بديعة أمين..... رحلة النص بين الجمال والفكر - جاسم عـاصي

 

    كرّست المفكرة والباحثة (بديعـة أمين) جهودها في مجال دراسة وتحليل الفكر الصهيوني بخاصة , والفكر والأدب الإنساني بعامة . إذ ابتدأت  رحلتها في هذا المجال  من خلال قراءة ا لبنى الفكرية الخالصة وتفكيكها عـبر الوثائق والمؤلفات  , سواء النصوص الروائية والقصصية أو النتاج الفكري . إذ صدر لها في ذلك مجموعـة من الكتب, إضافة إلى الدراسات والمقالات والبحوث في الدوريات العـراقية والعـربية.والتي تنوعـت اهتماماتها, لكنها صبت في المهاد الفكري نقدا ً ونصا ً منتجين . كذلك فقد تداخلت كتاباتها النقدية مع المبنى الفكري الذي استندت إليه .

    لقد تجلت قدرات (بديعـة أمين ( عـلى الاستقراء والحوار المبني عـلى الدقة العـلمية والمنهجية. وما يضمره النص من مضامين فكرية, سواء في مصدرها دينيا ً أم فكريا ً أو أدبيا . إن منهجها في الدرس يحيل كل ما هو أدبي ــ جمالي إلى متن فكري يعـبر عـنه, منطلقة من حقيقة؛ كون كل ما هو مطروح في الأثر الأدبي إنما يعـالج مسائل الحياة. وبالنتيجة تستند هي  إلى رؤيا خاصة. أي نظرة فكرية. وهذا يتم عـبر قناتين هما : تركيبة النص الجمالية, ثم بنيته الأيديولوجية, لذا فأمر التداخل في نقدها للمقروء يلتزم البنيتين الأساسيتين .كما وأنها تدافع عـن المنتج من خلال المفهومين الأنفين,كما سنرى في دفاعـها عـن أدب (كافكا) .

    في مجال دراسة الأدب الصهيوني ؛ أكدت المفكرة عـلى دراسته من مصادره , أي التأكد من بنيته الداخلية , وذلك لأن ما هو واضح من عـدد الدراسات العـربية بهذا الصدد أن نتائج مهمة من الأدب الصهيوني شكلت تيارا ً مستمراً, يتواصل حاضره بما أنتجه اليهود الشرقيون القدامى، مرورا ً بالقرون الوسطى التي ظهرت بما يعـرف بالعصر الذهبي للأدب العبراني في الأندلس , والذي كان في الواقع من إفرازات الحضارة العربية (1). وكان المحتوى الأدبي هو الحاضنة التي حملت الأفكار التي استندت إلى فعل تاريخي بوقائعه الدينية, أو وقائعه التاريخية. من هنا وجب التعرف على هذا الأدب من أجل شرحه وتحليله والكشف عن الوظيفة التي يضطلع فيها في خضم هذا الأدب, وإزاحة الستار عن مدى موضوعيته وعدم انحيازه (2).

