في الطريق الى نزهة
الآلام -
جميل
الشبيبي
في قصيدة (ابن
فضل ) المكتوبة عام 1973
والمنشورة
في ديوان الشاعر عبد الكريم كاصد الاول (الحقائب)* نقرأ هامشاً
تعريفيا بشخصية ابن فضل: نجار مصري من رواد الحركة الاشتراكية في
مصر،عاش في موسكو عشر سنوات، اسقطت عنة الجنسية المصرية ..ثم يشير
الهامش الى مفارقة مهمة في حياة هذا الانسان فقد استقل الباخرة من
ميناء (بيرية ) في اليونان وميناء الاسكندرية عشرات المرات دون ان
يسمحوا له بالنزول...!!
وتكشف هذا
المفارقة، سواء في بنية القصيدة او فى التفاصيل الواقعية لحياة
(ابن فضل ) المنشورة في كتاب (اليسار المصري) للدكتور رفعت السعيد،
تنبؤاً مأساوياً مبكراً بحياة سيعيشها الشاعرعبد الكريم كاصد، بعد
خمس سنوات او اكثر بقليل بدءا من كتابة هذا القصيدة، محوّما قرب
حدود وطنه، قريبا منها تارة، وبعيدا عنها في اغلب الاحيان متأملاً
غربته الاجبارية، تمتلئ جوانحه بالامل في عودة سريعة الى ارض
الوطن، لكن توالي السنوات وتعدد المنافي وابتعادها واختلاف
أصقاعها، بدد هذا الامل فتجذرت الغربة والسفر في الروح واصبحت احدى
مكوناتها الاساسية.
لقد عاش الشاعر
تجربة الغربة والسفر مرتين، اولاهما بداية سبعينات القرن العشرين
حين اسهم
مع مجموعة كبيرة من المدرسين العراقيين في حملة التعريب والتدريس
في الجزائر. وقد اثمرت هذا التجربة ديوانه
الأول(الحقائب) وخلال تلك الرحلة الاختيارية تعلم اللغة الفرنسية،
وسافر الى باريس ومدن اخرى، فشاهد الاثار الفنية واطلع على الاداب
الفرنسية بلغتها، وتعرف على الحياة الثقافية والاجتماعية في فرنسا
والجزائر.
اما غربته
الثانية فقد بدأت نهاية عام 1978، عندما تعرضت قوى الخير في العراق
الى المطاردة والسجن والتعذيب ثم النفي الجسدي، مما اضطره ومجموعة
خيّرة من المثقفين والادباء العراقيين الى مغادرة العراق،
من اجل حفظ
كرامة الذات وبعض من حياة كريمة. وخلال هذا الغربة، انجز الشاعر
عددا كبيرا من دواوينه مع مجموعة من القصائد المترجمة والقصص.
ان تناول
انجازات الشاعر عبد الكريم كاصد الشعرية والنثرية الكثيرة والكبيرة
في عطائها الفني والانساني، يحتاج الى دراسات متخصصة ينهض بها
باحثون ونقاد لكشف هذا الانجاز في بناء قصيدة حديثة تقف متميزة في
بنائها وصورها الى جانب الكثير من منجز الشعر العربي ولتكشف بنفس
الوقت قدرة هذا الشاعـر على انجاز قصيدة حديثة بصوته المميز
وتجربته ومعاناته العميقة ..وهي قصيدة دأب الشاعر على ترسيخها
وصقلها منذ بداياته الاولى بذلك الثراء والتنوع في الحياة
والكتابة الشعرية والقراءات الجادة في التراث العربي والاجنبي.
اما مسعى هذا
القراءة فسوف يرتكز على الانجازات الشكلية عبر تجلياتها في ثيمة
السفر والغربة، التي اتضحت آفاقها الفنية في ديوانه الاول
(الحقائب) ثم ترسخت في غربته الاجبارية الثانية، واغتنت عبر معظم
قصائده المنشورة في دواوينه الكثيرة. ومن اجل ايضاح انجاز الشاعر
في دواوينه الصادرة خارج الوطن وتجليات الغربة فيها تناولت ديوانه
(نزهة الآلام ) الصادر عام 1991 بعد ستة عشر عاماً على صدور ديوانه
الأول(
الحقائب)
لان تجربة الغربة في هذا الديوان تشير الى وعي هذه الغربة ولأن
الشاعر نفسه اراد ان يؤكد استمرار غربته في هذا الديوان، حين سعى
الى تضمين قصائد السفر في ديوانه هذا، وكأن (نزهة الالام) امتداد
لتلك التجربة التي جسدتها قصائده المنشورة في ديوان (الحقائب) :
ثلاثية السفر، الحقائب، الغرف.
