

***

    وبعد مناقشات مستفيضة من قبل أكثر من 60 مندوبا حول عدد من القضايا التنظيمية، جرى تعديل ما جاءت به وثيقة المؤتمر وهي تتحدث عن إشاعة الديمقراطية وتوسيعها في حياة الحزب الداخلية كونها لا تتنافى مع المركزية الديمقراطية التي يتطلبها التنظيم الحزبي، بل إنها تنسجم مع قناعة الحزب بضرورة الحفاظ على هذا المبدأ. ولكن وللحقيقة نقول، لم تكن الديمقراطية واردة عندما نتحدث عن ضرورة التمسك بالمركزية الديمقراطية في حياة الحزب الشيوعي العراقي، بل تتناقض معها، وهذه ممارسة مقتبسة مع شديد الأسف من الأحزاب الشيوعية التي كانت متمسكة بتجربة وحياة الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، كغيرها من التقاليد التي تفرضها اللينينية في الأحزاب الشيوعية: التنظيم الحديدي – الانضباط الحزبي العالي – نفّذ ثم ناقش – النصية – تبعية السياسة الخارجية للحزب الشيوعي الأم (الأممية) – والأمثلة عديدة ومؤسفة! يضاف الى ذلك، انعدام الحرية وحق نقد القيادة وفق سياسة " من ضروريات العمل السري، وان القيادة أدرى من كل منظمات الحزب بما يدور في (الأروقة) وفي السياسة"!

 

إذن، ماذا تحقق في المؤتمر الوطني الخامس؟

هل حقق المؤتمرون عمليا، التجديد في صياغات الوثائق، وضرورة التمسك بالديمقراطية في حياة الحزب الداخلية؟

وما هي انعكاسات تلك القرارات والوثائق على أداء الحزب بعد المؤتمر التاريخي؟

 

1. ان أول ما ميّز المؤتمر الخامس، عن ما سبقه من مؤتمرات للحزب في أطواره العلنية والسرية، المشاركة الواسعة للمندوبين في مناقشة الوثائق، ومن ثم الإعادة شبه التامة للتقرير السياسي، الذي اتسم بالواقعية والموضوعية وبعيدا عن الصيغ السابقة التي كانت تنم عن الرضى في الأداء السياسي المكرر والمستنسخ من تقارير المؤتمرات التي سبقت مؤتمر التجديد هذا. وصدرت من خلال التصويت والإقرار النهائي للوثيقة ، قرارات وتوصيات مهمة من اجل تفعيل التوجهات السياسية اللاحقة في ميادين العمل والنشاط المتنوع للحزب.

2. كما تميّز المؤتمر وللمرة الأولى، بحضور واسع للمندوبين المنتخبين من قبل منظمات الحزب، دون التمسك بالسلم الحزبي الذي تسبب في السابق من حرمان كوادر ورفاق يتحلون بالثبات والثقافة العالية، مما شكل حضورهم هذا، العامل الفعال في إغناء الوثيقة السياسية، وإضفاء جو من الديمقراطية أثناء سير فعاليات المؤتمر، ونجاحه اللاحق في تعميق هذه التجربة عند مناقشة وإعداد الوثائق قبل انعقاد مؤتمرات الحزب التالية، وفي الانتخاب المباشر للمندوبين من قبل كل منظمات الحزب في داخل الوطن وخارجه. أي، بات كل رفاق الحزب يساهمون ويشاركون فعليا في رسم وإقرار سياسة الحزب، وخصوصا في المنعطفات، حيث يبادر الحزب الى استطلاع واستبيان رأي الرفاق ومنظماتهم  في مجمل نشاطاته وتوجهاته، ومن ثم، يجري الأخذ في تنفيذ برامجه المرسوم في المؤتمرات الوطنية.

