تساؤلات بشأن التطور الاقتصادي  والاجتماعي والسياسي في الصين - ترجمة: عزيز سباهي

    في مارس 2007 التقت مجلة (العلم والمجتمع) الماركسية الرصينة، التي تصدر في الولايات المتحدة مع مجموعة من الباحثين العاملين في مكتب التوثيق والترجمة، التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني, وكان هولاء يحضرون منبرا يساريا انعقد يومها في نيويورك وقدموا فيه بحثا عن المرحلة الراهنة من تطور الصين الاقتصادي والاجتماعي. وبعد التداول بين الجانبين تقرر ان يصدر عن المجلة المذكورة، عدد خاص حول الصين يعمل على إصداره باحثون عن المجلة وعن الصين .

 

    على هذا الأساس شرعت المجلة في تحقيق ما اتفق عليه ,أخذة بالحسبان أمرين أساسيين. أولهما الميل الشائع بين اليساريين في البلدان الرأسمالية المتقدمة، نحو وضع مقاييس رومانسية وطوباوية تقود  الى الفشل في تقييم ما يجري في الصين كما هو في الواقع. وثانيهما ان هناك رغبة لدى بعض اليساريين، للتحالف مع كل من يتحدث باسم الاشتراكية ويمسك بالسلطة في أي مكان من العالم ودون مراعاة انه لا يمكن أخذ الحقائق كما تطرح على علاتها .

    استنادا الى هذه الاعتبارات، وضعت المجلة مجموعة من التساؤلات تعتقد أنها يمكن ان تكون إطارا مناسبا للمعالجة.

    ولأهمية الموضوع , وجدية التساؤلات التي طرحتها المجلة المذكورة، نعرضها نحن هنا تحفيزا لإعمال الفكر بين باحثينا وقرائنا بشأن هذه المسألة الخطيرة.

الثقافة الجديدة

1. تمتد الحضارة الصينية الى أربعة آلاف سنة وقد قطعت الصين أشواطا هامة الى أمام في مضمار التقدم الثقافي والتكنولوجي, وأنشأت مؤسسات سياسية رفيعة في وقت كانت الشعوب الأخرى من العالم، لاسيما في أوربا، تتخلف كثيرا عن الصين. ومع هذا, فأن الاندفاع الديناميكي نحو الرأسمالية حدث في الغرب, وليس في الشرق, وكان الاستعمار الرأسمالي قوة خارجية جبارة عاملة في تطور الصين الاجتماعي منذ القرن التاسع عشر وليس العكس.

    كيف ينظر الباحث الماركسي الى التكوينات الاجتماعية التي سادت المجتمع الصيني حتى القرن العشرين؟ كيف تعاملت الثورة الصينية مع قضية العلاقات الاجتماعية والوعي الاجتماعي السابق للرأسمالية؟ والحاجة الى انجاز مهمات الانتقال من الأشكال ما قبل الرأسمالية في الوقت الذي تعمل فيه على تخطي مستويات التقدم المتخلفة بوجه عام , وبناء المؤسسات الاشتراكية .

    قدم عديد من الباحثين الغربيين, على الخصوص - ومن بينهم الباحث البارز جوزيف ميد هام, الذي وفرت دراسته ذات الستة أجزاء والمعروفة باسم العلم والمدنية في الصين, نقول وفرت لجيل كامل من قراء مجلة (العلم والمجتمع)  معرفة أساسية وموقف محترم نحو الصين - مفهوما صلبا شائعا. نذكر هنا الإشارة المقتضبة  لماركس بشأن الطور الآسيوي لفهم القرية المشاعة في الصين, ومرونتها في التكييف ومقاومتها للانحلال, حتى حين كانت تستخلص منها فوائض ضخمة لإسناد النخبة التي كانت تتولى التقدم العلمي والحضاري الكبير. ما هي الأشكال والقوى التي تتمتع بها المشاعية القروية ذات الروابط العائلية التي لا تزال قاتمة في الصين اليوم ؟ كيف تبدو مخلفات العلاقات المشاعية في المجتمع الصيني الراهن؟ وما هي تأثيراتها الايجابية والسلبية على التقدم الاجتماعي؟

