- د.عدنان عاكف
-

ملاحظات التمهيدية: كتبَ حنا بطاطو في مقالته “عودة الى الطبقات
الاجتماعية القديمة” ما يلي:
“كما كنت واعياً لميولي الفكرية. وحذرت القارئ في المقدمة من انه
“في أي عمل تاريخي يقوم به المرء هناك تاريخ، ولكن هناك على الدوام
شيئا من ذات المؤرخ أيضا. وهذا أمر لا مناص منه. فالمرء يعرًي، حتى
ولو بصورة غير واعية ضيق خبرته، ونواقصه الفكرية والمزاجية. وأنا
لم أخفي انحيازي المزاجي لكني حاولت جاهدا ضبطه. وان كانت عواطفي
قد انحازت الى جانب الفقراء والمستضعفين فان بالإمكان تلمس ذلك.
لكني لم أعمد الى تنضيد الحقائق بما يناسب عواطفي، ليس بصورة واعية
على أقل تعليل”. (1)
لست بحاجة للإعلان عن انحيازي الفكري والمزاجي الى جانب الفقراء
وثورتهم.. ولكني سأعمل جاهدا للحد من تأثيره قدر المستطاع. وقد
ارتأيت ان أقدم لهذه المقالة بمقدمة تاريخية، سوف يكون تأثير
الميول الفكرية فيها في حددوه الدنيا، لكنها قد تكون مفيدة للقراء
- وأخص بالذكر القراء الشباب الذين أصبحت بالنسبة لهم أحداث العقود
الستة الأولى من القرن الماضي تعوم في سديم كثيف - في سعيهم للحصول
على إجابات شافية عن أسئلة كبيرة ما زالت موضع جدل ونقاش حول ما
حدث يوم 14 تموز. تتلخص " خطيئة " ثورة تموز الأولى، كما يدّعي
البعض، في كونها شكلت سابقة خطيرة في تاريخ العراق الحديث، عندما
فتحت الباب أمام الجيش للتدخل بالسياسة وإدارة شؤون الدولة،
والقضاء على المؤسسات الدستورية، وجعلت " المؤامرة والمغامرة
السياسية لحفنة من الحزبيين ومحبي الجاه والسلطة، ولاحقا الإجرام
والسرقة أمرا عاديا”. (2)
هل صحيح كل ما يقال؟ الجواب: لا. لكني أعلم جيدا ان ذلك لن يغير من
الأمر شيئا. وهناك الكثيرون ممن سوف يقولون: نعم ! لذا فان الفيصل
والحكم الوحيد الذي يمكن أن يساعد القارئ على اختيار الجواب الصحيح
هو التاريخ. فدعونا نحتكم اليه، ليس فقط من أجل تقويمه وتنقيته من
ما علق به من أوهام ناتجة عن الميول الفكرية والمصالح الذاتية
والفئوية، بل ومن أجل معرفة وفهم واقعنا ومستقبلنا بطريقة أفضل.
وبذا يمكن ان نجد لنا موقعا بين الذين يسعون جاهدين من أجل بناء
وطن من نمط جديد، يكون قادرا على ردم الهوة الكبيرة التي ما زالت
تفصله عن ركب الحضارة**.
دور الجيش في الحياة السياسية في العراق
العودة الى التاريخ الفعلي مطلوبة
بداية لا بد من الاشارة الى ان ما سوف أقدمه هنا ليس عرضا لتاريخ
الجيش العراقي، بل سيقتصر حديثي على ما يخص علاقة الجيش بالدولة
ودوره في الحياة السياسية والمدنية خلال العهد الملكي، كي يمكن
البرهنة على أن تدخله في السياسة يسبق ثورة تموز وليس كما يروج
البعض جاء نتيجة لها.
في آذار 1921عقد مؤتمر القاهرة الذي خصص للبحث في مستقبل العراق.
وفي 23 آب من العام نفسه تم تتويج الملك فيصل الأول ملكا على
العراق، بعد ان أعلن المندوب البريطاني عن مبايعته من قبل 96 % من
العراقيين ! بالرغم من ان الكثير من الشخصيات المعروفة لم تكن مع
تلك المبايعة، وعدم مشاركة بعض الألوية (المحافظات) فيها. وبهذا
تكون بريطانيا الديمقراطية قد قامت بأول عملية تزوير رسمية " شفافة
" لإرادة الشعب العراقي. وبهذه العملية تكون الدولة الوليدة قد
أنجزت خطوتها الأولى في مسيرة طويلة لإرساء تقاليد في العمل
السياسي بعيدة كل البعد عن الممارسة الديمقراطية، وفتحت الباب أمام
المزورين من الملوك والرؤساء، ورؤساء الوزارات وكبار المسئولين
للقيام بعمليات تزوير من كل نوع. كانت بريطانيا تريد من هذه
العملية ان توصل للعراقيين رسالتها الأولى وهي: " لا يصح إلا
الصحيح ". و " الصحيح " هنا هو ما يخدم مصالحها ويعزز نفوذها، إذ
أرادت ان يكون نظام الحكم نظاما ملكياً فكان لها ذلك، مع العلم ان
العراقيين لم يكونوا مجمعين على مثل هذا النظام. وكان في مقدمة
الداعين الى النظام الجمهوري مجيد الشاوي، ومحمود النقيب، توفيق
الخالدي، و ناجي شوكت. كانت مبايعة الملك مشروطة بالعمل على تحقيق
الاستقلال التام عن بريطانيا وانتخاب المجلس التأسيسي وإعداد
الدستور خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر بعد إعلان المبايعة. شعر
العراقيون ان بريطانيا ومعها رجال الحكم الجدد يماطلون في تحقيق
مطالبهم. في خريف 1922 أشارت بعض الصحف العربية الى ان مجموعة من
علماء الدين في بغداد والنجف وكربلاء " تفتي بخلع الملك فيصل الأول
". و كان الشيخ مهدي الخالصي قد أعلن قبل ذلك عن بطلان مبايعة
الملك بعد أن أخل بتعهداته ولم يلتزم بشروط مبايعته.(3) وقد كان
ذلك الموقف يشكل رسالة للمحتلين والملك. لقد أراد العراقيون أن
يذكروا الملك بان بين الحاكم والمحكوم عهد ينبغي احترامه. أما
رسالتهم الى المحتلين فكانت تنطوي على تحذير من ان العراق وان خمدت
ثورته قبل ان تحقق أهدافها لقادر على ان يدافع عن حقوقه بأية وسيلة
يختارها!! عادت الأصوات المطالبة بالنظام الجمهوري تتعالى من جديد.
