تركيز المعنى في البيت الشعري عند الجواهري - *أ.م. د. علي إبراهيم

 

    إمتاز محمد مهدي الجواهري في عموم ما كتبه من شعر بقوة المعنى،وجزالة اللفظ . فقد كتب الشعر العمودي، أو الشعر الذي اعتمد على التفعيلة، أو العروض الخليلي، من دون أن يحيد عنه طوال حياته، التي امتدت ما يقارب المئة عام، قضى منها أكثر من تسعين عاما، وهو يقرأ ويحفظ ويكتب الشعر. وان هذا النوع من الشعر يمتاز بوحدة البيت الشعري، ذي الفكرة المكثفة، بمعنى أن بيتا شعريا واحدا من القصيدة ، يمكن أن يكون قصيدة بحد ذاته، يجسد المعنى العام، الذي سعى الشاعر لقوله، وهذا ما يطلق عليه :(بيت القصيد) والقصيد لغة  مأخوذة من "قصد " والقصيد العصا سُمي بذلك لأنه بها يقصد الإنسان، وهي تهديه وتؤمه.  القصيدة جمع قصيد وقصائد من الشعر ما جاوز سبعة أو عشرة أبيات " (1). ويذهب د. على كاظم أسد إلى أن " مفهوم القصيد هو : قصد الاستمرار على نمط تعبير واحد، على حين لا يقصد بالأبيات هذه، ولذلك تهيأ لنا أن نقول : إن الكلام أما أن يكون تأليفه ،أو صورة نظامه ، هي المقصودة فقد دخل في القصد الفني ، سواء أكان بناء فنيا شعريا (منتظما ) ، أم كان بناء فنيا نثريا ( غير منتظم )، وأن تكون معانيه ( لا صورة تأليفه )، هي المقصودة، فيخرج من مجال الفن، سواء أكان منتظما كالنظم التعليمي، أم غير منتظم كالأخبار المعتادة، أو الإنشاء المعتاد، وكالمقالات العلمية … إلى ما هنالك "(2). وما يعنينا هنا، هو فقط ما يخص الشعر، وبيت القصيد تحديدا، أي البيت الواحد، الذي يكون من القوة بمكان، ما يعادل قصيدة كاملة، ويتركز مضمون القصيدة فيه، ويصبح بمثابة حكمة، يرددها الناس أحيانا. فيقال مثلا:  ما هو أشهر بيت قالته العرب ؟ أو ما هو بيت القصيد، في القصيدة الفلانية ؟ على الرغم من أن هذا الحكم تأثريا لا يعتد به في النقد الحديث لصعوبة ذلك الحكم. وقد تجد أكثر من بيت ، يصلح أن يكون بيت القصيد، وقد لا تجد في بعض القصائد، مثل هذا البيت. ويتقارب بيت القصيد، مع ما يطلق عليه ( شعر الحكمة )، والذي يتضمن " رأيا مرسلا في المبدأ والمعاد والكون والإنسان والحياة والموت … وهو ثمرة التجربة الذاتية أو المشاهدة العامة، ووليد التأمل الواعي والثقافة العميقة" (3). والحكمة متصلة في أدب وادي الرافدين، وهو " يرتبط ارتباطا وثيقا بالنمط الفكري السائد في القطر، وهو يعكس بشكل واضح القيم والمفاهيم والقيم السائدة في المجتمع القديم أيام السومريين والبابليين" (4). وإذا كان هناك وجه مقارنة، بين بيت القصيد عند الجواهري، وشعر الحكمة، فلا بد أن هذا الموروث،قد ترك أثره، سيما وإن شاعرنا هو( ابن الفراتين ). ويرى الدكتور عبد الغفار مكاوي أن القصيدة: " تضم مجموعة من الصور التي لا تتصل بعضها ببعض، كل بيت فيها وحدة بذاتها، بحيث تصبح وكأنها نوع من " الموزاييك " ألف بينها خيال الشاعر وحده لا المنطق أو  الواقع المألوف" (5). وهذا الكلام، ينطبق على الشعر العمودي، وليس على الشعر الحديث، الذي يمتاز بوحدة الشكل والمضمون من جهة، ووحدة الموضوع من جهة أخرى.

