بمناسبة مرور 15 عاماً على المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي يجب مواصلة الديمقراطية والتجديد -  داود أمين

مقدمة

    شكل عقد المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي ( خريف 1993 ) واحدة من اللحظات التأريخية الهامة في حياة الحزب والحركة الوطنية والديمقراطية العراقية . فالمؤتمر ونتائجه كان مفاجئة بكل المقاييس، ليس لكوادر  الحزب وقاعدته الحزبية فقط، بل لآصدقائه وأعدائه أيضاً، فعدى الوثائق الهامة والتعديلات الآساسية التي طرأت على النظام الداخلي والخطاب السياسي والفكري للحزب، والتي نتجت عن المؤتمر، إلا أنه ولآول مرة في تأريخ الحزب الشيوعي والحركة الوطنية العراقية ، تتخلى قيادة الحزب ( بكاملها تقريباً ) عن ترشيح نفسها لللجنة المركزية، وهو أمرليس سهلاً ولا شكلياً في تأريخ حزبنا وتأريخ الحركة الشيوعية العالمية الذي نعرفه جميعاً، إذ أن تلك الخطوة كانت تعني في الجوهر إعتراف بفشل نهج وسياسة، إرتبطت بأسماء معينة وإستمرت طويلاً، مكلفة الحزب والشعب الكثير!  وليس كما أشيع ، في أن عدم الترشيح جاء بسبب كبر سن قادة الحزب ورغبتهم في إفساح المجال للشباب! وهو أيضاً إفساح المجال أمام جيل جديد من القادة، وسياسة ونهج جديدين أيضاً، جيل يحاول الآستفادة من تجارب الماضي وتجاوز أخطائه ونواقصه، وإعادة الحزب لسابق عهده في إحتلال مكانته المعهودة في الحركة الوطنية والديمقراطية العراقية.                                                                    

 

مقدمات تجديدية سبقت المؤتمر !                                      

    إن حدثاً كعقد المؤتمر الخامس للحزب والنتائج التي تمخض عنها لا يمكن النظر اليها بمعزل عن عوامل كثيرة ذاتية وموضوعية، فحركة التغيير داخل الحزب بدأت في رأيي منذ تشكيل حركة الآنصار عام 1979، التي إستوعبت معظم كادر الحزب وأعضائه المتبقين بعد ضربة نهاية السبعينات، فهذه الحركة كانت الرد الطبيعي على السياسة الذيلية التي مورست زمن الجبهة الوطنية مع البعث. وفي خضم الحركة الآنصارية وفي أتونها نما جيل من الشيوعيين الذين يتمتعون بالجرأة والإقدام، ليس في المعارك ألآنصارية الحقيقية فقط، بل في النقد والتعبير عن الآراء المعارضة، ورفع الصوت ضد أخطاء الماضي ومحاسبة المسؤولين عنها! لقد كانت حركة الأنصار الشيوعيين، التي إستمرت حوالي عقداً من السنين، ميدان لأحتكاك فكري وسياسي وتنظيمي يومي لمئات الكوادر الحزبية داخل المقرات، وفي المفارز المقاتلة، وقد تجلى هذا ألآمر في نتائج المؤتمر الرابع للحزب، الذي كان أكثر من 80 % من مندوبيه من الآنصار( رغم إنهم أُختيروا من قبل مسؤولي القواطع الآنصارية ولم يُنتخبوا من هيئاتهم ). فهذا المؤتمر بالإضافة لوثائقه الهامة، وبينها وثيقة التقييم لفترة الجبهة الوطنية، فقد إنتخب لعضوية اللجنة المركزية 15 عضواً فقط، من القيادة السابقة، من أصل 44 عضواً كان المؤتمر الثالث قد إنتخبهم عام 1976. ووحد المؤتمر قيادة الحزب الى حد ما في الموقف من أساليب النضال، وبينها أسلوب الكفاح المسلح، الذي كان حوله خلاف واضح داخل القيادة! وكان من نتائج المؤتمر الرابع المباشِرة إلغاء الصفات الحزبية والمراتبية، وأصبح جميع أعضاء الحزب لهم صفة ( عضو ) فقط، والمواقع التي يحتلوها في سلم التنظيم، هي تكليف يبقى أو يزول حسب الظروف والحاجة، وكان هذا الآمر ثورة بحق في مجال التجديد في حزب تعوَّ د لآكثر من نصف قرن على المراتبية!                                                                   

