حالة البيئة العراقية واليات حمايتها

د. علي حنوش *

                                                                                                               

    البيئة العراقية ظاهرة موضوعية، وهي محصلة لسلسلة من التغيرات الجيولوجية والمناخية والطبيعية، التي حدثت قبل ملايين السنين. فمنطقة حوض وادي الرافدين تبلورت صيرورتها من خلال عدد من المراحل الجيولوجية والمناخية . العوامل الجيولوجية(وفقا لنظرية الحركات الجيولوجية القارية) ابتدأت منذ 25 مليون سنة تقريبا، حينما انفصلت منطقة الجزيرة العربية عن القارة الأفريقية، وتبلور البحر الأحمر . ومن الجانب الآخر أفضت العملية الارتطامية والانزلاقية (الجيولوجية) الى تكوين جبال زاغروس وطوروس نحو الأعلى، ومنخفضا يمر بالخليج العربي باتجاه الشمال الغربي مرورا ببغداد نحو الأسفل. والعامل الاخر في تبلور البيئة العراقية هو نهري دجله والفرات الحاليين، الموجودان منذ بداية العصر الرباعي أي منذ حوالي 3 مليون سنة. وأسهمت عمليات التعرية بتبلور السهل الرسوبي، وظهور ثلاثة أقاليم بيئية متجاورة(هضبية، سهلية وصحراوية)، تتميز بالتنوع النسبي للأمطار ودرجات الحرارة والتنوع الإحيائي.

    في الوسط والجنوب برزت نباتات أساسية كالنخيل والأعشاب والقصب والبردي، مقابل نباتات البحر المتوسط والمناطق المعتدلة في أجزاء من الشمال. وبالنظر لوفرة الطعام في تلك البيئات، فإنها استقطبت الحيوانات المائية والبرية والطيور أول الأمر، لتكون تركيبه بيئية ملائمة لاستقطاب الإنسان فيما بعد. ومع مرور الزمن فان هذه الجماعات البشرية اضطرتها تقلبات الحياة، إلى التضامن مع بعضها في توزيع العمل على تلك البيئات المنغلقة على إيقاع حركه الأنهر والاهوار والمناطق شبه الجافة أو المرتفعات وما بينهما، وكونت لها نمطا حياتيا واجتماعيا واقتصاديا قائما على وحدة العائلة والتضامن والتكلم بلغة خاصة بها.

 

البيئة والتنمية المستدامة

    شهدت البيئة العراقية وبالأخص منذ مطلع القرن العشرين وحتى اليوم، عملية متواصلة من التفكك والتغير والتبدل، تقتضي جهودا ضخمة لإصلاحها وحمايتها.  فمستويات التدهور والتعرية والتخريب، ربما الأسرع في تاريخ العراق الطويل. فأشكال التنمية المضرة بالبيئة وضعف الاستقرار أدت  لتجاوزات كبيرة  على الموارد الطبيعية والبشرية.  وأسهمت قطاعات الصناعات والإنشائية والكيمائية(النفطية) بأضرار جدية، بما تطلقه من الملوثات. وعلى الرغم من توفر تكنولوجيا نظيفة وغير مؤذية للبيئة إلا ان فرص تطبيقها لا تزال نادرة في بلادنا. كما ان اتساع دائرة استيراد مختلف أنواع السلع (الاستهلاكية والتجارية وغيرها) وضعف الرقابة، فضلا عن مخلفات الحروب، تشكل بمجملها أضعافا للبنية التحتية للنظام البيئي.

    منذ عام 1990 شرعت منظمات الأمم المتحدة للتنمية، لإحداث أسلوب جديد لمتابعة أوضاع الإنسان في العالم، عبر جمع الدراسات وإلاحصاءات، التي تستند غالبيتها على تقارير مراكز منظمات الأمم المتحدة الإقليمية والقطرية، فضلا عن التقارير السنوية والفصلية لمراكز وأبحاث دراسات مشهود لها بالدقة. فظهرت تقارير التنمية(البشرية) الإنسانية، وتقارير الشفافية الدولية، وأخيرا تقارير مؤشرات التنمية المستدامة للبيئية. وتستند مؤشرات التنمية المستدامة للبيئة على 21 مؤشر أساسي ، تتجمع على خمسة محاور رئيسية، تشمل جميع مكونات النظام البيئي. وتشمل تلك المؤشرات على سبيل المثال: مستويات تلوث الهواء ونصيب الفرد من الغازات المنبعثة، ونصيبه من الموارد الطبيعية (الأراضي الزراعية، الموارد المائية)، التنوع الإحيائي، عمر الإنسان بعد الولادة، مستوى الدخل الفردي، خدمات الثقافة والمياه النظيفة والطاقة والحصول على سكن لائق بالتالي القدرة الحقيقية على تنميه الأفراد والآسر، فضلا عن أعداد الصحافة والكتب المنشورة واتساع استعمال الإنترنت وغيرها.