    ويلتقي بيت القصيد مع شعر الحكمة، أو الحكم، والأمثال في الأهداف، أو المقاصد، وهي توعية الإنسان، وتنبيهه، وحثه على الطريق الصحيح الآمن، وتبيان المخاطر، التي تحيط به، بأسلوب برقي مكثف مقنع ومؤثر، يصل إلى الفكر مباشرة، من السماع الأول. وهنا تكمن براعة الشاعر. ولكن ليس بالضرورة أن تتمثل في بيت القصيد حكمة ما، بل قد تكون صورة جميلة، أو مضمونا مؤثرا، وقد يكون تركيزا لهدف القصيدة، أو الغاية والمناسبة، التي كتبت من أجلها.كما أن بيت القصيد " يجب أن يكون منسجما والأبيات الأخرى، لتتم وحدة الموضوع، ويفهم من خلال القصيدة. ولا بد من الاستعانة بظروف نظمها وأحاسيس صاحبها وقت إبداعها، لينضج معناه فيها لا أن تعد القصيدة،  دوما، مجموعة حكم أو حقائق أو صور منفصلة أو تجارب مختصرة ، نجزئها كما نشاء، ونقتطع منها ما نريد، ونقرأ البيت الواحد فنقف عنده وكأن لا علاقة بينه وبين الأبيات الأخرى " (6). وهذه سمة جوهرية، وعلامة فارقة، تميز مفهوم بيت القصيد، وشعر الحكمة، فالأول تخلقه أجواء القصيدة، وتسلسل مضمونها، ووحدته، مع شكلها ، بينما الثاني قد يكون يتيما، قيل لغرض قول مَثل، أو حكمة، نتيجة لتفكير الشاعر العلمي المجرد، أو نتيجة لتجربة حياتية عاشها الشاعر، وهو غرض شعري قائم  بحد ذاته.

     وبداية النقد العربي، أو لنقل النقد في ابسط صوره، بدأ عندنا حين كان هم "الناقد"، هو البحث عن أفضل قصيدة، وأفضل بيت، مع ذكر مسببات هذا الاختيار، وهذا ما كان يحدث في سوق عكاظ، عندما كان يتبارى الشعراء. ونحن هنا، في هذه الدراسة، لا نريد العودة إلى تلك المقاييس، التي بدأها أجدادنا العرب في تقييم الشعر على أهميتها التاريخية الريادية، بل هي محاولة للإفادة من الفكرة ولكن بمقاييس ذوقية ونقدية حديثة.

وبهذا الصدد يرى ( فان دايك ) "إن القصيدة العربية العمودية تتكون من أبيات شعرية، كل بيت منها، يتطابق مع الأبيات الشعرية الأخرى، من القصيدة نفسها، في الطول، وفي عدد وحدات الإيقاع ( التفعيلات)، ومن الناحية النحوية فان كل بيت شعري يتألف من جمل، ولكل جملة منها مقولة، أي وحدة دلالية، تقدم فكرة ما، مفيدة. ومجموع هذه المقولات، تحقق الموضوعات الجزئية للقصيدة، أو أبنيتها الدلالية الصغرى. أما التلاحم الموضوعي للقصيدة، فإنه يتحقق من خلال التعالق والترابط في المعاني الخيطية والذاتية بين الأبنية الدلالية الصغرى لأجزاء القصيدة " (7).  

