الأطفال والأزمات الآثار النفسية الناجمة عن تعرض الأطفال إلى الأزمة الاقتصادية -  الدكتور محمود شمال حسن *

المقدمة:

لقد أحدثت الحروب المتلاحقة التي شهدها المجتمع العراقي، جملة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وقد برزت هذه الأزمات في أشكال متعددة منها: زيادة معدلات البطالة، وارتفاع معدلات  التضخم، وزيادة الأسعار، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، ثم جاءت الحرب الأخيرة  التي أفضت الى سقوط النظام الحاكم ، لتزيد من حدة هذه الأزمات. فلقد أفضى حل بعض الدوائر والوزارات الى تعطل عدد من الأفراد عن العمل ، وقد ترتب على ذلك  صعوبات معيشية أخذت تعاني منها بعض  الأسر العراقية. وبهدف تحسين الدخل الشهري ومواجهة الارتفاع  الحادث في الأسعار , فضلا عن مواجهة بعض ما تقتضيه المعيشة  من مستلزمات غذائية واستهلاكية , لجأت هذه الأسر، مضطرة، الى تشغيل بعض أبنائها في أعمال هامشية, لكي يسهموا معها في سد احتياجاتها. وقد تسبب انشغال الأسرة بهمومها الحياتية  المتلاحقة - وهذا ما يهمنا هنا - إهمال الأطفال وعدم إشباع حاجاتهم من الدفء الأبوي والرعاية الأسرية , مما ترتب على ذلك، تعرض هؤلاء الأطفال الى عدد من المشكلات النفسية .

وقد ازدادت هذه المشكلات حدّة، نتيجة استمرار هذه الأزمات وغياب البرامج النفسية والاجتماعية للتقليل من أثارها.

    وفي هذه الدراسة, ستقتصر الحديث على رصد الآثار النفسية غي حال استمرار الأزمات الاقتصادية الى اجل غير مسمى، ثم بعد ذلك نعمد الى طرح عدد من البرامج المقترحة التي  من شأنها أن تقلل من أثارها.

الآثار النفسية المترتبة على تعرض الأطفال الى الأزمة الاقتصادية

    لعل من المفيد الإشارة هنا , قبل الخوض في تفاصيل الإثارة النفسية المترتبة على الأزمة الاقتصادية , أن الأثر النفسي  المترتب على مشكلة معينة يقتضي بين ما يقتضي, لكي يظهر الى العيان, توفر ثلاثة شروط .

فأما الشرط الأول, فهو شرط الشدة, ونعني بالشدة, أن تكون المشكلة شديدة الوطأة بالغة الخطورة. وإما الشرط الثاني, فهو المدة الزمنية , والمدة الزمنية مطلوبة هنا؛ لكي تجعل المشكلة أكثر وضوحا. إذ وجد أن المدة الزمنية, كلما طالت أصبحت المشكلة أكثر وضوحا, مما يستدعي التدخل لإيجاد الحلول المناسبة لها. وأما الشرط الثالث , فهو شرط التكرار، ونعني بالتكرار هنا, أن المشكلة ينبغي أن تتكرر على الدوام معرضة الفرد الى جملة من المتاعب, هذه المتاعب قد تفضي به الى طلب العون والمساعدة من الآخرين؛ بهدف التقليل من حدتها. وبذلك فأن شدة المشكلة والفترة الزمنية الطويلة التي تستغرقها وتكرارها، سينسجم عنه آثار  معينة, هذه الآثار تتحدد تباعا لنوع المشكلة, فأن كانت المشكلة نفسية، فأن الآثار المترتبة عليها ستكون  نفسية بالدرجة الأولى , وان كانت اجتماعية،  فأن الآثار المترتبة عليها ستكون اجتماعية, وان كانت اقتصادية  سيترتب عليها آثارا نفسية واجتماعية، فضلا عن الآثار الاقتصادية, وهلم جرا الى المشكلات الأخرى.