**********
في ديوان
(الحقائب)، تفصح الغربة عن تأسيس عالم فسيح الارجاء يؤثثه الشاعر
بالاسئلة والحوارات والمشاهد المقربة.. ويطرح فية بدائل متفائلة
بالعلاقة الحميمة مع الاخر الشبيه. وبنفس الوقت فان هذا العالم
يتعرض الى التخريب، ليفرز معاناة قاسية، يسميها الشاعر ويعدد
اشكالها بالأماكن المعادية والاعداء المتخفين بأشكال واساليب ماكرة
:
حين اقبلت صائحاً
دفعتني يد
كبلتني يد
ادخلتني زنزانة
لم تسع ارضها ..
فاقتسمنا الوقوف
(محجوب صديقي، ص 92)
إن رحلة الشاعر
التي ابتدأت من محلة صغيرة في مدينة البصرة،
اتسعت واغتنت بتلك الاماكن المتنوعة واسماء الاعلام التي اضفى
عليها خيال الشاعر ملامح الانسنة بحواراته معها او انطاقها او رصد
حركتها وتحولاتها يتضح ذلك من استثمار المفردة اللغوية الجامدة
كالسفر، الحقائب، اسماء المدن، الشخوص ، والتعامل معها ككائنات
عاقلة تفهم وتتساءل وتتحرك. ففي قصيدة (ثلاثية السفر) مثلاً يستثمر
الشاعر مفردة السفر ويضفي ملامح الانسنة كما في الجمل الشعرية (ما
قالة السفر، نوقظ السفر، ضجيج السفر...)، وفي قصيدة( الحقائب)
تكتسب مفردة الحقائب انسانيتها عبر تلك الرحلة الطويلة بمناخاتها
ومطاراتها ومنافيها ومدنها الغريبة ( توقظنا كل صباح، لماذا
الحقائب تسافر في الليل مجنونة.. سيدتي
هل تخاف الحقائب..). وبنفس هذه الطريقة تغدو مدينة (مستغائم)
الجزائرية امرأة ثرية العطاء:
كيف اخفيت عني
الحقائب؟
كيف ألبستني ثوبي
المغربي؟
ان اضفاء
الانسنة على المفردات القاموسية الجامدة، لا يأتي عبر استخدامات
لغوية مقطوعة تستثمر ضمائر الخطاب وغيرها من التراكيب اللغوية التي
تأتي ضمنها هذا المفردات، بل ان ذلك يتكشف بالحركة والتفاعل بين
الذات في استقصاءاتها واسئلتها وحواراتها مع هذه المفردات لتصبح
مكونا اساسيا من تلك الذات، تنطق باسمها مرة او تنوب عنها في تسجيل
التجربة وكشف تجلياتها ومنعطفاتها. فالسفر الدائم في المكان
والزمان يصبح مفردة مكتنزة بالايحاءات تسجل حضورا مكثفا مرة او
غيابا مؤقتا، والشاعر في كل ذلك يعمد الى توسيع مجازاته من خلال
هذا الاستعارات والاستبدالات المبتكرة، بعلاقتها الوثيقة بالتجربة
الشعرية، فهي ليست تراكيب تزينية بل هي تراكيب ومفردات منتزعة من
التجربة، تتحرك وتتنفس في افقها، وتشير اليها على وفق دلالات
وايحاءات متنوعة .
وفي قصيدة
(الحقائب) تبدأ الذات رحلتها عبر اسئلة وحوارات، ترسم حضوراً
مقرباً في كثير من اجزاء القصيدة .. وهذا القصيدة تؤسس مناخاً
شعرياً سينفتح بعد ذلك على عالم ضاج وفاعل يكون الشبيه فيه عاملاً
مؤازراً ازاء التحجر والانغلاق على الذات التي تثيره الامكنة
المعادية بأشكالها وروائحها وضيقها :
لماذا نشد السلاسل عبر ألوف من الكيلومترات؟
نرتاحُ في غرف مر
فيها ألوف من الناس؟
نبصر اوجهنا في
الوجوه
ونمضي
لنمسح عند المساء
غبارا تراكم فوق الحقائب
لماذ الحقائب؟
(قصيدة الحقائب ص13)
إن الاجابة عن
سؤال ( لماذا الحقائب؟) ستتضح بأجوبة تفصيلية في هذه القصيدة وفي
قصائد اخرى من الديوان تعمقت فيها حدّة المأساة من جانب وتجذرت
فيها قوة الانتماء والامل والتفاؤل من جانب اخر.