    إن فشل تجربة الكفاح المسلح نهاية الثمانينات، وقبلها معارك بشتاشان وخسائرنا غير المبررة فيها، وحملة الآنفال التي شنتها السلطة الدكتاتورية ضد الآنصار والبيشمركة وإستخدام السلاح الكيمياوي بعد إنتهاء الحرب العراقية الآيرانية ضد مواقع الآنصار والقرى الكردية، والنزوح العشوائي الجماعي للآنصار نحو الدول المجاورة ( تركيا وإيران وسوريا ) أعاد تكرار الآسئلة السابقة حول مسئولية من يرسم هذه السياسات، ومن يتحمل مسئولية نتائجها ؟ وكانت قاعدة الحزب وكوادره جريئة في طرح الآسئلة ، التي ترافقت مع ميل عام في الحركة الشيوعية العالمية في إعادة النظر بالمسلمات، وشيوع مفاهيم البريسترويكا والتجديد. وكان لنتائج ذلك الحراك الفكري والتنظيمي في القاعدة الحزبية، أثر واضح على صدور نشرة عممها المكتب السياسي في أيلول 1989 تدعو منظمات الحزب ورفاقه للمساهمة مع قيادة الحزب لإعادة صياغة وثائقه البرنامجية وتدقيق المفاهيم التي ترد فيها! كما كان له أثر أوضح في صدور وثيقة أذار 1990 عن إجتماع اللجنة المركزية والمعنونة ( في سبيل إستنهاض قوى الشعب لتحقيق السلم والبديل الديمقراطي ) والتي تعتبر تجديداً غير مسبوق، من قبل قيادة الحزب، في اللغة التي صيغت فيها هذه الوثيقة ، وفي الموضوعات التي طرحتها ، وأيضاً في موضوع طرحها للمناقشة على جميع هيئات الحزب. وقد ترافق مع صدور هذه الوثيقة أحاديث وتعهدات من قبل العديد من قادة الحزب وبينهم السكرتير، بعدم الترشيح مجدداً للجنة المركزية ! جاء كل ذلك بالترافق مع إنهيار الأتحاد السوفيتي، وما سمي بالبلدان الأشتراكية، وشيوع وإنتشار أفكار العولمة، وحقوق الأنسان، وكان كل ذلك مقدمات ضرورية لتغيير حقيقي قادم!               

    أعتقد إن انتفاضة آذار 1991 والآستفتاء الشعبي والعفوي العام الذي نتج عنها ضد سلطة صدام حسين، وسقوط 14 محافظة بيد المنتفضين، وتكشف هزال الدكتاتورية وهشاشة نظامها، أعطى الحزب، وحركة المعارضة العراقية عموماً، دفعة منشطة بالغة الآهمية وأعاد الثقة لليائسين والمحبطين، بإمكانيات الجماهير وقدرتها على المبادرة، حتى عندما لا تتوفر القيادة الكفوءة، من أن تصنع تأريخها ولا تبخل بالتضحيات ! وكان لإجبار صدام حسين على الإنسحاب الذليل من الكويت، وعزلة نظامه على المستويات العربية والدولية والداخلية ، وإضطراره للآنسحاب من كردستان، كان لكل ذلك أثر في توفير فرصة  للحزب وحركة المعارضة العراقية في إيجاد مكان شبه آمن في كردستان للنشاط والعمل الإعلامي والسياسي والتنظيمي. وفي هذه الآجواء كان من الطبيعي أن تتهيأ للحزب الفرصة المناسبة لعقد مؤتمره الوطني الخامس، وتعديل وتجديد سياسته بما يلائم الظروف الجديدة، خصوصاً بعد أن أقر إجتماع اللجنة المركزية الذي عقد في أيلول 1991 مشروعي الوثيقة البرنامجية والنظام الداخلي !                      

 

المؤتمر الخامس ينعقد في شقلاوة!                                

