نحو توجهات
اقتصادية تلاءم العراق الجديد-
د. مجيد
مسعود
ثمة ارتباط
فيما بين الاقتصاد والسياسة، والرابط بينهما هو المصالح (اقتصاد –
مصالح – سياسة) أي لمصلحة مَنْ مِنْ الطبقات والفئات الاجتماعية،
تجري الأنشطة الاقتصادية في الممارسات الفعلية؟
وفي هذه
المرحلة الانتقالية التي بدأت منذ التاسع من نيسان 2003 ، وما جاءت
به من ظروف جديدة،التي يناضل الحزب الشيوعي العراقي فيها مع القوى
الوطنية المؤثرة الأخرى، وانتقاله معها ( بنسب تأثير متفاوتة)، من
المعارضة إلى المشاركة في السلطة ( مجلس النواب ، حكومة مركزية،
حكومات محلية ، مجالس محلية منتخبة.... الخ) تستدعي أشكالاً جديدة
لمختلف أوجه النشاط، ومنها للتوجهات الاقتصادية التي تلائم العراق
الجديد.
من مميزات
المؤتمر الخامس (مؤتمر الديمقراطية والتجديد) الذي نحتفل بذكرى
مرور 15 عاما على انعقاده، أنه استشرف الآفاق المستجدة الآتية في
المستقبل المنظور، بعد التخلص من النظام الدكتاتوري، وما استنزفه
من موارد الشعب البشرية والمادية والمالية، وذلك جراء تفرده
بالقرارات المصيرية للشعب والوطن، وإيغاله في عسكره الاقتصاد
والمجتمع، وانغماسه في حروب مدمرة داخل العراق ومع أشقائه وجيرانه.
وكان من بين
الجديد في هذا المؤتمر،هو التأكيد على التعددية:
- فكريا: بتعدد
المرجعية، من الاسترشاد بالماركسية والاستفادة من سائر التراث
الإنساني الاشتراكي واستلهام كل ما هو تقدمي في حضارة شعوب وادي
الرافدين، والحضارة الإنسانية، والرصيد النضالي التاريخي لشعبنا
العراقي، ومن نضاله من أجل التحرر الوطني والديمقراطية.
- اقتصاديا:
باعتماد التعددية الاقتصادية : قطاع عام، مشترك، تعاوني، خاص(محلي-
عربي- أجنبي) كل بمقدار ما يضيفه لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة.
- سياسيا: بإطلاق
الحريات الديمقراطية، حرية التنظيم الحزبي السياسي، والتنظيم
النقابي والمهني والاجتماعي، وحرية النشر والصحافة وبكل وسائل
الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، للتعبير عن الرأي، وحرية التجمع
والتظاهر السلمي واستخدام وسيلة الإضراب عن العمل عند الضرورة،
واحترام العقائد الدينية، وضمان كل ذلك دستوريا.
- قانونيا: وذلك
بفصل السلطات الثلاث واستقلالية القضاء.
هذا وقد جاء في
قرارات مؤتمر الديمقراطية والتجديد، بأن الحزب يصوغ وثيقته
البرنامجية استنادا إلى دراسته للواقع الطبقي والقومي والديني
للمجتمع العراقي المعاصر والتطورات الجارية فيه، مسترشدا بمرجعياته
التي سبق ذكرها. ورغم تبني الحزب الاشتراكية كهدف لنضاله، شان كل
الأحزاب الشيوعية، فقد ركز الحزب في نضاله اليومي على الأهداف
الآتية الملحة:التحرر
الوطني والحريات الديمقراطية ومصالح الكادحين، فطالب بحقوق العمال
والفلاحين والطلبة والشباب والنساء.
وهذا يعني بأن
الحزب الشيوعي العراقي، في الوقت الراهن، أمام مهام جديدة تطلبتها
التحَولات المنشودة، ويفترض فيه أن يبادر إلى دعوة كل الشركاء
لبلورة التوجهات الاقتصادية التي تلاءم العراق الجديد. هذا إضافة
الى حث وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، باعتبارها جهة الاختصاص
في هذا المجال، لتقوم بدورها المنشود،بالتعاون مع جميع الأطراف
المعنية.