ففي قصيدة
(الغرف) التي تمثل إنجازا ًوابتكاراً شكلياً للشاعر، يتمحور المكان
المعادي بكل قسوته بمواجهة تطلعات الذات بمكان آخر وعلاقات أليفة.
وتبنى هذه القصيدة بناءً خاصاً نسبة إلى قصائد هذا الديوان وأيضا
نسبة إلى المنجز الشعري العراقي في فترة السبعينات من القرن
العشرين، ويظهر ذلك جلياً في التقنيات المستخدمة في هذه القصيدة.
القصيدة تتكون
من متن تحت عنوان (الغرف) وهامش طويل تتحكم فيه كلمة (غرف)
المنزوعة التعريف بالعلاقة مع مفردات:
بعضها أفعالا أو أسماء أو شبه جمل، تؤسس مستوى آخر يحيل إلى المتن
(الغرف) فيعدد أشكالها ودلالاتها. وقد استخدم الشاعر هذا الهامش في
قصيدته في وقت مبكر من تجربته الشعرية ، لينشئ مستوى آخر لأمكنة
ومواقع غائبة عن حاضر القصيدة (المتن) ومضمنة في ذاكرة الذات.
والهامش في هذه القصيدة هو خبرة الذات عبر حياتها العملية الطويلة،
التي لا تستطيع البوح بها وهي تعيش كابوس الغربة وقسوتها وجبروتها.
في متن
القصيدة، تفصح الذات عن خساراتها الشخصية وهي تسرد جزءاً من حياتها
في عالم معادٍ :
في ظلام الغرف
تنهض الان وحدك
تبحث عن علبة
للثقاب
تراك نسيت ؟
عرضت ثيابك
كل أثاثك للبيع
تذكر قرقعة العجلات
؟
وهي تحملها وسط
همهمة الشرفات..؟
والصغار الذين يطلون فوق السلالم..؟ (قصيدة الغرف ص 37)
والناطق في هذه
الأبيات، يشير إلى نفسه بضمير المخاطب(أنت) كي يتأمل تلك الانتكاسة
وصعوبات الحياة. كما إن القصيدة تحفل ببعض الحوارات والأسئلة
المتعددة التي تضفي على الحدث حضوراً آنياً، يؤكده ويسهم في بلورته
وتركيزه استخدام ضمير المخاطب في إدارة وجهة النظر، لإضاءة عذابات
الذات من الخارج وبصورة مقربة. فالتأمل الذاتي هنا يأخذ شكل
التجسيد حاملاً بوح الذات بعذابها إلى مستويات فنية بدلالات
وانثيالات حزينة. أما هامش القصيدة، فيعمد الشاعر إلى نزع ال
التعريف من كلمة (الغرف) فيحررها من اسر التعريف، وذلك الوجود
المحدد بأداة التعريف، ثم يطلق سراحها في فضاءات التنكير الرحبة
مجسدا عبر ذلك وحدة اسلوبية جديدة تحتل فيها كلمة (غرف) بدايات
السطر الشعري، وتستند في معانيها ودلالاتها على جملة من الأفعال
والأسماء وأشباه الجمل. أما وجهة النظر التي تضيء الجمل الشعرية
فتأتي باستخدام (عين الكاميرا) كوجهة نظر تشخيصية محايدة ترصد
الأشياء في حركتها وسكونها، وهي تتحرك باتجاهات مختلفة وفي آن واحد
لتنشئ مشهداً مركباً تتحكم فيه كلمة (غرف) وتبسط هيمنتها على
تفاصيل الجمل الشعرية المشهدية، وأيضا على مجموع الكل المتنامي من
الأعلى إلى الأسفل، بالاستفادة من لام الجر التي تعمل على ربط
مفردة (غرف) بالكلمات الأخرى المساندة.
إن هذه الهيمنة
منذ بداية السطر الشعري في هامش القصيدة وحتى نهايته تمنح كلمة
(غرف) استقلاليتها عن متن القصيدة أولا، وعن الكلمات المساندة لها
في كل سطر شعري
بواسطة
الهامش ثانياً. وبهذا المعنى فان الاضاءة القوية على الهامش تمكنه
من الحركة والتنقل في المكان والزمان، بحيث ينازع الهامش المتن،
ويعمل على ازاحته، ذلك لان المتن يبقى حقلا للهاجس الذاتي
والمعاناة الفردية للذات في حين يرتفع الهامش بهذه الهموم الى
مستوى العام، ليصبح مشهداً ساطع الوضوح والتأثير في ذات المتلقي،
باعتباره مشهداً .. يحتوي معاناة ذوات اخرى تعاني وتتألم. وبهذا
المعنى يصبح الهامش تعريفاً تفصيلياً للمتن، يعدد المأساة ويكثفها
في آن واحد عبر رحلة تتعمق وتتعملق وهي تخترق المتن بأتجاه الحياة.
