الأرض
والانساناستشراف ثنائية
النص
والمؤلف في الجزء الأول من رباعية أبي كاطع (الزناد)
- محمد رشيد
السعيدي
الى صديقي ابراهيم
عبد الله الجنابي
حيا في قلبي الى
الابد
تثير قراءة
الجزء الأول من رباعية شمران الياسري (أبو كاطع) عدة إشكاليات بوجه
القارئ والناقد، منها ما يتعلق بالفن الروائي العراقي محليا وعربيا
وعالميا، وما يخص المؤلف، ومنها وهو الأهم صورة الإنسان العراقي في
واقعه المر، وفي المرآة العاكسة - الأدب.
الرواية الريفية.
إن الصعوبة
التي واجهتها هذه الرواية منذ عملية إصدارها الأولى وبالتالي
محدودية توزيعها، ثم منعها من التداول لان مؤلفها شيوعي، حرمها من
امتدادها الطبيعي للوصول الى القراء عامة ولا سيما القارئ العربي .
ولان هذه
الرواية كانت محاصرة منذ ولادتها القيصرية، ولأنها حوربت بسبب
عقيدة مؤلفها، فانها لم تأخذ حظها في الدراسات والمقالات النقدية،
في الوقت الذي أرى انها تشكل واحدة من أهم الروايات الريفية، وهو
نمط قلت الكتابة فيه عراقياً، رغم ان المجتمع العراقي مجتمع ريفي
الى بداية الستينيات (يشكل سكان الريف أكثر من 70% من سكان العراق
حسب إحصاء عام 1947. كتاب العراق- حنا بطاطو ج1، ص60).
فلم يتطرق
الياسري في "الزناد" الى المدينة، حتى ولو من خلال حكايات زائريها،
بل انه يذكرها كمكان بعيد ومجهول بالنسبة للفلاح العراقي.
وكتب الرواية
بأسلوب يسير واضح ومباشر، لم يبذل جهداً كبيراً لتجريب الأشكال
الروائية المختلفة، رغم توظيفه لأسلوب الحوار الداخلي في مواضع
كثيرة منها: "ناصر: يابه بين نهدج والخواصر.. اعوينة أبو يومي-
وصلت الطين الحري.. ص4"، وذلك لأنه أراد نقل معاناة الفلاح - وهو
من هذه الطبقة - وأساليب معيشته، الى القارئ ببساطة، وقسم فصولها
الثمانية الى مشاهد صغيرة مليئة بالأحداث المؤثرة في مجريات العمل
الروائي، كأنه يستعير من السيناريست بعض أدواته.
ينطلق ذلك من فهمه
الأيديولوجي للحياة وللأدب، فهو ينتمي لجيل الأدب للحياة، ويكتب
ضمن إطار المدرسة الواقعية الاشتراكية، غير مهتم بالطرق الفنية
والأسلوبية كثيراً، لأنه يعتبر هدفه الأسمى الإنسان، ويجتهد في
تصوير معاناته نقديا رغبة منه بالمشاركة في تخليص الإنسان من
معاناته.
الزناد
استل شمران
الياسري عناوين روايته من صلب أحداثها، فتردد "بلا بوش دنيا" كثيرا
في الجزء الأول ليكون عنوانا للجزء الثاني، وحمل عنوان الجزء الأول
"الزناد" خزينا من الدلالات، بل كان استثمارا للموقف الإنساني
الضعيف في وجه القهر والغصب، ذلك الموقف الذي مرَّ به "خلف" احد
أبطال الرواية واحد الفلاحين حين توجه للشيخ للتعبير عن وجه نظر
باقي الفلاحين برفضهم إعطاء الخمس للشيخ، وإذا بخلف يتخلى عن
مسؤوليته في الدفاع عن حقوق أبناء القرية بعد أن أهدى له الشيخ
زنادا – وهو آلة إشعال السجائر - يعمل بالبنزين، حيث عبّر خلف عن
عرق الفلاحين وجهدهم بـ "وسخ الدنيا" ص91، وكان زناد الشيخ أهم
لديه من خمس ارض "الديمة".
فكان هذا الرمز
عنوانا للرواية، دالا على وهن نفوس الفلاحين آنذاك - كما صورهم
(غوغول) في رواية النفوس الميتة - وعلى بساطتهم تجاه ذكاء الشيخ
وتدريب باقي المشايخ (صلال) له، والاستفادة من هِبات الحكومة أو
الاحتلال الانكليزي، حين اشترى بذلك المال مضخة مياه لزيادة
وارداته وتعزيز سيطرته على الفلاحين. ألمح المؤلف بذلك الى حاجة
الفلاحين - الطبقة السائدة في العراق- لإطار تنظيمي ضمن فكر
أيديولوجي أشار الى تسلله الى خواطر الفلاحين عن طريق سجناء رأي
ترفعوا أمام سلطة السجّان عن مساواتهم بالمساجين العاديين. الصفحات
175 وما بعدها.