    ويمكن تجميع مؤشرات التنمية المستدامة للبيئة على حالة النظام البيئي المحلي الراهن بالمحاور الآتية:

- محور الموارد الطبيعية.

- محور ضغط النمو السكاني.

- محور ضعف الاستقرار السياسي والاجتماعي.

- محور التنمية الإنسانية وتدهور الخدمات.

- محور تلوث المحيط البيئي.

- التغيرات المناخية.

 

1. حور تدهور الموارد الطبيعية(وتشمل الموارد الأرضية، المياه، التنوع الحيوي)

 

    يبدو ان الموارد الطبيعية احد ابرز ضحايا التدهور البيئي، حيث تراجعت القدرة الاستيعابية للنظام البيئي في العراق، والمتمثل بتراجع نصيب الفرد من تلك الموارد. إذ شهد القرن العشرين، وبالأخص في نصفه الثاني، تراجعا كبيرا لجميع مكونات الموارد الطبيعية. وتواجه مكونات الأرض وبالأخص منها الصالحة للزراعة والمسطحات النباتية بشكل عام  تهديدات خطيرة تتمحور بالعناصر الأساسية الآتية: التعرية، سبخ وملوحة الأراضي، التصحر، انخفاض إنتاجية الأراضي، تقلص نصيب الفرد من الأرض الصالحة للزراعة والتلوث بالمعادن الثقيلة. فتراجعت نسبة الأراضي الزراعية من حوالي 20 % في بداية القرن الماضي الى اقل من 12% في الوقت الحاضر.  وبالمقابل تقلصت كفاءة المراعي  التي كانت تغذي حوالي 70 % من الثروة الحيوانية، إذ أصبحت قادرة على تامين غذاء ما بين 10-25  % من احتياجات غذاء الثروة الحيوانية. وفقد العراق أكثر من ثلث تراجع  تنوعه الإحيائي، وأكثر من 60 % من ثروته  من أشجار النخيل فضلا على تدهور نوعيتها. كما تراجعت نسبة الأراضي الشجرية والغابات الطبيعية تحت ظروف من التعرية والاستخدام البشري المفرط وضعف الاستقرار وغيرها. فمساحات الغابات التي كانت تمثل حوالي 4 % من المساحات الإجمالية حتى عام 1948 ، اختفت اليوم من الخارطة تقريبا.

 

    يحتل تراجع كميات الموارد المائية أهمية كبرى لخصائص العراق المناخية والجغرافية والاقتصادية والتاريخية. فالماء يشكل عصب الحياة الرئيسي لجميع مكونات النظام البيئي المحلي، والمظلة التي تجتمع حولها ميزات العراق الطبيعية والاجتماعية والجمالية والجغرافية، وبالأخص مع تزايد الطلب على المياه الذي يتضاعف كل 20 عاما، مع زيادة مستويات التلوث. وعليه فان حماية الموارد المائية من التلوث (بما فيها نقص الموارد) يشكل احد ابرز الأعمدة الأساسية في أي رؤية إستراتيجية لحاضر ومستقبل العراق. خصوصا وان الجزء الغالب من تلك الموارد تنبع من بلدان مجاورة (تركيا وإيران). وتراجع الموارد الطبيعية أفضى الى غياب وفقدان أنواعا واسعة من الطيور والحيوانات البرية والثروة السمكية، وبالتالي إحداث خلل في التنوع الإحيائي. وانعكس فقدان تلك الموارد، على فرص العمل وسبل العيش، وتشوه صور التنمية التي أخذت تميل الى الوحدانية (الاعتماد على النفط)، وتشوه البنية الاجتماعية، والتسبب بمزيد من المنافسة على الموارد الطبيعية، ومصادر للصراع وضعف الاستقرار.