ولذا فأن الهامش هنا يعطي المتن امكانات ثرة للتأويل والتفسير،
وبدونه تبقى القصيدة تراوح في عذابات الذات الفردية ولا تنازعها
نحو فضاءات اوسع:
غرف للمياه
غرف للمنازل تهبط نازلة
غرف للاسرة تهبط مربوطة في
الغرف
غرف ترتجف.
(قصيدة الغرف ص43)
إن الاجابة عن
( لماذا الحقائب ؟) لاتتوقف عند عذابات الذات في سفرها الطويل
وارتحالاتها الدائمة بل ان هذه الاجابة تنحو ايضاً الى تشييد عالم
بديل، تجد فيه الذات الاخر الشبيه متمثلاً بشخصيات واقعية مثل
محجوب والشفيع وابن فضل ومسيو كومان .. وشخصيات خيالية اقترحها
الشاعر وسماها منادياً تلك الاسماء والشخوص.
كما ان الذات الشاعرة وهي تسهب في تأثيث عالمها البديل، تجد في بعض
الامكنة ملاذا امنا والفة حميمة. ويتضح ذلك في قصائد كثيرة من
ديوان الحقائب، ففي قصيدة مستغانم وهي مدينة جزائرية ، يعمد الشاعر
الى انسنة المدينة بخطاب مقرب ينحو فيه خطاب الاستفهام الى اسلوب
التعجب والانبهار:
مستغانم
حين تلفتُ
فوق رصيفكِ
كيف اخفيت عني الحقائب ؟
كيف البستني ثوبي المغربي ؟
جلست جواري ؟
تصبين لي الشاي ؟
(قصيدة
مستغانم ص 30)
فالاسئلة التي
تبدأ باداة الاستفهام (كيف) وهي تتحرى عن جواب، تبقى معلقة دون
جواب، لتصبح هذه الجمل الاستفهامية جملاً تعجبية تحمل اجابات ضمنية
اساسها هذه العلاقة الجديدة بين المدينة والكائن الغريب ..، كما ان
اسلوب الاستفهام هنا ينقل المدينة من افقها الساكن باعتبارها
كائنات حجرية لاتعقل الى مستوى تبدو فيه وهي تنبض بالحياة، فهي
بديل عن ساكنيها، ولذا فان تمجيد المدينة بأسمها يعني تمجيد
ساكنيها بطريقة استبدالية شعرية مبتكرة. وفي قصيدة (محجوب صديقي)،
تبنى الحركة المشهدية في القصيدة باستخدام مفردة ( ام درمان )
مكررة، ومن خلال الجمل الفعلية التي تعتني بانفتاح فضاء المدينة
وانغلاقها:
فتحت ام درمان ساحاتها مثل
مروحة
اطفأت ام درمان ساحاتها مثل
مروحة
رفعت ام درمان راياتها
ضاق بالزاحفين الرصيف
إن استخدام
الجمل الفعلية في بداية القصيدة وفي مقاطع اخرى منها ينهض بانشاء
عالم المدينة الضاج والمستنكر للحدث الدامي (اعدام محجوب) والذات
الشاعرة حين تمهد لرسم صورة حية لتلك الحادثة، تلجأ في اجزاء من
القصيدة الى المناجاة مع الاخر الشبيه، تلك المناجاة المحملة بأرث
التجربة الدامي، وتداعياتها على الذات وهي تتعرف على اعدائها في
شكل اصدقاء أليفين:
نحن نعرفهم ياصديقي
في ليالي الفنادق يقتسمون
الاسرة مثل النساء
ويقيئون احلامهم في المراحيض
عند الصباح
وعند المساء
يعشقون التنزه مثلي
مثلك
وقد يزأرون
وتنبت اسنانهم وتطول
..
قصيدة (محجوب
صديقي)، ص92
او ان الذات تستخدم
الاستفهام الاستنكاري الذي يعمل على اضاءة التجربة وتكرارها دون
اية فائدة :
كم يغافلني العسكري
ويخلع بدلته العسكرية في
صفحات الجرائد
ثم يسبقني في الحديث .
