كلمة العدد

خمسون عاما تنقضي على ثورة الرابع عشر من تموز
والجدل الذي ثار، وما يزال، خصوصا في السنوات الأخيرة، هنا وهناك،
في اللقاءات العامة، كما في المجالس والأحاديث الخاصة ما زالت
نيرانه مشتعلة ولم ولن تنطفئ. يتمحور الجدل، أساسا، حول موضوعات
عديدة من بينها موضوعتي العنف والثورة، التحالفات والقوى المحركة
للثورة والقوى المضادة لها، طبيعة تركيبة القيادة العسكرية للثورة،
التأثيرات الإقليمية والدولية والصراعات بين أقطابه، وأخيرا وليس
آخرا ما إذا كان الذي حدث في 14 تموز 1958 انقلابا أم ثورة.
وطبيعي ان بعض الآراء التي أبديت بشأن هذه النقاط تنطلق من منطلقات
فكرية مختلفة.
-فهناك التصور التجريدي الذي يسقط البعد التاريخي للحدث متجنبا
تحليل التجربة الملموسة أو العملية للثورة وما أحاط بها من ظروف،
بعضها موضوعي وبعضها ذاتي، محلي ودولي وما رافق ذلك من صراعات
اجتماعية كبرى.
-وبالمقابل هناك التصور المثالي للثورة ويتمثل ذلك بالاعتقاد بان
هناك ثورة اجتماعية كاملة ونقية وانه يمكن صياغة نموذج مسبق لها
استنادا الى دراسة ثورات قد سبق وقوعها ولكن هذا النوع من الثورات
لم ولن يوجد.
ويبدو من صياغة بعض التساؤلات ان ثمة شيئا من الغموض، أو سوء
الفهم، ربما، يرتبط ببعض جوانب المسألة. فالثورة، وهي، كما معروف،
عملية موضوعية، لها قوانينها ومستلزماتها وشروطها ومحتواها
وتجلياته، وتتحقق عندما تنضج شروطها، تطرح هنا مكانها للفعل ارادوي،
تجتهد حفنة أشخاص بضرورته، وتنفذه دون حساب لمصالح المجتمع
وإرادته.
ويتعارض هذا الطرح مع واقع ثورة 14 تموز ذاتها، على الرغم من أنها
بدأت بتحرك عسكري، يذكر بالأعمال الانقلابية المعهودة. ذلك ان هذا
التحرك كان بمثابة الفتيل الذي أطلق النهوض الثوري لملايين
العراقيين، الذين كانوا متحفزين ينتظرون التغيير السياسي والتحويل
الاجتماعي. لهذا يمكن القول بأن ما حدث في 14 تموز 1958 لم يكن
انقلابا عسكريا تقليديا، بل كان فاتحة تحول اجتماعي عميق، يحمل
السمات الأساسية للثورة الأصيلة، وهو بهذه الصفة عملية موضوعية، لم
يكن من مفر من وقوعها، ولو لم يكن “الضباط الأحرار” أطلقوها يومذاك،
لأنجز غيرهم هذه المهمة. لقد كان الالتفاف الجماهيري غير المحدود
حول القيادة العسكرية الوطنية، هو ما أضفى على حركتها طابع الفعل
الشعبي الثوري، لا العمل الانقلابي المعزول عن الجماهير.
وإذ نتناول ثورة الرابع عشر من تموز 1958، علينا أن نتجنب شراك
التفاصيل، وغواية الحكايات، وطوفان الأحداث، فكل ذلك كفيل
بإغراقنا، وبحصارنا في أنفاق مسدودة، متناقضة، متضادة. فالغرق في
التفاصيل قد يكون مغريا للبعض، لكنه في نفس الوقت يمنع من تكوين
نظرة شاملة للحدث والمآل الذي اتخذه، ذلك لأنه يمكن أن ينقضي العمر
كله ونحن نناقش التفاصيل، دون أن نصل إلى أي نتيجة، أو تصور كلّي!.
لكن هذا لا يعنى بالمقابل الاندفاع نحو الاختزال المخلّ، الذي قد
لا ييسر لنا الوصول إلى تصور متوازن، و إلى إصدار أحكام قاطعة،
تكون في أغلب الأحيان غير دقيقة.
سوف نترك ذلك كله، لنسأل سؤالا واحدا:
هل كانت ثورة 14 تموز 1958 ضرورية في تلك اللحظة التاريخية التي
وقعت فيها؟
نعم، ذلك هو السؤال الذي ينبغي الدخول فيه في العمق. لا بد، إذن،
من محاسبة هذه الثورة من خلال كل ما نسب إليها من انتصارات
وانكسارات، لا بد من محاسبتها عما تحقق منها وما لم يتحقق ولماذا؟
لا بد من تحليل الظروف الموضوعية والذاتية، المحلية والإقليمية
والدولية التي أدت الى اندلاع هذا الحريق الثوري في الرابع عشر من
تموز ولماذا اتخذ هذه الوجهة دون غيرها؟ إنها أسئلة حارقة، وتحتاج
الى مقاربات مركبة وليس اختزالية بسيطة، نأمل ان تساعد المقالات
والأبحاث التي يتضمنها محور هذه العدد في الكشف عن بعض جوانب هذا
الحدث الكبير الذي نحتفل بذكراه الخمسين.