    وبعد معرفة الشروط التي يتم  بموجبها إحداث  الأثر النفسي نطرح السؤال التالي: ما الآثار النفسية المتوقعة على استمرار الأزمة الاقتصادية الى اجل غير مسمى؟

    في حقيقة الأمر هناك عدد من الآثار النفسية التي  يتوقع أن تظهر بين الأطفال، جرّاء استمرار الأزمة الاقتصادية لفترة زمنية طويلة , وفي هذا السياق سنشير الى أهمها :

1. زيادة معدلات التسرب من الدراسة:

   لعل من الآثار النفسية المترتبة على الأزمة الاقتصادية زيادة معدلات التسرب من الدراسة(1) بصورة غير طبيعية, وربما يعود السبب الى أن الأسر على العموم أخذت تتداول أحاديث عن المعيشة وهمومها والأساليب التي يتم من خلالها تحسين حالة الفرد, مع ذكر الأمثلة عن الأفراد الذين ارتقوا في السلم الاجتماعي؛ وذلك من خلال الاشتغال بمهن تتناسب وظروف الأزمة. وبطبيعة الحال، أن  أحاديث الأسرة عن الغنى وتحسين الحال بعيدا عن الدراسة سيؤدي الى اشراط الصغار, ونعني باشراط الصغار هنا , العملية التي يتم من خلالها تنفير الصغار من الدراسة وترغيبهم بالأعمال الحرة أو تلك الأعمال التي  لا تستدعي بذل أي جهد دراسي (2). وبالمحصلة النهائية , ستنشأ حالة من الاقتران الشرطي بين الصفات السلبية والمهنية المراد اشراطها, فالمهنة التي تقترن في العادة بصفات ايجابية, سيجد فيها الصغار تفضيلا وإقبالا على ممارستها واحترافها, بينما المهن التي تقترن بصفات سلبية. سيجد فيها الصغار نفورا وعدم تفضيل. واستنادا الى ذلك، شاع بين الصغار بعض الحجج في العزوف عن الدراسة، وهذه الحجج هي في الواقع مستمدة من الاشراط السابق في المحيط الأسري.

    ومما يخشى منه، أن عزوف الصغار عن مواصلة التعليم من جانب، وزيادة معدلات التسرب في المراحل الدراسية المختلفة من جانب اخر, قد يؤثر تأثيرا بيّنا في عملية تكوين رأس المال البشري؛ وذلك لان المجتمع يعول على هذه الفئات العمرية في المستقبل المنظور, في أن تصبح ملاكاً علمياً في كل قطاعاته بعد أن تهرم وتشيخ ملاكاته العلمية الحالية, وانه أمر مخيف حقا أن استمرت عملية  التسرب بالازدياد دون إيجاد الحلول الناجحة لها.

 

2. جنوح الأحداث:

تشير الدراسات التي أجريت على الأطفال الجانحين, أن الجنوح يشيع بين الأطفال الذين دخلوا سوق العمل مبكرا (3)، مقارنة بأقرانهم.

    أذا نحن  بحثنا عن الأسباب التي تجعل هؤلاء أكثر تعرضا للجنوح من غيرهم, وجدنا أن غياب السلطة الأبوية، عُد سببا رئيسيا في تهيئة الطفل؛ لان يكون جانحا, ذلك أن غياب الطفل عن المنزل لأغلب ساعات النهار يعني  غياب النموذج الذي ينمذج سلوكه وفقا له. ولما كان النموذج غائبا ولم يكن ثمة بديل في حياته يحل محله, فأن الطفل سيشكل سلوكه في الواقع، استنادا الى  النماذج الموجودة في محيطه الاجتماعي,ولا سيما أذا كانت هذه النماذج منحرفة, لذا يصبح من السهل على الثكل الجانحة أن تجتذبه إليها(4).

    ومما له دلالة في هذا الصدد, أن فاعلية السلطة الأبوية لا تعتمد على حضورها المادي أمام ناظري الطفل, بل أن فاعليتها تعتمد على أساليب التنشئة التي  تتبعها هذه  السلطة, فضلا عن أساليب الإرشاد والتوجيه. تلك الأساليب هي التي تجعل من السلطة الأبوية فاعلة في  تعديل السلوك.