    و(التعالق والتلاحم ) الذي تحدث عنه (دايك)، هو ما يربط أجزاء القصيدة فيبرز غرض القصيدة الأساسي، ( المدح، الغزل، الرثاء إلخ )، والغرض هو الهدف الذي كتبت القصيدة من أجله، لكن طبيعة القصيدة في الشعر العربي، وبخاصة استقلالية البيت ، يبدو لنا وكأن القصيدة مفككة الأوصال، غير أنها في حقيقة الأمر ذات وحدات دلالية مستقلة.  وهذا ما يمكننا من استلال بعض أبيات القصيدة وحفظها أو تضمينها في مقالاتنا دون أن يلحق بها ضرر في المعنى أو الشكل .

    "وعبر عملية اختزال الأبنية الدلالية الصغرى والخاصة بكل جزء من أجزاء القصيدة، فإننا نحصل على وحدات فكرية على مستوى أعلى، وهي التي تحدد التلاحم الدلالي لموضوعات القصيدة ككل معبراً عنها بالأبنية الدلالية الكبرى، وهذه الأبنية الدلالية الكبرى هي مفاهيم أو أفكار معنوية تجريدية يراد بها التوصل إلى الأبنية الدلالية الكبرى، وهذه الأبنية الدلالية الكبرى هي مفاهيم أو أفكار معنوية تجريدية يراد بها التوصل إلى الأبنية الكلية الجامعة للنص، والتي تتحكم بالمستويات الأعلى للقصيدة، أو النص وتغطي كامل القيم الدلالية للقصيدة المتآلفة ، من مقولات معنوية متواشجة. " (8).

     ونفهم من خلال هذا الطرح أن (فان دايك )، لا يعتقد أن عملية الاختزال هو تكثيف الحدث، أو المفردات، بل هو عملية فنية للوصول إلى معنى عام أشمل، "وللتوصل إلى الأبنية الدلالية الكبرى للقصيدة، يصار إلى تطبيق قواعد الاختزال الكبرى، والتي تأخذ على عاتقها، عملية تجديد ما هو أساسي ومهم، في المعلومات الدلالية التي تعرضها القصيدة ككل . وهذه الأبنية الدلالية الكبرى ، لها دورها الأساسي في التعريف بالبنية الدلالية الكلية للقصيدة، كذلك باستيعاب "تيماتها" ( موضوعاتها أو أغراضها ) وبدون التوصل إلى هذه الأبنية الدلالية الكبرى، فإننا لا نستطيع السيطرة على الترابطات الدلالية الجزئية للقصيدة." (9).

    وهذا بالضبط ما نقصده (ببيت القصيد)، فهو ليس اختزالا للقصيدة، بل في كثير من الأحيان، تتمثل  فيه القصيدة كلها، بسبب شمولية المعنى، وكثافة المفردات وانسجام التركيبة البنيوية داخله. وهنا يؤكد (فان دايك ):" أن النصوص ليست مجرد مجموعات من الجمل، بل أنها تعاقبات منظمة تحكمها ضوابط تقليدية، متعارف عليها، والتي تحدد الترتيبات الممكنة دلاليا، للتعبير عن البنى الخاصة، بالتعبير عن الحقائق، وأن هذه التعاقبات للجمل، تعبر عن تعاقبات دلالية للأفكار، وبصورة عامة فإن من اللازم ،أن تتحقق في التعاقبات الدلالية للأفكار،  المعبر عنها بالجمل، كافة الشروط المختلفة ،للتلاحم الدلالي، والتداولي، والأسلوبي، لكي يصبح النص مترابطا، من الناحية الدلالية الموضوعية . "  (10). وهو يعتقد :"إن التلاحم الدلالي نوعان؛ نوع جزئي، أو موضعي، وآخر كلي جامع. التلاحم الدلالي الجزئي، خاص لكل جزء من أجزاء النص، ويعبر عن المستوى الخاص بالبنى الدلالية الصغرى، للعلاقات بين المقولات أو الأفكار المعبر عنها لغويا، عبر ترتيب المفردات، والجمل والروابط والظروف والزمن وإحالات الضمائر ."  (11)