    لقد سبقت عقد المؤتمر مباشرة حملة فكرية وتنظيمية واسعة شملت جميع منظمات الحزب في الخارج وكردستان، حيث عُقدت الكونفرنسات التي فسحت المجال لطرح جميع الآراء المعارضة والمختلفة والمطابقة. كما فتحت مجلة ( الثقافة الجديدة ) صفحاتها للرفاق والآصدقاء، وفي أعداد متتالية، لمناقشة كل ما يخص الحزب سياسة وفكراً وتنظيماً. وقد أعقب ذلك مباشرة إنتخابات ديمقراطية داخل الهيئات الحزبية كافة لانتخاب مندوبي المؤتمر، وقبل المؤتمر بفترة قصيرة، وبإشراف من عضوين من م س عُقد في لندن كونفرنس لمندوبي منظمات الخارج المنتخبين لحضور المؤتمر، وفي هذا الكونفرنس تمت مناقشة أهم الأفكار والموضوعات التي سيتناولها المؤتمر! وفي خريف 1993 كان موعد عقد المؤتمر في شقلاوة، حيث حضر 105 مندوباً من أصل 117 مندوباً، إذ تعذر حضور 12 مندوباً لآسباب مختلفة، كما دعي عدد من الكوادر الآعلامية والثقافية والحزبية كضيوف، ثم تحولوا ، بقرار من المؤتمر لمندوبين. وكانت نسبة الآنصار في المؤتمر 65 % من المندوبين، و6 % من النساء، ونسبة العرب 41 % تقابلها نسبة 52 % من الآكراد و7 % للقوميات الآخرى! وكان هذا الخلل في التركيب القومي للمندوبين بسبب سعة تنظيمات الحزب في كردستان، وبسبب إرهاب السلطة في المناطق العربية، الذي جعل الحضور من ممثلي منظمات الداخل يقتصر على 7 رفاق فقط! وكانت نسبة الرفاق دون سن الخمسين تفوق النصف!                                                             

    لقد ناقش المؤتمر الوطني الخامس للحزب مختلف الموضوعات السياسية والفكرية والتنظيمية والمالية بجرأة وشجاعة ، وقد إتسمت الأجواء داخله بالحرية الكاملة، وإفساح المجال لجميع الآراء المختلفة والمتعارضة والناقدة والمشككة، وقد أجرى المندوبون مئات التعديلات على الوثائق المطروحة، وكان التصويت والآكثرية هي من يقود سير النتائج! ففي المجال السياسي تم الابتعاد عن الجملة الثورية والإرادوية والتأكيد على التعامل بمرونة مع الأحداث. وفي المجال الفكري جرت تعديلات هامة، حيث تم رفع كلمة ( اللينينية ) التي كانت مرافقة وملتصقة في جميع وثائق الحزب بكلمة ( الماركسية )، إذ أعتبرت اللينينية قراءة روسية أو إحدى القراءات الهامة للماركسية، وجرى تثبيت الاستفادة من تراث شعوب وادي الرافدين والتراث العربي الإسلامي، وجرى الاستغناء عن مصطلح ( دكتاتورية البروليتاريا ) وأصبح الحزب الشيوعي العراقي ليس حزباً للطبقة العاملة العراقية فحسب ، بل حزباً للعمال والفلاحين والمثقفين وجميع شغيلة اليد والفكر! وفي المجال التنظيمي بادر المؤتمر لانتخاب قيادة جديدة وفق إسلوب غير مسبوق إذ ليس هناك قائمة موحدة للمرشحين، بل يحق لكل مندوب ترشيح نفسه أو غيره بغض النظر عن صفته الحزبية السابقة أو عمره الحزبي، وحين يُثنى على المرشح ويوافق على الترشيح، يقف أمام المندوبين ويتحدث عن تأريخه السياسي والشخصي، ويحق للمندوبين الحديث سلباً أو إيجاباً عن المرشح، ويكون التصويت سرياً وفرز الأصوات علنياً، وقد سرى هذا المبدأ وعم في جميع منظمات الحزب وفي مؤتمراته اللاحقة. كما جرى التأكيد على إن اللجنة المركزية هي اللجنة المنفذة لسياسة الحزب، ولا يحق للمكتب السياسي أن يأخذ دورها. وجرى تقليص التسلسل الهرمي للهيئات الحزبية وزيادة إجتماعات اللجنة المركزية، وعقد المؤتمرات والكونفرنسات في أوقاتها المثبتة في النظام الداخلي، وأن يسمى سكرتير الحزب، سكرتير اللجنة المركزية وليس السكرتير العام. وجرى التأكيد على إستفتاء القاعدة الحزبية في المنعطفات، ومنح المنظمات صلاحيات واسعة لأدارة شؤونها. وتم إقرار تكوين الحزب الشيوعي الكردستاني- العراق، بإعتباره جزءاً من الحزب الشيوعي العراقي ، ووفق آلية متفق عليها، وله برنامجه ونظامه الداخلي وقيادته المنتخبة في مؤتمراته. كما طرح في المؤتمر لأول مرة التقرير المالي، وعرف المندوبون مالية الحزب ومصادرها وأوجه صرفها.                                                         