    من هذا المنطلق أو سواه, كان جهد الباحثة والمفكرة يبدأ ويصب في القناة الأكثر تركيزا ً في الفكر, فالمادة المنقودة عندها في مجال الفكر تجدد منهجها أو منطلقها دائماً, بمعنى الإتيان بما يوازي مستواها الأكثر تركيزا ً في الفكر, وما يلقي الحجة الفكرية أمام أطروحاته . ليس من جانب خصائص الآخر. أي فهم أطروحاتهم وتحليلها والرد عليها , والتوصل إلى الحقائق التي يتوجب طرحها كوحدة صراع تلبي حاجة الحوار . إن تقصي الأثر الذي أنتج النص في وعي وثقافة الآخر, يعني الانطلاق من الجهد الفكري . أي من داخله , وليس من خارجه , لملاحقة الأثر الذي يتركه النص خارجا ً في الآخر - المتلقي - . فالثيمة التي يطرحها النص , سواء كانت متنا ًفكريا ً, أو متنا ًروائيا ً, يحمل قدرة معينة من التأثير والتغيير . وبهذا تتحدد خطورة ذلك, ومواجهة مثل هذا المنحى الذي يتطلب استعادة فكر الآخر بدراسة نصه.  وهذا ما اجتهدت فيه الباحثة. فمثلا ً أكدت على أننا لم نقرا (كافكا) مبدعا ً أو منتجا ً من خلال نتاجه الروائي والقصصي, بل قرأنا ما كـُتب عنه, خاصة أطروحات الصهيونية كحركة بشأنه كأديب إعتبرته منحاز لفكرها، وبالتالي تبويب أدبه من أجل ذلك. وفي هذا شخصّت الخلل في كوننا وقعنا في فخ المصيدة - قراءة الآخر له -. إن تفكيكا لنص الآخر, كان منهجها الأساس في الدراسة والبحث والتقصي. وبهذا أيضا ً تفردت عن البعض . أو هو ما أضفى على جهودها الفكرية العمق والدقة العلمية والموضوعية. من هذا يمكننا القول؛إنها كانت قد اجترحت أسلوبها الخاص في الدرس الفكري والنقدي , اللذان  أشبعتهما بسعة النظرة ودقتها من جهة, وبنظرتها الشمولية لكل ما يمكن أن يترشح فكرا ً لتلقيه من جهة أخرى . لذا اتسعت رقعة اهتماماتها, حيث درست الأدب العالمي, ودققت فيه, مثل أدب ( صموئيل بيكيت ). كذلك حركة الفن التشكيلي, حيث وقفت على الخصائص الذاتية من منطلق ما رشحته هذه الأجناس من ركائز فكرية. كما وأنها في مجال دراسة الحضارات القديمة , قدمت قراءتها المتميزة, خاصة للأدب السومري، مؤكدة على أهم أوجه الصراع في الأدب السومري شعرا ً ونثراً. وقد درست بعض جوانب ملحمة ( جلجامش ) مثلا ً.

    إن سعة النظرة هذه وشموليتها وتنوع إيقاعها وثبات ركائزها الفكرية كلها وضعت المفكرة والباحثة (بديعة أمين ) في مصاف المفكرين الذين أضافوا بجهودهم الفكرية لبنة إلى الفكر الإنساني, وساهمت في حركة التاريخ المعرفي من منطق حوار الأفكار والآداب الرفيعة.

 

الدفاع من داخل النص  

    لقد تعرض ( فرانز كافكا ) للتجاوز , وهو تجاوز فكري، بمعنى محاولة إزاحة نمط الحقائق باتجاه معين. فالصهيونية كحركة فكرية وعرقية, عملت على رأس هذا التوجه, حيث وظفت تفسيراتها لأدبه لصالح بنيتها الفكرية من منطلق كونه يهودياً, وكاتباً كبيرا ً ومتميزاً بآثاره الأدبية. لكن الذي يثير التحفظ هو انجرار النقاد العرب في توجيه قراءتهم لأدبه على وفق ما خطط له الآخر, ذلك لأنه مر عبر قنوات متعددة أهمها تغييب القراءة أو ربما تعطيلها , أو خضوعها لموجهات مسبقة . أو كما ذكرت الباحثة ؛ من أننا اعتمدنا على ما روجه العقل الصهيوني عن (كافكا), وإعراضنا عن قراءة أدبه قراءة موضوعية، وذلك في كتابها ( هل ينبغي إحراق كافكا ) (3).  