 

    ولكن، ورغم هذا التجديد، مرّ الحزب في تجارب (ائتلافية) لم تكن موفقة، منها، الاستمرار في عضوية المؤتمر الوطني العراقي (السابق) رغم انسحاب العديد من الأحزاب وتكتلات قوى المعارضة، ومنها، حزب الدعوة، ولأسباب لم تعد خافية، حيث تأخر الحزب كثيرا في قراره بالانسحاب دون ان تكون هناك مبررات معقولة. وتكررت التجربة عندما تأخر الحزب ثانية  في الانسحاب من القائمة العراقية  الوطنية  التي كان فيها عضوا أثناء الانتخابات البرلمانية الثانية، بعد تجاوزات عديدة من قبل رئيسها على بنود الاتفاق بين أطرافها، فأعطى للآخرين فرصة  "الطعن" واتهامه "بالتذبذب" دون وجهة حق، بينما تطلبت التجارب السابقة، ان يكون الحزب المبادر الى تطبيق سياسته المعلنة في موضوعة التحالفات أو "الائتلافات" سواء الثنائية منها أو "الموحدة"، متى ما دعت الحاجة الى ذلك. فكانت  لتلك الأخطاء، انعكاساتها المضرة في الخطاب السياسي اللاحق فيما يتعلق بهذه الموضوعة الهامة، خصوصا في ظروف العراق الجديد، العراق الديمقراطي الفيدرالي الذي نسعى الى بنائه  بصدق وإصرار وتحد للإرهاب،  وبهمة عالية ، لتنتهي والى الأبد، سياسات العزل أو التهميش، والى قبر العنصرية والطائفية والتفرقة بين أبناء وطوائف الشعب العراقي.

    كان الحزب الشيوعي العراقي ومنذ تأسيسه في منتصف الثلاثينيات، الداعي الأول الى أهمية وضرورة الجبهات الوطنية، كطريق سالك لتحقيق الانتصارات والانجازات، وبالضد من الافتراق والاختلاف بين أطراف الحركة الوطنية التي تؤدي الى الخسارة  والضياع،  وتفتيت نضالات هذه القوى التي تمثل كل أطياف المجتمع العراقي. وخير مثال على ذلك ، تلك الانتصارات التي تحققت في الوثبات والانتفاضات، وفي جبهة الاتحاد الوطني في ربيع 1957 التي لعبت دورا رائدا بعد أشهر معدودة، في تفجير ثورة 14 تموز 1958 وتأسيس الجمهورية العراقية، وكيف أدى انهيار هذه الجبهة، بعد اقل من سنة من انبثاقها، الى شق وحدة صف الشعب، وبالتالي، الى اغتيالها في انقلاب فاشي دموي في شباط عام 1963.

    وما يزال الحزب الشيوعي العراقي، يواصل مساعيه المخلصة، ويقوي من علاقاته مع أطراف سياسية أخرى، وفق مشروعه الوطني الديمقراطي الذي طرحه بعد مؤتمره السابع،. وهو يتطلع  الى ان تكون وحدة صف  قوى المعارضة العراقية التي انتقلت بعد سقوط الدكتاتورية البغيضة، الى سدة الحكم والتي تشكلت بموجب مقتضيات المرحلة الجديدة، حكومة الوحدة الوطنية "رغم ما يعترض مسيرتها من نواقص وكبوات"، يتطلع الى أهمية ان تكون العملية السياسية الحالية، طريقا مبدئيا لتعميق الديمقراطية، والالتزام بالدستور الذي صوّت عليه الشعب، والتمسك بالعراق الفيدرالي، الذي كان الحزب أول من طرح الفيدرالية بديلا عن "الحكم الذاتي الحقيقي لكوردستان العراق"، والاستجابة لمطالب أبناء الوطن في توفير الخدمات الضرورية لهم، وحماية ما تحقق من مكاسب، والقضاء التام على الإرهاب بما يحقق الأمن والاستقرار لكل أطياف هذا الشعب الذي يستحق عن جدارة، حياة حرة سعيدة.

 

ملاحظة: في وثائق الحزب البرنامجية خلال سنوات ما قبل وبعد سقوط النظام الدكتاتوري، التزمت قيادة الحزب المنتخبة في المؤتمر الخامس بشعاراته الأساسية:

حشد كل الطاقات من اجل إسقاط الدكتاتورية.

الإيقاف الفوري للحرب العراقية – الإيرانية.

الوقوف ضد جريمة احتلال الكويت.

لا للحصار الاقتصادي على الشعب العراقي.

الفيدرالية  لكردستان العراق.

من اجل جبهة وطنية لقوى المعارضة العراقية.

الوقوف ضد التحركات المستهدفة شن الحرب على العراق.

لا  للاحتلال.

من اجل الانسحاب واستكمال السيادة الوطنية  للوطن.