 

هل أجاب المؤتمر الخامس على أسئلة الحاضر ؟                

    نتفق جميعاً أن الحزب، أي حزب، هو كائن حي يتطلب بقاؤه وإستمراره مواكبة وإنسجاماً مع الواقع، وتجديداً وفهماً دائماً ومتواصلاً لحركته، وبعكس ذلك فإن الموت والزوال هو مصيره المحتوم، وأمامنا عشرات ألأمثلة عن أحزاب ولدت وماتت عندما لم تستطع أن تتجاوب مع واقعها. لذلك فإن ما جرى في المؤتمر الخامس للحزب، من تجديد للقيادة وتطوير وتحسين في مضمون الوثائق البرنامجية، وإشاعة لأساليب الديمقراطية والتجديد التي أصبح الكثير منها، وبعد 15 عاماً من الممارسة العملية تقليداً لا يمكن التراجع عنه بيسر وسهولة، أقول إن ما جرى كان ضرورة موضوعية وحاجة لابد منها لحزب يريد الإستمرار في الحياة ويسعى للتأثير ولعب دوره المعهود في الحياة السياسية. ولكن من الضروري الإعتراف أيضاً إن صدى الأسباب التي قادت لمؤتمر الديمقراطية والتجديد ونتائجه ، كانت ولا تزال ضعيفة على منظمات الداخل ( والتي تشكل الأن الجسم الرئيسي للحزب ! ) وذلك بسبب عزلة تلك المنظمات ( والشعب العراقي عموماً )  ولمدة عقود من الزمن عن التطور التكنلوجي وعن المفاهيم الجديدة التي غزت العالم، وعن الأحتكاك بالتطورات العلمية الهائلة، والتجارب الديمقراطية للبلدان التي يعيش فيها معظم رفاق الخارج! أعتقد إن قطاعاً من منظمات الداخل لا يزال مشدوداً لنفس المفاهيم القديمة، في تأليه القادة الحزبيين! وفي الأنقياد الجمعي لما يقرروه! وفي ذلك خطر كبير على القادة قبل غيرهم، وعلى الحزب عموماً، كما أعتقد إن وجهة العديد من رفاق الداخل غير نقدية ولا متفحصة للوثائق الحزبية ، فهم ، وكما كنا في السابق، ينظرون للوثيقة الحزبية الواردة من هيئة قيادية نظرة قدسية، وقد لمست ذلك من خلال مساهمتي في الكونفرنس السادس للحزب ( في شتاء 2004) (....)