قصيدة (محجوب
صديقي)، ص95
وفي قصيدة (
محجوب صديقي) يعمد الشاعر الى اساليب متنوعة في اضاءة هذه التجربة:
السرد بالجمل الفعلية التي اشرنا اليها والتي تعمل على انشاء مشهد
متحرك وضاج ... ثم ياتي بعد ذلك تنويع، يستبطن فيه حركة المعادي،
وهو يؤثث لنفسه ولمجموعته .. ليعود مرة اخرى الى صيغة الامر في
الجمل الفعلية التي تحرض وتدعو
للوقوف
بالضد
فلتضج الطبول
نحن في غابة
دونكم ايها السادة العسكريون
لحم القتيل
لا
تخف
.. ص93
ثم يستثمر
الشاعر الحوار والمناجاة وهي اساليب متنوعة استخدمها في فترة مبكرة
من حياته الشعرية .. وقصيدة
( محجوب صديقي ) تجربة استنفر فيها امكاناته الشعرية، وأسس من
خلالها صوتاً خاصاً يحمل شخصيته ولغته وتقنياته.
وفي قصيدة (تشيلي
في
القلب
) يستخدم الشاعر
اضافة الى المشاهد السردية المقربة والمكثفة، اسلوب النداء، كاسلوب
يقرب الحدث
ويشي بتلك
العلاقة بين الاخر والذات الشاعرة، وهي تتطلع نحو اقرانها واشباهها
وهم يسعون في بناء العالم البديل:
ها انذا اسمعكم يا كاميلو
ها انذا ابصركم يا راؤول
ها انذا اتبعكم يا تيريزا
ونسير ظلالا تتأرجح في الاضواء
قصيدة (تشيلي في القلب)، ص 130
لقد اسست تجربة
السفر والغربة في ديوان ( الحقائب) رؤية جديدة لعالم في طور
التكوين تحكمه المعاناة الحادة، ويتأسس بين اركانه الثابتة بوادر
التغيير والامل والتفاؤل وقد ابتدأت هذه التجربة من اعماق المحلة
الصغيرة، بأتجاه العالم الواسع وسط نداءات
وأغان
وتساؤلات وحوارت
وعلاقات حميمة، كانت تنشد لذلك العالم البديل الذي يفصح عن علاقات
ثرة بين الذات والاخر الشبيه.
في غربة الشاعر
الثانية التي بدأت عام 1978 والتي ما تزال مستمرة، اصدر الشاعر
سبعة دوواوين هي ( الشاهدة 1981، وردة البيكاجي 1982، نزهة الالام
1991، سراباد 1997 اوقات لا
يبلغها
الضوء 1998 ، قفا نبك 2002 ، زهيريات 2005 )
ثم ( ولائم الحداد
2008).
كما اصدر مجموعة
قصصية ومجموعة من الكتب المترجمة عن الفرنسية .. وفي معظم هذه
الدواوين كانت انظار الشاعر مصوبة نحو وطنه الجريح ، مناجياً ذلك
الماضي الاليف، ومستحضراً مشاهد حية
من
طفولته عبر الذاكرة المتعبة. وخلال ذلك كانت جذوة الذكرى تكاد ان
تخبو، ليصبح العراق بعد ذلك ذكرى غائرة ( زهرة ذابلة ):
ذبلت زهرة الحنين وامسى
للمنافي حنيننا
والغريب
والطريق التي تراءت سماءً
اسلمتنا لكل سهمٍ مصيب
ديوان (زهيريات قصيدة كلاسيك)، ص74
وفي ديوان (
نزهة الالام ) الذي اصدره الشاعر في الغربة تتعمق هذه الغربة وتصبح
واقعاً اكيداً، فيما يصبح البيت الاول والمدينة الاولى ذكريات
غائرة يستحضرها بشكل مشاهد حلمية متناثرة تتغذى بذلك البوح الذاتي
وتعمل على اعادة ذلك الخيط الرفيع بين الشاعر ووطنه. ونلاحظ في هذا
الديوان ان رحلة الغربة التي ابتدأت من عالم صغير ثم اتسعت وتأثثت
مساراتها باسماء المدن الجديدة واسماء الاعلام وبتلك الاسئلة
والحوارات والنداءات للاخر الشبيه في ديوان الحقائب، تصبح هنا في
نزهة الالام، رحلة معكوسة تتجاوز العالم الضاج الذي يعيش الشاعر
ضمن اجوائه الى عالم المحلة الصغيرة وذكريات الطفولة وسحرها حيث
تنحسر الملفوظات والحوارات الى مجموعة من المشاهد المتجاورة
الخالية من افق الاسئلة المصيرية المحيرة التي كانت تشغل الذات
وتغذيها لتتجه نحو ذات الشاعر وهي تناجي نفسها، أو تحاورها دون
