أبن خلدون.. وامتداد أفكاره وفلسفته الى عصرنا الحاضر  د. سمير ليلو

 

    عاش العالِم المغربي العبقري (ابن خلدون) في القرن الرابع عشر (1335 – 1406) وكانت تلك الفترة من أصعب المراحل التاريخية التي مرّ بها العالم، حيث انتشر وباء الطاعون في أنحاء عديدة من العالم كاد أن يقضي على أغلبية الناس، عدا الحروب الهمجية التي انتشرت في الشرق أيام القائد المغولي (تيمورلنك) ولم يكن حال الغرب بأحسن من ذلك. ولا نريد أن نستعرض هنا تاريخ حياة ابن خلدون أو تفاصيل نظريته الاجتماعية، وفلسفته في التاريخ، ولكن الذي يهمنا هو كيف استطاع هذا العلامة تشخيص طبائع وصفات المجتمع البدوي العربي في ذلك الحين، لتمتد تلك التفسيرات حية ومطابقة لما نحن عليه من صفات اجتماعية نعاني منها الآن. لقد كان ابن خلدون، ومنذ ذلك الحين مصدراً ينهل منه العديد من الكتاب والمفكرين في الشرق والغرب، والى يومنا هذا ومن أمثال هؤلاء نخص بالذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: طه حسين وساطع الحصري وعلي الوردي وجميل صليبا وقسطنطين زريق وغاتشون بوتول وعمر فروخ ومحمد علي نشأة وأحمد محمد احمد الحوفي وعبد الرحمن بدوي وعلي عبد الواحد ... وافي والعديد من المشاهير لا مجال لذكرهم هنا. وقد نهل من بين هؤلاء المذكورين، أفكارهم وطروحاتهم من مقدمته الشهيرة. ولعلنا نستطيع هنا أن نؤشر فقط على بعض النقاط التي جاءت بها مقدمة إبن خلدون، بشأن صفات البدو بشكل عام وصفات البدو العرب بالذات لما لها من أهمية في زيادة المعرفة وتشخيص معاناة المجتمع العربي في عصر الحضارة الحديثة والمتسارعة.

 

صفات البدو بشكل عام

1-     اختصاصهم بنكد العيش، وشظف الأحوال وسوء المواطن، تحملها عليهم الضرورة التي عينت لهم هذه القسمة. وسبب ذلك إن الذين يعتاشون على الزراعة والفراسة تدعوهم طبيعة حياتهم إلى الاكتفاء بالضروري من الحاجات، أما الذين يقتاتون على الإبل ونتاجها، فان شروط حياتهم تضطرهم إلى التوحش في القفر، والقفر مكان الشطف والجوع والضيق، فإذا لم يتعودوه مالوا إلى تركه: فإذا وجد احدهم السبيل إلى الفرار من حالة، وأمكن ذلك لم يتركه.

2-     أنهم أكثر حركة وانتقالاً من أهل المدن وأحوالهم الطبيعية هي الرحلة والتقلب، ويبحثون عن ألاماكن الصالحة لرعي ابلهم، يعيشون في الخيام أو في الغيران " ليس لهم وطن يرتافون منه ولا بلد يجنحون إليه، فنسبة الأمطار والمواطن أليهم على السواء"(1) . ولهذا تجدهم لا يقتصرون على ملكة قطرهم، وما جاورهم من البلاد، ولا يقنعون عن حدود أفقهم، فإذا جمعتهم عصبة واحدة وتغلبوا على الأمم المجاورة، كما وقع للعرب وزناته غيرهم، تركوا مواطنهم الأصلي، وطفروا إلى الأقاليم البعيدة، فلا غرو إذا كانت دولتهم أوسع نطاقاً، وابعد من مراكزهم نهاية.