 

2. في التقليد الماركسي تضمنت الاشتراكية (والشيوعية بوجه اعم على اعتبار ان " الاشتراكية " تشير الى أسلوب الإنتاج في المرحلة الدنيا ) عنصرا جوهريا, وهو الجمع بين علاقات السوق العفوية (السلعة) مع التخطيط والتنبؤ الواعي. ماركس , على سبيل المثال , يتحدث عن  مجتمع الأفراد الأحرار المختلفين الذين يؤدون عملهم بوسائل إنتاج مشتركة , تقدم فيه القوة العاملة لجميع الأفراد المختلفين كقوة عاملة للمجموعة ( رأس المال , الجزء الأول , الفصل الأول , القسم الرابع ). في القرن العشرين، كان كل بلد تقريبا قد سار في طريق البناء الاشتراكي , وبدأ من مستويات منخفضة نسبيا من التقدم الاجتماعي والتقني , قد تحدث نظريا عن الحاجة الى الأسواق , خارج نواة القطاع العام والمخطط الذي يحتل ( الذرى القائدة) للاقتصاد , بل حتى ضمن هذه النواة بمعنى من المعاني. وستظل علاقات السوق هذه لزمن طويل، ومع ذلك فستذوي هذه العلاقات في الظروف التي يغدو الأمر ممكنا, وتظل مساهماتها الإيجابية في التقدم الاشتراكي تصنف ضمن نظام التخطيط الشامــل والمشاركة الديمقراطية.

   ومع ذلك, فأن القيادة الصينية نادت, في الوقت الراهن, بمفهوم " اقتصاد السوق الاشتراكية" ليس كشكل انتقالي طويل الأمد نظرا للحاجة الى اللحاق بالتقدم, وإنما كجوهر لتحقيق الاشتراكية وأي تطور ابعد من اقتصاد السوق سيؤجل الى مستقبل بعيد لا يمكن ان يعرف شيء عن جوهره في الوقت الراهن.

   كيف يمكن التوفيق بين هذا المفهوم - أو ينبغي التوفيق بينه - وبين الاشتراكية والشيوعية كما تراها الماركسية الكلاسيكية والتطبيق الاشتراكي في القرن العشرين؟ وإذا كانت السوق، ومن ضمنها السوق  في ميدان القوة العاملة، تغدو الوجهة المركزية للحياة الاقتصادية, والتخطيط أما ان يلغى أو يقلل من دوره حتى ليغدو ثانويا , فأي معنى يتبقى لمصطلح"اشتراكي" ؟                                                                                                    

 

3. كانت تجربة الاتحاد السوفيتي هي التجربة المركزية في ميدان البناء الاشتراكي في القرن العشرين. لقد أوجدت تلك التجربة تراثا غنيا في ميداني المؤسسات والنظرية - الاقتصاد السياسي  للاشتراكية - وقد طورت الأكاديميات السوفييتية والنظريون السياسيون السوفييت  مفاهيم  للمراحل  التي مرّت بها معاهد  التخطيط  الاشتراكية وهي في طريقها للنضوج. وتشمل هذه  أنظمة للتخطيط وأساليب للتحول التقدمي للتخطيط نحو  المستويات غير المركزية, وأشكال الإدارة في  إطار المشروعات, وأساليب تكوين الأسعار, ونظرية تحديد الفوارق, والأساليب المعيارية لتقييم عمل المشاريع والتغلب التقدمي على التشوهات وكثير غيرها.                                                    هل يجري الانتفاع من هذا التراث في  الصين اليوم؟ هل حقا سارت الصين قبل دنج هياو بنج على الموديل السوفييتي ؟ الى أي حد يمكن القول أن ما خلفه الفكر الاشتراكي السوفييتي يعكس ظروفا تاريخية  محددة لا يمكن توفرها في مكان آخر؟ وبالعكس من ذلك , الى أي حد اكتسب هذا التراث أهمية أكثر عمومية؟ وبوجه خاص, ما الذي يمكن قد أسهم في التقدم الاشتراكي الصيني, بعد أجراء التعديلات الضرورية وفقا للشروط الثقافية والتاريخية الخاصة بالصين؟ أية مساهمات أو دروس يمكن ان تستخلص من التجارب الأخرى للبناء الاشتراكي في العالم , من أوربا الشرقية وكوبا حتى فيتنام وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية ؟