وكان على المسئولين اتخاذ ما يلزم لمواجهة الأمر.. صدر الأمر
للعسكر للقيام بما ينبغي. في يوم 1954/2/25 تم اغتيال توفيق
الخالدي. وقد توجهت أصابع الاتهام في حينها الى نوري السعيد وصهره
جعفر العسكري. وقيل ان الملك كان ضالعا بتلك العملية أيضا. نستطيع
القول ان تلك العملية كانت أول انقلاب عسكري في العراق الحديث. وقد
ساهمت بتمتين العلاقة بين القصر ونوري السعيد، لكنها في نفس الوقت
كانت تحمل رسالة بليغة للجميع : لا صوت يعلو فوق صوت بريطانيا
العظمى ومن يدور في فلكها!.
لقد شكلت تلك العملية خطوة هامة على طريق " شرعنة " استخدام العنف
والقوة بين الخصوم السياسيين، واستخدام أساليب غير شرعية (تتنافى
مع جوهر وروحية النظام الدستوري الذي كان في بداية صيرورته) في حسم
الصراع السياسي... وشكلت تلك السنوات مرحلة " البروفات " لتدريب
الرجل الذي سوف تكون له الباع الأطول والأقوى والتي سوف تتحكم
برقاب العراقيين على مدى العقود الثلاثة القادمة. انه الجنرال نوري
السعيد، الذي ورث الكثير من التعاليم والتقاليد العسكرية عن الجيش
العثماني، والتي بمجملها ساهمت في تعزيز النزعة التسلطية
والاستبدادية عند الرجل.
كان من الممكن غض النظر عن الكثير من الخروقات الدستورية وذلك وفق
حكمة قديمة تقول " للضرورة أحكامها ". غير ان عوامل كانت تدفع أكثر
فأكثر في اتجاه تحويل تلك الممارسات الفردية الى نمط جديد ونهج
ثابت في أسلوب إدارة الدولة و ممارسة الحكم. كانت بريطانيا في سباق
مع الزمن من أجل " شرعنة " تواجدها في البلاد وبالشكل الذي يضمن
حقوقها و مصالحها. وكان لها ما أرادت وذلك من خلال ابرام عدد من
الاتفاقيات، وكان آخرها معاهدة 1930، التي أثارت استياء الكثير من
الأوساط السياسية.. كانت الأمور تسير باتجاه نشوء نظام قائم على
مبدأ الصراع بين مجموعتين سياسيتين مهمتين : الحكم والمعارضة، كما
هو الحال في أنظمة الحكم الدستورية. وكان من الواضح ان العراقيين
قد ابدوا استعدادهم الكامل للانخراط في اللعبة السياسية القائمة
على ذلك المبدأ. ولكن نظام كهذا لم يكن يتناسب مع أهواء بريطانيا
والحكم الملكي.
مع الشروع في الإعداد لمعاهدة 1930 بدأت بوادر انشقاق واضح في صفوف
الفئات الحاكمة، حيث برز تياران أساسيان: الأول كان يرى ان ضمانة
أمن العراق وتطوره مرهون بتقوية روابطه مع بريطانيا العظمى. في حين
كان التيار الثاني يقترب أكثر فأكثر من مطالب المعارضة. لقد ساهمت
هذه التطورات في نشوء قناعة لدى المسؤولين بضرورة الاعتماد على
القوة، وخاصة الجيش، والتوجه نحو تعزيز النظام الإقطاعي العشائري
الذي كان في طور النمو. وهكذا أرسيت إستراتيجية نظام الحكم في حفظ
الأمن وضمان الاستقرار في الداخل، والتي تقوم على استخدام الجيش
وزعماء العشائر، كلما اقتضى الأمر.