 

 

3. زيادة معدلات الإصابة بالاضطرابات النفسية والعقلية:

    لوحظ، على الأطفال الذين انشغل آباؤهم وأمهاتهم  بسبل تدبير المعيشة, أنهم كانوا أكثر من غيرهم تعرضا للاضطرابات النفسية والعقلية؛ ولعل سبب ذلك يعود، الى شعور هؤلاء الأطفال  بالحرمان وعدم التمتع بمباهج الحياة التي يحظى بها غيرهم, عند مقارنة أوضاعهم الحالية بأوضاع الغير, مما يسبب لهم شعورا بعدم الأهمية، فضلا عن التعرض الى خبرات مؤلمة أثناء التعامل اليومي مع الآخرين،  وهو الأمر الذي يعني، أن الطفل سيعاني لوحده من بعض الاضطرابات النفسية أو العقلية التي يصعب على الغير ملاحظتها, وحتى في حالة ملاحظة الأبوين لمثل هذه الاضطرابات, فقد يصعب عليهم إيجاد التفسيرات المنطقية لها, وأحيانا تفسر على أساس أن طفلهما مشكل أو يصطنع بعض المشكلات لنفسه.

    والأخطر من ذلك, أن عدم إحاطة الطفل بالرعاية الأبوية، وهو لم يزل بعد، في بداية الاضطراب, سيؤدي الى تدهور أحواله  الشخصية, وسيكشف عن اضطراباته التي  يعاني منها بعديد من المظاهر السلوكية, ولعل من أبرزها: الاكتئاب والحزن والخمول والتبول اللاإرادي والصراخ أثناء الليل مصحوبا بكوابيس(5) والاعتداء على الغير والعزلة والانطواء، وربما يتطور الأمر الى الإدمان على بعض العقاقير أو استنشاق المواد الصمغية  على سبيل المثال, بعد أن يلتقي بشلة من المنحرفين. إذ يزينون له المتعة والتسلية والهروب من  واقعه المؤلم بمجرد تعاطي مثل هذه المواد.

    وستكون العاقبة، زيادة في التدهور النفسي بدرجة لافتة للانتباه، وان استمر الإهمال الأبوي وعدم الانتباه الى الاضطرابات التي يعاني منها الطفل, سنجد نسبة لا يستهان بها من الأطفال والمراهقين  يعانون من الاضطرابات النفسية والعقلية، مما يعني أن المجتمع، سيتعرض الى مزيد من المشكلات , تأتي في مقدمتها: تدهور الصحة النفسية لأطفاله.

 

4. التسول:

    لابد من الإشارة هنا، أن ثبات الدخول مع ازدياد الأسعار، قد جعل الكثير من أفراد المجتمع يعانون من ضائقة حقيقية في المعيشة. ولمعالجة هذه الضائقة، لجأت بعض الأسر الى تشغيل أبنائها في أعمال هامشية مختلفة أو اضطرار كل من الأب والأم الى العمل المستمر  لمواكبة  الغلاء المتزايد أو اللجوء الى السؤال وطلب المعونة  من الآخرين, ولقد عُد ذلك حلا معيشيا. فلقد بدأنا نشاهد جماعات من  الصغار تفترش الأرصفة، ومنها أرصفة  الإشارة الضوئية  أو إزاء المحال التجارية  أو في الأسواق, بعد أن سجل التسول معدلات ضئيلة في المجتمع في أوقات سابقة .