3-     أنهم اقرب إلى الخير من أهل الخير، وسبب ذلك "إن النفس إذا كانت على الفطرة كانت متهيئة لقبول ما يرو عليها وينطبع فيها من الخير أو الشر"(2). فبقدر ما سبق إلى النفس من احد الخلقين تبعد عن الآخر، ويصعب عليها اكتسابه، فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير وحصلت له ملكته بعد عن الشر وصعب عليه طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه عوائده (3). ولأنهم اقرب إلى الفطرة وأبعد عما ينطبع في النفس من سوء الملكات، بكثرة العوائد المذمومة وقبحها، فيسهل علاجهم عن علاج أهل الحضر "ولهذا كانت الحضارة في نظر ابن خلدون تعتبر نهاية العمران وبعده عن الخير.

4-     أنهم اقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر، وسبب ذلك إن أهل الحضر ألفوا الراحة والدعة والسكون. وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في الدفاع عن أنفسهم وأموالهم إلى الحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تتولى حراستهم، فاستناموا إلى الأسوار التي تحوطهم، والقوا سلاحهم، ونزلوا منزلة النساء والولدان، حتى صار ذلك حقاً لهم. أما أهل البدو فأنهم " لتفردهم عن المجتمع وتوحشهم في الضواحي وبعدهم عن الحامية، وانتباذهم عن الأسوار والأبواب، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم"(4) ويحملون السلاح دائماً، ويتجافون عن الهجوع إلا غراراً في المجالس، على الرحال، ويتفردون في الفقر والسداء، واثقين بأنفسهم حتى صار لهم اليأس خلقاً، والشجاعة سجيةًَ، ومما يزيد سطوة أهل البدو وشجاعتهم أنهم لا يعانون ما يعانيه أهل الحضر من الأحكام التي تكسر  سورة بأسهم، وتذهب المذمة عنهم، لأن القلوب المكسورة تتعود التخاذل والانقياد. ولما كانت البداوة سبباً للشجاعة كان الجيل الوحشي اقدر على التغلب على غيره من الأمم، لانتزاع ما في أيديهم من أسباب الترف، بل الجيل الواحد أحواله في ذلك، والدليل على شجاعة البدو، إن سلاطين أفريقيا الشمالية المعاصرين لأبن خلدون كانوا يستنصرون بالقبائل الموالية لهم للتغلب على أعدائهم، وكثيراً ما كانوا يخسرون الحروب إذا خانتهم القبائل. ولذلك تعذر استغناء أهل المدن، عن حماية سلطان قوي أو قبيلة مجاورة يدفعون لهما ثمن تلك الحماية. ولولا ذلك، لتعرضت مدينتهم الى السلب والنهب، فوجود القبائل إذن ضروري للدفاع عن الدولة.

تلك صفات البدو بشكل عام وفي كل مكان؛ أما عن صفات البدو من العرب من وجهة نظر ابن خلدون فهي كما يلي:

 

صفات البدو العرب

    لاشك ان معظم الصفات التي ذكرها تنطبق على البدو العرب، لأنهم يعيشون نفس الظروف الطبيعية التي يعيشها أي بدوي في الصحراء وأرجاء العالم كافة، من حيث أنهم يألفون شظف العيش، وضيق الحال، ويتصفون بالشجاعة، وقد أشار ابن خلدون إليهم في تاريخه فقال: (اعلم ان العرب منهم الأمة الراحلة، الناجعة، أهل الخيام لسكناهم والخيل لركوبهم، والأنعام لكسبهم، يقومون عليها ويقتاتون من ألبانها، ويتخذون الدفء والاثاث من أوبارها وأشعارها، ويحملون أثقالهم على ظهورها ويتنازلون حللاً متفرقة الرزق في غالب أحوالهم من القنص، وتخطف الناس من السبل، ويتقلبون دائماً في المجالات، فراراً من حمارة القيظ تارة، وصبارة البرد أخرى، وانتجاعاً لمراعي غنمهم وارتياداً لمصالح أبلهم الكفيلة بمعاشهم وحمل أثقالهم، ودفئهم، ومنافعهم...)(5). وقد كرس ابن خلدون عدة فصول في مقدمته، تتعلق بالعرب ابتداءً من صفحة 121 والى صفحة 404، تتلخص بما يلي:

1-     إنهم لا يتغلبون إلا على البسائط، وسبب ذلك إنهم "أهل انتهاب وعبث، ينتهبون ما قدروا عليه من غير مغلبة ولا ركوب ويفرون الى منتجهم بالقفر (الصحراء) ولا يذهبون الى المزاحفة والمحاربة إلا إذا دفعوا بذلك عن أنفسهم. فكل معقل أو مستصعب عليهم، فهم تاركوه الى ما يسهل عنه، ولا يعرضون له، والقبائل الممتنعة عليهم بأوعار الجبال بمنجاة من عبثهم وفسادهم لأنهم لا يتسنمون إليها هضاب ولا يركبون الصعاب، ولا يحاولون الخطر. أما البسائط فمتى اقتدروا عليها بفقدان الحامية وضعف الدولة فهي نهب لهم وطعمة لأكلهم، يرددون عليها الغارة والنهب والزحف لسهولتها عليهم"(6).

2-     إنهم إذا غلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، وسبب ذلك أنهم امة وحشية (ويقصد بالوحشية هنا بعدهم عن التمدن والحضارة وحياة الألفة بين البشر) متوغلة في البداوة منذ زمن بعيد، وأصبحوا يستلذون حالة العزلة والتوحش، لما فيها من خروج على ربقة الحكم وعدم الانقياد الى الأوامر والضوابط المعمول بها في المدن التي تفرضها الدولة أو الحاكم عليهم. وهذه الطبيعة مناقضة للمدنية والحضارة(7). وغاية الأحوال عندهم التقلب والترحال، وذلك مناقض للسكون والاستقرار الذي يتطلبه بناء الحضارة.

3-     إنهم ابعد الناس عن الصنائع ويبتعدون عن عمل حرفي ذي طابع صناعي دقيق ويحتاج الى مهارة ودقة وصبر في العمل، لأنهم اعرق في البداوة، وابعد عن العمران الحضري. لذلك كانت أوطان العرب قبل الاسلام قليلة الصنائع بالجملة، وهذا ينطبق على البربر في المغرب أيضا لرسوخهم في البداوة.

4-     إنهم ابعد الناس عن سياسة الملك، وسبب ذلك أنهم أكثر بداوة من سائر الأمم، وابعد في الصحراء مجالاً. إذا احتاجوا الى شيء من الرزق وأخذوه من الناس في ظلال الرماح، وكلما امتدت أعينهم على مال أو متاع أو ماعون، انتهبوه. فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلب بطلت السياسة في حفظ أموال الناس، حزب العمران (أي بطلت القوانين التي سنتها السلطة التشريعية وكل ما توصل إليه الإنسان من تقدم في هذا المجال)، ولما كانوا يعتمدون على غيرهم فيما يحتاجون إليه من أعمال الحرف والصنائع فقد أصبحت في نظرهم لا قيمة لها. وبالتالي فسدت الأعمال وصارت مجاناً، وضعفت الآمال في المكاسب وانقبضت الأيدي عن العمل، وتفرق الناس وفسد العمران وأصبح الكسل في هذا المجال هو الصفة السائدة في البلاد. أضف الى ذلك أنهم لا يعتنون بالقوانين والأحكام، ولا بزجر الناس عن المفاسد، ولا بدفع بعضهم عن البعض، إنما همهم ما يأخذونه من أموال الناس نهباً أو غرامة. فإذا توصلوا الى ذلك وحصلوا عليه اعرضوا عما بعده من الأحكام الحافظة للأمن، فيصير الأمر بذلك فوضى، والفوضى مهلكة للبشر ومفسدة للحضارة. وهم كذلك لا ينقادون بعضهم الى بعض، يتنافسون على الرئاسة، وقل ان يسلم احد منهم الأمر لغيره حتى لو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته إلا في الأقل وعلى كره. (وهذه الصفة لها أمثال عديدة عبر التاريخ وهناك الكثير من القصص والحكايات عن معارك وأعمال غدر واغتيال حصلت من اجل استلام ولاية الأمر). وهذا أمر لا يولد أو ينعش الخبرة في هذه الأمور فيفسد العمران. ورئيسهم محتاج إليهم  في الأغلب للعصبية التي بها تكون المدافعة ويكون مضطراً الى ترك إرغامهم على شيء لئلا يختل عليه شأن عصبية فيكون فيه هلاكه وهلاكهم(8)، ومع ان سياسة الملك تقنضي ان يكون للناس وازع بالقهر، وإلا لم تستقم سياستهم. أضف الى ذلك أنهم إذا كان من طبيعتهم اخذ ما في أيدي الناس، والتجافي عما سوى ذلك من أحكام، فإنهم إذا ملكوا امة جعلوا غاية ملكهم الانتفاع بأخذ ما في أيديهم وربما ظلموا الرعية في الجباية وتحصيل الفوائد، فيكون ذلك باعثاً على الفساد وانتشار الفوضى وبالتالي فان ذلك منافي لسياسة الملك ومفسدة للعمران(9).