    وإذا ما طبقنا هذه الفكرة على شعر الجواهري، وبعض الشعراء المحدثين، الذين كتبوا الشعر الكلاسيكي ( القصيدة العربية العمودية )، نجد أن التلاحم الجزئي، متوافر في البيت الواحد، أو في عدد من الأبيات، بينما التلاحم الجامع، يشمل القصيدة بكاملها ( تقريبا وليس بالضبط ). بينما من الصعب أن ينطبق هذا الكلام، على الشعر العربي العمودي قديما وحديثا، بعموميته. فالقصيدة عادة، تتكون من مجموعة أغراض، وتتنقل من موضوع لآخر، وأحيانا لا يوجد رابط، بين بداية القصيدة، والغرض الذي كتبت القصيدة من أجله، كما هو الحال في الشعر الجاهلي. وقصة الوقوف على الأطلال، وهي البداية التقليدية للقصيدة، ثم  الانتقال إلى الموضوع الذي قصده الشاعر. هذا فضلا عن أن " الترتيب الخيطي التعاقبي للمقولات الدلالية فان هناك مستوى تنظيمي أشمل للتراتب الهرمي للأبنية الدلالية، في النص يعبر عنه بالتلاحم الدلالي الفوقي، أو الكلي. وهذا التلاحم يكسب النص وحدته، وهو مختلف عن التلاحم الموضعي للنص، لكونه يرتبط بالفكرة العامة، أو الغرض العام للنص ككل." (12).

     وما نلاحظه عند الجواهري، هو التعاقب المؤكد للمعنى ، وصولا إلى الذروة ، أو مجموعة من الذر وات ، حيث يختم تجربته الشعرية  ، بمقولة شاملة ، تجعل القارئ يتناسى، أو ينسى ما تقدم، ولا يعلق بذهنه سوى بيت واحد، هو البيت الذي تضمن كل المعاني، التي حاول الشاعر، توصيلها عبر مجموعة من الأبيات، وكأنه  يمارس عملية تجريبية، مستخدما المفردات، والصور والمضامين، لكي تساعده في الوصول إلى بيت القصيد.

    ومثلما قلنا : إن التوصل إلى المعنى العام الشامل، للنص يتم عبر " تطبيق قواعد الاختزال الكبرى. وهذه القواعد هي عمليات، تطبق مرة بعد أخرى، بغية اختيار وإنقاص، وتعميم وإعادة بناء وحدات المعنى للنص، وتكثيفها في مقولات أقل عددا، وأعلى تجريدا . " (13). وهذا التكثيف مطلوب، في كل أنواع الفنون الكتابية، وبخاصة الشعر، الذي هو الصوت المكثف، والمعبر عن انفعالية الشاعر، المرتكزة على تجربة شعورية، ذات بعد زماني قريب أو بعيد.

    ويؤكد (فان دايك ): إن قواعد الاختزال – التي أشار إليها – " تسمح بطرح كل المعلومات الزائدة في النص. وذلك عن طريق الحذف، والتعميم وإعادة البناء. وبدون التطبيق المتتالي لهذه القواعد على النص، لن نستطيع التوصل، إلى وحدة المعنى الشاملة للنص. الأمر الذي يعني ، أننا لا نستطيع  تحديد التلاحم الجامع للنص ." (14)

    نحاول من خلال بعض النماذج التطبيقية المنتخبة، تلمس قدرة الشاعر، على صياغة (بيت القصيد )، ضمن المقاييس أو السمات التي أشرنا لها، في مقدمة هذا البحث النظرية. وهذا لا يعني أن الشواهد المذكورة ، تمثل  قصائد الجواهري كلها، أو هي قمة ما توصل إليه، لأن ما كتبه كثير، يصعب على بحث بمثل هذا الحجم  استيعابه.