جمهورية الشعراء -
الفقراء
كان البطل
الرئيسي للرواية "حسين" الشاعر، وقائد المقاومة السلمية ضد تجاوزات
الشيخ المتتالية على حقوق الفلاحين، ولو من خلال هجر قريته العزيزة
عليه وبناء دار جديدة لعائلته بعيدة نسبيا عن قرية الشيخ، تعبيراّ
عن احتجاجه على مواقف الشيخ سعدون واستيفائه ضرائب من محصول
الفلاحين بدون مسوغ قانوني، فألقى المؤلف بمسؤولية التنوير
والتثوير على الشاعر إدراكا منه بان مَن يمتلك الحس المرهف، ومَن
اطلع على الموروث الشعبي المتمثل بالأنواع المتعددة للشعر الشعبي،
التي يتميز بها قضاء الحي في محافظة واسط (وهي موطن المؤلف)، وكذلك
ترنم ذلك الشاعر المستمر بأشعار وأهازيج ثورة العشرين القريبة
العهد من تاريخ أحداث الرواية، ذلك الإطار المؤهل لمثل هذا الشخص
لحمل راية الحشد الشعبي بوجه الطغيان.
ثم تسللت
الأفكار الجديدة المتمثلة بالاشتراكية والعدالة عن طريق تلاقح
الأفكار، في مكان لا يوجد سواه في ظل ذلك العهد الذي يفتقر لكل
وسائل الاتصال، والذي يعيش بالتالي عزلة تامة الا من خلال معرفة
عبيد بن غافل (احد أبناء الفلاحين) بتلك الأفكار حين سمعها في
السجن من بعض المساجين الذين التقى بهم ص176، ولاحظ شراكتهم في
ممتلكاتهم الخاصة من الطعام والملابس، وتوحدهم في مواقفهم المعارضة
للتسلط والقهر المتمثلة بالسجان.
ألم يكن اسم
البطل "حسين" رمزياً أيضاً؟ أظن ان الكاتب وعى أهمية أن يكون
المقاوم لسلطة الطغيان حسيناً، وذلك لدلالة هذا الاسم في العقل
الجمعي لبيئة الريف العراقي. فالحسين بن علي (ع) يمتلك حيزاً
كبيراً في الذاكرة الاسلامية، من خلال ثورته ضد يزيد الذي يمثل
بدوره السلطة الغاشمة والغاصبة لحقوق المواطن.
النشوء والارتقاء
من خلال شخصية
سعدون التي صنعها الياسري بدقة، بيّن للقارئ كيفية ظهور الإقطاع
وتطوره، فسعدون كان فلاحا بسيطا يشارك الفلاحين الآخرين، والذين هم
عشيرته الأقربين هموهم المتمثلة غالبا بالفقر، الا انه يتسلق سلّم
الهيمنة عليهم من خلال علاقته بالحكومة وبالانكليز الذين استضافوه
الى العاصمة ومنحوه بعض الأموال التي ظهرت آثارها على استبدال
ملابسه وأدواته المنزلية، ليترفع على الآخرين، ثم من خلال امتلاكه
لوسائل الانتاج التي حُرم منها الباقون، فاستأثر بغالبية الريع
بدون جهد، فترفع على علاقاته الاجتماعية من خلال تناسيه لخطبة
ابنته من ابن حسين، وبناء قصر جديد كبير شاهق الجدران وتعيين الحرس
والخدم، واستجلابه لوسائل الترف (الكاولية)، وثم إكمالاً للمظاهر
المطلوبة اجتماعياً فانه يستدعي الملا أو (الروزخون) ص95، ليقيم
مجالس العزاء للامام الحسين (ع)، بالرغم من أنه لم يؤمن كثيرا
بثورة الحسين.
ابتعد الياسري
عن التقريرية، واعتمد حشد الأحداث الكثيرة ووظفها تحليلاً وأظهر
انعكاساتها على الشخوص الآخرين، وعلى المظاهر الاجتماعية التي
تتبدل بتبدل المؤثرات (تدخل الحكومة، وشراء مضخة الماء والثراء
المفاجئ) وبالتالي ظهور الرفض المُمنهج من قبل حسين، أو الثورة
الفطرية من خلال ناصر ابن حسين وعلاقته بحسنة بنت الشيخ ومحاولة
اذلال والدها الشيخ - الاقطاعي وعريسها (شعيبث بن صلال) ابن
الاقطاعي الآخر، حين أكد امتلاكه لقلبها وجسدها رغما عن والدها
وعريسها ص131.
الفنان في عطائه
وهو يسبح في
بحر أفكاره التي يؤمن بها عن قناعة، والتي وقف حياته عليها، ووظف
بالتالي منجزه الابداعي لها، يرسم المؤلف خطوط روايته بأسلوب واقعي
اشتراكي، فيمر بكل المظاهر المجتمعية للقرى الفلاحية، ولعاداتها
وأعرافها، بدءً بالغزو والتسليب الذي كان موئلا رئيسيا، مرورا
بتقاليد الدواوين وفحوى أحاديث الجالسين، وحتى الاستجابة لمكنونات
النفس البشرية واستغلال كل ما يمكن استغلاله حتى ليالي التعزية
وانشغال غالبية الرجال والنساء بطقوسها، لينفرد العشاق ببعضهم،
وليمارس بعض صغار السراق هواياتهم بالسطو على الدجاج.
أراد المؤلف
تشخيص أمراض المجتمع المغلق، ووضعَ يده على مكامن وجعه، من غياب
الوعي، واستشراء الاستغلال وضعف القانون وتغييب العقول، كي يثير في
القارئ ردود الفعل، أو لخلق الفعل التغييري في فكر القارئ، وذلك عن
إيمان بقدرة الواقعية الاشتراكية كمدرسة فنية على طرح مشكلات
المجتمع وايجاد حلولها، بواسطة أدواتها التعبيرية الواضحة
والمباشرة، بدون اللجوء للمدارس الفنية الأخرى التي ربما تحتاج الى
قارئ على قدر معين من المعرفة والثقافة، لذا اختار الياسري هذه
المدرسة لقدرتها التغييرية ولمعرفته بواقع طبقته المعرفية البسيطة،
وهو الحريص على إيصال أفكاره بشكل يسير ومفهوم.