5-     إنهم لا يحصل لهم ملك إلا بصيغة دينية، وسبب ذلك أنهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض لما فيهم من صفات التوحش، والغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة على الرئاسة. فقلما تتفق أهواؤهم وتتحد منازعهم، إلا إذا أثرت فيهم دعوة  دينية، وحصلت لهم بسببها عصبية جامعة ، تبدلت أخلاقهم، وكان الوازع لهم من أنفسهم، فيسهل عند ذلك انقيادهم واجتماعهم، بما يشملهم من الدين المؤلف لكلمتهم والوازع عن تحاسدهم وتنافسهم، فيحصل لهم بذلك التغلب والملك. ومع ذلك فان البدو العرب أسرع الناس قبولاً للحق والهدى، لسلامة طباعهم وبراءتها من ذميم الأخلاق إلا ما كان من صفات التوحش (10). ومثال ذلك، ففي الصدر الأول للإسلام ألّف الدين قلوبهم ووحد منازعاتهم وشيد لهم أمر الرئاسة بالشريعة، وأحكامها المراعية لمصالح العمران، ظاهراً أو باطناً. وكيف امتد ملكهم وقوي سلطانهم حتى شمل الأقاليم البعيدة في العصر الأموي والعباسي مثلاً.

   

    لقد كانت تلك صفات البدو، كما استقرأها ابن خلدون، من مشاهداته الخاصة في ذلك الوقت، وهي بالطبع ليست بالضرورة ان تنطبق على جميع القبائل البدوية، فان كثيراً من أهل البدو لا يتصفون بالشجاعة ولا بأخلاق الخير بشكل مطلق. ومهما يكن فان وصف ابن خلدون للبدو والذي عاشرهم يدل على ما تميز به من الميل الى بناء علمه على الواقع ومحاولة فهمه لهذا الواقع، على الرغم من ان بعض أحكامه كانت مطلقة وغير مبنية على استقراء شامل وجاءت مصحوبة بالتحفظ (11) لكن اغلب تلك الصفات تجدها باقية وممتدة عبر التاريخ والى وقتنا الحاضر.