 

2. محور ضغط النمو السكاني(معدلات النمو ، الهجرات، النمو السكاني والتنمية، الفقر)

 

المجتمع العراقي مجتمع فتي حيث يبلغ نصف السكان فيه اقل من 18 عام. إن معدلات النمو السكاني تجاوزت في بعض العقود نسبة 4- 5 %. وعلى الرغم من تفشي ظاهرة  ضعف الاستقرار وتراجع مستويات التنمية  خلال أكثر من ثلاث عقود، إلا انها لم تقترن بارتقاء مستوى الوعي لخفض الإنجاب.  وتراجع معدلات النمو السكاني، ناجم عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال دون عمر الخامسة من العمر، فضلا عن اتساع انتشار الأمراض الناجمة عن  سوء التغذية والأمراض الأخرى. وتبلورت مجموعة من المشكلات (كالتغيرات في التركيب الديموغرافي) كنتاج لعمليات النمو السكاني العفوي وتشويه العلاقة المتبادلة بين الريف والمدينة. فقد كان اغلب سكان العراق يسكنون في الريف حتى نهاية العقد الرابع من القرن الماضي، غير ان تلك الصورة قد تغيرت بصورة جذرية في الوقت الراهن. وأصبح سكان الريف يمثلون حوالي ربع السكان، في ظروف تتسم بالفقر وضعف الخدمات. وكان إحدى ثمار تلك الأوضاع تزايد معدلات الهجرات من الريف، وبالأخص بالارتباط بالصدمات البيئية (الجفاف، تدهور نوعية الأراضي وغيرها). ويمثل التشوه والارتباك في أداء وظيفة المدينة والريف مشكلة تنموية شديدة الخطورة، تلقى بظلالها على التنمية البشرية. فقد تضخمت غالبية المدن، بالأخص مع اتساع مساحات الأحياء الفقيرة، ذات البيوت والشوارع الضيقة والخدمات الضعيفة، والاكتظاظ السكاني. مما يعني انعدام برامج تنمية وتخطيط المدن لتلك الأحياء أولا، وهجرة الشباب من الريف المهمل طلبا للعمل وحياة أفضل. والمعضلة الأخرى المرتبطة بالنمو السكاني، تتمثل بتراجع نصيب الفرد من الموارد الطبيعية، وبالتزامن مع تدهور تلك الموارد.

 

3. محور تدهور التنمية الإنسانية والخدمات(الفقر والبطالة، الفساد المالي والإداري، الهجرات وتدهور الخدمات)

 

الفقر والبيئة

    الفقر خصوصية اجتماعية وليس شانا أيديولوجيا، فهو نتاج ندرة الموارد المتاحة، سواء أكان راسمالا أو ممتلكات (ارض زراعية أو خبرات) تتيح له عرضها على السوق مقابل مكافئ مادي يعالج فيه متطلباته اليومية. وتلعب  الموارد البيئية دورا حيويا للحفاظ على استراتيجيات التنمية البشرية والتصدي للفقر، غير ان الصدمات البيئية (ككوارث الجفاف وتراجع الموارد المائية أو الأوبئة) الطبيعية أو فقدان فرص العمل، تعمق من ظواهر الفقر.