    وفي هذا المجال تكاثفت الجهود والمساعي من قبل منظمات وهيئات, هي في الأساس ذات مساس وعلاقة بالحركة الصهيونية, حيث كان اهتمامها بأدب (كافكا)  كعلامة في التاريخ الأدبي العالمي . أي استثناءا ً, يضاف إلى مساعي الأدباء اليهود الذين حاولوا برواياتهم كسب تأثير التاريخ , خاصة تأثيرات الأحداث ومنها ( الهلكوس ) عن اليهود, وذلك بوصف المحرقة النازية كأسطورة استهدفت كسب تعاطف الشعوب والضمير الإنساني . ومن ذلك عملت الجامعة العبرية على إنشاء مركز خاص مكرس لدراسة كافكا وتقديمه كشخصية أدبية صهيونية(4). وقد عمل هذا المركز على التأثير في القارئ وحرف قراءته, خاصة القارئ العربي, حيث غدت قراءة (كافكا) ومعرفته من خلال عيون الآخرين - كما أكدت الباحثة - على ذلك . فالباحثة استندت وهي بصدد الدفاع عنه إلى حقيقتين هما: خطورة مثل هذا الموقف, أي تبويب أدبه بأهداف الصهيونية, وثانياً توفير النقيض لما تدعيه في أدبه. فقد أكدت على نمط قراءة أدبه أو أدب سواه من الكتاب ذوي المراكز المهمة في الأدب العالمي , وذلك في أن تكون الدراسة له ذات نمط تحليلي وموضوعي , وعلمي , من أجل اكتشاف العلاقات والظواهر الخفية فيها , وارتباطها العضوي بالخلفية الثقافية والفكرية والفلسفية, وعلاقتها بالبيئة الاجتماعية والظروف الاقتصادية، أي الكشف عن العلاقة الديالكتيكية وتفاعل الأدب والبيئة(5). وهذا يتطلب النظر إلى الأثر الأدبي من داخله نحو خارجه، لما يحمله من رموز وإشارات يتوجب دراستها والتدقيق فيها، أي فهم كا فكا من خلال كافكا نفسه.

    لقد درست الباحثة يومياته التي هي الدليل الصارخ على تشكله الفكري, وميوله الحسية, الكاشفة نوازعه ومشاريعه, والتي أعتمد عليها(ماكس برود) في تحليله وتحريفه لبعض ما قاله, أو أنه نسب إليه تصريحات لم يقلها, حيث أكد على عدم وجود علاقة بينه وبين وجهة النظر العرقية والصهونية بقوله : " ما الذي يجمعني واليهود ؟ ليس هنا أي شيء تقريبا ً يجمعني ونفسي أنا . إن علي ّ أن أختبئ بهدوء في زاوية ما, راضيا ً بحقيقة أنني قادر على التنفس " (6).

    إن كافكا كان على التصاق حميم ومصيري بالأدب, فأنه يرفض أي ارتباط بفكر مسّيس, ضمن مجموعة أو تشكيل عنصري. وهذا ما أكدته رسالته لوالد خطيبته " إن عملي أمر لا يحتمل بالنسبة لي, لأنه يتضارب ورغبتي الوحيدة, ومهنتي الوحيدة التي هي الأدب, وحيث أنني لا شيء غير الأدب, ولا أريد أن أكون شيئاً آخر, إن كل شيء ليس أدبا ً يبعث فيّ السأم , وأنا أكرهه , إذ أنه يسبب لي الاضطراب, أو أنه يؤخرني " . من هذا التصريح الخطير يمكننا أن نقف على حقيقة مهمة في كون دافعه للرفض مرتبطا ً بحالة خارج إرادته. فكلامه هو رد على محاولة ما. وهو ما يؤكد مصداقية عدم ارتباطه بأي منظمة , أو توجه سياسي أو عرقي.

    إن الباحثة وهي تحاور كل ما من شأنه تبويب الكاتب, وتفسير أدبه لصالح اتجاه معين, إذ تحاول جاهدة على إجراء حوار ذي بنية تحليلية وجدلية؛ في كون المنبع الأساس لإحساس كافكا بالغربة يكمن في طبيعة تكوينه الخلقي أولا ً, وحساسيته المرهفة ثانيا ً, وشعوره بأنه ليس ما وُلـِدَ عليه بسبب اعتقاده بأن عائلته قد دمرت جزءا ً أساسيا ً من جوهره لتجعل منه ما تريده هي ولا ما كان ينبغي أن يكون عليه تكوينه الخلقي , مما جعله يشعر بغربة دائمة حتى من نفسه (7).

    من هذا كان جل أدبه عبارة عن انعكاس لإحساسه وشعوره بالغربة عن واقع متناقض, تشوبه العلاقات الرأسمالية, مجسدة لرؤيته للعالم وعلاقاته, وطبيعة الاستبداد والعبودية التي يعاني منها الإنسان, جرّاء تسلط الطبقات المستغلة - بكسر الغين - وهيمنة الأنظمة الاقتصادية التي ولـّدت صراعاً دائماً, هو في جملته صراع طبقي أفرز كثيراً من الظواهر . لذا فكافكا ينحاز عبر وجهة النظر إلى عكس مثل هذا التناقض وهذا الصراع. وقد عبّرت رواياته ( القلعة – المحاكمة – المسخ - سور الصين - مستعمرة العقاب) خير تعبير عن هذه الظواهر, ملبية بذلك نداء الغربة الروحية الكامنة في ذاته كفنان مرهف الإحساس. فهو وكما أكدت الباحثة, يعكس واقع الإنسان الأوربي في الفترة الزمنية التي عاش خلالها, نهاية قرن وبداية قرن في أوربا الرأسمالية.

