الإسكان وحقوق الإنسان - موفق جواد الطائي*

 

    للوهلة الأولى، قد لا يخطر بالبال أن هناك ثمة علاقة بين الإسكان وحقوق الإنسان , لكن الرجوع واستقراء المرجعيات  التاريخية التي تناولت هذه الموضوعة تثبت عكس ما نتصور, إذ تنص فيما تنصه وثيقة  حقوق الإنسان والتي  صدرت عام 1948 " إن لكل إنسان الحق في الحياة بمستوى قياسي من العيش, كافي لتأمين الصحة وجودة العيش له وعائلته, ويتضمن ذلك؛الغذاء والملبس والسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الأساسية والأمان في حالات البطالة والمرض والعوق  والترمًل والشيخوخة, أو أي عوارض تعيق المرء خارج عن إرادته" .

    لم تكن هذه الوثيقة أول إعلان يتم الربط فيه بين حقوق السكن والحياة العامة , فقد سبقتها بكثير شرائع حمورابي , التي تؤكد وتنص حول كيفية التعامل مع البناء وحق السكن, وقد استلهمها الكاتب(وولف شنا يدر) الباحث في التخطيط والعمارة وأسماه( كتاب بابل في كل مكان), مثلما  وضح العالم الإغريقي(فيتروفيس) شروط السكن الجيدة. وجاء الفلاسفة الآخرون بمدنهم الفاضلة ثم الرومان فكان السكن ضمن أمان القلعة,هي المواطنة وان احد أسباب سقوط الحضارة الرومانية هو البناء المكثف العالي والخالي من شروط السكن الجيدة, وجاء الإسلام أيضا بحقوق السكن في أدبياته وتعاليمه, نستشهد بمقولة الأمام علي بن أبي طالب (ع) في هذا الجانب الذي يلخص مفهوم وحق السكن  بكلمات مكثفة دقيقة إذ يقول( ليس بلد بأحق بك من بلد خير البلاد ما حملك)وتعني كلمة حملك: أعزك وأطعمك واواك.

    وكذلك تطرق ابن خلدون والفارابي الى موضوعة السكن. وكان العراق الحديث ومنذ بدء تكوينه يعتمد على حقوق سكن منظمة من خلال استملاك الأرض والوقفيات وغيرها, وشكلت المحلة التي تعتمد في تركيبها على تكوين وحدة متكاملة, تحكمها الأعراف, تبدأ من البيت ثم المجتمع. والقفزة الحقيقية ( كما اعتقد) التي حققت للإنسان العراقي حقه في السكن قد تمت بعد ثورة 14 تموز 1958، حيث أكد الزعيم عبد الكريم قاسم حق العراقي في الرفاه والسكن من خلال خطبه وسياسته التي نجحت في حل أزمة السكن بتوزيع الأراضي والإسكان المعضد, الى جانب أنشاء المجمعات السكنية والتقنيات المناسبة, وتأمين خدمات المدينة الأساسية. أن  الحركات الرائدة في التخطيط الإسكاني (لدوكياسدس) والبوليين التي بدأت في العراق في حقبة عبد الكريم قاسم, هي من أهم الحركات التخطيطية العالمية, بيد أن ما تم بعد ذلك لم يكن يوازي الجهد الحثيث المخلص ويشكل معالم مدننا الحالية. لان الهجرة من الريف الى الأماكن الحضرية أدى الى النمو السكاني وجعل فرص الحصول على الأرض الصالحة للسكن محدودة, مما أنتج هذا المضاربات  الاحتكارية في الأرض, فزاد تمركز الموارد والسلطة في أيدي أشخاص  محدودين .

    أنتجت الحروب المتتالية والحصار العديد من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي أحاطت بالعراقي، في كل صوب، ومنها التهجير والهجرة والتشرد وتقويض الكثير من تجمعات السكن حتى أصبح العديد بدون مأوى وان وجد فهو لا يلائم السكن البشري ولو بأقل المستويات, ولحقا بركاب المشردين وأحياء((التنك)) والمناطق المتهرئة التي نجدها في البلدان الفقيرة, والفقيرة جدا, ومما وسع هذه الهوة الاقتتال الطائفي والمذهبي والسياسي أيضا , وبرزت مشكلة السكن بأعلى مستوياتها فمن غير المعقول أن نتجاوز هذه المشكلة ونصنفها ضمن (المسكوت عنه).