    في الريف يتمثل الفقراء غالبا بالفلاحين أو العمال الزراعيين الذين لا يملكون الأرض أو أنهم يملكون قطع صغيرة، مما يقود الى شحة المداخيل. وهؤلاء، في الغالب، هم من الذين لم يحصلوا على تعليم بالمرة أو ذوي مستوى تعليمي ضعيف. أما في المدن فغالبية الفقراء هم من لا يجدون عملا منتظما، ويعملون في قطاع عمل غير رسمي، أو من مهاجري الريف أو الأرامل أو اليتامى ولا يملكون رأس المال للاستثمار.  وكثيرا ما يقطن هؤلاء في مواقع سكن ملوثة ولا تتوفر فيها مياه الشرب النظيفة، وقدرتهم على شراء الأدوية والمعالجة ضعيفة. لهذا فان الفقير بحاجة الى إعانة (جمعية أو طرف رسمي أو شخصي)، وبحاجة الى ضمان اجتماعي أو مورد طبيعي. فالفلاح يحتاج الى البذور والأسمدة بالإضافة الى الإرشاد والمياه كي يضمن الإنتاج. كما يحتاج الى ضمان التسويق والسياسات السعرية المتناسبة مع قيمة المنتوج الفعلي مع ضمان عائد مجزي. والفقراء هم أول ضحايا التعرية وتدهور الموارد الطبيعية، وغالبية هجرات الريف العراقي في القرن العشرين هي من هؤلاء، فالتعرية ذات تكاليف عالية على الفقراء وعلى التنمية بشكل عام.  لقد أصبح شبح الفقر يطبع بصماته بقوة على الريف والمدينة معاً، ويؤثر على جميع مفاصل الحياة الاجتماعية والبيئة الطبيعية. وعلى المستوى الاجتماعي، فان التفاعل بين الفقر والبيئة غالبا ما يؤدي الى تدهور البيئة الاجتماعية. وقدرة الفقراء على حماية أنفسهم في تلك الظروف ضعيفة، وكثيراً ما يعرضون البيئة للخطر بدافع الحاجة. فهم لا يقدرون معنى وأهمية صيانة البيئة، وفي سبيل البقاء قد يعمدون الى تدمير كل شيئ. وقد يبدو ان الفقر والإرهاب صنوان في بعض الأحيان. كما ان تدهور الموارد الطبيعية واتساع البطالة والفقر، تفتح الطريق لاشتداد المنافسة على تلك الموارد وتفضي الى ضعف الاستقرار.

 

الفساد الإداري والمالي

    الفساد الإداري مشكلة عراقية جدية، وهو ما ينعكس في تراجع ترتيب العراق في سلم مؤشرات النزاهة والشفافية الى أدنى الموقع  في العالم. والفساد المالي والإداري معضلة عراقية قديمة وكان نموذج الدولة الصارمة مسهل للفساد الإداري المالي. غير ان الظواهر الجديدة تشهد إحداث تغيرات هيكلية في أقسام الوزارات اعتمادا على معايير تتعارض مع مفهوم التنمية المستدامة للكادر الوظيفي، والتلاعب بالمال العام والمبالغة بالإنفاق عبر استعمال الصلاحيات، وبطرق ملتوية. والخيار الواقعي  في التخفيف من ثقل الفساد الإداري، يكمن في اختيار الكفاءات الصحيحة والوطنية للاضطلاع بالمسؤوليات، والمراجعة الدورية لانجازات العمل.  كما ان تعزيز العمل المؤسسي،  والحريات المتاحة لوسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وصرامة الإجراءات ضد المخالفات، يمكن ان تسهم  في تضييق دائرة  الفساد الإداري والمالي. فالفساد يعد معرقلا للتنمية المستدامة، ويشيع أجواء ضعف الثقة وسوء استعمال السلطة والنفوذ الوظيفي مقابل سيادة القانون. واسهم نظام المحاصصة الطائفي والاثني بتعزيز ظاهرة الفساد في أجهزة الدولة مما يمثل احد أبرز الأخطار التي تواجه الدولة العراقية ومستقبلها.

 

الهجرات

     الهجرات العراقية ارتبطت في غالبيتها بظواهر التمييز والعنف السياسي والاثني والطائفي منذ مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي وحتى اليوم. فالتمييز الاثني والقومي والعقائدي أو البحث عن مصادر الأمان الاقتصادي، تمثل الإطار العام للهجرات والتي يطلق عليها بالهجرات البيئية.