    إن مما يجب الإشارة إليه في هذا الصدد, أن الأفراد الذين كانوا يلجئون الى التسول، هم أولئك الذين  يتمتعون بخصائص نفسية واجتماعية تمكنهم من التماس السؤال من الناس الآخرين, وهو أمر متوقع في ظروف اليسر الاقتصادي , بيد أن ظروف العسر الاقتصادي جعلت من السهل على الأفراد تحصيل الرزق عن طريق التسول, بعد أن ضاقت بهمم سبل  العيش. واية ذلك, فأن التسول اخذ يشيع في المجتمع  اثر شيوع نماذج سلبية من البشر التي هيأت بدورها مناخا مناسبا لتقبل التسول. وفي بعض الأحيان نجد أن الأفراد في المجتمع  يقدمون بعض المسوغات المنطقية لشيوعه ؛ وبسبب ازدياد معدلات التضخم المالي واستمرار الأزمة الاقتصادية الى اجل غير مسمى, فلقد أصبح التسول مؤسسيا، وهذا معناه, أن هنالك مؤسسات أن صح التعبير، تدير التسول وتشرف عليه؛ وذلك بالاتفاق مع  المتسولين أنفسهم أو الإتيان بأشخاص يعملون بصفة متسولين دون حياء، مقابل تقديم الأجور المغرية لهم مع ضمان سبل حمايتهم من الآخرين أو من السلطات عندما يقعون في مأزق. الى جانب ذلك , أن هذه المؤسسات تؤمن لهم النقل الى منازلهم والمجيء بهم الى الأماكن التي يتسولون فيها. كما اتضح أن هذه المؤسسات تتخذ من الشقق السكنية في العمارات  أو من الدور السكنية، مكانا مناسبا لممارسة أعمالها، سواء في توزيع المتسولين على الأماكن الجغرافية أو لأغراض المحاسبة أو استقدام الإجراء. ولقد اتخذت هذه المؤسسات من ممارسة التجارة أو المقاولات نشاطا علنيا لها؛ لكي تكون بمنأى عن مساءلة السلطات.

 

5. ضعف التدرج الهرمي للسلطة في الأسرة.

    معروف، أن الأسرة العربية تتأثر كثيرا بالتراتب  العمري( 6), بمعنى  أن الشخص الأكبر سنا, وهو عادة ما يكون الأب أو من يحل محله , هو الشخص الذي يتمتع بالمكانة والنفوذ داخل أسرته، أما الأبناء، فهم إتباع ومن الواجب عليهم أن يظهروا فروض الطاعة والولاء له، فهو المتخذ الأول للقرارات, وهو الخبير الأول والناصح والموجه والمرشد داخل الأسرة. بيد أن هذه الهرمية أخذت بالضعف اثر الأزمة الاقتصادية التي يمر بها المجتمع.

    إذا نحن  بحثنا عن الأسباب التي أدت الى ضعف هرمية السلطة داخل الأسرة، وجدنا أن العامل الاقتصادي أسهم بدرجة كبيرة في إضعافها. فالأب كما قلنا, هو الشخص المهيمن في أسرته وهو الناضج والموجه, وهو علاوة على ذلك، هو الشخص الممول لأسرته ماديا،  وهو الذي يتدبر سبل المعيشة مادام حيا, غير أن الأزمة الاقتصادية وما ترتب عليها من تصاعد مستمر في الأسعار, قد أثر  ذلك على دخله، ولم يعد بالإمكان  تدبير المعيشة لإفراد أسرته, الأمر الذي أدى الى بيع الممتلكات  الشخصية والأسرية بأثمان لم تمكنه من الصمود إلا قليلا. وكان لزاما، أن يلجأ الى تشغيل بعض الأبناء في أعمال هامشية تساعده على سد بعض الاحتياجات الأسرية, وعند انخراط هؤلاء الأبناء بسوق العمل واكتساب مهارات التعامل معه, توسع هؤلاء قليلاً، مما أدى الى الإسهام بميزانية الأسرة بنسبة كبيرة جدا تفوق نسبة دخل الأب. وكانت عاقبة ذلك، أن سلطة الأب قد ضعفت في فرض هيمنتها على الأبناء, إذ لم يتمكن الأب من فرض سلطته، سواء بالتوجيه والإرشاد أو بالإرغام  التي يستهدف من وراءها تعديل  سلوكهم، عندما يرتكبون مخالفات قانونية أو اجتماعية. وأثر الأوضاع المعيشية التي مرت بها الأسرة، قد أدت الى اضطراب هرمية السلطة.

    وهنا تكمن الخطورة! ويمكن تشخيص بعض ملامح هذه الخطورة على النحو الأتي:

أ. إن إضعاف هرمية السلطة داخل الأسرة، ستزيد من حالات المخالفة للمعايير الاجتماعية. وهذا يعني، أن الأب لن  يؤدي دور الرقيب كما كان سابقاً، في رصد حالات المخالفة التي يلاحظها في سلوك أبنائه، وهو الأمر الذي يعني، أن المجتمع قد فقد إحدى أساليب الضبط الاجتماعي السائد فيه.