عامل مهم آخر ترك تأثيره على دور الجيش في الدولة وعلى عقلية وسلوك
ضباطه. لقد أنيطت بالجيش، خلافا لما هي عليه الجيوش في أنحاء
العالم، مهمة حماية البلاد من الأعداء الداخليين، في حين ان مهمة
التصدي للعدو الخارجي تركت للقوات البريطانية. وقد عبر الملك فيصل
عن ذلك بصراحة : " إنني لا أطلب من الجيش أن يقوم بحفظ الأمن
الخارجي في الوقت الحاضر الذي سوف تتطلبه منه بعد إعلان الخدمة
العامة. أما ما أطلبه منه الآن هو أن يكون مستعداً لإخماد ثورتين
تقعان، لا سمح الله، في آن واحد في منطقتين بعيدتين عن بعضهما”.(4)
لم يخطر على بال الملك انه قد يكون هو " الثورة المضادة " الأولى،
التي ينبغي على الجيش إخمادها. فقد كان الضحية الأولى للانقلاب
العسكري التالي، والذي كان من تدبير نفس الجنرال وبتوجيه من
البريطانيين أيضا، حيث توفي في سويسرا، التي وصل اليها للعلاج، في
أيلول 1933 مع وصول الملك غازي الى القصر بدأت مرحلة من الاضطرابات
وعدم الاستقرار، وأخذ تدخل الجيش في شؤون إدارة الدولة يتزايد
باستمرار. وكان التنافس بين رجال الحكم من اجل تقاسم الثروة ومراكز
النفوذ على أشده. وكانت علاقة الملك الشاب مع الحكومات المتعاقبة
ومع الانجليز في تدهور متواصل. وقد جرى الحديث عن أكثر من محاولة
انقلابية، وعن محاولة ياسين الهاشمي لتدبير انقلاب يطيح بالملك
ويعلن عن إقامة نظام جمهوري برئاسته. على الصعيد الآخر شهد العراق
خلال عقده الأول تطورات مهمة على صعيد العلاقات الاجتماعية
والاقتصادية. فقد أخذت تظهر وتنمو فئات اجتماعية جديدة وبدأت بوادر
مؤسسات المجتمع المدني بالانتشار، وفي الثلاثينات بدأت بالظهور
جمعيات سياسية علنية، وراحت تتشكل بوادر معارضة سياسية من نمط جديد
و خارج رحم النظام السياسي. وفي هذه المرحلة بالذات ظهر الحزب
الشيوعي كقوة سياسية معارضة جديدة . كل هذه التطورات وضعت الطاقم
الحاكم بين خيارين : الأول إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية
واجتماعية سريعة تتماشى مع التطور الذي شهده المجتمع وتأخذ بنظر
الاعتبار مصالح الفئات الجديدة، وتقود الى بناء دولة عصرية
دستورية، أو الوقوف بحزم ضد النزعات الإصلاحية والوطنية. وقد اختار
النظام الحاكم الطريق الثاني. وكان هذا الطريق بحاجة ماسة الى مزيد
من العنف لحفظ الأمن والاستقرار. فقد شهد الريف العراقي اضطرابات
عنيفة في مناطق مختلفة من العراق، فلجأت الحكومة إلى إصدار قانون "
دعاوي العشائر"، الذي خوّل الإقطاعيين صلاحيات كاملة لبسط نفوذهم
على الريف، بما في ذلك تشكيل وحدات مسلحة وفتح سجون في مناطقهم.
في مثل تلك الأجواء المشحونة حدث انقلاب بكر صدقي، الذي غالبا ما
يشار اليه بكونه أول انقلاب عسكري في العراق وفي المنطقة. وتشير كل
الأدلة الى ضلوع الملك غازي في هذا الانقلاب، الذي حدث " بعد ان
نفذ صبر الجيش العراقي من الأوضاع التي يعاني منها أبناء الشعب
بسبب تصرفات الحكومة التي لا هم لها سوى المصالح الشخصية "، كما
ورد في البيان الأول.. وقيل ان الانقلاب حدث بعلم جماعة الأهالي
ومساندتها، وخاصة كامل الجادرجي، الذي أصبح وزيرا في وزارة حكمت
سليمان.. كما أعلن الشيوعيون عن مساندتهم لحكومة الإنقلاب.(5)
ولكن قبل ذلك كان العقيد بكر صدقي قد ذاع صيته بعد النجاح الكبير
الذي حققه في قمع انتفاضة الآشوريين في1933، ومن ثم كان على رأس
الحملات العسكرية لقمع هبات الفلاحين في الفرات الأوسط في 1935 في
آب 1937 كان بكر صدقي ضحية الانقلاب التالي، حيث تم اغتياله بيد
رفاقه العسكر في مدينة الموصل، وبتدبير من السفارة البريطانية
ونوري السعيد، وبمساعدة مجموعة من العسكريين القوميين. بعدها أعلن
العمري، قائد الفرقة الأولى التي كان مقرها في الموصل، العصيان
واصدر بيانا جاء فيه : " لقد أعلن الجيش عصيانه ... ونحن انفصلنا
عن بغداد ". بعد استقالة حكمت سليمان انتقلت رئاسة الوزارة الى
جميل المدفعي، وهو ضابط معروف ورجل سياسة. أراد المدفعي ان يثبت
للشعب بانه يحكم باسمه وليس باسم الجيش، حتى وان كان لقبه "
المدفعي "، فأعلن عن عزمه على منع الجيش من التدخل في السياسة.
ولكن الرياح جاءت بما لا يشتهي المدفعي. في عام 1938 أعلنت مجموعة
من سبع ضباط ( عرفت فيما بعد باسم مجموعة السبعة )، عن عزمها " على
إنقاذ البلاد من الفاسدين ". في نهاية 1938 قام المدفعي بإجراء
تعديل وزاري، تم بموجبه تعيين الضابط صبيح نجيب وزيرا للدفاع. وفي
أول تصريح له أعلن بانه سيعمل جاهدا من " خلال منصبه كوزير للدفاع
ان يفرض سلطة الحكومة على الجيش"!. أثار هذا التصريح حفيظة الضباط.
على إثر ذلك تحركت بعض القطعات العسكرية وأجبرت المدفعي على تقديم
استقالته، واختيار نوري السعيد خليفة له. وللتاريخ نقول ان السعيد
تردد في قبول المنصب الجديد وتمنع كثيرا بسبب رفضه لتدخل الجيش في
السياسة. لكنه اضطر لقبول العرض بعد ان أعلن الأمير زيد، عم الملك،
أمام البرلمان ان جلالته قد اختاره بمقتضى الدستور، وليس بناء على
رغبة الجيش. ولكن كانت للعقيد صلاح الدين الصباغ (أحد أعضاء مجموعة
السبعة) وجهة نظر أخرى، حيث أعلن عن وجود اتفاق بين مجموعته، وهي
الجهة التي أصرّت على تسليم الحكومة لنوري ، وبين هذا الأخير ينص
على " تخويل الجيش صلاحية إبداء الرأي في كل أمر يتعلق باستقالة
الوزارات وقيامها وفي انتقاء رؤسائها ". بعد عامين سقط الملك غازي
مضرجا بدمائه بعد تعرضه لعملية اغتيال بشعة، قيل في حينها انها
كانت من تدبير نفس الجهات التي قامت بتصفية والده، وهم البريطانيون
والجنرال نوري السعيد،. وقد انضم اليهم هذه المرة عبد الإله، الذي
أصبح وصيا على العراق بعد رحيل الملك المغدور.