    من كل ما تقدم يمكننا القول أن جهود المفكرة ( بديعة أمين ) بشأن الدفاع عن أدب كافكا, وعنه كإنسان مبدع, كان يتحلى بالموضوعية والدقة العلمية، معتمدة بذلك على آثاره الأدبية وتصريحاته التي ضمتها يومياته. وبهذا تصدّت بدقة لمحاولات تبويب أدبه وفكره لصالح الصهيونية, خاصة تصريحاته عن الحياة والعلاقات الإنسانية التي كشفت عن نزوعه ورؤيته للعالم.

 

البحث عن الأيديولوجيا

    لقد حاول الكتـّاب المبوبون للاتجاهات العرقية عكس النوايا الأيديولوجية, وقد عالجت الباحثة هذا الموضوع في كتابها ( الأسس الإيديولوجية للأدب الصهيوني ) (8), وكان منطلقها هو الوقوف على خصائص هذا الأدب ووظيفته ودوره في الصراع العربي الإسرائيلي. وذلك لأن آداب يهودية كثيرة لم تكن تصب في مجرى كهذا, بل كان شأنها شأن الأدب الذي يكتبه بقية أدباء القوميات المختلفة (9), من هذا تخلص الباحثة إلى ما يلي:

 

• لا يمكن دراسة الأدب الصهيوني بمعزل عن الفكر الصهيوني, وأن دراسة مثل هذا الأدب, لابد أن يستند إلى متسع معرفي بهذا الأدب.

• إن قراءة هذا الأدب لا تنعزل عن المعرفة بتاريخ اليهود، منذ التكوينات الأولى حتى بلوغ الصهيونية المرحلة الأولى وإنشاء الكيان الصهيوني, مما جعل القراءة التحليلية والتفسيرية تتوفر على كشف الحقائق المجردة مقابل الحقائق المضادة المنحازة في هذا المنتج, مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الأدب المعني , لا يعني الأدب الإسرائيلي فقط, أو الأدب الذي يكتبه اليهود فقط, بل يعني الأدب الذي كتبه كتــّاب غير يهود وغير إسرائيليين أيضاً. يضاف إلى ذلك أن ثمة أدب إسرائيلي يحتوي على نوع من التمرد. وهو تيار يعكس العلاقات الداخلية التي تطورت بفعل التفاوت الطبقي والعرقي بين اليهود أنفسهم. وهو أدب يعكس رؤية ذاتية تصطدم النماذج فيها مع ما هو واقع, بعيدا ً عن الوعود والأحلام والآمال التي خطط لها في الوطن الموعود السعيد, شكـّلها الموقف السياسي والأخلاقي في النزوع إلى الحرية, واستقلال الشخصية. ولعل رواية ( غبار ) لـ ( يائيل دايان ) أنموذج لمثل هذا الأدب المتمرد على  ذاته (10), والكاشف لنزوع الرفض للوعود الكاذبة التي وعدوهم فيهاكشعب وكمثقفين.

    إن دراسة الأدب الصهيوني, لابد, إن يخضع إلى منطق يحكم انبثاق المراحل الأدبية ونوع الأدب, أو الثقافة بشكل عام, ومنطق التاريخ وتطوره. وهنا تؤكد الباحثة على الأرضية الحسية الاجتماعية الثقافية الروحية التي ينبثق منها الأدب. وهذا أمر طبيعي, لأن الأدب يخضع لصيرورة وجود محكمة بمنطق متسلسل, يرتبط بحركة التاريخ ونمط مسيره بما يفرزه من صراع وجدل يؤدي إلى إنتاج مادي وروحي يتشكل وينمو مع الثقافي والمعرفي. فالأدب لا ينفصل كحلقة مستقلة مهمشة أو معلقة في الفراغ، وهذه الخاصية أو الأرضية التي تحكم كل الآداب. فمثلا ً الأدب الإنجليزي والروسي والفرنسي قد خضع لبنى تحكمت فيه, وخاصيته هي حاصل تحصيل لمثل هذه المراحل .