وبالمقابل، كما هو الأمر بالنسبة لقانون الثورات الاجتماعية لم
تواصل ثورة تموز صعودها، بل انتكست في لحظة حاسمة من لحظات تطورها
لجملة أسباب وذلك في الثامن من شباط المشؤوم عام 1963 الذي حدد
مسارا جديدا للصراع اتخذ طابعا دمويا وقيامات وحروب داخلية وخارجية
لا تنتهي. ولهذا فانه ليس المطلوب التباكي على ما حدث من انتكاسة،
بل مواجهة النفس، في شجاعة وجهر، بالأسئلة المكتومة في الصدور.
نعم، ثمة عشرات من الأسئلة وعلامات الاستفهام، التي تملي علينا
مسؤولية الاجتهاد في فهمها وطرحها طرحا صحيحا، من اجل بلورة إجابات
عنها، لكي نفهم جذور الانتكاس وأسبابه الفعلية.
من هنا مهمة الجيل الذي عاصر ثورة 14 تموز باندلاعها وتطورها وصخب
معادلاتها المحلية والإقليمية والدولية ومآلها المأساوي، إنها
تتعلق بتوضيح ما حدث وكيف حدث ولماذا حدث، وهي أسئلة لم يعد السكوت
عنها أو التعتيم عليها - تحت مختلف الذرائع - ممكنا، فالسكوت هو
هروب لجيل من مواجهة الحقيقة.
وها نحن وقد قاربنا نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين،
فانه يمكننا القول انه ليس هناك من أمل في الوصول الى إجابات
مشروعة وصحيحة للأسئلة المرتبطة بثورة تموز بغير التعامل معها، في
جسارة علنية، بطريقة التفكير النقدي الجماعي بصوت مرتفع.
ليس لثورة 14 تموز 1958 كليشة ثابتة ونهائية، نستطيع ان نحدد
حقيقتها ودلالاتها، إنها تحكي ممارسات ومواجهات ومعارك وتعرجات
وانعطافات وانقطاع وانفصال، وعمليات فرز، في إطار ملابسات موضوعية
وذاتية مختلفة. بتعبير آخر، ان حقيقة ثورة 14 تموز ودلالاتها لا
سبيل الى تحديدها إلا عبر حركتها التاريخية العامة البالغة التعقيد
بما حملته من تناقضات عاصفة وتضارب مصالح محلية وإقليمية ودولية
وآفاق وآمال ومحاولات إفشال. ولعل هذا هو مصدر الصعوبة في تقيمها
من ناحية، ومصدر السهولة من ناحية أخرى، في محاولة تزييف حقيقتها.
تكرس (الثقافة الجديدة) هذا العدد، 325، للاحتفاء بهذه الذكرى من
خلال طرح القضية للنقاش العام مرة أخرى، بهدف التحفيز على تقليب
الأوراق من جديد وتقديم قراءات تتجاوز الكليشات الجاهزة، قراءات
تغوص في عمق الإشكاليات الكبرى التي جعلت حدوث ثورة الرابع عشر من
تموز ممكنا وانتكاسها وانحرافها عن الطريق الصحيح ممكنا أيضا لجملة
عوامل ومعادلات واستقطابات محلية وإقليمية ودولية. إننا على قناعة
بان هذا النقاش سيساهم في الإبقاء على ذاكرتنا متوقدة، بما يسمح
بتجاوز حالات الانكسار والتراجع وعبور الأزمة، ومواصلة العطاء،
خصوصا وبلادنا تمر الآن بلحظة تاريخية بالغة التعقيد والصعوبة،
لحظة تواجه فيها مهمات يندمج فيها الوطني متمثلا بإنهاء الاحتلال
واستعادة السيادة والاستقلال التامين، بالديمقراطي متمثلا باستكمال
بناء العملية التي انطلقت بعد رحيل الدكتاتورية في نيسان 2003
والتي يتعين ان تفضي الى بناء دولة ديمقراطية عصرية وعراق ديمقراطي
فيدرالي موحد.
سيبقى 14 تموز 1958 نقطة وضاءة في تاريخ العراق المعاصر ومعلما
متميزا على طريق نضال شعبنا من اجل التحرر والانعتاق وبناء دولته
الوطنية الديمقراطية المستقلة.