وجود للاخر الشبيه، الذي كان الحوار معه أو عنه يمثل توازناً
وطموحاً نحو غايات وآمال وامان. الآن، أصبحت الذات تنوء بحملها،
وغدت وجهة نظرها تتطلع نحو الداخل، نحو اعماقها كي تضفي
صفة الإقناع على وجودها المبعثر في عالم ضاج ليس فيه ثمة أمل فكل
شيء يجري باتجاه معاكس. ان رحلة الالام في ديوان ( نزهة الالام) هي
نداءات الذات حول نفسها ولنفسها، واذا كان هناك هامش صغير للاخر
فهو للقريب ( طفلتي سارة ) في قصيدة ( عربات الاحلام ) او الى (
سينبدو يسكايا طبيبة العيون في معهد فييدروف) التي خلصته من العمى:
مخلصتي أنتِ
باركني الله في ( اورشليم )
فألقيت عني عصاي
واقبلت اجري اليك بعينين مفتوحتين
( نزهة
الالام) ص49
وتتجه رحلة
الذاكرة المكدودة نحو عالم الطفولة المملوء بالاسرار والمسرات
والسحر والبساطة:
ونهضت ... اي
طفولة دهمتني بالاحجار ! القتني كرخ السندباد
بساحة الاطفال ،
اي طفولة نهضت ونمت : أعشرة في بيت ( زينب ) يكنسون البيت، وامرأة
تدب وراءهم سوداء تهوي بالسلاسل
( قصيدة طفولة)
ص127
ونلاحظ ان معظم
قصائد هذا الديوان المكتوبة بين عامي (1981-1990) هي قصائد قصيرة
تخلو من الصنعة، ويغلب على لغتها البساطة وانها تشتغل على اوزان
متقاربة، كما ان اجواءها مشفوعة بشفافية عالية تدخل القلب. إضافة
الى ذلك فان هذه القصائد ابتعدت عن اثارة الاسئلة، وخلت من
الحوارات، واكتفى معظمها بصور ومشاهد حسيّة مشخصة. كما ان الافعال
في هذه القصائد تميل الى السكون والتأمل واللمح ( اذا لمحتني،
انظري، أتسمعين، أتوسّد سمائي، حلمت، حين افقت ..). غير ان هذا
البناء المشهدي المشخص بلغته التوصيلية، ولقطاته الحسية المقربة،
سوف يتحول الى نشيد ملحمي سينمائي، ضاج بالحركة ومتدافع تقوده
افعال ضاجة بالحركة، ونداءات استغاثة وصراخ، عندما يتعرض هذا
البناء الاليف الى المحو والتخريب بفعل يد خارجية. ولذا يستنفر
الشاعر كل ادواته وخبرته في الكتابة الشعرية، للكشف عن هذا التخريب
المتعمّد، ويظهر ذلك جلياً في قصيدتين من قصائد هذا الديوان هما (
كتاب البصرة ، عراقيون ). وسوف اتخذ من قصيدة ( كتاب البصرة )
مثالاً تطبيقياً على ذلك البناء الملحمي المشفوع بنشيد الذات، وهي
تستعيد طفولتها المعرضة للمحو والانقراض.
بدءاً أود ان
اوضح ان ملحمية هذه القصيدة – من وجهة نظري – تتوافق مع مفهوم
لوكاتش عن الملحمة الذي يرى أنّ ( الملحمة بخاصة إن هي إلاّ العالم
الطفولي الخالص أن تنتهك فيه معايير لا تناقش جرّ ذلك الى الثأر
الذي يتطلب بدوره ان يثأر له وهكذا الى مالا نهاية ... )**
تبنى قصيدة (
كتاب البصرة ) بناء يتناوب فيه السرد والمشهد العام بالخاص .. وهو
بناء يعتمد الذاكرة وليس الواقع الفعلي
بسبب
الهجرة القسرية للشاعر عن وطنه. وعلى وفق ذلك يكون البناء هنا
مفارقاً بشكل واضح لذلك البناء المشهدي المقرب في ديوان ( الحقائب
). فالمواقع المكانية تظهر هناك قيد المشاهدة اثناء السفر، ولذا
فان مدينة (غليزان) أو (مستغانم) وكذلك محجوب وابن فضل والشفيع
تبدو شواخص وشخوصاً قريبة من ذات الشاعر وفي علاقة حميمة معه. أما
في هذا الديوان وفي هذه القصيدة فالبناء المشهدي يتجسد عبر الكتلة
الصماء دون تفاصيل اولاً، ثم تتضح التفاصيل بشكل صور متتالية
للاستفادة من حاضر المدينة وماضيها في رحلة متداخلة بين الاشياء
والناس بين التاريخ والواقع.