الطبعة الثانية
إن اصدار
رباعية شمران الياسري من قبل شركة الرواد المزدهرة للطباعة والنشر،
يعتبر خطوة على الطريق الصحيح في رفد مكتبتنا الوطنية بالانتاج
الأدبي المهم والمؤرخ لنهضة العراق الأدبية والاجتماعية، وهي مدعوة
للمتابعة واصدار المنجزات الروائية المنسية الأخرى وهي كثيرة اذكر
منها مثلاً رواية المبعدون لهشام توفيق الركابي.
ويستمر الصراع
تجليات الأحفاد في
الجزء الثاني من رباعية شمران الياسري
(بلابوش دنيا)
م تكن عملية
تجزئة الرباعية الى أربعة أجزاء من قبل مؤلفها بدون سبب، بل هناك
عدة أسباب توصلت إليها وأنا انهي قراءتي للجزء الثاني منها (بلا
بوش دنيا)، وهي:
1. بيان مراحل نشوء
وانتشار الأفكار التقدمية والثورية متمثلة بتنظيمات الحزب الشيوعي.
2. توضيح ادوار
الشخوص ابتداءً بالآباء فالأبناء فالأحفاد، في تقبّل وتمثّل تلك
الأفكار.
3. الاهتمام
بالإخراج الشكلي للرواية: فقد أراد شمران الياسري إبراز اطلاعه على
الفنون الروائية وقدرته على إنتاج شكل يناسب موضوعه.
وذلك ما يقنع
القارئ بضرورة تلك التجزئة، لان حجم الرواية وبنائها السردي لا
يتطلب - لولا تلك الأسباب ـ جعلها أربعة أجزاء، بل كان من الممكن
إخراجها قطعة واحدة، مع الأخذ بنظر الاعتبار حتمية التغيير في بعض
آليات البناء الفني.
وقد رأيت إن
تلك الأسباب ـ وبالتالي تجزئة الرواية ـ لم يكن ضرورياً لان كم
الأحداث وبناء الشخوص وتطور السرد متماهياً في الصراع الاجتماعي
الذي مثل حبكة الرواية الرئيسية، ضامّاً بين أعطافه العامل
الاقتصادي الذي اعتبره ماركس علة التطور الحضاري والإنساني. أقول:
ان ذلك التقطيع لم يكن ضرورياً لقصر الفصول وتضمنها لمشاهد كثيرة
مختصرة وافتقار الشخصيات الى البناء المسبك، وانقطاعها الفكري
والاجتماعي عن جذورها التاريخية. إذ يتوجب تجزئة العمل الروائي إذا
امتلك كماً من الأحداث ومساحات فضفاضة للتعبير كما في رباعية
شولوخوف "الدون الهادئ"، وفي ثلاثية نجيب محفوظ "بين القصرين، قصر
الشوق والسكرية".
أين حواء؟
أراني متسائلا
وأنا أتمتع بقراءة انعكاسات مظاهر الظلم الاجتماعي على المؤلف الذي
استحال مرآةً تنقل ما تراه بوضوح؟. أتساءل عن دور المرأة في
الرواية وبالتالي في المجتمع وصراع الإنسان من اجل وجوده وبقائه
وحقوقه وحريته؟ فلم تكن المرأة في جزئي الرواية الأولين إلا شبحاً
يمارس دوره غير الفعّال من خلف ستار الرجل، أو من خلف الستار الذي
وضعه الرجل حول المرأة، ولذلك عندي تفسيران:
الأول: إن
المرأة في ذلك المجتمع الريفي الذي شكل مسرح الرواية كانت مستلبة
وبالتالي سلبية، وكان دورها في خلق وبناء الأحداث هامشياً كما حصل
في موقف ابنة الشيخ مع حبيبها في الجزء الأول (الزناد)، وموقف زوجة
الشيخ (فالح) تجاه انغماسه في الملذات لـ "تعلن موافقتها على
سلوكه قائلة: "فليفعل كل شيء وليجمع كل (گحاب) الدنيا.. المهم أن
لا يتزوج امرأة تشاركني بيتي..." ص24 في (بلابوش دنيا. وكذلك في
موقف (سكنة)، وهي تعبر عن واقع حالها بالحوار الذاتي وعدم معرفتها
حتى ما يخصها من إرث أبيها، وعن تزويجها من فتىً اصغر منها بأكثر
من عشر سنين ص155. وحال المرأة هذا هو الذي دفع المؤلف الى جعلها
في الزوايا الهامشية في الرواية مكاناً وفعلاً، تصويراً لواقع
حالها.
الثاني: إن
التسيد الذكوري الذي يعم اغلب المجتمعات الإنسانية، والشرقية
والريفية على وجه الخصوص، هو الذي ابعد المؤلف عن تناولها بشكل
اكبر، لوقوعه تحت تأثيرات مشاعر الذكورة.