ب. وقد يترتب على إضعاف هرمية السلطة, ضعف العلاقات الاجتماعية السائدة بين أفراد الأسرة الواحدة, ذلك أن الأب هو الذي يؤدي الدور الفاعل في تقوية العلاقات بين أفراد أسرته في حالات فتورها أو تأزمها, فيعتمد الى حث هذا الطرف أو ذاك الى تخفيف الغلواء والتسامح أو تقديم الإسناد الاجتماعي في الحالات التي يكون فيها احد الأطراف بحاجة الى الإسناد.

 

6. إضعاف المفاهيم الدالة على الأبوة والأمومة:

    يلاحظ على الأطفال  الذين ينشغل إباؤهم وأمهاتهم بسبل تدبير المعيشة, أنهم يتميزون بضعف واضح للمفاهيم الدالة على الأبوة والأمومة؛ ولعل ذلك يرجع، الى أن  الضغوط المترتبة على الأزمة لم تيسر الوقت الكافي للحديث مع الأبناء أو إرشادهم في المشكلات التي يعانون منها  أو إحاطتهم بالدفء الأبوي المطلوب. ولقد أدى ذلك، الى أن يكون الأب من وجهة نظرهم شخصيا يشبع لهم حاجاتهم المادية فحسب, أما الحاجات النفسية المتمثلة بالدفء والتعاطف والأبوة وتجاذب الحديث في قضايا حياتية شتى, فأنه غير قادر على إشباعها، وهو الأمر الذي يعني، أن الأبناء في هذه السن المبكرة قد يكوّنون مفهوماً عن الأب يتسم بالتشويش وعدم الوضوح. كذلك غدت الأم هي الأخرى شخصا ًهامشيا، ولما كانت كذلك، فهي غير قادرة على إشباع الحاجات النفسية للأبناء, ولا سيما الحاجات المرتبطة بالأمومة, على أن  استمرار هامشية الأم، سيؤدي الى إضعاف مفهوم الأمومة لدى الأبناء، وربما تدرك فيما بعد، أنها امرأة حالها حال النساء الأخريات اللواتي يلتقون بهن في التنظيم الاجتماعي, مما يعني انفصام العلاقة العاطفية بينها وبين أبنائها.

    وهنا نصل الى مسألة لابد من الإشارة إليها وهي، أن إضعاف المفاهيم الدالة على الأمومة والأبوة، يترتب عليها عدد من المشكلات النفسية نذكر منها: ضعف التحسس بآلام  الآخرين. كذلك يلاحظ على الأطفال الذين تعرضوا الى الإهمال من جانب الأبوين, أن تصبح القسوة والشدة، سمة شخصية ملازمة لسلوكهم, تلك القسوة والشدة التي تكتسب في غيبة التأثير الأبوي الفاعل. وعلى ذلك، فأن انشغال الأبوين والأبناء بعضهما عن بعض, سيجعل الصغار يكوّنون مفاهيم مشوشة وغير واضحة عن الأبوة والأمومة عند التقدم في العمر.

 

7. إشاعة انساق قيمية وافدة:

    بات واضحا أن الأزمة الاقتصادية، عمدت الى تغيير النسق القيمي لدى الصغار , وإذا نحن أمعنا النظر في النسق القيمي الذي يحملونه، وجدنا انه يتناسب مع  مقتضيات الأزمة الاقتصادية, إذ يؤكد مضمون هذا التنسيق، الاغتراب عن المجتمع والمنفعة المادية أثناء التفاعل الاجتماعي والقهر وعدم الاكتراث بالانجاز، فضلا عن تأكيد المخالفة للقواعد الخلقية؛ ولعل ذلك يعود، الى أن الأزمة قد أوجدت وضعية اجتماعية تنطوي على الفوضى وغياب التنظيم, مما جعل الناس تعيد النظر في أولوياتها الحياتية. فلقد أعطيت الأولوية لمستلزمات المعيشة , لما لها من أهمية في المحافظة على بقائهم في الحياة , أو بمعنى أخر , أن التنازع من اجل البقاء، دفع بالناس الى التركيز على هذه الأولوية دون غيرها, وقد ترتب على ذلك, التخلي  عن الأنساق القيمية السائدة , إذ أنها لم تعد تنسجم مع ظروف الأزمة ومقتضياتها.