    لا ريب أن عملية توفير السكن هو خلق فضاء يقي الإنسان الكوارث الطبيعية وظروف البيئة القاسية, ويجب أن تستجيب وتستوعب فعاليات مختلفة وتتجاوب مع الحاجة الاجتماعية والنفسية والبشرية والبيئية وبشكل قياسي وليس واطئ دون المستوى القياسي. ويمكن تحقيق ذلك  بإدخال الترشيد والتخطيط والتصنيع، واستخدام العوامل البيئية والموارد المحلية وغيرها، وكذلك تنشيط الحياة الاقتصادية وتأمين فرص العمل والتعليم الضروري.

    وقد اوجب الميثاق الدولي حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ضرورة قيام جميع الحكومات الموقعة على تأمين مستوى قياسي للعيش وذلك بتأمين الغذاء والأداء والسكن, والقياسي هنا مرتبط بطبيعة البلدان. فما هو  قياسي في بلد ما قد لا يكون قياسيا في بلد آخر , لذا على كل دولة أن تحدد ما هو سكن قياسي . أن واجبات  الحكومة إزاء السكن القياسي تتمثل في النظم والأساليب الواضحة، وتسهيل مهام الحصول على الأرض والمواد الإنشائية لتحقيق السكن الكافي من خلال مبادرات الناس دون الاعتماد الكلي على الدولة. وتعد قوانين الإيجار إحدى أهم واجبات الحكومات إزاء السكن، وهذه القوانين يجب أن تكون واضحة لا تقبل التأويل كي لا تستغل من قبل الذين يفتشون عن الثغرات القانونية واختراقها, ويجب  أن تراعي هذه القوانين دخل وظروف المؤجر وعمله، ولا بأس بتمليك الدور العائدة للدولة بأقساط لا تثقل المواطن وتؤثر كثيرا على دخله. ولكن  كل هذه  الحلول المؤقتة لا تحد من أزمة السكن بل هي بمثابة جرعات مؤقتة , لذا كان لزاماً على الحكومات تخطيطاً عمرانياً يستوعب الأزمة بالكامل, ويعيد للمواطن "المشرد" بعضا من حقوقه المشروعة في السكن المناسب, لذا تبقى واحدة من أهم مسؤوليات الدولة هي إعداد وتحديث التصاميم الإنمائية والأساسية للمدن. وقد تم ذلك فعلا في العراق، حيث كانت التصاميم قد حددت محلات السكن, وبمختلف كثافاته واستخداماته , لكن سياسة الدولة كانت أول من وقف ضد تصاميمها لعدة أسباب منها:

أ- نهيت حق السكن وأخذت محلات, كانت أعدت للسكن المكثف, وغيرت محلات ذات كثافة عالية بكثافة واطئة.

ب - أبادت الرصيد السكاني من البيوت التراثية وغيّرت استخدامها.

ج- أغفل( التحديث) وبشكل تام مواقع وأنواع السكن, ليتسنى للدوائر المتنفذه العمل كما تشاء وحسب الزخم الإداري الذي يحتله من يرغب بالأرض الفارغة .

    إن من أوليات تخطيط وتصميم المدن هي كيفية اختيار مواقع السكن، وخصوصا المكثف، وعلاقتها مع السيارات ونظام سير السابلة للمدينة، وضرورة وضع السكن المكثف في عقد هذه المواصلات المركزية وقرب طرق مرور سريعة. وهذا لا يعني ( قطعيا) إسكان المدن في الأطراف والأماكن النائية من المدينة, وإنما تعني ما تعنيه إقامة هذه التجمعات السكنية المكثفة " البناء العمودي" بشروط وضوابط تبعد عنهم الأذى من السيارات المارقة بسرعة، وفي ذات الوقت تبعد عنهم الضوضاء أيضا.

    إن الالتزام بقواعد التصاميم الأساسية مهمة تحدد نوع الاستخدام في السكن, إذ أن استخدام المباني للأغراض التي أنشأت من اجلها, قد خرقت واستخدمت لأغراض أخرى وقد تحولت بعض الأماكن السكانية الى أغراض تجارية مثل الكرادة على سبيل المثال لا الحصر. وأدى هذا النشاط التجاري الى الضغط على المناطق السكنية، من خلال المحال التجارية والشاحنات الكبيرة والسلع المزدحمة التي تعيق حركة المارة، وهذا يتنافى مع حقوق الإنسان في السكن بأماكن هادئة بعيدة عن الفوضى والإزعاج. لقد ذهب هباء الريح الجهد المتميز الذي اعد من قبل المصممين والمشرعين العراقيين والأجانب لإعداد قانون استخدام المباني للتصميم الأساسي لمدينة بغداد, فقد استخدمت التصاميم السكنية بغير غرضها وحولت الى( مناطق تجارية ودوائر حكومية) مما زاد أزمة السكن حدة , إضافة الى تغيير الملامح التصميمية للمدن والمحلات , لذلك يجب أن يصار الى إصدار قرار يوضح قانونية الاستخدام ونوع الكثافة السكانية. 