لن نتوقف طويلا عند انقلاب العقداء الأربعة وأحداث 1941 الدامية
ودور الجيش البريطاني في قمع انتفاضة رشيد عالي الكيلاني. ولن
نتوقف عند الأحداث العاصفة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية
وسنوات ما بعد الحرب، والتي شهدت توريط الجيش أكثر من مرة لمواجهة
استياء الشعب من تردي الأوضاع السياسية والأمنية والمعاشية، وزج
الجيش في قمع الانتفاضات التالية التي حدثت في 1948 و 1952 و1956،
فكل واحدة منها تحتاج الى وقفة خاصة لا تستوعبها هذه المساهمة.
كان لا بد لهذه المسيرة العسكرية الطويلة ان تترك أثرها الكبير على
طبيعة الدولة وعلى المجتمع وعلى عقلية وسلوك الناس من الحكام
والمحكومين. لم يعد تدخل العسكريين في السياسة يشكل ظاهرة
استثنائية تثير الانتباه، بل أصبحت هي القاعدة.
هكذا أصبح العسكر يتصدرون قائمة اللاعبين الأساسيين في اللعبة
السياسية. وكانوا في حالات غير نادرة يشكلون الطاقم السياسي
الأساسي في البلاد، وخاصة عندما يفرغ الملعب قسرا من لاعبيه
المدنيين المحترفين، عندما يزج بهم في المعتقلات والسجون وتعطل
أحزابهم وتغلق صحفهم ويرتفع سيف الحاكم العرفي ليقضي على معالم
المؤسسات الدستورية وما تبقى من منظمات المجتمع المدني. وحالات
كهذه لم تكن نادرة الحصول وعرضية، بل كانت سمة ملازمة للدولة
العراقية.. وهكذا، لم يعد تدخل العسكريين في الحياة السياسية يقتصر
على استخدام العنف في التغيير السياسي بين الأطراف المتصارعة، أو
استخدام الجيش كقوة ضاربة لقمع المظاهرات والإضرابات، بل أصبحوا
طرفا فاعلا في الحياة السياسية. كانت لهم أحزابهم وتحالفاتهم
وبرامجهم السياسية والاقتصادية.
لو اكتفينا بهذا العرض سنكون قد نقلنا صورة كاريكاتورية مشوهة عن
الجيش. لكننا منذ البداية أكدنا ان هدفنا من هذه المقدمة هو الوقوف
على السياسة التي انتهجها المسؤولون تجاه الجيش ونظرتهم الى دوره
في الحياة السياسية. ولكن الأحداث لم تكن تتطور فقط وفق رغبات
النظام الحاكم. فقد كان للأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية
تأثيرها الكبير على الجيش . كانت الأوضاع وتطورها تدفع الضباط الى
التفكير في المشاركة بأي عمل يمكن ان يساهم في إحداث التغيير. كان
المزاج الثوري داخل الجيش ينمو تدريجيا. وقد ساهمت أحداث 1941 و
انتفاضة 1948 وحرب فلسطين ومن ثم انتفاضة 1953 وتدهور الوضع
الاقتصادي وتأزم العلاقة بين المعارضة والنظام الى دفع عدد من
الضباط للجوء الى العمل السري. وقد تركت ثورة يوليو في مصر وتأميم
قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر وإصرار السلطة على انتهاج
سياسية معادية لمصالح العراق والأمة العربية، من خلال ربط العراق
بمزيد من الأحلاف العسكرية، كل هذا كان يدفع بالضباط الوطنيين الى
تقريب موعد الانقلاب الذي كانت فكرته قد اختمرت جيدا، وبالصيغة
التي عرفها الشعب صبيحة يوم الرابع عشر من تموز 1958!.
وقف المسار الطبيعي وتحطيم المؤسسات الدستورية
التهمة الثانية لثورة تموز تنبع من التهمة الأولى ووثيقة الصلة بها،
وهي إلغاء المؤسسات الدستورية التي كانت قائمة في البلاد والقضاء
على منظمات المجتمع المدني، وإيقاف عملية التطور الطبيعي لمؤسسات
الدولة التي بدأت بالنشوء والتطور منذ عشرينات القرن الماضي.
غالبا ما تقدم هذه التهمة مقرونة بالدعوة المخلصة الى تفعيل العقل
والابتعاد عن التقييمات المبنية على العواطف والاحتكام الى الواقع.