أما على الصعيد
الاقتصادي، فينبغي أن تستمد خطط وبرامج الحكومة المركزية والمجالس
والحكومات المحلية للمحافظات، أهدافها المرحلية من وثيقة يبادر
الحزب الشيوعي العراقي بالدعوة إلى إعدادها، وهي وثيقة
الإستراتيجية العامة للتنمية الشاملة المستدامة، والتي تتضمن،
عادة، تعريفا بالأهداف الأساسية للتنمية بعد تحليل الواقع واستخلاص
متطلباته وفق أولويات مبررة علميا، والتي تكون بطبيعتها طويلة
المدى(20-25سنة).
وفي هذا المجال
يحتاج خيار التعددية الاقتصادية، الذي تبناه الحزب وأكد علية في
مؤتمر الديمقراطية والتجديد،إلى تحديد مواقع وأوزان مشاركة
القطاعات (العام، المشترك، التعاوني، الخاص) في حجم وتركيب
الاستثمارات، وتشغيل القوى العاملة، ومساهمة هذه القطاعات في توليد
الدخل الوطني، وفي التجارتين الداخلية والخارجية، وما ستكون عليه
مواقع هذه القطاعات من هذه المؤشرات في المستقبل المنظور.
وأن تتضمن
وثيقة الإستراتيجية العامة للتنمية الشاملة المستدامة، تعريفا كذلك
بالإمكانات والموارد المتاحة، البشرية والمادية والمالية،التي تمثل
أساس الانطلاق للنشاط الإنمائي، وكيفية الانتقال التدريجي من
اقتصاد ريعي، ولا سيما بالاعتماد على عوائد النفط الخام،الذي سيؤول
للنضوب مستقبلا، إلى اقتصاد منتج متنوع ومتجدد. وتوضيح ما هي
الفروع الإنتاجية الزراعة (النباتية والحيوانية) والصناعية
(الاستخراجية والتحويلية) ،التي ينبغي التأكيد على تطويرها مستقبلا
لإشباع حاجات السوق الداخلية، وللتصدير أن تحقق منها فائضا.
إن التطور
القادم – كما أعتقد- يجب أن يكون بزيادة حصة القطاعات السلعية في
تكوين الناتج المحلي الإجمالي، لأنها هي الأساس المرتجى لتحقيق
الرفاه الاقتصادي للشعب . وذلك نظرا لكون الاقتصاد العراقي، بوضعه
الراهن، لم يحقق القاعدة المادية التي تسمح بإعطاء الأولوية لنمو
القطاعات الخدمية في تكوين الناتج المحلي الإجمالي، كما هو الحال
في البلدان المتقدمة صناعيا وتكنولوجيا
.
والمطلوب،
أيضا، من وثيقة الإستراتيجية العامة للتنمية الشاملة المستدامة
الغائبة حاليا ،أن تتضمن تعريفا بالقيود والمحددات المحيطة بعملية
التنمية في الأجلين القصير والمتوسط، التي يتعين مواجهتها
واجتيازها من خلال الخطط والبرامج الإنمائية المتتالية، للتخلص من
تركات النظام الدكتاتوري وتركات الاحتلال الذي بالغ في تضخيم دور
الفئات الطفيلية كركائز للرأسمال المالي العالمي.
إن المهمة
المركزية التي يتوقف على انجازها تحقيق سائر المهمات، هي استكمال
السيادة الوطنية ووضع برنامج زمني لرحيل القوات الأجنبية وعدم
السماح لبقاء أي شكل من القواعد العسكرية على ارض العراق.