    إن تحديد الخطوط الأساسية للتنمية, تعد من أهم واجبات الدولة. وهذه تتضمن الصحة الجيدة والأمان والراحة والغذاء وتأمين وصول  الموارد الطبيعية والمشتركة والمياه الصالحة للشرب والطاقة للطبخ والتكييف والإضاءة , وكذلك المجاري الصحية  وتصريف الفضلات والمياه السطحية والطرق والجسور, كل تلك الفقرات والمفاصل إنما تصب في خدمة الوحدة السكنية ومن شروطها الأساسية لتكوين ملامح السكن الجيد.

    إن واحدة من أهم المشكلات التي تواجه السكن الملائم هي عشوائية البناء وعدم تحديد المناطق الصالحة للسكن المكثف. وأرى أن السكن المكثف الذي يرتبط بالمرور السريع هو الحل المثالي لأزمة السكن, لما يتوفر فيه من ارض ومواصلات مملوكة للدولة. ويمكن أن يصنف كسكن مثالي لحل مشكلة الإسكان المستعصية في بغداد, وذلك دون الحاجة الى تأمين خدمات تحتية من طرق لوجودها في مركز المدينة وليس كما يحدث في أطراف بغداد النائية , حيث يجري فيها التوسع دون الاكتراث لعامل توفير خدمات البنية التحتية.

    ولأجل تأمين سكن متيسر لأكثر شرائح المجتمع, يتطلب هذا تامين المواد الإنشائية والأراضي المناسبة والتقنية أيضا قبل البدء بكل هذا يجب تسوية قوانين الأرض التي لم تحل بعد ولم تصنف , هل هي أرض زراعية أو ممنوحة باللزمة والمفوضة بالطابو أو الطابو الصرف؟ وهل هي أرض متجاوز عليها؟متى ما حلت كل هذه الإشكالات أصبح التخطيط لبناء الوحدات السكنية هينا و واضح المعالم.

    إن إيجاد جمعيات إسكان, تعتمد أساليب إشراك المنتفعين هي الوسيلة الأكيدة لضمان النوعية الجيدة والتصميم المناسب وحل مشكلة السكن. ولعل جمعية بناء المساكن للمهندسين هي خير من يمكن أن يقود هذه التجربة, وذلك من خلال الربط بين الحاجة المعقولة وترشيد المواد والذوق السليم, والتكنولوجيا المناسبة والشكل الناتج عن جميع هذه المؤثرات وتصبح هذه المدن نماذج لمدن المستقبل.

    ويعتبر تأمين فضاء كافي وأمان ومأوى ثابت وحماية من البيئة والأمراض والكوارث واحدا من أهم شروط صلاحية السكن. وأظن ان منظمة (Habitat)  قادرة على تحقيق هذا، ونأمل  من نشاطها المستقبلي، في جنوب العراق كما هو في شماله, من خلال إقامة الدورات وتعليم الكوادر في داخل العراق لانجاز مهمة التصميم والبناء في ظروف العراق من حًر وبرد.

    إننا بحاجة حقا الى "صحوة" سكنية، كباقي الصحوات الأمنية في العراق , تأخذ بنظر الاعتبار الحاجة الإنسانية القياسية للفضاء، إذ أن عدم وجود ذلك يؤدي، حتما، الى سكن غير سليم ملئ بالأمراض العامة والسيكولوجية بصورة خاصة. ومن المعروف إن الفضاء غير المدروس يؤدي الى  مرض الخوف من الضيق (الكستوفوبيا)، أو من العلو(الفيرتكو)، أو الانعزالية لعدم الشعور بالحيرة أو السأم بسبب الأبعاد المتشابهة.

وأخيرا أن ما أردته في هذه الدراسة هو الربط بين السكن وحقوق الإنسان, لان السكن أولى بدايات المواطنة, فهل يعقل أن يكون الإنسان بدون مواطنة؟.

  

* خبير الهيئة العامة للإسكان

 

-----------------