    نجد أن الباحثة تتعمق في دراستها للجذور الأولى أو المهاد الذي تنافست معها الكتب المقدسة لليهود, والتي رسمت لهم الطريق إلى أرض الميعاد. لذلك نرى أن معظم ما يسطره المفكرون والأدباء هو في الأساس إفراز للحضارة والثقافة العربية, خاصة الكتابات الفكرية التي كـُتبت بالعربية, ثم تـُرجمت إلى العبرية. إذ تكشف عن تأثرهم بالفلسفة الإسلامية والصوفية الإسلامية, وبالمنهج الفكري الإسلامي . إضافة إلى أن هناك فجوة بين الأدب السياسي العلماني, والأدب الروحاني الميتافيزيقي المستند إلى التوراة , والذي تم من خلاله منح القضية الصهيونية شرعية دينية وفكرية, اعتمادا ً على مقولة ( هرتزل ) في إنشاء وطن لليهود في أرض فلسطين . إن دراسة البني الفكرية التي شكلت النص الصهيوني , من شأنه المساهمة في فهم الآخر والكشف عن خصائصه , معتمدة - أي المفكرة - في كل مؤلفاتها على رؤية ثابتة, هدفها رفع وإزاحة اللبس عن الحقائق من منطلق فهم خصائص أطروحات وفكر الآخر, والكشف عن خصائصه . لذا فالدراسات المعمقة التي دأبت عليها في كتابها ( الأسس الإيديولوجية للأدب الصهيوني )؛ كانت الأساس المهم للتماس مع النص الصهيوني من موقع المعرفة والمبرر التاريخي . فالكشف لم يتم على أساس النص فقط, بل كشف بمعرفة لجذور الفكر, سواء داخل النص كالرواية مثلاً, وخارجه, أي بما يحمله التاريخ الإنساني من حقائق هي بمثابة السجل الأمين لتاريخ الشعوب كافة, وليس اليهود وحسب. وعلى سبيل المثال , فأن الاضطهاد والإبادة النازية, لم يتعرض لها اليهود وحدهم, بل استهدفت الشعوب كافة.

    لقد كرست مؤلفها ( مواقف في الفكر والثقافة ) (11) لدراسة الفكر الصهيوني من جوانب كثيرة . فعبر فصل ( ولكن ليس بالدموع وحدها تغسل الخطايا ), تطرقت إلى حزيران الحزين, كاشفة عن موقفنا كعرب إزاء بقائنا سجيني المشاعر والعواطف والمواقف الانفعالية, محاورة فكرنا وأطروحاتنا من لدن أقلام المفكرين, خاصة كتاب ( أنيس منصور - الحائط العالي - ) , مؤكدة بقولها على : " أنا هنا لا أريد أن أنقد الحائط والدموع, وإنما أود فقط أن أ ُناقش بعض المفاهيم والموضوعات المهمة التي قـٌدمت بإطار مغلوط " (12) مؤكدة أيضا ً على المساعي والجهود العلمية الدقيقة لفهم طبيعة ما يدور حولنا . فالأدب العبراني في أهم رموزه, ووظيفته هي  دراسة المواطن الفكرية والتاريخية منذ طفولة التاريخ الأول, وصولا ً إلى تفرعات كثيرة أثـّرت على مسيرة التاريخ بشكل عام, ثم واصلت مدارها الفكري مع الفكر الصهيوني, من منطلق الكتب المقدسة كالتوراة والتلمود . وذلك في كتابها ( الجذور التوراتية للعنصرية الصهيونية ) (13) وبهذا استكملت دائرة البحث. فعودتها إلى مثل هذا الموضوع, كانت لها دوافعها المبررة تماما ً .