    نشير في هذا السياق، الى أن إحدى الدراسات التي أجريت على المراهقين العاملين في مهن مختلفة وأقرانهم من الذين يواصلون الدراسة , توصلت الى أن المراهقين الذين يواصلون دراستهم، حصلوا على درجات أعلى من أقرانهم العاملين في القيم الاجتماعية والأخلاقية والعلمية والدينية والجمالية , بينما حصل المراهقون من العاملين على درجات أعلى من  أقرانهم  في القيم الاقتصادية(7). وهذا يشير الى أن انتظام الصغار مبكرا في سوق العمل , قد اضعف من تأكيد  الأنساق القيمية المفضلة, في حين زاد الانتظام في سوق العمل من تأكيد الأنساق القيمية غير المفضلة. وعلى خلاف ذلك زاد الانتظام في الدراسة من تأكيد الأنساق القيمية المفضلة, وفي الوقت نفسه اضعف من تأكيد الأنساق غير المفضلة , ولاسيما عند المقارنة بين هاتين الفئتين من الصغار.

وتأسيسا على ما سبق, يمكن القول أن الأنساق القيمية الواحدة التي شاعت بين الصغار ولا سيما أولئك الذين يعانون من البؤس والحرمان , إنما هي نتائج عمليات التعلم الاجتماعي في بيئة مضطربة.

 

8. إشاعة عدم الرضا عن الحياة:

    لعل من الآثار النفسية المترتبة على الأزمة الاقتصادية هو ازدياد مشاعر السخط والتبرم وعدم الرضا عن الحياة بين صفوف الصغار. وإذا تابعنا أسباب عدم الرضا عن الحياة لدى هذه الفئة العمرية, وجدنا أن انشغالها بالعمل في وقت مبكر من الحياة قد افضى الى إحساسها بالتعب والإنهاك والإعياء. كذلك فأن عدم شعورها بالتمتع بمباهج الحياة في هذه المرحلة من العمر قد زاد من تبرمها وسخطها , ومن ثم عدم الرضا عن حياتها. ومما زاد من عدم رضاها عن حياتها, إنها بدأت بعقد مقارنة بين أولئك الذين يعيشون حياة أسرية دافئة الى جانب التمتع بملذات الحياة, وبين حياتها الأسرية التي تفتقر الى الدفء والتعاطف, فضلا عن المعاناة من الحرمان, ونتوقع من هذه الفئة إنها انتهت من خلال هذه المقارنة الى نتيجة مفادها: التبرم من الحرمان والحسرة والحسد وتمني الحياة الهانئة التي يعيشها الأخر. ولعل العواقب المترتبة على إشاعة  مثل هذه المشاعر: انتشار التحايل على الآخرين ومحاولة إيقاع بعضهم في مشكلات عويصة؛ للنيل من سمعتهم والتمتع بآلامهم أو توريطهم في مخالفات قانونية أو تزويق عالم الانحراف لهم؛ بقصد جعله مقبولاً لديهم.

 

9. أضعاف قدرة الصغار على التعاطف الإنساني:

    لوحظ أن انشغال الأبوين بهموم المعيشة، قد أدى الى إهمال الصغار من الناحية النفسية, وهذا بدوره سيقضي الى تنمية حالة من اللاكتراث بالآخرين, فضلا عن صعوبة التحسس بمعاناتهم عندما يقعون في أزمة أو طارئ, وبالمحصلة النهائية سينشأ لدينا أطفال غير قادرين على الشعور بالدفء والمودة أو منحها للآخرين. ولقد وجد، أن الأطفال الذين تربوا في مؤسسات الإيداع, لم يتمكنوا من تكوين علاقات عاطفية مع الآخرين أو أنهم غير قادرين على  إنماء مشاعر المودة والتعاطف(8), بل كانوا يتفاعلون من أولئك الذين يحيطون بهم بحالة من البرود وعدم الاكتراث والجفاء. وهنا تكمن الخطورة! إذ تشير الدراسات الى  أن هؤلاء كانوا اقل ضبطا للنفس واشد اندفاعا، ومثل هذه الخصائص من الشخصية(9)، ربما تهيئ أصحابها لارتكاب جرائم مضادة للمجتمع دون  أن يرف لهم جفن.