 

    ونعود لنتساءل من جديد عما حققه الحزب الشيوعي العراقي في المؤتمر الوطني الخامس (مؤتمر الديمقراطية والتجديد)؟

أ. حقق الديمقراطية داخل بنيانه، حين ابتعد عن سياسة فرض (الواقع) من أعلى (الوارد من أعلى)، وتعميم القرارات والتعليمات وكأنها (من الوصايا العشرة) وما دونها، هو الحرام والمحرم! وحقق مبدأ الاطلاع والمساهمة في رسم سياسة الحزب عن طريق زيادة اللحمة بين القيادة والقاعدة الحزبية، وتبادل المعلومات والاطلاع على تقارير اجتماعات اللجنة المركزية، والحصول على الحق في إبداء الرأي واحترام الرأي الآخر، والنشر العلني في وساءل الحزب الإعلامية العلنية، الى جانب منح الحق لرفاقه بالنشر في وسائل الإعلام الأخرى، والمشاركة في الندوات المفتوحة سواء عن طريق الفضائيات أو اللقاءات مع أبناء الجاليات في مناطق الاغتراب. وقد أعطت هذه الممارسات، ثمارها في تبادل الفهم المشترك بين الرفاق من جهة، والمواطنين من جهة أخرى، وما نشاهده من الإقبال على فعاليات الحزب ومناسباته الوطنية، هذا الإقبال الذي ينم عن تقبل تلك الجموع لسياسته والالتصاق بأهدافه المعلنة في أكثر من مناسبة.

ب. حقق وثبّت التوجه والقرار الصائب في تأسيس الحزب الشيوعي الكردستاني، بديلا "لإقليم كردستان للحزب الشيوعي العراقي"، انطلاقا من الواقع الجديد الذي جاء بعد تحرر محافظات الإقليم من سيطرة نظام صدام حسين، وتأكيدا على خصوصية التجربة الديمقراطية في كوردستان، وترجمة واقعية للفيدرالية في العراق التي دعا إليها الحزب، قبل ان تدعو إليها الأحزاب  القومية والديمقراطية الكوردستانية. وقد لعب الحزب الشيوعي الكوردستاني دوره في تشكيل وتفعيل نشاطات وفعاليات (الجبهة الكوردستانية) في كل المنعطفات والمشاكل التي شهدتها مدن كوردستان في التسعينيات من القرن العشرين، وهو يواصل تعاونه مع الأحزاب الأخرى، ويشارك في حكومة الإقليم وفي برلمانه.

ج. حقق التواصل بين قيادة الحزب وقواعده المنتشرة في محافظات البلاد وفي خارج الوطن، وذلك عن طريق عقد الاجتماعات الاعتيادية للجنة المركزية في أوقاتها المحددة، وعقد مؤتمراته الوطنية وفق النظام الداخلي كل أربع سنوات (أربع مؤتمرات خلال 15 سنة)، الى جانب عقد كونفرنس حزبي بين كل مؤتمرين، وكذلك إشراك رفاق المختصات والكوادر المتقدمة في اجتماعات تخصصية وسياسية في فترات متقاربة، مما يعطي اهتماما اكبر وتمسكا وإصرارا بالسير على الطريق الجديد الذي وضع لبناته المؤتمر الوطني الخامس.

د. حقق مبدأ الانتخاب في صفوفه على كافة المستويات والضرورات (الترشيح والانتخاب) كممارسة ديمقراطية لازمة لديمومة واستمرار التجديد، ونبذ كل الأساليب التي تعيق هذا الحق، أو تحد منه وبأي سبب أو ذريعة. ان هذه الممارسة الحقيقية، كانت من أولى الخطوات التي وضعت الحزب على طريق التجديد،  وكانت، عمليا، وراء نجاحاته اللاحقة في تأصيل مبدأ القيادة الجماعية في تفعيل قراراته وتنفيذ سياسته في كافة المجالات، في ظروف بالغة التعقيد، وفي جو سياسي وأمني محفوف بالمخاطر. ولا يعني هذا ان الحزب لم يرتكب بعض الأخطاء التي لم تكن في معزل عن تعقد ظروف المرحلة ذاتها، ونمو الأمراض الجديدة في سياق العملية السياسية بعد الاحتلال وسقوط الدكتاتورية، إلا أن المهم، ان الحزب يحاول تجاوز تلك الأخطاء، وان يضع الرفيق المناسب في المكان المناسب، رغم توفر هذا الحق لكل رفيق نجح في الانتخاب وضع المؤتمرون ثقتهم فيه.