 

    اتسعت وتائر الهجرات في الحقبة ما بعد عام 2003،  وكانت الأسرع في العالم،  مخلفة نتائج بعيدة الأثر في التركيب الديموغرافي للسكان فضلا عن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية والصحية البالغة الأثر. ‏ فنزوح 4.4 مليون عراقي (في الداخل والخارج) فرارا من العنف يشكل أكبر تحدٍ للتنمية والاستقرار، ومظهرا لازمة وطنية وإنسانية بعيدة الأثر.  وبالرغم من عمق هذا الحدث إلا أن الإجراءات المتخذة لمعالجته تتسم بالركاكة والهشاشة والضعف، وهو بحاجة الى رؤية أعمق تشمل ليس فقط بعض ظواهر تشجيع (العودة) وتحسين الأمن وفتات المساعدات، وإنما الغور بعمق هذه الظاهرة وتحليل أسبابها. والسبب الأعمق لتلك الظاهرة هو الفشل في أنماط التنمية، الذي يلقي بظلاله ليس فقط على نمط تقاسم السلطات والموارد وإنما على مسالة العدل الاجتماعي وتطبيق مفاهيم دولة القانون.

 

4. محور تلوث المحيط البيئي

 

    يعد التلوث بالمعادن الثقيلة، وأبرزها الرصاص، الحديد، الكادميوم، المنغنيز والزئبق والمصادر المشعة وبالأخص اليورانيوم ومخلفاته، مشكلة خطيرة. فقد تراكمت تلك الملوثات (بمستويات مختلفة) ومن مصادر مختلفة عبر فترات طويلة من الزمن، لوثت الهواء والماء والأرض.  وجميع تلك الملوثات تشكل مصادر خطر جدي على البيئة، وهي بحاجة الى مجهودات ضخمة للتخفيف والحد منها. ومن المؤكد ان اتساع  دائرة الأمراض بمختلف ألوانها (بما فيها السرطانية) المتفشية في العراق والتشوهات الخلقية، وتجدد أمراض أخرى كانت شبه مختفية في السابق، ناجم عن تعدد وتنوع مصادر الملوثات وتراكمها في المحيط الاجتماعي. غير ان التصدي لمصادر التلوث والتخفيف من حجم الأمراض لا تزال بحاجة الى دراسات وتشخيصات علمية واسعة النطاق.

 

    وتحتل  مصادر التلوث  الناتجة من استعمال الوقود (كالبنزين وغيره)، مصدرا كبيرا لتلوث هواء المدن الكبرى.  فقد غصت شوارع غالبية المدن العراقية، بالعجلات والآليات من الطراز القديم. وبحسب المعطيات الإحصائية تجاوزت أعداد السيارات في العراق (ما عدا إقليم كردستان) المليون سيارة قبل سقوط النظام عام 2003، وأفضت عملية فتح الحدود أمام استيراد سيل السيارات (من دون ضوابط) الى أن تتضاعف الأعداد السابقة، غالبيتها من (موديلات) قديمة، الأمر الذي أفضى الى العديد من الأزمات والاختناقات في مختلف المدن العراقية. ويكلف الكم الكبير من الآليات، مزيدا من تلوث الهواء، وزحام الطرق والشوارع، والزمن الضائع. وإذا أضيف لذلك نوعية البنزين المستخدم لدينا، فهو من النوع الغير مصفى من عنصر الرصاص والكبريت، وبالتالي فان العربات (التي غالبيتها من أجيال قديمة) تطلق كميات اكبر من الملوثات يوميا (قياسا للأجيال الجديدة)، وبالأخص في المدن ذات الاكتظاظ السكاني الكثيف، فيمكن تصور حجم الأضرار البيئية على الصحة البشرية، وبالتالي على نوعية الحياة. وتشير تقديرات دوائر البيئة في محافظة بغداد، والتي تتوفر لديها محطات (متواضعة) لقياس تلوث الهواء في بعض المواقع، الى ان مستويات تراكم غازات ثاني أوكسيد الكاربون، وثاني أوكسيد الكبريت، وعنصر الرصاص والمواد الصلبة العالقة في الهواء في هذه المناطق مرتفعة، تصل في غالب الأحيان الى أكثر من ضعف المعدلات العالمية. وتلك المعطيات بالإمكان مقاربتها مع سعة أمراض الجهاز التنفسي التي تنتشر في العراق، ويدفع فاتورتها الفرد والاقتصاد وفرص التنمية المستدامة. 