 

4. عديد من الأسئلة تبرز بشكل طبيعي تتعلق بـ ( اقتصاد السوق الاشتراكية) طالما كان هذا المفهوم يقترح دورا صغيرا للتخطيط, أما في قطاع الملكية العامة أو في القطاعات الخاصة (الخاص ,التعاوني ..الخ). ان تجربة اقتصادات السوق التلقائية حول العالم , تقترح سلسلة من القضايا التي ينبغي ان تعالج.

أولا , في إطار الملكية الخاصة واسعة الانتشار, أي دور يتبقى لنقابات العمال ؟ كيف ستكون مشاركة العامل في إدارة المشروع والتي ظلت تعتبر لفترة طويلة هدفا مهما من أهداف التقدم الاشتراكي. وإذا ما فاوضت نقابات العمال بشأن زيادة الأجور, فكيف ستعالج الإدارة قضايا الانخفاض في الربحية والتأثيرات المعاكسة للمنافسات الدولية وآفاق جذب المستثمرين الأجانب ؟ هناك دائما فجوة بين الأهداف الاجتماعية , ومن بينها مستويات معيشة للعمال, وحماية البيئة من جهة , والإنتاجية والكفاءة من جهة أخرى . والمسألة هي ما إذا كانت أشكال السوق للملكية والنشاطات التي يوجد فيها المشروع والأفراد لينافسوا دون ربح في إطار سياسي يشكل ويشجع سلوكا مبدئيا, يتوافق ومنافع اجتماعية تنسجم وهذه الفجوة.

   كانت  اقتصاديات السوق تقترن دائما بالاستقطاب وتفاوت المستويات, سواءا بين الأفراد, أو بين الصناعات والمشاريع والأقاليم. وتميل أنظمة السوق غير المبرمجة ايضآ  نحو عدم الاستقرار والتأرجح الدوري في النشاط الاقتصادي, وتقترن بأطوار دورية من الأزمات الحادة والإفلاس  ..الخ أو لا يؤدي  اقتصاد السوق المتطور  بسرعة في الصين, في المحصلة النهائية, الى صدام حاد مع الأهداف  الاشتراكية, لاسيما مع الرغبة  في قيادة البلاد نحو مساواة وضمان وفرص للغالبية العظمى من الشغيلة.

 

5. تعاظم تحول الصين الى قوة اقتصادية عالمية رئيسية ويتزايد بالضرورة,  التأثير الذي تحدثه علاقاتها مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي السائد في تطور الاقتصاد الصيني ذاته. ويلعب الاستثمار الأجنبي دورا متعاظما في الصين, وخلقت مناطق صناعية للشركات التي يمتلكها الرأسمال الأجنبي, تتمتع بحرية كبيرة في الإنتاج للسوق العالمية وفقا لما يرسمه هو. وثمة قدر كبير من الأدب الغربي الذي ينتقد هذا التطبيق , ويؤكد على ما يبدو مناقضا الى حد بعيد أوضاع العمال والقضايا القاسية للصحة وإعادة الإنتاج الأساسية للعمال وعوائلهم, والتدمير البيئي الخطير.