    إن الواقع الجديد وطنياً وقومياً وعالمياً يتطلب مزيداً من الفحص والتدقيق في سياسة الحزب وشعاراته وفي أساليب عمله، فالعالم اليوم ليس هو عالم نهاية السبعينات، والحزب مطالب بمزيد من قوة المثل في ترسيخ مفاهيم الحرية والتجديد والديمقراطية داخل صفوفه وفي المجتمع. فالتجربة التي نجح فيها في المؤتمر الخامس، والنتائج المثمرة التي جناها، على مستوى ترسيخ التنظيم وتوطيده وبعث الثقة في رفاقه ومنظماته، وضربه المثل أمام قوى وأحزاب المعارضة العراقية، وأمام الأحزاب والقوى الشقيقة والصديقة، إن كل ذلك يجب أن يدفع الحزب لمزيد من العمل على نفس المسار. فمهمة الحزب تخطت الأن الحدود الخاصة بمنظماته ورفاقه ( رغم أهميتها وضرورتها ) بل غدت مهمة وطنية واسعة، بإعتباره أقدم الأحزاب العراقية وأعرقها وأكثرها خبرة وطليعية. إن عراقية الحزب الشيوعي ووطنيته الممتحنة بالواقع، تضع على عاتقه مهمة الضرب المستمر للمثل، وإبتداع الأساليب والوسائل التي تساهم في تغيير المفاهيم السائدة والمهيمنة على الواقع العراقي المتخلف على جميع الصُعد، وهذه المهمة الجديدة والصعبة تتطلب مزيداً من المبادرة للتجديد المتمثل في إيجاد سبل ووسائل مبتكرة للوصول لأوسع القطاعات الشعبية والنخب المؤثرة في المجتمع، ويمكن تلخيص المهمات التجديدية للحزب في جملة مجالات هي :                            

1. التجديد في المجال السياسي : لقد شارك الحزب في العملية السياسية منذ سقوط النظام على يد القوات الأمريكية وحلفائها، ولم تنفرد القيادة في إتخاذ هذا القرار، بل إستفتت قيادة الحزب منظماته ورفاقه في موضوع المشاركة، وحصلت على أغلبية بالموافقة تقترب من الإجماع. وقد سببت المشاركة، ولا زالت تسبب، إنتقادات وإتهامات ليست قليلة للحزب، بدعوى عدم شرعية العمل السياسي، والمساهمة في الحكومة في ظل الإحتلال. وبالرغم من أن الحزب بذل جهوداً غير قليلة لتوضيح وجهة نظره حول هذا الموضوع ، وأسهب في حديثه عن موقفه السابق لسقوط النظام، والذي كان معادياً للحرب ولطريقة التغيير عبر التدخل العسكري الأجنبي، والتظاهرات التي ساهم فيها رفاقه ومنظماته في مختلف أنحاء العالم الى جانب المناهضين للحرب، كما تحدث الحزب كثيراً عن أنه حزب عراقي يعمل بين شعبه وجماهيره ، ولا يمكن أن ينعزل ويتخلى عن مهماته الوطنية لوجود قوات أجنبية بدون إرادته ورضاه ، إلا أن كل ذلك يظل ناقصاً وغير مقنع ومفهوم لقطاعات غير معادية ولا متصيدة للحزب، قطاعات تعتقد أن الحزب متطابق ومنسجم مع القوى العراقية التي هللت للمحتلين وجاءت مع دباباتهم! لذلك يحتاج الآمر لمزيد من التوضيح والتميز، لمزيد من المواقف السياسية المتميزة وعالية الصوت ضد المحتلين، وضد خروقاتهم وجرائمهم. لقد كان حزبنا متميزاً في موقفه قبل سقوط النظام، ضد التدخل العسكري، ويجب أن يظل هذا الموقف متميزاً ضد الإحتلال الأن أيضاً، ولا أعتقد إننا سنخسر سياسياً، فالأحتلال كريه وممقوت، ونحن أكثر القوى تضرراً منه وبسببه.

    كما إن التجديد في المجال السياسي يتطلب رفع الصوت بالنقد الموضوعي للحكومة ولنواقصها، وهي كثيرة وواضحة وغير مبررة، لماذا لا نرفع الصوت ضد أخطاء وتجاوزات الأحزاب الطائفية، لماذا لا نتحدث بصوت عال عن النهب وسرقة المال العام وعن أساليب المحاصصة، لماذا لا نتحدث عن أخطاء بعض الأحزاب وتصرفاتها الخاطئة في كردستان والعراق، وأن يكون النقد علنياً.