وفي ضوء التوجه
نحو الانفتاح على المشاركة مع شركاء الخارج في المحيط العربي، من
خلال منظمة التجارة العربية الحرة(الكبرى) والمشاركة مع بلدان
الجوار مثل إيران وتركيا، وامتدادا إلى الهند والصين، وبقية دول
العالم في أوربا وأمريكا وكندا، وذلك ما دامت للعراق مصلحة في مثل
هذه العلاقات التي نحاول أن تكون متكافئة قدر الإمكان. وهذا يعني،
استراتيجيا، الارتقاء بتصميم المنتجات وجودتها الاجتماعية لتكون
مطابقة للمواصفات والمقاييس الدولية للجودة وما يستلزمه ذلك من
تطوير تكنولوجي لزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف كأساس لرفع القدرة
التنافسية للمنتجات الوطنية العراقية، في سوقنا الداخلية أمام
اجتياح السلع العربية والأجنبية، وكذلك في الأسواق العربية
والخارجية الأخرى. ومن المتطلبات لتحقيق ذلك الارتقاء بالقوى
العاملة وزيادة إنتاجها من خلال التدريب وإعادة التأهيل والتحفيز
المعنوي والمادي بالأجر العادل والمكافئات المجزية. ، والمهم دائما
هو الربط بين الأجور والأسعار.، والاهتمام بالبحوث والتطوير ودراسة
الأسواق وفرص التصدير الملائمة . وكذلك الاهتمام بالتطوير الإداري
والتنظيمي لتحسين بيئة العمل والتخلص من الإجراءات البيروقراطية
المعقدة وبؤر الفساد الإداري والمالي. هذا إضافة الى تعزيز
المراقبة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني، مستفيدين من جميع وسائل
الإعلام الحرة.
كما ينبغي أن
تتضمن وثيقة الإستراتيجية العامة للتنمية الشاملة المستدامة،
تعريفا واضحا بالسياسات الإجمالية والقطاعية للتنمية. وأن تتحدد
هذه السياسات العامة للتنمية بالسياسات الاجتماعية، بما فيها
سياسات السكان والقوى العاملة، والسياسات الاقتصادية والسياسات
الاستثمارية والسياسات المالية والنقدية، وسياسات التنمية الإدارية
والسياسات المحافظة على نظافة وسلامة البيئة..... الخ.
ونتطلع بأن
يكون الوصول إلى بلورة وصياغة هذه الرؤية المستقبلية للعراق الجديد
من خلال المشاركة الشعبية الواسعة، من خلال ممثليها المنتخبين بشكل
خاص، لتجعلها بمثابة إطار مرجعي مشترك لكافة طبقات وفئات الشعب
العراقي وقواه الفاعلة، وذلك من أجل كسب رهان التحول التقدمي
للمجتمع العراقي.
والهدف المرتجى
من هذه الوثيقة المرجعية أن يجعل الربحية المجتمعية هي المقصد
المرغوب، وأن يكون تدخل الدولة الواعي في الحياة الاقتصادية
باستخدام التخطيط المَرن، وبتوجيه آليات السوق من أجل إنصاف ذوي
الدخل المحدود. هذا إضافة الى اعتماد وسائل فعالة لتوزيع الدخل
الأولي وإعادة توزيعه لصالح غالبية السكان والمنتجين منهم بشكل
خاص، الذين بمجهوداتهم تتحقق التنمية، لذا يجب أن يكونوا من
المستفيدين من ثمارها، مع مراعاة حقوق الأجيال القادمة.
وبما أن الدولة
تعتبر بمثابة رب عمل تمتلك الثروات الوطنية، مثل النفط والغاز وما
في حكمهما، وكذلك تمتلك المؤسسات الاقتصادية والخدمية العامة،
وتشغل غالبية القوى العاملة بأجر ومرتب، فعليها (الحكومة المركزية)
أن تستخدم التخطيط المَرن لها، انطلاقا من الأهداف العامة لوثيقة
الإستراتيجية التي نحن بصددها. ومن الضروري أن تكون هذه العملية
التخطيطية ملزمة لهذا الجانب من الحياة الاقتصادية، الذي كما اشرنا
بأنه في كنف الحكومة المركزية وعامل الزمن مهم جدا عند التنفيذ
وتقيم الأداء. أما القطاع المشترك والتعاوني والخاص، فيتعين أن
يكون التخطيط بالنسبة لهم تأشيريا والبحث عن أفضل السبل لتحقيق
ذلك.
----------------------