الحي في التاريخ
المعاصر
حين اختار
الياسري ريف مدينة الحي (احد أقضية محافظة واسط) مكاناً لأحداث
روايته، بسبب انتمائه البيئي لها، وبسبب معرفته بالواقع الاجتماعي
والاقتصادي والثقافي لسكّأنها، ولوجود الاقطاع. وأيضاً لتأكيد
الرابط العضوي بين المؤلف وبين روايته، فانه اعتمد على أحداث
تاريخية حقيقة وطورها فنياً بما يلائم البناء الروائي وما يخدم
وجهة نظره في بيان الصراع بين الفلاح والاقطاعي كالحوادث الجسيمة
التي وقعت في هذه المدينة، أو الحوادث التي حصلت في العاصمة
وانعكاسها على أبناء المنطقة تعبيراً عن تطور التواصل وازدياد
الاهتمام الشعبي بالهموم الإنسانية والوطنية خاصة. فنجد إشاراته
الى أحداث 1941، و1948، وسرده بطريقة الرسالة من العم الى ابن الأخ
في العاصمة (وهما من أصحاب الاهتمام المشترك بالفكر الشيوعي) لِما
حصل في مدينة الحي سنة 1956، وقد وجدتُ تشابها كبيراً في ما كتبه
الياسري وما كتبه الأستاذ محمد علي الصوري المحامي في كتابه
(الاقطاع في لواء الكوت) المطبوع سنة 1958، مما يدل على استفادة
الروائي من كتب التاريخ ونقله لبعض الوقائع منها، لا سيما حين
يشترك المؤلفان في رأيهما عن ثنائية الاقتصاد العراقي آنذاك
المتمثلة بالإقطاع والفلاح، ودور الزراعة الرئيسي في العراق حين لم
يكن النفط يشكل النسبة الأكبر في الدخل الوطني.
لكن الروائي لم
يتناول التاريخ بدوره التسجيلي ووقائعه المجردة فقط، بل نظر إليها
من زاوية أخرى هي دور الإنسان في صناعة أو تغيير تاريخه، حين انتقل
ناصر ابن حسين الشاعر (في الجزء الأول) من ريف الحي الى مدينة
الكوت ليعمل في بناء سدة الكوت، وكونه عاملا (المعبّر عن الفكر
الذي ينطلق منه الياسري) فقد استوعب الأفكار الجديدة وتطّور
بتطورها، وصعّد من حدة الصراع وقوة الأحداث الروائية لينتقل ـ ناصر
ـ الى كركوك فيعمل في قطاع النفط ويشترك في أحداثها الشهيرة وصولا
الى غايته في تأكيد دفاعه عن حقوق الإنسان حيث انتهى ناصر بتعليقه
على حبال المشنقة في تلك الأحداث .
الشخوص والأحداث
وقد وصلت أحداث
الرواية الى ثورة 1958، نلاحظ غياب أبطال الرواية في أحداث الثورة
وعدم مشاركتهم في صناعتها ولو حتى من خلال جندي في الجيش العراقي
المنفّذ، أو من خلال المنظّمين في صفوف الحزب الشيوعي، بل لم يكن
للشخوص من دور سوى ردود الفعل من قبل الفلاحين المتظاهرين تأييدا
للثورة، أو المعبرين عن سخطهم تجاه الاقطاع ودخولهم الى قصر الشيوخ
ليجدوا (زناد) خلف الذي ضرب به الشيخ (ضاري) في واحدة من مظاهر
الاحتجاج االفطري على ظلم الشيوخ والاقطاع، حيث احتفظ الشيخ بذلك
(الزناد) في بيته فشكل رمزاً انطلق من ذل القبول الى استحالته
أداةً لضرب الشيخ، فهو رمز يحمل أكثر من معنى لدى الشيخ والفلاحين
ـ حين وجدوه ـ وللرواية التي اخذ جزؤها الأول عنوانه منه، وللقارئ.
(ص148 وما بعدها).
وذلك كان نتيجة
حتمية للبناء الفني غير المتكامل لشخوص الرواية، رغم الانتقال
الموضوعي والمكاني لبعض الشخوص الى العاصمة والى تنظيمات الحزب
الشيوعي (فاضل وكامل والملا نعمة)، حيث شكل هؤلاء الثلاثة الامتداد
الطبيعي للفكر الممنهج رغم انطلاقه من المعارضة الشخصية لـ (حسين
الشاعر) فكان أبناؤه (ناصر والملا) وأحفاده (كامل وفاضل) منخرطين
أيضا في تيار المعارضة، حيث فطن الروائي الى ضرورة إيجاد مبرر
موضوعي للمعارضة فكان فاضل معلماً والملا متعلماً ولو في
(الكُتّاب).
إن عدم تدخل
أبطال الرواية في صناعة ثورة 14 تموز يتناقض مع معطيين كانا في ذهن
الروائي وقت كتابة الرواية: الأول هو اهتمامه بدور الشيوعيين
التغييري في المجتمع، والثاني هو الاستعانة بالأحداث التاريخية.
وقد كان للشيوعيين دور في تنفيذ ودعم الثورة كالعقيد وصفي طاهر
والعقيد ماجد محمد امين وآخرون.
الشخوص بحاجة
للمزيد من الاهتمام، لا سيما المرأة ولو من خلال الدفع المعنوي كما
فعل غوركي في رواية (الأم) التي يفترض المنطق أن الياسري قد قرأها
لأنها واحدة من أجمل الروايات السوفييتية الثورية.
وتظهر كثرة
شخوص الرواية وأدوارها الصغيرة المتشعبة، انعكاساً للبيئة الفلاحية
التي لا تمتلك من مظاهر الحياة غير عملها الزراعي وجلوسها في
(الربعة) لقضاء الوقت، حيث أبرزت الرواية عدداً كبيرا من الشخوص
تتنوع أدوارهم في المجتمع الريفي، و لا يصل تأثيرهم الى المدينة،
وربما أراد الكاتب إبراز ضعف الدور الريفي في التغيير، واعتبار
الثورات والانقلابات من تجليات المدن.