أما وجهة النظر التي تتحكم برسم هذه المشاهد وظهورها عبر الجمل
الشعرية المتلاحقة فينهض بها ساردون يعتمدون ضمائر الخطاب
المختلفة: ضمير الانا الجمعي في بداية القصيدة وفي مقاطع اخرى
منها، عين الكاميرا في المقطع الثاني منها، ثم ضمير الانا الفردي
المعبر عن ذلك التواشج والتلاحم بين الذات وبين الضمائر الاخرى
المعبرة عن ذلك التراكم الصوري والمشهدي للخارج. إضافة الى ذلك
يعمد الى قطع التسلسل المشهدي بتعليقات موضوعة بين هلالين للتعبير
عن كلام لا ينتمي الى هذه المشاهد وليعبر عن ايضاح من الشاعر لحاضر
السرد وان ما قيل هو من ابتكارات الذاكرة وليس واقعاً فعلياً وكأن
الشاعر يشير بذلك إلى أن ما يكتبه هو رحلة حلميّة إلى الذات ضمن
وقائع خيالية وسوف أوضح ذلك لاحقاً بمقاطع من هذه القصيدة. إن
الانتقال من وجهة النظر الذاتية المشخصة بضمير الانا الفردي،
ووجهات النظر الاخرى يعبر عن سمة أساسية في إضاءة العلاقة بين ذات
الشاعر وفردوسه المفقود وهو بناء يعتمد التداخل بين الخطاب بضمير
الجماعة وضمير الأنا وكذلك مع وجهة النظر المرصودة بعين الكاميرا
حين يلجأ الشاعر الى تصوير الحشود وهي تتحرك وتصطف مع بعضها:
أنظل منتظرين
وجه الفجر؟ هل تأتين بين سلالك الخضراء ؟
بين ( الببغاوات)
الجميلة تنقر الاقفاص؟ في باص الجنوب وضجة العربات؟
هل تأتين؟
قصيدة كتاب
البصرة، ص29
ان هذه الأبيات
التي تعتمد الاستفهام، تنطق عبر ضمير المتكلمين الجمعي، مما يعني
ان الذات تتحدث عبر مجموعة منتظرين. كما نلاحظ ان هذه الاسئلة
مشروطة بحضور تطمح الذات الجمعية ان تراه: ان تأتي المدينة بين
السلال الخضراء، الببغاوات في اقفاصها، في باص الجنوب، وبعد ان
تتعدد هذه المشاهد، تتجه وجهة النظر الى النهر بمائه الاخضر:
اخضر
مائك النهري نستبقيه اياماً ونرحل
ثم تعمد الذات الى
القطع باستخدام هلالين( كم وددت لو انني استبقيته في الحلم ).
وبهذا المقطع المتعمد تظهر الذات دون قناع، لتشير الى أن ما جرى
سرده يدخل ضمن افاق حلمية. بعد هذا المقطع يتغير اتجاه الاسئلة
باستخدام اداة الاستفهام: ماذا؟ التي تنهض بالتنقيب عن تلك العلاقة
الغائبة بين المدينة والذات عبر سلسلة من هذه الاسئلة لتنتهي
بالسؤال الممض: ماذا حل بالبصرة؟ فيأتي الجواب بسلسلة من المشاهد
يبدو فيها الحشد كتلاً متتالية: جوابون يضطربون في الساحات، جند
يرحلون الى قراك، فلاحون في زي المدينة... ثم تجتمع هذه الكتل
اللامتجانسة لتتحول فجأة الى تماثيل: (( اهل البصرة ارتدّوا
تماثيلا)).
وفي المقاطع
التالية تستثمر عين الكاميرا في الفرز والتقطيع حيث تبدو عبر
شواخصها المعروفة حاضراً وماضياً فالبصرة:
(( ساعة لا تدق /
جسور من خشب / ضريح لا يعرفه غيري )).
وللبصرة ايضاً ((
حدود من الرماد ، جنود من الرمل ، مساجد تحزم كالقصب ))
ليأتي الحريق فيحرق
كل ذلك: الجسور ، الانهار ، الجنود ، والسفائن .. ولم يتبق شيء
للذات التي تسأل باستنكار :
هل مرت النار بي؟
وحين يتراءى كل ذلك
امام انظار الذات الراصدة لهذا الدمار، تنفرد بنشيدها المؤثر وهي
تصرخ بوجه التخريب:
هل اصيح: من يدلني
عليك؟( لن توقظ موتاك عصاي).. هل اراك..