(كردستان أو موطن الأبطال ) من القصائد المهمة، التي كتبها وألقاها الشاعر عام 1963 بمدينة مونيخ في مؤتمر الطلبة الأكراد وبدأها بـ :

قلبي لكردستان يهدى والفم            ولقد يجود بأصغريه المعدم (15)

 

    وكعادة الجواهري ، هي إحدى مطولاته، وفيها كثير من أبيات القصيد، لكني وجدت في البيت الأتي أبرزها:

ذوبت آلامي فكانت قطرة           في كأس من بنوا الحياة ورمموا (16)

 

    وفي هذا البيت تذويب -كما ورد نصا- أو تصغير لمعاناة الإنسان الفرد، وهي معاناة كبيرة، ولا سيما إذا تحدثنا عن شاعرنا الجواهري المرهف الحس، والشجاع في انتقاد الحكام، ونوا قصهم، والمصطف دوما مع المعاناة العامة، لأبناء وطنه، وهي من جانب آخر، تكبير بل عملقة الجهد الجماعي في بناء الحياة.

  ووجدت أن بيت القصيد الآتي، هو البيت الذي ختم الجواهري به قصيدته، وهو من أشهر ما قيل وأكثر الأبيات، التي تعرضت للاستغلال، والتشويه من بعض القوى السياسية، التي وظفته لصالح سياساتها الديماغوجية:

شعب دعائمه الجماجم والدم            تتحطم الدنيا ولا يتحطم (17)

    ومن القصائد الرائعة، قصيدة بمناسبة صدور بيان آذار عام 1970، الذي أعلن بموجبه الاتفاق بين الحكومة العراقية والحركة الكردية، إعلان السلام، ووقف العمليات الحربية، وإقرار الحكومة بالحقوق القومية للشعب الكردي في العراق، متمثلا بالحكم الذاتي -آنذاك - ، كحل لهذه القضية الشائكة، ولكن الحكومة انقلبت على الاتفاق، ولم تف بوعودها، واتفقت مع شاه إيران عام 1975، ضد الحركة الكردية، والقصة معروفة للجميع، ولسنا بصدد تقييمها. ولكن ينبغي أن نقول: إن الشعب العراقي فرح بهذا الاتفاق، وعبر عن فرحته بوسائل عديدة. أما شاعرنا فقد كانت فرحته عظيمة، وهو معروف بحبه لوطنه، ومناه أن يراه وهو يرفل بالسلام والمحبة، وقد عبر عن مشاعره، هذه بقصيدة عصماء رائعة، أذيعت من محطتي تلفزيون وإذاعة الجمهورية العراقية مرات عديدة، وكانت بعنوان ( طيف تحدر يوم السلام يوم الشمال ) ومطلعها:

طيف تحدر من وراء حجاب        غضر الترائب مثقل الأهداب(18)

ووجدت أن بيت القصيد فيها هو :

يعيا الجحيم بأن يسعر أمة           فإذا هي اختلفت فعود ثقاب(19)

    وهذا البيت يمثل فكرة ضرورة الوحدة الوطنية، ونبذ العنف، ومع إحلال السلام، وكان هذا اليوم هو حلم العراقيين، ومطلب الأحزاب السياسية، ويوم "أعراس العراق "، و"يوم بغداد "، و هذه المعاني الجميلة كلها، وغيرها، التي تضمنتها القصيدة، لا يمكن أن تتحقق إلا بالمعنى الذي ورد في بيت القصيد، والبيت هو عبارة عن إنذار عام، يحذر فيه كل المعنيين، من الفرقة التي تسهل حرق الأمة، بينما يتعذر على الجحيم المساس بها .