الطوطم (سراب)
كانت ملاحظات
الروائي لواقعه الاجتماعي وللموروث الشعبي دقيقة، ومتنوعة في آن
واحد، فقد سجل خضوع (خلف) كنموذج لشخصية الفلاح الساذج للقبر ـ
المزار، وهو نفسه الذي بناه على لاشيء، فكان وهماً صدّقه (خلف)
نفسه وصار يزوره ويلطخ جدرانه بالحنًاء ويقدم له النذور !
كذلك كانت رؤية
الفلاحين للمظاهرات المحتفلة بقيام ثورة تموز تنطلق من كونها أخذاً
بالثأر من المتجبرين، كما فعل (المختار الثقفي) حين أخذ ثارات
الحسين، فكان الحسين رمزاً ـ في سياق الرواية ـ للمظلومين، وصار
المختار ممثلاً (بفاضل) رمزاً للأخذ بثار المظلومين.
فكانت تلك
التفاتة ذكية للتعبير البسيط بالرموز الراسخة في الذاكرة الفطرية
للفلاحين، كحالة صحية على التمثل بالأفكار الإنسانية، وانتقد
الروائي الرموز الأخرى المحبِطة والمقيِّدة للتطور الفكري الطبيعي
للإنسان، والمحددة لدوره في بناء المجتمع كما في الأضرحة غير
الحقيقية ورجال الدين المحيطين بالشيوخ لتبرير أفعالهم المنافية
للدين وتفسيرهم للآيات القرآنية بما يخدم مصلحة الشيوخ ويضر بمصلحة
الفلاحين، كحال وعّاظ السلاطين في كل زمان ومكان.
إصلاح النفوس
قراءة في الإسقاطات
السياسية والمهنية
في الجزء الثالث من
رباعية أبي كاطع (غنم الشيوخ)
ما يلفت
الانتباه لدى القارئ لرباعية شمران الياسري أسلوبها القريب من
اللهجة العامية، مما يدل على ثلاثة من الملامح العامة للرواية:
أولها تماهي الكاتب مع الشخوص ومحاولته التعبير بمنطوقهم وبالتالي
تزاوج الكاتب ومنجزه الإبداعي، والثاني الرغبة الملحة لدى الكاتب
لتوثيق ونشر وقائع لفترات تاريخية هامة في تاريخ العراق الحديث.
والثالث تكثيف وحشد الشخوص للتعبير عن المعطيات الإنسانية
والمجتمعية للبيئة التي شكلت مسرح الرواية. كما نلاحظ حشد الشخوص
هذا في الجزء الأول من رباعية الإسكندرية (جوستين) للكاتب لورنس
داريل والتي ربما اطلع عليها الكاتب ليستعير منها تقسيماتها الفنية
(أربعة أجزاء بعناوين مختلفة). وقد جاءت الحوارات بالعامية مثل:
"خلف چان من أجاويد العشيرة.. و چان ينحسب حسابه.. لكن بعد ما فشخ
ابن مهلهل... گألوا عليه تسودن. ثانية وبعد....." (الرواية ص40)،
وقد اعتمد هذا النوع من الحوار الروائي العراقي الكبير فؤاد
التكرلي في رائعته (الرجع البعيد)، معبرا عن السبب في هذا بمحاولة
الاقتراب بالتعبير بالعامية من منطلق التفكير الخاص بشخوص الرواية
في الحياة الحقيقية.
البطل في الثورة
بالاضافة الى
طريقة الكاتب في توزيع الأدوار بشكل تسلسلي (من الأجداد الى
الأبناء الى الأحفاد) كما ذكرنا في موضوعنا السابق عن الجزء الثاني
من الرباعية (بلابوش دنيا)، يقوم أيضا بالتوزيع الموضوعي للبطولة.
فلم تقتصر البطولة على شخصية واحدة في الجزء الواحد أو الرباعية
كلها، حيث كان (خلف) منذ مطلع الجزء الأول موجودا، وكان أكثر
فاعلية في الجزء الثاني، لينقطع دوره في بداية الجزء الثالث بالموت
بعد أيام من حصول ثورة 14 تموز 1958، وهو يستمع الى بيانات الثورة
من خلال الراديو. وهذا يثير تساؤلا هاما: لماذا مات (خلف) السعيد
بالثورة، في أيامها الأولى، وعبر عنه الياسري على لسان (صالح أبو
البينه) "هسة سوّا موتـّه؟! چا موش هاي الجمهورية الچان ايريدها؟
من صارت جمهورية مات!!" ص24. إن الكاتب لم يرد على هذا التساؤل في
سياق روايته أو عن طريق شخوصه، بل أراد من القارئ الإجابة عليه،
رغم ايمائاته بالرد فيما بعد عن طريق الأحداث التي رافقت دفن (خلف)
، حين كان ولده فرهود في نقطة تفتيش بمنطقة اللطيفية، ص34. ولكن
هذا التساؤل يحمل من الإيحاء أقساه، ومن استشراف المستقبل ما دلت
على صدقه السنين اللاحقة وما عاشه الوطنيون والثوريون، من مطاردات
وقتل وتعذيب، ربما كانت اقل وطءً إبان الحكم الملكي، فكأن الكاتب
أراد أن يصدم قراءه والباحثين في الأدب بوقائع التاريخ، ليعلن إن
الثورة ولدت ميتة.