 

10. اضعاف المهارات الاجتماعية:

    معروف، أن الطفل يأتي الى الدنيا وهو كائن بيولوجي لا اجتماعي، بيد انه يصبح كائنا اجتماعيا بفعل عمليات التعلم الاجتماعي الحادثه في الثقافة  التي يعيش بين ظهرانيها؛ ولعل المهارات الاجتماعية، تعد إحدى هذه العمليات. فلقد وجد، أن إجادة المهارات الاجتماعية تمكن الطفل من أن يكون متوافقا مع  محيطه  الاجتماعي, فضلا عن شعوره بالكفاءة بين زملائه الذين يشاركونه التنظيم الاجتماعي. على أن إجادة هذه المهارات، إنما يعتمد بالدرجة الأساس على عمليات التدريب التي يتبعها الأبوان، الى جانب ملاحظته أثناء تأديته لهذه المهارات؛ بهدف تعزيز الصائب منها, عندما يؤديها بشكل صحيح وتعديل الخاطئ منها, عند تأديتها بشكل خاطئ. وكل ذلك يتم في حالة  وجود اتصال مستمر بين الأبوين والطفل, إما في حالة انقطاع الاتصال الحادث بين الطرفين, يصبح من المتعذر على الطفل أن يلم بتفاصيل المهارات الاجتماعية المطلوبة, مما يفضي الى اكتسابه مهارات اجتماعية غير سوية, أي  مهارات شاذة عن السوية الاجتماعية.

    وما يهمنا هنا, أن ضعف اكتساب المهارات الاجتماعية سيفضي الى جملة من المشكلات النفسية, ولعل من أهمها:

أ. إن ضعف اكتساب المهارات الاجتماعية, سيجعل الطفل يعاني مستقبلا من عدم أجادته لقواعد الأدب الاجتماعي, تلك القواعد التي تساعده على التمييز بين الأنماط السلوكية المقبولة اجتماعيا والأنماط التي لا تحظى بالقبول الاجتماعي. وكذلك، فان إجادة هذه القواعد ستمكنه من انتقاء التصرفات المناسبة لكل موقف اجتماعي. وعلى ذلك، فإن عدم إجادة هذه القواعد ستجعل، الطفل غير قادر على التمييز بين الأنماط السلوكية المقبولة منها وغير المقبولة من الناحية الاجتماعية.

ب. ولعل عملية التفاعل الاجتماعي التي تستند الى فكرة الأخذ والعطاء، تعد إحدى المهارات الاجتماعية التي ينبغي على الطفل إجادتها؛ وذلك يتم من خلال الحضور الفاعل للأبوين ومحاولة شرح فكرة هذه المهارات سواء أثناء اللعب مع أقرانه أو أثناء التعامل مع الآخرين.

وعلى أية حال، فأن عدم اكتساب مهارة الأخذ والعطاء ستقلل من التوافق الاجتماعي للطفل في المستقبل المنظور، فضلا عن شعوره بالنبذ الاجتماعي.

ج. ومما يترتب على عدم اكتساب المهارات الاجتماعية، أن الطفل سيكون غير عادل أثناء التفاعل الاجتماعي في المستقبل المنظور؛ وذلك لعدم قدرته على  التمييز بين المواقف التي تستحق ثوابا وتلك  التي تستحق عقابا. وحتى يكون عادلا في حياته المقبلة, لابد من  إجادة هذه المهارات .

د. كما أن عدم اكتساب المهارات الاجتماعية، ستجعل الطفل غير قادر  على ضبط نفسه في المواقف التي تستدعي ضبط النفس. وبطبيعة الحال، سيقضي ذلك الى عدد من المشكلات النفسية، ومن بينها: الاندفاع والتهور والاعتداء على الآخرين, سواء كان هذا الاعتداء لفظيا أم بدنيا, الى جانب  الشعور بالضيق والغضب في حالة عدم الاتفاق مع الآخرين.