وينصح هؤلاء الأخوة بالتحلي بالجرأة على تخطي " التابوات " و
"المقدس " ، وغير ذلك. دعونا في البداية نتعرف على بعض الآراء حول
هذا الجانب:
يشير د. ميثم الجنابي الى ان المسار التاريخي للعراق قبل 14 تموز
كان يحتوي على مراحل التوقف والتراجع، لكنه كان في مجراه العام
تقدما وتراكما بالمعنى التاريخي. لقد كان يحتوي على تراكم طبيعي في
المؤسسات والبنية الذاتية للدولة والسلطة والمجتمع والفكر والثقافة
والاقتصاد”.(6)
وبالمقابل يقدم لنا د. ثائر كريم صورة مشابهة للتقدم الذي كان
يشهده العراق في الخمسينات حيث " كانت البلاد تعيش سياقات متناقضة،
صعودا وهبوطا. فيها الكثير من سياقات الليبرالية اقتصاديا وسياسيا
واجتماعيا. وكان العراق يدخل تدريجيا في مناخات تقدم لم يعهد
بمثلها من قبل. ولكن كانت هناك خطوات رجعية، أيضا، وسياسات تشد الى
الوراء”.(7)
ويرى الكاتب ابراهيم أحمد ان انقلاب تموز قد " محق الدستور
واستقلال القضاء والمراعاة التقليدية لجوانب من حقوق الإنسان وكل
مكونات المجتمع المدني والدولة العصرية الآخذة بالتبلور والنمو
ووضع الجزمة والعصا العسكرية مكانها جميعاً.غاب الرجل المدني
الحاكم وحل الرجل العسكري بوجهه المتجهم وعقله الضيق ومسدسه في
حزامه حاكماً مطلقاً”!.(8)
وجاء في افتتاحية جريدة (المدى) ان تنكيل الحكومات العراقية
المتعاقبة بالمعارضة دفعها الى " العمل السري بكل سلبياته وأمراضه،
لينتهي الأمر الى تحطيم النظام الدستوري بانقلاب عسكري سلم البلاد
الى عسكريين جهلة حافظوا على كبريائهم الشخصي وداسوا حقوق شعبهم
بالجزم العسكرية”.(9)
دعونا نعود بالذاكرة الى الوراء. فقد يكون في هذه العودة ما ينفعنا
في تلمس جوانب من ذلك التطور، الذي يتحدث عنه الأخوة، وربما نعثر
على أطلال تلك المؤسسات الدستورية التي سحقتها " جزمات العسكر
الجهلة ". في الرابع من نيسان 1958 ( أي قبل مئة يوم فقط من سقوط
النظام الملكي الدستوري) اجتمع لفيف من الشخصيات السياسية
والاجتماعية العراقية للتداول في شؤون البلاد. وفي نهاية الاجتماع
وقعوا على مذكرة معنونة الى نوري السعيد، نشرت في مجلة الشعب
المصرية، بسبب تعذر نشرها في صحيفة عراقية.(10)
واذا تفحصنا قائمة المفقودات الواردة في هذه المذكرة لوجدنا انها
تضم: صحف حرة، اجتماعات عامة، انتخابات سليمة، أحكام الدستور، حرية
التعبير، حرية التنظيم الحزبي، التنظيمات النقابية، أحزاب
سياسية... هذه القائمة لم تغطِ جميع المفقودات، لأن النظام
الدستوري كان يعتبرها من الكماليات.
ومن المفيد التذكير انه لم يكن بين الموقعين أحزاب راديكالية، وقوى
سياسية مفلسة تهوى استخدام العنف، أو شخصيات تعتنق الأيديولوجيات
التوليتارية من أي نوع، ولا ضباط جهلة، طامحين للسلطة. بل وقع على
هذه المذكرة 42 شخصية، بينهم قيادات سياسية ومستقلين ومثقفين،
بالإضافة الى عدد غير قليل من الشخصيات المحسوبة على النظام الحاكم
والذين كانوا يتداولون المناصب الحكومية العليا على مدى العقود
الثلاثة الماضية، بينهم رؤساء الوزراء السابقين والأعيان والنواب
والمحامين. وكان من أبرز الموقعين : - محمد رضا الشبيبي، محمد مهدي
كبه، ناجي شوكت، مزاحم الباجه جي، تحسين علي، جمال عمر نظمي، محمد
حديد، نجيب الصايغ، عبد الحميد الياسري، هديب الحاج حمود،
عبدالرحمن البزاز، عبد الشهيد الياسري، جميل كبة، الدكتور عبد الله
البستاني، الدكتور فيصل الوائلي، الدكتور عباس الصراف..
تبين هذه المذكرة بانها كانت تتحدث عن عراق آخر يختلف تماما عن
العراق الذي قدمه لنا الأخوة في الفقرات التي اقتبسناها آنفا. ولا
يمكن ان يكون البون الشاسع بين العراقين ناتج عن مجرد " ميول فكرية
" و " انحرافات مزاجية ". تعكس هذه المذكرة مدى عزلة النظام الحاكم
في تلك المرحلة. لم يعد الصراع يدور بين حكومة وأحزاب سياسية
معارضة تطالب بمنحها بعض الحقوق السياسية فحسب، بل كان صراعا بين
زمرة معزولة متسلطة وبين الغالبية العظمى من الشعب. لقد شهد العراق
في تلك المرحلة تراجعا كبيرا على مختلف الأصعدة السياسية
والقانونية والتشريعية، وخاصة على مستوى حقوق الإنسان، وحرية
الصحافة وحرية النشاط الحزبي والنقابي والمهني. وجاءت مراسيم 1954
الجائرة ليتم بموجبها إغلاق عشرات الصحف والمجلات ومنع جميع
المنظمات الاجتماعية والجمعيات والنوادي الثقافية، التي بلغ عددها
465. أما على صعيد الانتخابات البرلمانية فقد حصل تراجع كبير أيضا،
ولم يعد الحكم قادرا على تحمل حتى الانتخابات الشكلية الصورية
السابقة. بل وحتى أساليب الديمقراطية الزائفة والألاعيب الانتخابية
التي عرفها العراق في السابق لم تعد " الدستورية الملكية " في
الخمسينات قادرة على استيعابها وهضمها. فاستبدلت تلك الانتخابات
الصورية بانتخابات التزكية. وعلى عكس ما يحصل في الكثير من بلدان
العالم الثالث، إذ تضطر الحكومة الى تأجيل الإعلان عن نتائج
الانتخابات لفترة طويلة ليتسنى لها تزوير النتائج فان الحكومة
العراقية أقدمت، في 1953، على عملية عكسية، عندما اعتمدت أعلى
درجات " الشفافية " وقررت الإعلان عن نتائج الإنتخابات قبل
إجراءها. فقد نشرت احدى الصحف، النتائج قبل يوم واحد من موعد
الإنتخاب، حيث تضمنت قائمة بأسماء النواب الذين " سيفوزون غداً ".