ام ترى ارتحلت بين
لغط الاقوام في مدينة اخرى؟ تراني ألمح الاثار بعد مئة من السنين؟
ام ترى يقودني الخطو الى
قبري؟ ص32
ان هذا التناوب
بين الصوت الناطق بضمير الجماعة، وذلك الصوت الذي يتماهى مع الصور
والمحسوسات فينتشلها ويرتبها بالشكل الذي يظهر اسم المدينة
بعلاماتها الدالة المتمثل بعين الكاميرا، ثم ظهور صوت الذات عارياً
وسط هذا الخراب، والعودة مرة اخرى الى نفس هذا البناء لتجسيد حاضر
المدينة وماضيها، كل ذلك تقنيات ضرورية يستخدمها الشاعر لتجسيد ذلك
الحلم المستعصي على الحضور، وهو اللقاء بمدينة الاحلام، مدينة
الطفولة. كما ان قصيدة ( كتاب البصرة) وهي تجسد التدمير والحرائق
فإنها لا تقف عند ذلك بل تعمد الى انتشال المدينة من خرابها ورفع
صرحها من جديد عبر اشكال ودلالات لا يمكن محوها أو إفناؤها :
علامة البصرة أن
تجيء
قافلة
وناقة تنسل في
الصحراء
ترفع المصاحف
أو هي :
حجرٌ
ابيض
أو اسودُ
لا تلمسه عباءةُ
النبي
ولا يشيد كعبة
تسكنه البصرة
حينما قطعته
استوقفني ظلي
ص33
إن استخدام
الأفعال المضارعة في المقطع الأول (تجيء ، ترفع) دالة أخرى على
الديمومة والعطاء المتجدد على الرغم من كل الحرائق والتخريب ..
إن الذات وهي
تعيش الوقائع القاسية التي سجلتها الحرب على جسد البصرة بداية
ثمانينات القرن العشرين (الحرب العراقية – الإيرانية )، تستنفد كل
طاقاتها التخيلية لإضاءة وإحياء مدينة الحلم، مرة بالصراخ والنشيج
ومرة أخرى باللجوء إلى التاريخ وبالأيام المكتنزة في الذاكرة لتعيد
بناء حلمها النائي من جديد:
انطق
تنطوي هذه
السباخُ ونحن زنجك أيها التأريخ
ندخل حاسرين،
جباهنا ملحٌ، ونخرج حاسرين نقول للموتى قفوا
ونقولُ: فلتمض
المدينة، نخلها وحريقها وكتابها المفتوح..
ص 35
كما أن هذه
الذات تستعيد مواكب أولئك الذين اعتدوا على المدينة وحاولوا
تدميرها عبر تاريخها الطويل، وكيف قامت في كل مرة من موتها:
آه ... أي أعاجم
مرّوا عليك؟ عساكر رفعت بيارقها وبضعُ
دساكر محيت ،
وأهلي كيف قاموا من مجازرهم؟ الثياب (تلطخت...)
ويغافلون الجند؟
ثم يأتي
الخلاص عبر اندماج الذات بالمجموع ، ليرتفع النشيد مردداً:
اولُ الآتين كنت
واخرَ الآتين، تتقطع السلالةُ فيّ، أبصر في غدي أمسي،
فتجتمعُ القبائل
فيك: هذي الرحبة الدهناء، تلك خريبة الأعراب،
ذاك الجامع
المفروش بالحصباء ..
ص 35
لقد استثمر
الشاعر إضافة إلى البناء المشهدي السردي، ووجهات النظر التي تنهض
بها ضمائر متنوعة، استثمر أيضا أسلوب القصيدة المدورة، وكأنه يُنشئ
سوراً منيعاً لمدينة الحلم لحمايتها من الأعداء. كما ان استخدام
هذا التدوير، اتاح للشاعر التحام المشاعر واندفاعها وتداخلها، كي
يغني المدينة بنفسٍ لا انقطاع فيه ونشيد متواصل الأجزاء.
إن قصيدة
(كتاب البصرة) سفرٌ ملحمي دامٍ عن مدينة الأحلام.. سرد فيها
الشاعر ما حلّ بالبصرة ثم سعى بعد ذلك الى بنائها من تفاصيل حياة
الطفولة وتأريخ المدينة عبر كتابها الكبير، وبذلك أنجز قصيدة
ملحمية تبقى تؤثر في قدرته الشعرية الكبيرة وامكاناته الزاخرة
بالجديد.
* عبد الكريم
كاصد، ديوان (الحقائب)، مطبعة الأديب البغدادية، ط2، 1976
** د. سعيد عبد
الحسين العتابي، الملحمة في الرواية العربية المعاصرة، وزارة
الثقافة/ دار الشؤون الثقافية، بغداد طبعة أولى 2001، ص 19
------------------------------