 

التنوع في البحث والفكر

    لم تقتصر بحوث ودراسات المفكرة (بديعة أمين) على الفكر الصهيوني وأدبياته فحسب, بل كانت لها اهتمامات كثيرة لأمور شغلتها فكرياً, حيث تناولت بعضها في كتابها( في المعنى والرؤيا ) (14).  فقد درست أدب (نجيب محفوظ), كذلك المسرح التسجيلي , ومسرحيات (صموئيل بيكيت), خاصة ( في إنتظار كودو), ورواية (يائيل دايان - الغبار), ثم دراسة الفن التشكيلي. في كل هذه الدراسات والبحوث والنقود؛ نجد ثمة حضوراً أساسيا ً للبني الفكرية. أي أن الباحثة اعتمدت مبنى فكريا, شكـّل رؤيتها ومنهجها الثابت في الدراسة والتقصي، ثم محاولة تفكيك النص للتوصل إلى بـُنيانه الفكري. فالنص الأدبي عندها, هو الحاضنة التي يمكن أن  نطرح من خلالها الأفكار. لذا فنظرتها إلى الجمالي والحياتي تستند إلى الفكر من خلال ما اندرجت عليه نقودها, إذ أنها استندت على رؤية ثابتة وعلمية دقيقة. غير أن ما ميّز كتابها أنف الذكر, هو دخولها من خلاله إلى عالم الأدب القديم, وخصت هنا الأدب السومري، منطلقة من ثيمة واحدة استجمعت لها حيثياتها داخل النص القديم ، وهي فكرة – الصراع - في الأدب السومري, ومغايرته للصراع في الملاحم الإغريقية، وهي بحق موضوعة أساسية لما يقابلها في الملاحم الأخرى. وبهذا مكنتها من طرح طبيعة الصراع ونوعه وأسبابه, ومغايرتها للصراع في الملاحم الإغريقية، خاصة في ثالوث (الحدث – الزمان - المكان). الصراع الدرامي هنا هو نوع من تأزم باطني, ناشئ عن تناقض جذري غير قابل للمواءمة بين إرادة ومعتقدات ورغبات البطل الفرد - الإنسان -, وإرادة ومعتقدات ورغبات الجانب الآخر كالآلهة أو المجتمع أو الندرة. لذا تؤكد الباحثة على أن فكرة الصراع لم تكن غائبة عن الأدب السومري , بل تتمثل منحى  أخلاقي .غير أن الوعاء الذي تتجسد فيه لم يكن وعاء بشرياً, وإنما كان بشكل عام وعاء إلهياً (15). لذا ففكرة الصراع في الأدب السومري, لم تكن معقدة, سواء كان ذك في أسبابه أو ظروفه. وهو أحادي كما هو في ( ملحمة جلجامش ), فأنه يتمثل البحث عن الخلود بنفسه . فــ (آنانا ) تقرر الهبوط إلى العالم الأسفل دونما عودة, وما لحق هذا الفعل من صراع فيما بعد. كذلك الإله ( آنكي ) إله الحكمة والماء, يأكل النباتات التي استنبتتها الإلهة الأم ( ننخرساخ ) فغضبت عليه.

    هذه الأمثلة تمثل فكرة الصراع، سواء في البناء والفهم والمعالجة. وهي ناشئة من حقيقة أن الأدب السومري يمثل أولى محاولات الإنسان وهو ما يزال في مرحلة طفولية من التطور الحضاري. يحاول أن يعبــّر عما يشغل تفكيره, محددا ً نظرة السومري إلى الكون والوجود, فهو حين يقوم بأفعال خارقة , مقتحما ً المجهول الصعب , إنما يستجيب إلى حالة تدفعه لكشف الظواهر , وإحداث التوازن الكوني . فهو يقوم بذلك لإرادة الآلهة. ففكرة الصراع تأتي هنا باعتباره تلبية لموقف ذاتي - باطني بسبب عدم التلاؤم مع العالم الخارجي. لذا فهو يكتسب مشروعيته, كونه موقفاً للتغيير. وهي نظرة فلسفية, إعتمد عليها مؤلف ملحمة ( جلجامش ) مثلا ً لطرح طبيعة الصراع, سواء كان بين ( جلجامش ) و(خواوا ), أو بتجربته الفردية للبحث عن الخلود.