 

    والتلوث بمركبات الهيدروكربونات، وبالأخص تلك الناتجة من الصناعات النفطية، فضلا عن كثرة التسربات وتفجير الأنابيب وتخريب المنشات النفطية، هي الأخرى إحدى  المصادر المرعبة لتلويث الهواء والماء والأرض وبالتالي جميع المكونات الإحيائية، وهي موضوعات لا تزال غير مدروسة بشكل مناسب. واعتقد ان مدننا ومجمعات سكانية مثل البصرة، بيجي وكركوك والدورة وغيرها من المواقع، تعاني من أضرار ثقيلة بفعل مستويات التلوث.

 

    ويزداد استخدام المركبات العضوية (مركبات الكلور والمبيدات) بشكل واسع نسبيا في الحياة العامة أو في الصناعة والزراعة. ويلاحظ أن جزء كبيراً من تلك المركبات يستورد من مناشئ غير معروفة أو غير مدقق في نوعيتها، مما يوحي باحتمال التعرض الى أضرار صحية وبيئية نتيجة استعمالها.  ويكثر في شوارع وساحات المدن  مخلفات المواد الإنشائية ومخلفات الآليات العسكرية (والسكراب)، التي تحدث تشوهات وأضرار لبيئة المدن وتشويه للمزايا الجمالية لها. ان زخم الهموم والمشاكل البيئية، جعل الحديث عن الرؤيا الجمالية للطبيعية (الأنهر والمساحات الخضراء) ومواقع التراث التاريخي، شانا ترفيا قلما يجري الحديث عنه. وتزخر أراضي العراق وبالأخص المناطق الحدودية بأعداد هائلة من الألغام (ضد الأفراد واليات)، والتي تحصد أعداد واسعة من سكان الريف ومن مصادر الثروات الحيوانية، مما يشكل مصدر قلق وخطر يومي للسكان وإمكانية الاستفادة من الموارد الزراعية أو الرعوية. وعلى ان  المساعي الراهنة للتحري عن الألغام ومحاولة إزالتها، لا يزال  حتى الآن يمثل  جهدا متواضعا  قياسا الى حجم تلك التركة الثقيلة.

 

    ان تقدير حجم ونوعية وأضرار الكوارث البيئية لا يزال ضعيفا في بلادنا، وجل ما نمتلكه من معلومات حتى هذه اللحظة، يعتمد على مصادر برنامج الأمم المتحدة للبيئية، والتي تشير الى وجود أكثر من 300 موقعا ملوثا في العراق. وهذه المواقع بحاجة الى جهد مشترك للتحقق من نوعية التلوث ومستوى تأثيراته على المحيط البيئي (على المحيط الإحيائي والبشري الهواء والماء وغيرها). ويمكن اعتبار ان التحولات السياسية التي ارتبطت بتغير النظام السابق، وعمليات التدمير الواسعة النطاق للمنشات النفطية، والتصنيع العسكري والطاقة الذرية، إضافة الى تأثير العمليات العسكرية التي  استعملت فيها ذخيرة اليورانيوم المنضب، جميعها تشكل مصادر إضافية خطيرة للتلوث البيئي. 

 

    ان غياب الرقابة بشكل عام، على المستويين الداخلي والخارجي، (بما فيها المواد الغذائية المستوردة)، وفقدان  نظم الأمان الصحي في العمل وحماية المستهلك، تشكل، جميعها، خطوطاً عريضة لأبرز مصادر التلوث البيئي في العراق، وتتعز بانخفاض مستوى الوعي البيئي وانتشار الفقر وضعف النظم المؤسسي المعني بالبيئة.

 

5. محور العنف وضعف الاستقرار والتهديدات على البيئة

 

للعنف مفاهيم وتفسيرات (ولربما نظريات) متنوعة، كما ان للعنف أشكالا ومراحل نمو وتطور متنوعة هي الأخرى.  ومن المؤسف القول ان العنف وثقافة العنف، أصبحا شانا سائدا في الحياة اليومية (في الأسرة والشارع وأجواء العمل فضلا عن الثقافة التقليدية، والشعار السياسي أحيانا). وتبين لغة الأرقام على مدى الأعوام الخمسة المنصرمة، تسارع وتيرة العنف اليومي في الحياة العامة، وتفشي وتنوع أشكال الفرق والعصابات التي تمارس أعمال العنف وترويع السكان. العنف غدا الآفة المهدِدة  للتنمية والبيئة بجميع أشكالها. وأفرزت ظاهرة العنف المؤشرات الآتية:

- اتساع دائرة ضحاياها من السكان المدنيين والعسكريين وملايين المهجرين.