وقد أكدت النتائج صحة ما نشرته الجريدة.(11)
لم يستطع نوري السعيد ان يتحمل وجود 11 نائبا من المعارضة في
المجلس الذي انتخب في 1954، فأمر بحله بعد أول جلسة. أما
الانتخابات التالية التي جرت في أيلول 1954، والتي قاطعتها أحزاب
المعارضة فقد كانت مسخرة نيابية. وقد وصفها عبد الرزاق الحسني على
النحو التالي: " انتهت الانتخابات الجديدة بمأساة لم يشهد ...
تاريخ البرلمان العراقي نظيرا لها. لعل أغربها ان الشرطة كانت
تعتقل كل مرشح غير مرغوب فيه من قبل الحكومة وعلى هذا فقد فاز
بالتزكية 121 نائبا من أصل 135. أما الباقون وعددهم 14 فقد فازوا
بانتخاب الصوري”.(11)
وقد حصل تراجع كبير ليس في أسلوب عملية الترشيح والتصويت فحسب، بل
وحتى فيما يتعلق بالتمثيل النسبي في تلك المجالس. بالرغم من التطور
الكبير الذي طرأ على البنية الاجتماعية والطبقية للمجتمع، فقد
ارتفعت نسبة كبار الملاكين من الشيوخ والأغوات في مجلس النواب من
19,3% عام 1925، إلى 35,9% في عام 1958.(12)
حتى الانفراج النسبي الذي عرفه العراق بعد الحرب العالمية الثانية
قد فرض على النظام الحاكم قسرا. فبعد تفاقم الأوضاع الاقتصادية
والسياسية في البلاد اثر انتهاء الحرب، والتي كانت تنذر بحدوث
انفجار شعبي، استدعت الحكومة البريطانية الوصي الى لندن لتزويده
بالتعليمات اللازمة. وبعد عودته الى العراق أعلن عن عزم الحكومة
إطلاق الحريات والسماح بتأليف الأحزاب السياسية في البلاد ووعد
الشعب ببعض الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية. على إثر ذلك جاءت
وزارة توفيق السويدي، في مطلع عام 1946، وهي الوزارة التي عرف
العراق في ظلها فترة انفراج نسبي، غير انه لم يدم سوى خمسة أشهر،
بسبب ضغط من نوري السعيد وأعوانه مما اجبر الحكومة على الاستقالة.
ثورة أم انقلاب عسكري؟
من أجل زرع فكرة الانقلاب في عقل القارئ يلجأ البعض الى طرق ووسائل
مختلفة، منها تشويه الحقائق والسخرية من قيادة الثورة ومن الأحزاب
السياسية وبرامجها ، ومحاولة عزل الثورة عن الماضي واختزالها بفعل
طائش لمجموعة من الضباط ، وتجريدها من منجزاتها. يرافق كل هذا
التركيز على الفعل العسكري وحوادث العنف التي رافقت ذلك الحدث
وتهويلها. ومن أجل ان تكتمل صورة الانقلاب يجري ربط 14 تموز بسلسلة
الانقلابات التي عرفها العراق، وخاصة انقلاب 1963 الدموي، وتحميل
الثورة وزر كل ما عرفه العراق فيما بعد. اذا كان أسلوب العمل السري
والمنعزل، الذي اتبعته لجنة الضباط الأحرار في التخطيط والإعداد
للثورة هو الذي جعل منه عملية مؤامراتية انقلابية هدفها إشباع
رغبات بعض الضباط، هو المعيار الذي يستخدم للحكم على ذلك الحدث
الكبير، فالأولى بنا ان ندين جميع الأحزاب السياسية المعارضة التي
أجبرتها الحكومات على ممارسة العمل السري لسنوات طوال، ليس في
العراق فحسب بل وفي جميع إنحاء العالم. ان النظر الى ذلك الحدث
بعيون أبناء العقد الأول من القرن الواحد والعشرين سيقودنا الى
استنتاجات لا علاقة لها بواقع العراق في نهاية خمسينات القرن
العشرين. أما اذا وضعت أحداث 14 تموز في إطارها التاريخي الفعلي،
عندها ستبدو، كما يقول حنا بطاطو " وكأنها ذروة نضال جيل كامل من
الطبقات الوسطى والوسطى الدنيا والعاملة، وأوج ميل ثوري كامل
ومتشرب في الأعماق " كانت له تأثيراته في الهبات الشعبية الكبرى
على مدى نحو ثلاثة عقود ". يضاف الى ذلك ان لجنة الضباط الأحرار لم
تكن بمعزل عن الأحزاب السياسية المناضلة بل كانت على علاقة وثيقة
مع جميع أحزاب جبهة الاتحاد الوطني. يثير الباحث د. ثائر كريم نقطة
في غاية الأهمية، وخاصة في ما يتعلق بالحاضر والمستقبل . فهو يرى
ضرورة ان توضع خطوط حمراء يمنع تخطيها تدل " على ان جدوى العمل
السياسي ورؤياه يتحققان بالإصلاح والجهد المديد وليس بالانقلاب
العسكري السريع”.(13) أما بشأن 14 تموز فيقول كريم انه انقلاب جاء
" لتحقيق طموحات بعض الضباط.. كانت هناك بالطبع دعوات وتمنيات من
قوى معارضة مختلفة لأن يتدخل الجيش ويقلب نظام الحكم. وتؤشر هذه
التمنيات بحد ذاتها على إفلاس سياسي لتلك القوى. إفلاس برامجها
وخططها النابعة من قدراتها هي”.(14)
نتفق تماما مع د. كريم حول ضرورة رسم الخطوط الحمراء. ولكن فاته ان
هذه الخطوط مثبتة ومرسومة في الدستور العراقي منذ عشرينات القرن
الماضي. وعلينا ان نتذكر دائما ان تلك الخطوط ستبقى مجرد خطوط على
ورق، ما لم تلتزم بها جميع الأطراف التي تشارك في اللعبة السياسية،
الحاكم والمحكوم، والذي يلبس البدلة المدنية والبزة العسكرية. وهذا
أمر لا يمكن حصوله إلا في ظل نظام دستوري ديمقراطي حقيقي يقرّ
بالتداول السلمي للسلطة. تُرى هل التزمت الحكومات العراقية
المتعاقبة منذ عشرينات القرن الماضي بالخطوط الحمراء التي رسمها
الدستور؟ لقد كان رؤساء الوزراء يسخرون علنا حتى من وزرائهم ومن
المجالس النيابية ومن القضاء.