    وهكذا، نجد كيف عالج ابن خلدون صفات البدو الذين عاشرهم، وكثير من المعالجات الخاصة بالاجتماع البشري، وقد نشأت أبان الأزمات عندما وجدت تلك الأزمات عقولاً مفكرة تخلو الى ذاتها، محللة معللة. وهكذا، كلما عصف التاريخ بالأحداث الشديدة، والانقلابات الصاخبة، والاضطرابات المدوية، قذف التفكير الاجتماعي الواعي بالآثار الفكرية الضخمة. وإذا تتبعنا تاريخ البشر تجلت لنا تلك الحقيقة بوضوح فمثلاً عندما نشبت في بلاد اليونان قديماً حروب البيلوبونيز، ازدهرت المدارس الفلسفية الكبرى كالافلاطونية والارسطوطاليسية. وعندما قام الصراع بين الوثنية المتحضرة، والمسيحية الناشئة، كتب أباء الكنيسة آراءهم الأخلاقية والاجتماعية. وعندما شبت نيران الحروب الدينية في القرن السادس عشر، وعندما ازدهرت المجتماعات الأوربية في عدد أفرادها واتساع نطاق صناعتها، انفجرت العقول الاجتماعية بآرائها. وهكذا ظهر ابن خلدون عندما اضطربت الأحوال السياسية واهتزت البلاد الأندلسية وطرد المسلون من بلاد اسبانيا بالكامل، كتب ابن خلدون مقدمته الضخمة. نأمل ان يظهر لنا عدد من المفكرين في الاجتماع، في خضم هذه الأزمة العراقية الخانقة، كي يبصر الناس طريق الصواب ويشخص مكامن العلل، ومواطن الخلل، في كل ما يجري من حولنا الى فلسفة نستطيع من خلالها السير في ركب الحضارة الحديثة المتطورة. وإننا إذا رجعنا الى ابن خلدون رأينا ان دروسه للاجتماعات البشرية قد أدت به الى التسليم بالأمور التالية:

1-      الإنسان مدني بالطبع، ومن ثم فالاجتماع ضرورة لابد منها وهو وليد حاجتين: حاجة الإنسان الى الغذاء وقدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل الضروري منه، وحاجته الى الدفاع عن نفسه وقدرة الواحد من البشر دون الحيوانات المفترسة قوة، وهو عاجز وحده عن دفعها. وهو من ثم بحاجة ماسة الى التعاون. والاجتماعات تنشأ وتنمو وتنحل، وهي في كل مرحلة من هذه المراحل تخضع لقوانين ثابتة يؤثر فيها أكثر ما يؤثر البيئة الطبيعية والمناخ والإنتاج، والظاهرات الظواهر الاقتصادية، وهذه من الظاهرات السياسية المتقلبة بطبيعتها.

2-      وإذا ما تم هذا الاجتماع وتم العمران كان لابد للبشر من وازع يدفع بعضهم عن بعض. ولكن ابن خلدون ينظر الى الحياة نظرة المتشائم في هذا المجال، ويرى ان البشر مفطورون على الشر لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم. ومن ثم فالملك خاصة طبيعية للإنسان وضرورة لابد منها.

 

    والمُلك سلطان يؤخذ ولا يوهب، وهو يكون بالغلبة، غلبة القوي على الضعيف، وقوامة العصبية التي تحفظها الحياة البدوية، والبداوة طور طبيعي يتقدم طور الحضارة، ولابن خلدون آراء يجعل فيها الأهمية الكبرى للأسباب الاقتصادية. وهو يرتب الاجتماعات بحسب طرق إنتاجها، ويرى ان اختلاف الأجيال في أحوالهم إنما هو باختلاف نحلتهم في المعاش، فان اجتماعهم إنما هو بالتعاون على تحصيله. وإذا كانت الصفات التي يحصل بها الإنسان على التغلب نتيجة ضرورية للحياة البدوية فلأن "أهل الحضر القوا جنوبهم على مهاد الراحة والدعة وانغمسوا في النعيم والترف، ووكلوا أمرهم في المدافعة عن أموالهم وأنفسهم الى واليهم والحاكم الذي يسوسهم والحامية التي تولت حراستهم... وأهل البدو، لتفردهم عن المجتمع، وتوحشهم في الضواحي (الصحراء) وبعدهم عن الحامية، وانباذهم عن الأسوار والأبواب، قائمون بالمدافعة عن أنفسهم لا يكلونها على سواهم، ولا يثقون فيها بغيرهم، فهم دائماً يحملون السلاح ويتلفتون على كل جانب في الطرق... مدلين ببأسهم، واثقين بأنفسهم، قد صار لهم البأس خلقاً، والشجاعة سجية يرجعون إليها متى دعاهم داعٍ أو استفزهم صارخ "(12).