    وهكذا استطاع الشاعر، بهذه الكلمات البسيطة الخالية من التكلف، والبعيدة عن الكلمات القاموسية الصعبة، قياسا بكل أبيات القصيدة. ومن هنا وجدت أن هذا البيت، يشكل جوهر القصيدة، وقد تضمن مفردات متناقضة، وفي وحدة مع بعضها،  فهناك الجحيم، وعود ثقاب، وأمة متحدة، وأمة غير متحدة، الوحدة والاختلاف. هذه المتناقضات كلها، تتشكل في وحدة بيت شعري رائع، كما هي في الحياة تتآلف وتتصارع لتكون مصدرا للتطور.

    حين درسنا قصيدة ( يا دجلة الخير ) - رائعة الجواهري المشهورة - والتي مطلعها:

حييت سفحك عن بعد فحييني         يا دجلة الخير يا أم البساتين (20)

 

لاحظنا أن الشاعر، قد اتخذ من دجلة رمزاً للعراق كله، ومن خلال تكرار اللازمة (يا دجلة الخير ) تناول موضوعات كثيرة، وكعادة الجواهري، امتدت القصيدة إلى (160) بيتا، وحتما قصيدة بهذا الطول ، يظهر فيها أكثر من بيت قصيد، أضعها هنا مرتبة حسب أهميتها فالبيت الأول :

يا دجلة الخير قد هانت مطامحنا      حتى لأدنى طماح غير مضمون (21)

    وفي هذا البيت، شكوى مريرة، ويأس واضح، من تحقيق ليس الطموحات الكبيرة، بل حتى صغائرها.

    وفي البيت الثاني يتناول الشاعر، موضوع المصائب وما تتركه من بصمات، على شكل الإنسان وتكوينه:

    إن المصائب طوعا أو كراهية       أعدن نحتي، كما أبدعن تكويني (22)

    ويعتمد البيت الثالث المفارقة:

يا دجلة الخير، شكوى أمرها عجب        إن الذي جئت أشكو منه يشكوني (23)

    والمفارقة نفسها نجدها في بيت القصيد، من قصيدة عنوانها ( إيه بيروت من جديد):

ما أقل المساف أن تنزع الرقة       عنفا، ويزرع الحقد ودا (24)

    وفي قصيدة (الخطوب الخلاقة أو معركة المصير ):

دع الطوارق كالأتون تحتدم        وخلها كحبيك النسج تلتحم (25)

    ووجدت بيت القصيد فيها هو:

تعسر الصبح واستعصت ولادته       حتى تشابكت الأنوار والظلم (26)

    وهذا البيت يستحق هذه المنزلة ليس فقط من حيث المضمون بل من جانب الشكل أيضا ففيه صورة رائعة، متحركة، تعبر عن ضبابية في الرؤيا، واختلاط العناصر فيما بينها، مما أدى إلى صعوبة في خلق الجديد. وهذه الصعوبة يفسرها بيت آخر يليه:

لو كان يضمن نصر قبل موعده      لكان أرخص ما في الأنفس الهمم (27)

    في قصيدة قالها الجواهري بحق الشاعر الكردي الكبير (بي كس ) وهي تحمل الاسم نفسه وبدايتها :

أخي (بي كس ) والمنايا رصد          وها نحن عارية تسترد (28)

 

    اشتغل الشاعر على الاسم ( بي كس )، الذي يعني بالكردية والفارسية (وحيد )، أو بلا أحد، فخرج بيت القصيد قويا معبرا:

بلا أحد سنة العبقري        يعي الناس لا يعيه أحد (29)

    قصيدة (أخي جعفر)، من القصائد المشهورة، لأنها ارتبطت بحدث مهم في تاريخ العراق الحديث، وهو ( وثبة كانون )، حيث خرجت الجماهير معبرة، عن احتجاجها، ورفضها لمعاهدة (بورتسموث) البريطانية العراقية عام 1948وقد جرح فيها أخو الشاعر  (محمد جعفر الجواهري) ثم أستشهد متأثرا بجراحه:

أتعلم أم أنت لا تعلم            بأن جراح الضحايا فم  (30)

    وعلى الرغم من أن هذه القصيدة من أجمل القصائد، ويرددها الكثيرون، لكنني لم أجد غير هذا المطلع، يصلح أن يكون بيت قصيد، تتوافر فيه المواصفات التي ذكرناها.