- الفاتورة  الباهضة التكاليف على المستويين الاقتصادي والتنمية بشكل عام.

- تفشي ثقافة العنف الى مختلف الأجيال من مكونات المجتمع.

- اتساع دائرة التلوث والتدمير البيئي.

 

6. محور التغيرات المناخية

المناخ يعد العامل الأكثر تأثيرا على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وتبين التطورات المناخية الحديثة اشتداد موجات الرياح على جميع الأراضي العراقية. وبالأخص تلك  التي تشتد خلال أشهر الصيف (رياح السموم). وغالبية الرياح من نوع العواصف التي تؤثر سلبا على استقرار البيئة وتساعد على تنشيط التعرية الهوائية وما ينتج عنها من  التلوث بالغبار المحمل بدقائق الرمال بمختلف أحجامها مما يؤدي الى مخاطر صحية جسيمة. واشتداد موجات الرياح وارتفاع الحرارة ليست بمعزل عن تقلص الرقعة المائية للعراق، حيت تلعب المياه دور المصفاة لتنقية الرياح والتخفيف من حدة الحرارة وآثارها.

   وبالرغم من كون ارتفاع الحرارة ظاهرة عالمية،  إلا أن الظروف المناخية غير العادية  التي تمر على العراق والمنطقة بشكل عام تثير التساؤل. فالارتفاعات غير العادية للحرارة وشدة أشعة الشمس، وطول مراحل وموجات الجفاف،

وتغيرات الرياح الموسمية وما يتبعها من أضرار، تطرح التساؤل: هل أنها مجرد ظروف عادية أم إنها جزء من

 إطار لأحداث يصعب تفسيرها بطريقة اعتيادية؟

 

    والتعرف على المتغيرات الحاصلة لبعض عوامل المناخ، وبالأخص منها تراجع عدد من مكونات الموارد الطبيعية (تقلص رقعة المياه، الغطاء الشجري والخضري، معدلات التعرية والتصحر وغيرها) إضافة الى دور الإنتاج النفطي في رفع مستويات التلوث في المحيط الغازي. تسهل التعرف على العوامل المؤدية الى تنامي ظواهر الاحترار وارتفاع درجات الحرارة، والاحتباس المطري المؤدية الى الجفاف، وانعكاساتها على المستويين الاجتماعي والاقتصادي للعراق، شانا جوهريا لمستقبل الوجود البشري فرص التنمية. وعلى الرغم من حدة تلك الأسئلة ،إلا ان الجهد العلمي المبذول لتفسير وتحليل تلك المتغيرات لا يزال محدودا.

 

سبل واليات حماية البيئة

 

يمكن وصف حالة البيئة العراقية بالكارثية في المرحلة ما قبل الحرب، وتعمقت تلك الظاهرة في الحقبة اللاحقة، هذا إضافة لحالة الإهمال الشديد التي تعاني منها أصلا. وحماية البيئة بأبسط أشكالها تعني النمط السلوكي وحسن التصرف لمنع الضرر تجاه المحيط البيئي.  وتتمثل أدوات حماية البيئة بتحديد مكوناتها، ومنهجية التحليل والموديلات المناسبة للبيئة، ودور المؤشرات البيئية في صنع القرار. ويمكن تسجيل ابرز مؤشرات حماية البيئة بالمحاور الآتية:

 

- تنظيم الإدارة البيئية (وتعزيز التنسيق بين الوزارات ذات التخصصات المشتركة لمعالجة المشكلات البيئية).

- إجراء مسح واسع النطاق لمراكز التلوث والتدهور البيئي، وإعداد الخرائط المناسبة لمواقع التلوث.

- تنظيم الإحصاء البيئي وإعداد التقارير البيئية وفقا للمقاييس الدولية وعرضها على الرأي العام.

- إعداد استراتيجيات للمراحل الثلاث (قصيرة، متوسطة وبعيدة المدى)، لمعالجة المواقع الملوثة والمتدهورة بيئيا وفقا لأسس للتنمية المستدامة.

- إعداد إستراتيجية للتعليم والوعي والإعلام البيئي، والحرص على تطبيقها.