لا أريد الخوض
في نتائج الثورة السياسية قدر حاجتي لتحليل رمزية (موت خلف) في
اليوم الثاني للثورة، ليؤكد نظريته، من خلال وقائع عاشها الكاتب ان
الثورة والجمهورية التي نتجت عنها لم تقدم للعراقيين ولطبقة
الشغيلة ـ فلاحين وعمالا ـ ما كانوا ينتظرونه بلهفة، وما قاموا به
بعد وقوع الثورة من أفعال لحمايتها وللاستفادة من معطياتها
الانسانية في القضاء على الظلم وتوزيع الأراضي على الفلاحين،
وانبثاق الدور الشعبي ـ عن طريق الجمعيات الفلاحية ـ في عملية
بناء الوطن ـ الحلم. فلم يكن موت خلف ـ واشارة الكاتب المذكورة
تؤكد هذاـ في ذلك الوقت المبكر جدا من زمن الثورة الا تعبيرا عن
رؤيته في كون عملية التغيير أنجبت وليدا ميتا لعدم تكامل ظروف
الحمل ـ الثورة الموضوعية والذاتية. وهذا الرمز من النقاط الفنية
القوية في التعبير عن المعطيات الفكرية للكاتب الذي يشكل المرآة
العاكسة لهموم مجتمعه بصفائها (المرآة) الذي يستوعب كل الصور
ويمتلك طاقة التعبير والتأثير وخلق الفكر والعمل لدى المجتمع.
الإنسان من الداخل
كانت الأفكار
الكثيرة جدا تتفاعل في مخيلة شمران الياسري، الذي نجح في رصد
الكثير من الأحداث والوقائع الحقيقية، حين عبر عن خلجات النفس لدى
أبطاله، مستعينا بواحدة من أدوات التعبير الفنية الجميلة وهي
(المونولوج) أو الحوار الداخلي "وجدت نفسها تحاور الشيخ ضاري وتقسو
عليه بالعتاب.. بعد أن رسم لها مصيرا مظلما: ربط ثقالة في عنقي
ورماني في لجة النهر أصارع التيار.. وقد أصبح عاجزا عن تقرير مصير
نفسه.. يلبد في قصره..... الخ" ص98، و " لم يفطن اليه داود
لانشغاله بعويل نفسه: .. يا له من سقوط.. سقوط من حالق... الخ"
ص100. فكان تعبيرا دقيقا عن ذلك الحوار الداخلي بعبارة (عويل
نفسه)، لتصوير خلجات نفوس أبطال الرواية، وقد وفق الكاتب في هذه
القضية لسبر أغوار التفكير والتعبير عنها من الداخل، من داخل الذهن
كانبثاق الماء من ينابيعه رقراقا شفافا، وبطريقة أجمل من التصوير
من الخارج، بالطريقة الوصفية. ويجب أن أشير الى ان هذا الأسلوب قد
استعمله الكاتب في أماكن كثيرة من أجزاء الرواية وليس في هذا الجزء
فقط.
رجال الأزمنة كلها
حتى اني ـ وأنا
استمر في قراءة الرواية متأنيا حد البطء رغم إمكانية الإسراع في
القراءة لقربها من النفس وسهولة أسلوبها ـ استغرب لالتفات الروائي
لكل شاردة وواردة في المظاهر الشخصية والاجتماعية وتوظيفها في النص
لتطوير المنجز الإبداعي، ولتسجيل تلك المظاهر بطريقة تقترب من
التوثيق، فلم تنتقص من شروط الإبداع، بل أضافت إليه لمسات فنية
واضحة. حين أشار الى الانتهازيين وطرقهم في الاستفادة والمنفعة
الشخصية من مجريات الأحداث العامة في شخصية (عبيد المنتاز) ص121 في
قوله: "لا تضحك يا صالح .. إذ لم تصعد على الأكتاف داستك الأقدام..
ولن تجد من يترحم عليك.. هكذا شيدت الدنيا من أول لبنة وضعت في
أساسها.. لا تساورك الشكوك في نواياي ولكنني مضطر للصعود على
الأكتاف... وسوف ترى قفزتي.. وان هي الا أسابيع وتسمع (المناضل)
عبيد المنتاز.. لا تضحك لا تضحك....". وهذا ما أراد الكاتب أن
يوضحه من وجود مثل هكذا فهم عند بعض الناس لانتهاز الفرص والصعود
على الأكتاف لقطف ثمار ما زرعه غيرهم ولأهداف أخرى هي غير الأهداف
التي يسعى اليها الانتهازيون، ولكن فائدة الانتهازيين ربما صارت
أكثر من الفائدة العامة، وربما يحرف الانتهازيون النهر عن مجراه.
الصحفي أبو كاطع
يمر علينا
كثيرا وفي أعمال روائية كثيرة إسقاطات الكاتب الشخصية على بعض
شخوصه، وعلى مجريات أحداث الرواية. فنقرأ لدى الياسري عن عمل بعض
أبطاله في الجمعيات الفلاحية وفي العمل السياسي، وفي الصحافة
تحديدا ـ وهو المجال الذي عمل فيه وأحبه ـ حين يريد (الملا) كتابة
خبر أو تحقيق عن الإصلاح الزراعي ص150. وقد يوضح هذا الإسقاط بعض
الأمور منها: دور المثقفين في دعم التغيرات السياسية، ودور
الصحفيين في تغطية النشاطات الإنسانية، إضافة الى ـ وهو الأهم في
الرواية كما أرى ـ الانطلاق الاجتماعي لقادة الرأي من سياسيين
وصحفيين من المجتمعات المسحوقة ـ الريف هنا ـ وإمكانية مساهمتهم في
عمليات التغيير والبناء، وهذا ما حصل للياسري تماما، حين اعتمد على
نفسه في التعلم ومارس دوره سياسيا واعلاميا.