    إن عقد التوازن في الطبيعة, هو الأساس في هذا الصراع, خاصة بحث جلجامش عن الخلود الذي خـُصـّت فيه الآلهة. ولأنه مزدوج الخصائص، فأن بحثه كان لغرض استكمال إلوهيته في الخلود. من هذا نرى أن غياب مفهوم التحدي للظواهر يشكـّل موقفا ً فلسفياً خالصاً في الفكر السومري. فالإنسان يجد من الصعوبة التوائم مع العالم الخارجي, وهذا يعني الشعور بالتناقض. لكنه تناقضا لا يدفع إلى التحدي فقط، بمعنى الصراع المحتدم كما هو في الملاحم الإغريقية, بل أنه صراع يعبـّر عن فعل تغيير وتجاوز, بعيدا ً عن الصراع مع الآلهة. ويؤثر في ذلك - كما ذكرت الباحثة - على  طبيعة البيئة العراقية وظروفها المناخية والطبوغرافية. ويكمن في النظام الاقتصادي الذي يقوم عليه المجتمع السومري (16).

    فالحضارة السومرية على الرغم من أنها كيان حضري بطابع تجاري , إلا ّ أنها انطلقت أساسا ً من حضارة زراعية. وذلك أقترن بدخول الإنسان مرحلة التاريخ المدون باختراع الكتابة. كان رافد الفكر السومري هو خلق الانسجام الكوني الاجتماعي. من هذا نرى أن الصراع هو وظيفة أساسية من وظائف الآلهة. فهم الذين يقررون ويخططون مصير الكون والإنسان. لذا كان الصراع يمتلك قدسية لأنه يعبـّر عن إرادة الآلهة. فالصراع هنا يحقق مبدأ الانسجام والتوافق الكوني لاعتبارات أخلاقية.

    أما في المجال الآخر, فنجده - أي الصراع - يأخذ منحى تدمير الذات, كما في هبوط (أنانا) إلى العالم السفلي, والمنتهي بالتضحية بالنفس كما هو في موقف ( غشيتنانا ) شقيقة ( دموزي - تموز )، أو أنه ينتهي بإلغاء أحد طرفي الصراع . ومن هنا يتجسد المبدأ الأخلاقي في هذا الصراع الذي مبعثه التوتر الباطني, والتناقض بين طرفين, الغرض منه إحداث التوازن, كما فعلت ( أنانا ) بسرقة النواميس الإلهية من الإله ( آنكي ) على غفلة منه. في هذا الجانب ثمة صراع لإرادتين, هما إرادة ( انانا ) وإرادة الإله ( آنكي ). لذا فــ ( انانا ) قامت بتحدي ( آنكي ) بسرقتها النواميس منه, كذلك ما حصل في أمر استبدال ( دموزي بأنانا) في العالم الأسفل, رغبة منها للخروج إلى عالم الأحياء. فما كان أمامها إلا ّ تقديم زوجها بديلا ً أو ضحية وثمنا ً لخروجها. وهنا تجري عملية ملاحقة دموزي على أشد قسوة من حالة تقديمه كضحية, لأنها أقامتها على وفق نمط تراجيدي. وكما أكدت الباحثة؛ من أن هذا الأمر خضع إلى النظرة الفلسفية التي تبناها الفكر السومري, التي ترى في الخضوع طريقاً للخلاص والفوز بالرحمة والعطف, وفي التحدي ممرا ً يقود إلى الأحزان والآلام, كما أتضح لنا في موقف دموزي (17) . وبهذا يتخلى الأدب السومري عن الموقف التقليدي الذي يمليه الفكر التوفيقي بتأثير من المناخ التجاري العملي الذي ساد الحياة الاقتصادية في سومر , والذي توجب ضرورة سيادة مبدأ الانسجام. فأخت ( دموزي ) حين ضحـّت بحياتها من أجل إنقاذ شقيقها, إنما عرّضت نفسها للموت من أجل حياة أخرى. هذا الانسجام بين الفناء والانبعاث يحققه رمز تجدد الحياة والشباب في وجود ( دموزي ) .