- حساب تكاليف التلوث وكلفة المعالجة وتنظيم اقتصاديات البيئة.

- تشكيل مجلس (هيئة) أعلى للبيئة، يرتبط مباشرة بمجلس الوزراء ويمتلك صلاحيات تنفيذية.

- وضع القوانين البيئية موضع التطبيق وتشكيل محكمة خاصة بالمخالفات البيئية.

- تشجيع ومساعدة القطاع الخاص للمساهمة في مشاريع معالجة المخلفات (المخلفات العضوية، الإنشائية) والأسمدة والمنتجات(الصناعية والغذائية) الصديقة للبيئة.

- تعزيز الصلات الإقليمية والدولية، والإسراع في المصادقة على الاتفاقيات الدولية، وتعزيز تبادل الخبرات.

- تعزيز بناء القدرات والمؤسسات المعنية بالبيئة.

- تنشيط دور المنظمات المعنية بحماية البيئة.

- اتخاذ خطوات فعالة للتخفيف من حدة المتغيرات المناخية، عبر حماية المسطحات المائية والمحيط الشجري، والتخفيف من مستويات الانبعاث الغازي، واعتماد أجهزة الإنذار المبكر، للتصدي لظواهر الارتفاع الحراري والانحباس المطري التي تؤشر لموجات الجفاف التي تكرر بمراحل اقصر وتطول مدت بقائها المدمرة.

- إلزام الشركات المحلية والأجنبية بتطبيق قواعد ايزو رقم 14001 العالمية، عبر منع تلويث البيئية وتحمل تكاليف التلوث.

 

     وبالرغم من تعدد محاور التنمية المستدامة للبيئة، إلا ان مهمات المرحلة الراهنة يمكن تركيزها بالمحاور  الآتية:

- تامين الخدمات العاجلة المرتبطة بحياة السكان اليومية ( مياه الشرب النظيفة، بنية تحتية مناسبة لشبكات الصرف الصحي، التجهيز المنزلي بالطاقة الكهربائية، تحسين مستوى الخدمات الطبية).

- التصدي لمصادر تلوث هواء المدن ومعالجة النفايات(بأنواعها)، التخلص من النفايات المنزلية واعتماد أدوات حديثة لمعالجة وتدوير المخلفات.

- توفير الأمن والاستقرار ومعالجة مخلفات الحروب الثلاثة، وإجراء مسح شامل للملوثات الخطيرة (بالأخص ملوثات المعادن الثقيلة) ومخلفات القذائف والصواريخ والقنابل الغير متفجرة والألغام والتي تهدد حياة السكان ومصدر قلقهم اليومي.

- اعتبار التنمية الزراعية(والريفية) من ابرز مهمات التنمية، لوضع حد لنزيف الهجرات والبطالة والتهديدات المتنوعة الأخرى.   

- اعتماد خيار التنمية المستديمة وحماية البيئية كمؤشر أساسي في التعامل مع مشاريع إعادة الإعمار .

- تعزيز أجهزة الرقابة(الفنية والإدارية) الرسمية وأدوات الإعلام والتوسع في إعداد التقارير التي تعكس تطور الواقع البيئة والتنمية.

- تشجيع القطاع الخاص في تبني مشاريع معالجة المخلفات (المخلفات العضوية، الإنشائية) والأسمدة والمنتجات الصديقة للبيئة.

- إجراء مسح لمصادر التلوث والتدهور البيئي، وإعداد التقارير والخرائط اللازمة لتحديد مواقعها.

 

    وأخير، لا بد من التأكيد على أن وظيفة حماية البيئة، مراقبة الإنسان والمحيط الذي يعيش في ظله، والتدقيق بنوعية التأثيرات الضارة لنشاطه عبر استخدام أدوات التحليل العلمي والخبرات، مع السعي لاستباق وقوع الضرر بسرعة وفاعلية تعد من الأمور المهمة في هذا المجال. وتطبيق قوانين حماية البيئة، التي هي بمثابة البرامج الوطني للتنمية، تقتضي الضرورة لمراجعة مستويات تنفيذها بين حقبة وأخرى لغرض تجاوز الثغرات وتحسين نوعية الأداء.

* باحث في البيئة والتنمية

--------------