الضياع
قراءة في الجزء
الرابع من رباعية أبي كاطع
(فلوس احميد)
لاشك ان اطالة
الرواية الى أربعة أجزاء، يتطلب الحذر الشديد من الوقوع في مطب
التكرار، والحرص على ايجاد أحداث وشخوص تتطور وفق المسار الفني
ووفق خطة المؤلف.
وقد تخلصت
رباعية أبي كاطع من مشكلة التكرار، وخلت من العبارات الانشائية
التي لا طائل منها سوى تحبير الصفحات البيض والتي تغزو نتاجنا
الأدبي باختلاف أنواعه. إذ ان النصوص الأدبية عموما تعتمد على
المتغيرات الداخلة في بنائها ـ واقصد الأشخاص والأحداث والزمان
والمكان والأسلوب ـ لاخراجها بشكل جديد أو جميل على الأقل، دون
تحميل تلك المتغيرات ما لا تطيق.
لذا فان البناء
الفني المعتمد على الأسلوب اعتماداً كلياً، والذي يتراجع فيه الحدث
الى مراتب متدنية في سلسلة اهتمامات الكاتب، والمتناسي للحوار بين
الشخوص، والذي تضيع فيه الخطوط التي تحدد الزمان والمكان، يلجأ
غالباً للانشاء والسرد الوصفي.
اما الانشاء فانه
علة علل النتاج الأدبي العراقي الحالي، من حيث كثرته واستهلاكه
للجهد والوقت دون طائل، إذ ان هذه الطريقة في الكتابة ـ اقصد
الطريقة المعتمدة على الأسلوب ـ تتطلب تميزاً فيه كما تميزت
الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي باللغة العالية في ثلاثيتها
(ذاكرة الجسد، فوضى الحواس وعابر سرير). ولذا فان قسم مهم من
النتاج الأدبي العراقي والعربي عموماَ في الوقت الحاضر يندرج ضمن
ما اسماه عبد الله القصيمي (العرب ظاهرة صوتية).
أما اللجوء
للطريقة الوصفية في القصة والرواية فانه أصبح قديما، بالاضافة الى
قصور الكتابات الجديدة عن كتابات الرواد الوصفية كنجيب محفوظ في
الثلاثية تحديدا (بين القصرين وقصر الشوق والسكرية) وروايات أخرى.
إن التجارب
الأدبية العالمية الحديثة، اعتمدت على متغيرات بعضها جديد وبعضها
الآخر تطوير للمتغيرات القديمة في عملية الكتابة لاسيما الروائية
منها نذكر من تلك المتغيرات ما يلي:
1. الثقافة
الموسوعية: وتضمين الرواية كماً هائلا من المعلومات في صنوف
المعرفة المختلفة كما فعل دان براون في شفرة دافنتشي ورواياته
الأخرى مثلا.
2. قوة الأحداث
وامتدادها على كامل زمن الرواية، مما يدل على إمكانية الكاتب في
تطوير بنائه الفني وتمكنه من تنشيط عالمه المبني على الورق لتقريبه
من الواقع المعاش على الأرض، لإقناع القارئ بأهمية العمل الفني،
ولان ذلك ينطلق من ملاحظة بسيطة هي ان الحياة الحية الفاعلة
والمتفاعلة بأبطالها تلك المليئة بالأحداث، على العكس منها الحياة
الرتيبة المملة.
3. الغرائبية: رغم
ان هذه الطريقة ليست جديدة فقد وجدت بكثرة لدى ماركيز الذي اطلعنا
على رواياته في ثمانينات القرن الماضي، واغلب كتاب أمريكا
اللاتينية كبورخس واستورياس واليخو كاربنتير وجورج آمادو، كذلك
ظهرت لدى أورهان باموك التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب عام
2006 ، لا سيما في رواية الكتاب الأسود، وايضاً لدى الروائي السوري
حيدر حيدر في روايته المثيرة للجدل (وليمة لأعشاب البحر) وبخاصة في
فصل (اللوياثان).
4. الاعتماد
الكبير على المكان، وله طريقتان: الأولى ما فعله ماركيز من تصوير
المكان الواقعي بطريقة خيالية وهو ما أطلق علية بمدرسة الواقعية
السحرية وما جرب فيه الروائي العراقي عبد الخالق الركابي في رواية
من يفتح باب الطلسم ورواية سابع أيام الخلق، أو تصوير المكان
واقعيا كما في المدرسة الواقعية التي يمتد نتاجها طولا وعرضا وصولا
الى روايات المبدع هشام توفيق التي يشكل المكان (بدرة) فيها متغيرا
كبيرا في البناء الفني وبالطريقة الواقعية الاشتراكية.
أما الطريقة
الوصفية فقد أصبحت غير مجدية للتعبير في عصر السرعة، والذي يحتاج
فيه القارئ الى شيء جديد يشده، وربما تفتقد بعض تلك الكتابات الى
جمالية الوصف ورشاقة العبارة وحلاوة التعبير. وربما يذهب هذا الوصف
بالكتابة الى ضياع الخطوط البيانية للزمان والمكان.
لقد تخلص شمران
الياسري من هذا المطب، بابتعاده ما استطاع عن الانشاء، معتمدا في
تصويره للأحداث والأشخاص والأفكار غالبا على طريقة الحوار الداخلي
الجميلة. أو الحوار بين الشخوص.