    ما هو دور العلاقات الاجتماعية في الرأسمالية في الاقتصاد الصيني في الوقت الراهن ؟ كم  هو ضروري الاستثمار الاجنبي الرئيسي وما هي الخطوات التي تتخذ أو التي ينبغي ان تتخذ لتكييف وضبط تأثيرات هذه الاستثمارات ؟

    الى أي حد قد تكونت طبقة رأسمالية صينية إذا ما أخذنا بالاعتبار الحريات الجديدة للمشروع الرأسمالي في الصين؟ ما هي أهمية فتح عضوية الحزب الشيوعي الصيني أمام الرأسماليين الخواص؟ هل ينبغي ان ينظر الى الرأسمالية الأجنبية والأهلية كمكون ضروري في المرحلة الراهنة من التطور, وينبغي التغلب عليها بحزم بقدر ما تسمح الظروف ؟ أو هل للرأسمالية - كتعبير ضروري عن  (السوق ) - حضور ثابت في الحياة الاجتماعية ؟ وعلى العموم ؟ كيف يتطور المزيج الراهن من الأشكال الاقتصادية مع الأيام ( الدولة، الخاص، المشترك، التعاوني) مع  ما يملكه الرأسمال الأجنبي ؟ هل هناك مكون اشتراكي مهم في الهيئة الاجتماعية الراهنة, وفي سياسة الحزب الشيوعي الصيني والحكومة يسعى الى تكييف علاقات المستقبل ضمن هذه الأطر؟

 

6. ما هي طبيعة ودور الصراع الطبقي في الصين منذ عام 1949؟  هل يمكن ويجب ان توصف  النزاعات الداخلية بالنسبة للأمة صراعات طبقية؟ تزعم القيادة الراهنة أنها تقود البلاد في طريق متناغم نحو الاشتراكية, والى الشيوعية في النهاية, لكنها تقول ايضآ ان الأمر يتطلب وقتآ طويلآ , ربما قرنآ, حتى تبلغ نهاية الطريق.  ما معنى ازدياد عدد ( الأحداث الجماهيرية) في الصين (74 الفآ في عام 2005 و 87الفآ في عام 2006)؟ هل هناك احتمال ان تنظر مختلف القوى الى نفسها كيسار صيني, مثلما يلتحم العمال والفلاحون المتمردون في تكوين سياسي ثوري جديد , أو أنهم سيعملون في إطار الحزب الشيوعي الصيني؟  أية أنواع من الصراعات 

الأيدلوجية تجري داخل الحزب الشيوعي الصيني في الوقت الراهن ؟ لا شك ان نمو الصين السريع والانفتاح على بقية العالم  سيخلق وعيا جديدا, وتوقعات جديدة, لا سيما بين الشباب. كيف يمكن للضغوطات لمرافقة من اجل التغيير ان تتوافق مع النظام الراهن للسيطرة السياسية ؟

 

7. المسألة الكبرى التي تبرز في مختلف النقاشات التي جرت، والتي تجري، تدور حول ( الثورة الثقافية الكبرى ) وهي مسألة قلما يجري توضيحها في الصين اليوم. أجمعت مختلف الجهات على القول بان الثورة الثقافية الكبرى في الصين كانت عنيفة ومفاجئة وتراجيدية وبطولية. هل نظرت كل قطاعات الشعب إليها بطريقة واحدة أو ان الطبقات المختلفة من السكان كانت لها ذكريات تاريخية مختلفة عنها ؟ أي نوع من إعادة التقييمات بشأن الثورة الثقافية الكبرى يجري اتخاذها في الصين الآن ؟ كذلك كان للثورة الثقافية الكبرى في الصين وقعها الأممي الهائل في أواخر الستينات, فكيف ينظر الماويون أو الماويون السابقون أو ما بعد الماويين في العالم الى التراث الذي خلفته هذه الثورة الثقافية ؟

 

8. ما هي أنواع التقييمات بشأن قيادة ماو تسي تونغ التي يسمح بها النظام ؟ فالصحافة الغربية لا تزال تصور ماو تسي تونغ كشيطان رجيم , وفي الواقع تعامله كسفاح جماهيري. ومع ذلك فهو لا يزال ذا شعبية واسعة في الصين. وما الذي بوسعنا ان نقوله بشأن عبادة الشخصية ؟ وتعامله مع خصومه من اليمين واليسار؟ وحول دوره في البناء الاشتراكي ؟ وكيف تنظر القيادة الصينية الراهنة الى صورته ؟

------------------------------------------