    إن معادلة الصراع هنا تـُحدد في الأدب السومري لاعتبارات أخلاقية , وهي لا تتخلص من الحل التوفيقي الذي يـُحدث التوازن والانسجام, وذلك بالتضحية بطرف من أطراف الصراع، كما حدث لصراع (أنانا ودموزي وشقيقته), أو صراع ( جلجامش وخواوا )، وكل ذلك خضع لفكرة الخلود التي خـُصـّت فيها الآلهة . فالخلود كان قد تحقق عن طريق القضاء على الموت المتمثل في رمز الشر، سواء بخلود ( جلجامش ) المعنوي عبر المنجز الحضاري, أو انبعاث ( دموزي ) في مواسم السنة. وهنا تتساءل الباحثة: هل استطاع ( جلجامش ) أن يقضي على الموت ..؟ أن يصبح خالدا ً ..؟ والجواب: نعم , ذلك لأنه حوّل الخلود من خلود خصـّت فيه الآلهة, إلى خلود خص فيه البشر, عبر المنجز الحضاري الذي حققه لأوروك ورعاياها بعد عودته من رحلته الثانية إلى بحر الظلمات, رحلة البحث عن الخلود. وبعد أن توضح له الخلود الحقيقي بعد سرقة الحية منه ( عشبه الخلود ) على فوهة البئر. إذ تذكر حديث ( أنكيدو ) أثناء لقائه به خارجاً كشبح من ثقب أُحدث في سقف العالم السفلي, وتحدث عن الخلود في عالم الأموات, وطبيعة الحياة هناك. فقد كانت المعاني التي أطلقها ( أنكيدو) , هي بمثابة المحفز له للبحث عن الخلود المادي والمعنوي. وعندما لم يحققه من عشبه الخلود تلك, حققه في جانب مادي آخر، وهو ما أراده مؤلف الملحمة من إسباغ نوع من النظرة الفلسفية للكون آنذاك.

 

الخاتــمة

    لعل ما ذكرناه آنفا ًفيه الكثير من الابتسار والعجالة, ذلك لأننا حاولنا أن نستقي الماء من بحر واسع, بإناء صغير. فما قدمته المفكرة والباحثة (بديعة أمين) عبر رحلتها الفكرية والنقدية, ومن خلال مؤلفاتها العديدة والمتنوعة, لهو صعب الإحاطة فيه. غير أننا تمكـّنا من القول أن منجزها النقدي قاد بالضرورة, ووفق تشكلها المعرفي الأساس نحو المنجز الفكري, ذلك لأنها إنما تقرأ الأثر الأدبي أساسا ًمن منطلقه الفكري, بل تجاهد أيضا ًللوقوف على مثل هذا الأساس, لكي تحقق تعادلا ً في النظرة والتحقق . ناهيك عن توجهها الأساس في محاورة الفكر الصهيوني, ودراسته والتدقيق فيه. ومنهجها ينطلق من البني الداخلية, والمسار التاريخي، أي الأساس المادي الذي كان من شأنه خلق مثل هذه الضروب من الأفكار والإبداع الأدبي. وبذلك يصّح القول على أن جهدها كان يتحلى بالعلمية والدقة والموضوعية والمثابرة والصبر.

 

------------

 

الهوامش:

 

(1) بديعة أمين، الأدب الصهيوني يعتمد الحقائق. من حوار أجراه حسب الله يحيى، مجلة عمـّان ــ الأردن / العدد 81 آذار 2002.

(2) نفس المصدر .

(3) بديعة أمين، هل ينبغي إحراق كافكا ؟ دار المهد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بدون تاريخ .

(4) نفس المصدر ص12 .

(5) نفس المصدر ص 25

(6) نفسه ص50

(7) نفسه ص68 .

(8) بديعة أمين، الأسس الإيديولوجية للأدب الصهيوني، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1989

(9) نفس المصدر ص16

(10) رواية ( غبار ) ليائيل دايان، ترجمة هاني الراهب، مجلة الموقف الأدبي، دمشق / العدد 1

       السنة الرابعة أيار 1974.

(11) بديعه أمين، مواقف في الفكر والثقافة، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2001.

(12) نفس المصدر ص 10.

(13) بديعة أمين، الجذور التوراتية للعنصرية الصهيونية، دار الشؤون الثقافية، بغداد 2002.

(14) بديعة أمين، في المعنى والرؤيا، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1979.

(15) نفس المصدر ص 172.

(16) نفسه ص 184.

(17) نفسه ص 210. 

 

           

---------------------