أما الجزم بان رغبات وتمنيات بعض القوى السياسية بتدخل الجيش مؤشر
على الإفلاس السياسي لهذه القوى، فهو احتمال وارد بالفعل. ولكن من
الوارد أيضا ان تكون تلك الرغبات دليل على الإفلاس التام
لـديمقراطية النظام الملكي ومؤسساته " الدستورية " ونهج حكامه على
مدى ثلاثة عقود. يعلم الجميع ان أحزاب المعارضة ظلت متمسكة بخيار
النضال السلمي حتى شهر آذار 1957، على أقل تقدير، وهو الشهر الذي
أعلن فيه البيان الأول لجبهة الاتحاد الوطني. ولم يكن تغيير النظام
الملكي وارد في برنامج أي من أحزاب المعارضة. واذا كانت هناك ثمة
نقطة ايجابية واحدة في تجربة " اللعبة الديمقراطية " في العهد
الملكي، فهي تتلخص في انها وبالرغم من كل سلبياتها فقد أثبتت
مسألتين جوهريتين:
الأولى - ان العراقيين أثبتوا قدرتهم على ممارسة الديمقراطية
والتمسك بقواعدها. فبالرغم من ان السلطات المتعاقبة عملت على افراغ
العملية الانتخابية من كل معانيها الحقيقية، مع ذلك ظلت أحزاب
المعارضة العراقية، وبينها الأحزاب السرية، متمسكة بتلك الانتخابات
حتى عام 1954. والمسألة الثانية - ان الحكومات التي تعاقبت على حكم
العراق خلال الحكم الملكي كانت، وبدون استثناء، عاجزة عن العمل
بأحكام الدستور واحترام نتائج العملية الانتخابية، حتى ولو كانت
تلك النتائج مزورة لصالحها. لقد كان النظام بطبيعته عاجز عن
التعايش مع المبدأ الأول لأنظمة الحكم الدستورية، ألا وهو القبول
بفكرة التداول السلمي للسلطة.وهكذا في النهاية نعود الى البداية:
من الذي أطاح بمؤسسات الدولة التشريعية وأزال جميع منظمات المجتمع
المدني ؟؟؟ العرض الذي قدمناه يؤكد ان العسكر لم يكونوا في يوم 14
تموز 1958 قادرين على القيام بذلك حتى ولو توفرت النية لديهم، وذلك
لسبب بسيط وهو ان العراق في يوم 13 تموز 1958 كان خاليا من جميع
مؤسسات الشعب الدستورية (باستثناء مجلس نيابي فاز 121من أعضاءه الـ
135 بالتزكية) وخالي من الأحزاب العلنية (باستثناء حزب نوري
السعيد) وخالي من صحف المعارضة ومن الجمعيات والنقابات والنوادي،
ولا يملك سوى رزمة من أوراق قديمة أطلق عليها جزافا كلمة " الدستور
"، وتحمل آثاراً للكثير من الجزم العسكرية والمدنية التي " صنعت في
لندن " !. وقبل ان ننهي حديثنا عن " الانقلاب " العسكري دعونا
نتوقف مع رأي حنا بطاطو بهذا الشأن: " والواقع إن إلقاء نظرة سريعة
على الآثار اللاحقة، يكفي لجعلنا نعرف أننا أمام ثورة أصيلة. ولم
يكن لظاهرة سياسية سطحية أن تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف...
والواقع إن 14 تموز أتى معه بأكثر من مجرد تغيًر في الحكم. فهو لم
يدمرً الملَكية أو يضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة
جذرية فحسب، بل أن مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثر بعمق. ولقد
دمرت إلى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ ملاكي الأراضي
ولكبار ملاكي المدن، وتعزز نوعياً موقع العمال المدينيين والشرائح
الوسطى والوسطى الدنيا في المجتمع. وتغير كذلك نمط حياة الفلاحين
نتيجة لانتقال الملكية من ناحية، ولإلغاء أنظمة النزاعات القبلية
وإدخال الريف في صلب القانون الوطني من ناحية أخرى”.(15)
وجدير بالذكر ان الانقلاب العسكري لم يتحول " لاحقا بفعل احتقان
الحياة السياسية وضغط الإيديولوجيات الراديكالية الى " ثورة "، كما
يشير الى ذلك د. ميثم الجنابي، ولم يكتسب شرعيته الثورية بسبب
بيانات أصدرتها أحزاب جبهة الاتحاد الوطني.
الجهة الحقيقية التي أخذت زمام المبادرة منذ اللحظات الأولى وحولت
الانقلاب الى ثورة حقيقية هي الجماهير التي نزلت الى الشارع منذ
اللحظات الأولى. في ذلك اليوم المشهود خرج مئات الآلاف من
العراقيين ليقولوا بصوت واحد " لا للنظام الملكي الدستوري ". لقد
كان لنزول تلك الجموع الى الشارع الأثر الكبير في تحويل الانقلاب
الى ثورة شعبية ولجم القوى المضادة. لم تكن الجماهير قد عرفت شيئا
عن طبيعة النظام الجديد وقادته. لكنها أدركت بحسها الثوري ان
النظام القديم قد انهار ولم يعد له وجود. لقد كان ذلك الموقف
استفتاء شعبيا على فقدان النظام القديم لشرعيته والى الأبد. و كان
ذلك أول استفتاء حقيقي وغير مزور في تاريخ العراق الحديث.وخلال
فترة وجيزة أصبحت الثورة بالنسبة لهذه الجماهير مكتسبات وانجازات
مادية ملموسة غيرت مجرى حياتهم ونمط تفكيرهم وأثرت كثيرا على
طموحاتهم وآمالهم. وهذا الجانب بالذات ما تتجاهله مقالات أنصار
الانقلاب العسكري. لا سبيل لإثبات فكرة الانقلاب إلا اذا جردنا
الثورة من منجزاتها. وإخفاء تلك الانجازات عملية شبه مستحيلة
لكونها مست حياة الملايين فحفرت في ذاكرتهم.. ويدرك بعض الباحثين
هذا الأمر جيدا، لذلك يحاولون تصوير التأييد الشعبي الواسع الذي ما
زالت تحظى به الثورة على انه مجرد موقف عاطفي او مشاعر " صوفية "
تجاه زعيم الثورة، لكونه نبع من الأوساط الشعبية الفقيرة، ولما كان
يتمتع به من سمات إنسانية وأخلاقية . فعلى سبيل المثال يقول د.