    لقد فهم ابن خلدون ان البداوة مرحلة يجتازها الإنسان الى الغاية التي هي تأسيس دولة وازدهار عمران، ولهذه الدولة أعمار طبيعية كأعمار الإنسان، غير ان الدولة في الغالب لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال (حسب تصوره في ذلك الوقت). فالجيل الأول لايزال على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والاشتراك في المجد، وسورة العصبية محفوظة فيه، وجانبه مرهوب، والناس له مغلوبون. (ويبدو أننا لانزال نعيش في الجيل الأول من دولتنا العراقية الحديثة، طبقاً لتصورات ابن خلدون). والجيل الثاني تتحول حاله من البداوة الى الحضارة، ومن الشظف الى الترف والخصب، فتنكسر فيه صورة العصبية بعض الشيء، وتؤنس منه المهان والخضوع. وأما الجيل الثالث فينسى عهد البداوة والخشونة، ويفقد حلاوة العز والعصبية، فإذا جاء المطلب له لم يقاوم مدافعته، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ الى الاستظهار بالغير من أهل النجدة، فتذهب الدولة في الجيل الرابع بما حملت (13).

    لقد عاصر ابن خلدون، دويلات عربية منحطة كان حكمه على العرب قاسياً، وقد كتب كما ذكرنا أنهم إذا تغلبوا على أوطان، أسرع إليها الخراب حتى ان "طبيعة وجودهم منافية للبناء الذي هو العمران"، ويقصد به بعدهم عن الحضارة. وقد علل كل ذلك السلوك الى اعتبارات اقتصادية، فهذه الملاحظة وغيرها كثيراً من نوعها تجعلنا نلمس في فلسفته شيئاً من التشكك يقربه من مدرسة ابن رشد، ولا عجب في ذلك فقد ترك شروحاً وافية لمؤلفات فيلسوف قرطبة (ابن رشد).

    ومهما يكن من أمر، فلابن خلدون فضل عظيم لأنه نهج نهجاً كان يمكنه ان يكون وثبة خلاقة لعلم جديد، وحجر الزاوية لمدرسة فريدة في عالمي التاريخ والاجتماع لو أتاح الله له إكمال عمله واستفاد من اختباراته.

    ويقول في الأسباب الرئيسية التي تحمل البشر على الحياة الاجتماعية هو التعاون الاقتصادي الذي يقوي نتائجه تقسيم العمل، حيث يشير هنا الى "ان قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء، غير موفية له بمادة حياته منه... فلابد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم، فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بإضعاف"(14). يضاف الى هذا العامل عامل آخر دفاعي ناتج عن ضرورة الآمان والدفاع عن النفس، فيجتمع الأفراد للتعاون على رد العدوان.

    ولم يهمل الجانب الجغرافي المؤثر، فنجد في مقدمته أثرا لما نسميه اليوم بعلم الاقتصاد النظري. وإذا كان قد ذكر الظاهرات البدائية للإنتاج ولاسيما تلك التي لها علاقة وثيقة بأسس المجتمع الجغرافية مثل الزراعة ورعاية المواشي ونمو الصنائع والمهن في المدن، فإنه لم يأتِ مطلقاً بآراء اقتصادية نظرية ولم يتعرض الى فكرة (القيمة) ومفهومها، ولم يحاول تحليل طرق الكسب ونظرية النقد وأساس شرعية الملك كما فعل أرسطو. ولهذا السكوت أسباب منها حالة المجتمع الذي عاش فيه ابن خلدون، ثم ان موقعه هذا يلائم إيمانه بالقضاء والقدر وبحتمية الحوادث التاريخية.