2. التجديد في أساليب العمل : لأن الواقع العراقي الأن معقد ومضطرب ومتناقض، بسبب عوامل كثيرة ، يقف في مقدمتها سياسة النظام السابق طوال عقود، والحصار الآقتصادي الدولي الذي كان مفروضاً على الشعب العراقي لحوالي عقد ونصف ، وأيضاً طريقة تغيير النظام بواسطة الحرب والإحتلال، والقوى الطائفية والإثنية التي هيمنت على السلطة ، والأرهاب وغياب الأمن ، وإنعدام أبسط الخدمات والضرورات. لكل ذلك فإن أساليب العمل الحزبي والجماهيري يجب تجديدها وتطويرها بما يساعد في تغيير هذا الواقع وتخليصه من نواقصه وسلبياته، وهي عملية ليست سهلة ولا يمكن حلها بسرعة. أعتقد إن الأشكال القديمة للتنظيم الجماهيري المرتبط بالحزب، وأقصد به ( رابطة المرأة وإتحاد الشبيبة وإتحاد الطلبة ) والأساليب القديمة التي لا زالت تتبعها هذه المنظمات في العمل مع قطاعاتها، لم تعد تجدي، إن لم تُفعّل ويعاد النظر في مهماتها وأساليبها، كما إن المطلوب الأن أشكال جديدة للتنظيم الجماهيري ، وأساليب جديدة لعمل المنظمات القديمة. وأرى إن الخيمة الطبية مثلاً واحدة من الوسائل والطرق الهامة والملموسة للصلة بالجماهير، وإن تعميم هذه التجربة وربطها بفرقة مسرحية جوالة تقدم أعمالاً هادفة، أو فرقة موسيقية تقدم معزوفات تراثية هو أمر يشد جماهير أوسع، ويساهم في التغيير الذي ننشده! كما نحتاج لصلة أقوى وأشد مع المثقفين العراقيين من الشعراء والمسرحيين والتشكيليين والموسيقيين، وأن ننظم لهم البرامج الثقافية وتكون مقراتنا الحزبية ميداناً لنشاطهم، الذي نروج له في وسائل إعلامنا ونحشد الجمهور لهذا النشاط. إن طليعية الشيوعيين يجب أن تتجسد عملياً أمام الجماهير من خلال المبادرة لحملات التنظيف والتشجير وفتح مراكز السينما والأنترنيت وتشجيع تأسيس النوادي الرياضية وإنشاء المتنزهات والحدائق العامة، وكذلك لتشجيع فتح صفوف محو ألامية، إن كل ذلك كفيل بعودة الروح العراقية القديمة التي نفتقدها الأن، وعودة هذه الروح العراقية هي عودة للمناخ الذي ننشط  ونزدهرفيه !                                

3. التجديد في مجال التنظيم. بالرغم من الخطوات الواسعة التي خطاها المؤتمر الوطني الخامس في هذا المجال ، سواء على مستوى الوثائق ومضامينها، أو الممارسة العملية للديمقراطية التي تجسدت في الآستفتاءات والإنتخابات وإطلاع منظمات الحزب على نشاطات وفعاليات قيادته، وحرية المنظمات في رسم برامجها وتنفيذها وغيرها من الأساليب التي لم تكن معروفة قبل المؤتمر الخامس ، أقول بالرغم من كل ذلك فنحن بحاجة لتجديد أعمق يتناول تحديد فترة بقاء العضو القيادي وسكرتير الحزب في موقعه لدورتين أو ثلاث أو أكثر، لأن ذلك يوفر للحزب قدرة على تهيئة قيادات دائمة وديناميكية، ويخلص الحزب من المحاباة والشللية، ويقدم مثلاً ونموذجاً للقوى العراقية الأخرى ولعموم المجتمع على جدية الشيوعيين في التجديد، وعلى روحهم الديمقراطية الحقيقية ! كما أرى ضرورة إجراء تعديل على شروط العضوية، بحيث تضاف جملة ( أو من يرتبط بها ) للشرط المتعلق بالعمل في إحدى منظمات الحزب، لأن الأرتباط لا يعني العمل المباشر في إحدى المنظمات الحزبية إنه يشبه بالصلة الفردية ولكنه ليس صلة فردية، إنه خيار تنظيمي يُكسب الحزب عشرات المثقفين والمبدعين وغيرهم ممن يريدون الإنتماء للحزب ولكنهم لا يريدون حضور إجتماعات حزبية وإلتزامات يروها ثقيلة ولا تناسب أوقاتهم وإختصاصاتهم . 

 

---------------------------