ولكن الجزء
الرابع عموما تميز بعدم التطور في الأحداث والأشخاص، بل شكل
امتدادا فنياً لما سبقه، تطلبته خطة الرواية لتصوير أحداث ما بعد
14تموز 1958، مع ملاحظة ان الروائي اقتنص لحظات إنسانية دقيقة
لينقل تصويره لها بطريقة مختصرة لكنها تدل على اهتمام الكاتب بتلك
الحالة، ودرايته بأهميتها في حياة الانسان، إذ كانت العبارات
البسيطة والتي اغلبها مما يتداول في لغة الناس الدارجة تعبر عن
واحدة من أهم الخلجات النفسية التي يمر بها الانسان مثل: "ليتني
وأهل بيتي أصبحنا مثل هذه الرابية بين عشية وضحاها.." ص15 من فلوس
إحميّد.
وقد تميز هذا
الجزء والذي قبله (غنم الشيوخ) بخاصية مثيرة للانتباه، هي امتداد
شخصية صالح أبو لبينة على مساحة كبيرة من الجزء الثالث والرابع،
وهذه الشخصية هي لراعي غنم الشيوخ الذي استغل هو وأفراد عائلته
أحداث ثورة 14 تموز 1958 للاستيلاء على تلك الأغنام التي بعهدته
والهروب بها بعيدا عن الريف الى أعماق الهور من اجل عدم تسليمها
للحكومة التي يتصور انها ستستولي على الأغنام كما استولت على
الأراضي الزراعية. ثم اشتراها بسعر بخس من الاقطاعي وسرق وأبناؤه
قسماً منها.
إن اهتمام
الكاتب الكبير بهذه الشخصية، وتركيزه عليها في الجزأين الثالث
والرابع جعله يبتعد عن شخصيات أخرى في الرواية كانت بحاجة للتطوير
وللامتداد الفاعل كشخصية الملا نعمة وفاضل وكامل.
إن شخصية مثل
شخصية الملا نعمة فيها من فطنة إدخالها في الرواية الكثير الذي
يتناقض مع نسيانها في طي أحداث وأشخاص الرواية، فكما يشير الاسم
الى ان هذه الشخصية ذات تعليم ديني حتى أطلق عليها لقب الملا، لكنه
تأثر بالأفكار الشيوعية وأصبح من الكوادر القيادية في تنظيمات
الحزب في الريف وشارك بفعالية – كما تشير لا كما تفصل الرواية – في
بناء المجتمع الجديد ومظاهره من جمعيات فلاحية واعادة توزيع
الأراضي على الفلاحين وحتى أعمال الحراسة، أراد الكاتب من خلال هذه
الشخصية – رغم الضعف الذي اشرنا اليه في بنائها وامكانيتها وحاجتها
للتطور الفني والفاعلية في أحداث ومسار الرواية ـ أن يزاوج بين
الفكر الاسلامي والفكر الشيوعي، وان يوحي للقارئ ـ في الوقت الذي
كان فيه الصراع على أشده بين المؤسسة الدينية والحزب الشيوعي ـ
بوجود خطوط مشتركة بين العقيدتين المتناقضتين، تتلخص في مشترك
أساسي هو الانسان، والذي تعمل العقيدتان على إسعاده وتوفير الأجواء
الاجتماعية والتشريعات القانونية اللائقة بأفضل المخلوقات.
أما لماذا
امتدت شخصية صالح أبو لبينة على مساحة واسعة لجزأين من هذه
الرواية؟ فاني أحاول الاجابة على ذلك التساؤل بالنقاط التالية:
1. انتشار وتكاثر
الانتهازيين بعد تموز 1958 ، ولكثرتهم وقوة تأثيرهم السيء في
المجتمع، ولفضحهم من خلال تعرية نفوسهم الضعيفة والتي تقوى في ظروف
الفوضى.
2. ان هذه الشخصية
تمثل أذناب الاقطاع، ووصفه لها من خلال اضفاء صفات السرقة
والاستغلال والجُبن والهروب فتلك بعض صفات المستغلين ـ بكسر الغين
ـ من الاقطاعيين والاحتكاريين وبعض أصناف العمل الطفيلية.
3. ايضاً أراد
الكاتب ايصال فكرة بقاع الاقطاع ولو من خلال أذنابهم، واستمرار بعض
المظاهر الاجتماعية المميزة لعصور ما قبل الدولة كالعشائرية.
وركز الكاتب
على تصوير عملية هروب صالح بغنم الشيوخ من قريته الى أعماق هور
(المصندك)، واضطراب تصرفاته وخوفه المتزايد من كل الناس حتى عزل
نفسه وعائلته تماماً تحت ضغط وساوسه، كما يتبين ذلك بوضوح في صفحتي
100، و101، ليوضح ان الاقطاع وأذنابهم كانوا يعيشون حالة هروب وخوف
من المجتمع والحكومة لاحساسهم الشديد بالذنب.
وما يلفت ايضاً
في هذه الرواية نهايتها التي جمعت بين الموروث الشعبي والتفسير
المادي للتاريخ، فصالح أبو لبينة الذي أفنى عمره بخيلاً ومارس
أساليب وضيعة لجمع المال وبعد أن باع جميع أغنامه، يفاجأ على يد
بعض الملالي الذين جاؤوا قاصدين كرمه إن عملته أسقطتها الحكومة وهو
لا يعلم.
---------------