***

 

    وفي مجال الإعلام – كداعية ومحرض ومنظم – لعب الحزب دورا متميزا في عهدي ثورة 14 تموز 1958 وفي عهد ما أطلق عليه "بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية" 1973 – 1979، بما نشره من مجلات (المثقف – الثقافة الجديدة – الأديب) وصحف (اتحاد الشعب) و (طريق الشعب) واسعتي الانتشار، والتي اعتبرها المؤرخون والمعنيون بشأن الصحافة،  مدرستين متقدمتين في تاريخ الصحافة العراقية، تخرّج فيهما خيرة الإعلاميين الذين ما يزالون حتى الآن يحتلون مراكز هامة في الإعلام العراقي وفي وسائل الإعلام العربي من صحف ومجلات وفضائيات.

    وفي الوقت الذي كان فيه الحزب قد نجح في إصدار عدة مطبوعات ناجحة في المنافي وفي جبال كوردستان أبان الكفاح المسلح، ومنها: طريق الشعب – مجلة البديل الثقافية – رسالة العراق في سوريا (مع طبعة بالانكليزية) ومن ثم في لندن لمدة تسع سنوات – جريدة عراق الغد في لندن – جريدة صوت الاتحاد في الولايات المتحدة، وكانت لديه إذاعات محلية في مدن كوردستان وبرامج تلفزيونية في بعض دول أوربا وكندا، الى جانب إذاعته المركزية (صوت الشعب العراقي)، لم ينجح بعد سقوط النظام الدكتاتوري في الحفاظ على ذلك، سوى استمراره بإصدار جريدته المركزية (طريق الشعب) رغم ضعفها من الناحيتين المهنية والفنية، بينما خسر الإذاعة كصوت مهم، واخفق حتى الآن بإنشاء فضائية، بينما معظم الأحزاب والتنظيمات، بل وحتى بعض المسؤولين والأشخاص في الدولة يملكون أكثر من قناة فضائية، وغيرها من وسائل الإعلام التي باتت في عصرنا الحالي، دوائر من دوائر صنع القرار في البلاد.

 

***

    ان الديمقراطية والتجديد في حزب سياسي عريق كالحزب الشيوعي العراقي، ينتقل من صفوف المعارضة لنظام توتاليتاري عنفي مقيت دام 35 عاما، الى شريك (فعلي) في تشكيلة حكم يقوم على أنقاض ذلك النظام السيئ، والذي يبدو انه (صادق التوجه والهدف، لدفع المرحلة الوقتية الحالية الى مرحلة دائمة لبناء عراق ديمقراطي فيدرالي)، ان هذه النقلة في حياة الحزب، ليست سهلة، ولكنها ليست مستعصية. إنها تتطلب جهودا استثنائية في زحمة النجاحات والانتكاسات، والأخطاء والكبوات للحكم الجديد، ووسط العديد من حالات الفساد والتخريب، والسعي للاستئثار بالقرارات التي تمارس داخل وتحت سقف الوضع الجديد من قبل جهات وأحزاب حاكمة وأخرى مساهمة في العملية السياسية الى هذا الحد أو ذاك، والتي جاءت كلها بعد سقوط الدكتاتورية، ووقوع العراق تحت الاحتلال الذي نسعى جميعا الى التخلص من بعض شروره ومسؤوليته في تدهور الأوضاع منذ ما ينيف عن السنوات الثلاث الأخيرة، إنها  تتطلب كلها جهودا متواصلة من اجل غد العراق الجديد.

    ان المشاركة في المسؤولية، لا يعني أبدا ان يكون الحزب شريكا في الحكم، ولا يحق له ان يكون معارضا أو رقيبا عليه، له كامل الحق في انتقاده وتشخيص أمراضه في سبيل تخليصه من كل العوائق التي تعترض مسيرته، بل ان مسؤوليته اكبر حين يجمع المهمتين معا، وهذا ما نريده بعد 15 عاما منذ مؤتمر الديمقراطية والتجديد.

 

--------------------------