ثائر كريم في خلاصة مقالته المشار اليها سابقا : " اعرف ان هناك
كثيرين سيهبون دفاعا عن انقلاب 14 تموز. فقد ربط البعض تاريخه
السياسي ربطا أسطوريا به. بحيث لم يعد من الممكن (أو ؟) التراجع
عنه. .. ويهب قسم آخر للدفاع عن الانقلاب انطلاقا من دفاع صوفي
وأخلاقي عن احد زعمائه، عبد الكريم قاسم. أي انطلاقا من صفات عبد
الكريم قاسم الشخصية كإنسان نزيه وشعبي وبسيط”.(16)
هذا استنتاج وارد بالتأكيد، ولكنه لا يمثل سوى نصف الحقيقة، الذي
سعى الكاتب ان يخفي وراءه النصف الآخر، وهو النصف الأهم. فبالإضافة
الى هؤلاء الصوفيين (ولا أستبعد ان أكون أحدهم) هناك الملايين من
العراقيين الذين كانت الثورة بالنسبة لهم تعني لقمة خبز نظيفة
ومياه نقية وكهرباء ومدرسة ومستوصف، والتحرر من سوط الإقطاعي
والسركال، وقطعة أرض صغيرة يزرعونها، وعمل دائم، وأمل بحياة أفضل
لأولادهم.
قد يساعدنا الجواهري بما كتبه في مذكراته عن هذا الموضوع، وهو خير
ما يمكن أن نختتم به هذه المقالة. ركز الشاعر، وبشكل ملفت للنظر
على حالة الفقر التي رافقت عبد الكريم قاسم في طفولته. يحدثنا عن
محاولة قام بها لجمع معلومات عن طفولة الزعيم من المدرسة
الابتدائية التي تعلم فيها ومن أقرانه عندما كان تلميذا. يقول
الجواهري الكبير: " فقد شدد هؤلاء على خاصية الفقر التي يعيشها
(قاسم)… هذا الفقر الذي يكاد يكون كفراً بل قل هو الكفر بعينه..
سينطلق عفريته من قمقمه المسحور بعد خمسة عشر عاماً من سني الدراسة
- وقد أصبح هذا الفقير المعدم ذو الثياب المهلهلة حاكماً مطلقاً…
ليزحف زحف الذين كفروا على الأكواخ (والصرائف) وعلى كل ما فيها من
التعساء وليحيلها شققاً وعمارات وبيوتاً ترى لأول مرة النور
والكهرباء والحدائق والشوارع منتقماً بذلك من فقره وماضيه ثائراً
على واقع البؤساء.(17)
الهوامش:
1-حنا بطاطو، عودة الى الطبقات الاجتماعية، الثقافة الجديدة، العدد
298/2001، ص 52.
2-د. ميثم الجنابي، قراءة جديدة لثورة 14 تموز...الأسباب والأهداف،
موقع النور، قراءات (201) التاريخ : 2007/7/13.
3-عادل حبة ، جذور الاستبداد وبذور الديمقراطية في العراق، موقع
دروب على الانترنيت، التاريخ : 2008/6/6.
4-عادل حبة، جذور الاستبداد ....، مصدر سابق.
5-لمزيد من التفاصيل حول موقف الجادرجي والحزب الشيوعي العراقي من
انقلاب بكر صدقي يمكن الرجوع الى: عزيز سباهي، فصول من تاريخ الحزب
الشيوعي العراقي، الثقافة الجديدة العدد 297/2007، ص 25-27.
6-د. ميثم الجنابي، قراءة جديدة لثورة 14 تموز...الأسباب والأهداف،
مصدر سابق.
7-ثائر كريم، حول إعادة تقييم 14 تموز 1958 في أفق الديمقراطية
والاصلاح، مقال منشور على موقع الحوار المتمدن على الانترنيت،
العدد998، التاريخ- 2004/4/26.
8-ابراهيم أحمد، 14 تموز والكوارث الأخرى، جريدة الصباح، العدد
478، التاريخ 2005/2/15.
9-جريدة المدى، عدد 2005/11/24.
10-د. هادي حسن عليوي، الحرية الصحفية في العراق، جدلية التحول (8)
موقع جريدة الصباح، التاريخ2007/11/27.
11-عبد الرزاق الصافي، شهادة على زمن عاصف؛ ج 1، الحلقة 6، موقع
الناس على الانترنيت، التاريخ، 2007/8/14.
12-عبد الرزاق الحسني، تأريخ الوزارات، ج9، ص 161.
13-كما ورد عند عادل حبة ، جذور الاستبداد ...، مصدر سبق ذكره.
14-ثائر كريم، حول إعادة تقييم 14 تموز 1958 .....، مصدر سابق
15-المصدر السابق.
16-حنا بطاطو، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية في العراق،
ترجمة عفيف الرزاز، ط1،ج3، مؤسسة الأبحاث العربية،بيروت، ص116.
17-ثائر كريم، مصدر سبق ذكره.