    ويرى ابن خلدون ان في جميع أنواع المجتمعات هناك أحداثا طبيعية، ولتلك الأحداث علاقة وثيقة بنفسية تلك المجتمعات، ومن ثم فقد أراد ان يعلل الظواهر النفسية الخاصة بكل امة، وحاول ان يثبت كون تلك الظواهر نتيجة ضرورية للأحوال المادية التي تعيش فيها أكثرية أفراد الأمة.

    ان ابن خلدون لا يؤمن بالوراثة، وهو من ثم يعتقد بان نفسية الفرد تكونها التربية وتثبتها العادة، وهو يلخص نظريته هذه كما لخصها الغزالي بذكر ما قال البني (ص): " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه"(15).

وهكذا بالعادة تكون عند الإنسان طبيعة ثانية تحل محل الطبيعة الأولى، " فان النفس إذا ألفت شيئاً صار من جبلتها وطبيعتها"(16).

    وقد قال في مقدمته عن الأسباب التي تتضافر على تكوين عقلية شعب من الشعوب ما يلي: " لما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين في الحر والبرد، وجب ان تتدرج الكيفية من كليهما الى الوسط فيكون معتدلاً. فالإقليم الرابع اعدل العمران، والذي حافاته من الثالث والخامس اقرب الى الاعتدال والذي يليها الثاني والسادس بعيدان من الاعتدال، والأول والسابع ابعد بكثير. فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات والفواكه بل والحيوانات، وجميع ما يتكون في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال، وسكانها من البشر اعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وادياناً... وأما الأقاليم البعيدة من الاعتدال في جميع أحوالهم... وأخلاقهم قريبة من خلق الحيوانات العجم... والسبب في ذلك إنهم لبعدهم عن الاعتدال يقرب عرض أمزجتهم وأخلاقهم من عرض الحيوانات العجم، ويبعدون عن الإنسانية بمقدار ذلك " (17). ويقول في موضع آخر: " لما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار، واستولى الحر على مزاجهم وفي أصل تكوينهم، كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة ابدأنهم وإقليمهم، فتكون أرواحهم، بالقياس الى أرواح أهل الإقليم الرابع اشد حراً، فتكون أكثر تفشياً، فتكون أسرع فرحاً وسروراً وأكثر انبساطاً، ويجيء الطيش على اثر هذه" (18).

 

    وأخيرا، نقول ونحن في مقدمة ابن خلدون الشهيرة التي كتبت قبل أكثر من ستمائة عام، إننا نلاحظ بوضوح ان هناك الكثير من تشخيص الصفات الاجتماعية التي أشار إليها، لا تزال آثارها باقية لدينا في المجتمع العربي عموماً، وفي العراق خصوصاً، نأمل من مغادرة تلك المحطة في المستقبل.

 

الهوامش:

1-      مقدمة ابن خلدون ص145

2-      مقدمة ابن خلدون ص123

3-      مقدمة ابن خلدون ص123

4-      مقدمة ابن خلدون ص125

5-      تاريخ ابن خلدون/ ج1، ص22 من مطبعة مهدي الحبابي.

6-      مقدمة ابن خلدون ص149

7-      مقدمة ابن خلدون ص149

8-      مقدمة ابن خلدون ص151

9-      مقدمة ابن خلدون ص152

10-  مقدمة ابن خلدون ص151

11-  جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، دار الكتاب اللبناني، بيروت/ ط2 (1973) ص600

12-  مقدمة ابن خلدون ص ص(221-222)

13-  مقدمة ابن خلدون ص ص(304-307)

14-  مقدمة ابن خلدون ص ص(67-68)

15-  مقدمة ابن خلدون ص217

16-  مقدمة ابن خلدون ص154

17-  مقدمة ابن خلدون ص ص(138-145)

18-  مقدمة ابن خلدون ص ص(146-147)

19-  حنا الفاخوري، خليل الجر، تاريخ الفلسفة العربية، ج1 دار الجيل- بيروت/ ط3 (1993)

 

 

-------------------------