    ومما يمتاز به شعر الجواهري هو السخرية من الظواهر المستهجنة، في المجتمع العراقي والعربي، وبخاصة تلك التي تتخاذل إزاء الواجب الوطني، فهو يسخر من أولئك الجاثمين، الخانعين، الخائفين، من قول كلمة الحق، أولئك الذين يقفون عقبة أمام التحرر،  والتطور، وهذا ما وجدته في هذه قصيدة ( أطبق دجى )، كتبها ببغداد في خريف 1949:

أطبق دجى أطبق عذاب           أطبق جهاما يا سحاب (31)

    لقد كرر كلمة ( أطبق ) أربعا وثلاثين مرة، وكانت لازمة موفقة، ومنسجمة تماما مع وقع القصيدة، وأعطتها زخما قويا، لتأكيد الغرض، وذروة المضمون، لذي تمحور حول ثلاثة أبيات، جسدت سخرية مريرة، ويبدو أن الجواهري، لم يستطع اختزالها في بيت واحدة، خوفا على عدم اكتمال الصورة الشعرية، وهذا ليس عجزا، بل أن تجربته الشعورية اقتضت ذلك:

أطبق على متبلد              ين شكا خمولهم الذباب

لم يعرفوا لون السماء         لفرط ما انحنت الرقاب

ولفرط ما ديست رؤو        سهم كما ديس التراب (32)

    وهي دعوة للخوض في معترك الحياة، ومقارعة الظلم، والاحتلال ونبذ السكينة، والخوف، والخمول، والاستسلام للأقدار، حيث لا حياة، ولا عيش لمثل هؤلاء الناس، في زمن مبني على المقارعة، والتنافر بين أقطاب المجتمع، وبينها وبين العالم الخارجي. وهذا الصراع بشكل عام، هو جوهر التطور، سواء على مستوى الفرد، أم على مستوى المجتمع، مادمنا نتحدث بخصوصية المجتمعات ويبدو أن الجواهري كان يعي حقيقة  منظومة العلاقات هذه.

    وما يؤكد هذا المعنى ، نراه في بيت آخر من القصيدة:

إذا أنت لم تأكل أكلت وذلة         عليك أن تنسى وغيرك شائع (33)

    ولا بد أن أستشهد برائعته ( يا ابن الفراتين ) والتي ألقاها بعد عودته إلى العراق من الغربة عام 1969 في مهرجان شعري أقيم في بغداد، عرض على شاشة التلفزيون العراقي وقد بدأها:

يا ابن الفراتين قد أصغى لك البلد       زعما بأنك فيه الصادح الغرد (34)

 

    وبيت القصيد في هذه القصيدة :

فإن أفظع ما في الكون مضطهداَ       خوالج في حنايا الصدر تضطهد(35)

    وقد مثل  الجواهري في هذا البيت، معاناة الإنسان الداخلية، وما يقع عليه من اضطهاد وكبت.

       أردت في  هذا البحث، تلمس قدرة الجواهري، على تكثيف الفكرة، ذات المدلول الفلسفي العميق، وفعلها المؤثر في الواقع الاجتماعي – السياسي العراقي. ذلك لأن شاعرنا يعد مدرسة متميزة، في هذا اللون من الشعر، ولأنه واكب نضالات الشعب العراقي، قبيل تأسيس الدولة العراقية، وحتى وفاته في27/ تموز/ 1997، ولأن هذه المسافة، مليئة بالأحداث، والمواقف، ولأن شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، له بصماته في يوميات تلك السنوات العجاف، فلا أحسب أني قد وفقت حتى ولو بالنزر اليسير، ولكن يكفيني فخرا أنني قد حاولت.

*جامعة بابل /كلية التربية – قسم اللغة العربية 

 

 

الهوامش

(1) المنجد ، الأب لويس معلوف اليسوعي  ، ط  5  المكتبة الشرقية بيروت/1966.

(2) المتنبي ، أديب صعبي ، دار صادر بيروت ص 125 ( بدون تاريخ ).

(3) مصطلحا ( الشعر والنثر ) ،  د. علي كاظم السعد ، مجلة دراسات نجفية  ، مركز دراسات الكوفة / جامعة الكوفة ، العدد الأول 2004 ص 25.

(4) أدب الحكمة  في وادي الرافدين ، د. صلاح سلمان رميض الجبوري ، مراجعة : أ.د. فاضل عبد الواحد علي ، دار الشؤون الثقافية العامة - بغداد ط1 2000 ، ص

(5) التعبيرية في الشعر والقصة والمسرح، د. عبد الغفار مكاوي ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، 1971 ، ص 28.

(6) المثال والتحول في شعر المتنبي وحياته ، د. جلال الخياط ، دار الرافد العربي ، بيروت –لبنان ،1987 ص 52.

(7)Van Dijk , T. A (1985) (ed,) Hand book of Discourse Annlysis. (4vols) Lonon.

Academic press p.155ترجمة د. حسين علوان 

                                                                                                        المصدر السابق ص  155 (8) Van     

(9)Van Dijk and W. Kintsch (1983) sthategies of Discouhse comphension.New Yohk   

p  .149., Academic press ترجمة د.حسين علوان

 

(10)         Van Dijk and W. Kintsch (1983) Strategies of Discourse Comphension.New York. Academic press, p.199                                                                                                        

(11) Van Dijk , T. A (1985) (ed,) Hand book of Discourse Annlysis. (4vols) Lonon1

 Academic  press  p. 108 ترجمة د.حسين علوان

(12) Van Dijk , T. A (1985) (ed,) Hand book of Discourse Annlysis. (4vols) Lonon

155

 

(13) Van Dijk , T. A (1985) (ed,) Hand book of Disconrse Annlysis. (4vols) Lonon2 Academic press                                                                                             

 

  (14)Van Dijk and W. Kintsch (1983) sthategies of Discouhse comphension.New York, Academic press p. 150

                                                                                               

(15) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967  ط1 ، ج 2، ص 6.

(16) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق، ص 7.

(17) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967  ط1، ج 2، ص 24.

(18) طيف تحدر … يوم الشمال … ، محمد مهدي الجواهري  ،  ط1 مطبعة المعارف – بغداد  ، ص  5.

(19) طيف تحدر … يوم الشمال … ، محمد مهدي الجواهري  ،  ط1مطبعة المعارف – بغداد  ، ص  22.

(20) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967  ط1 ، ج 1، ص 24.

(21) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق، ص 25.

(22) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق، ص 43.

(23) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق ص 44.

(24) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967 ط1، ج 1، ، ص  82.

(25) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق ، ص  54.

(26) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق، ص  55.

(27) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967 ط1، ج 1، ص  55.

(28) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق ، ص  184.

(29) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق ، ص  149.

(30) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967 ط1، ج 1، ص  178.

(31) ديوان الجواهري  ، محمد مهدي الجواهري ، المطبعة العصرية ، صيدا  تشرين الأول 1967  ط1 ، ج 2، ص  58.

(32) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق  ، ص  59.

(33) ديوان الجواهري  ، المصدر السابق ، ص  187.

)34) أنظر ديوان الجواهري ،  جمعه وحققه وأشرف عليه الدكتور إبراهيم السامرائي ، الدكتور مهدي المخزومي ، الدكتور علي جواد الطاهر ، رشيد بكتاش . مطبعة الأديب البغدادية 1975، وزارة الإعلام مديرية الثقافة العامة ديوان الشعر العربي الحديث 64.

(35) أنظر المصدر السابق.

 

----------------------