هـ. ومن المشكلات النفسية المترتبة على عدم اكتساب المهارات الاجتماعية, أن الطفل سيعاني في المستقبل القريب، من صعوبة انتقاء الألفاظ المناسبة للمواقف الاجتماعية؛ وذلك يرجع أساسا الى أن الطفل الذي يقضي معظم ساعات النهار خارج المنزل، سيجد صعوبة في التمييز بين المواقف الاجتماعية المختلفة , مما يترتب على ذلك صعوبة انتقاء الألفاظ المناسبة لكل منها, وهو الأمر الذي يشعره بالضيق والحرج جراء التعرض الى مواقف  اجتماعية غير مألوفة لديه, فضلا عن زيادة الألفاظ النابية والبذيئة في محصوله اللفظي.

التوقعات المستقبلية للآثار النفسية

    من المفيد الإشارة هنا، أن رصد التوقعات المستقبلية للآثار النفسية المترتبة على تعرض الأطفال للأزمة الاقتصادية، واحتمالات زيادتها أو نقصانها, إنما يعتمد بطبيعة الحال على عدد من المؤشرات، وفي هذا السياق سنستعرض أهمها:

1. دوام الأزمة.

2. فاعلية الأسرة في تعديل سلوك الأطفال.

3. فاعلية المؤسسة التربوية في تعديل سلوك الأطفال.

4. التشريعات القانونية.

    والان نفصل القول في هذه المؤشرات لمعرفة نوع الآثار النفسية التي سترافق الأطفال ودرجة شدتها على المدى المنظور.

1. دوام الأزمة:

    إن الآثار النفسية التي يتعرض لها الأطفال, ستزداد حدة إن استمرت الأزمة الاقتصادية لفترة زمنية قادمة, ذلك أن بقاء الحال على ما هو عليه، لن يتيح لأساليب الضبط الاجتماعي أن تمارس تأثيرا فاعلا في تعديل سلوك الصغار. وعلى ذلك، فأن استمرار الأزمة الاقتصادية مع غياب واضح لدور الأبوين في عملية التعديل السلوكي، سيزيد من حدة الآثار النفسية وربما ستكون هناك أثار نفسية أخرى و غير تلك التي عرضنا لها في سياق هذه الدراسة.

2. فاعلية الأسرة في تعديل سلوك الأطفال:

    تعتمد فاعلية الأسرة في تعديل سلوك الأطفال على طبيعة أساليب التنشئة, الى جانب أساليب التوجيه والإرشاد. والحقيقة أن أساليب التنشئة والإرشاد تعتمد بدورها على فاعلية السلطة الوالدية , فكلما كانت  السلطة الوالدية فاعلة في حضورها، مالت الى اتباع أساليب في التنشئة تنطوي على الحزم والدفء. ولعل المر نفسه ينطبق على أساليب التوجيه والإرشاد, فكلما كانت السلطة الوالدية فاعلة في أتباع الأساليب الإرشادية السليمة, أحدثت تعديلا في سلوك أبنائها, ولا سيما في الحالات التي  تستدعي التدخل لإحداث التعديل السلوكي المطلوب. وعلى ذلك، فأن الآثار النفسية التي يتعرض لها الأطفال في  الوقت الحاضر, ستستمر في المستقبل المنظور؛ بسبب  ضعف فاعلية السلطة الو الدية لدى بعض الأسر , فضلا عن أن هذه الآثار ستزداد حدة.

3. فاعلية ألمؤسسه التربوية في تعديل سلوك الأطفال:

    تعد المؤسسة التربوية فاعلة، في حال تمكنها من إيجاد الحلول المناسبة للمعضلة التربوية التي تعاني منها، تلك المعضلة التي تتألف من الأطراف الثلاثة: المعلم والمتعلم والمنهج الدراسي. وعلى ذلك, نقول أن المؤسسة التربوية لم تعد فاعلة في الوقت الحاضر، ولما كانت كذلك, فهي غير قادرة على تعديل السلوك، وحتى تكون هذه المؤسسه فاعلة لابد من إيجاد الحلول الناجعة لعدد من المشكلات التي يعاني منها كل من المعلم والمتعلم؛ لكي ينصرف كل منهما الى العمل المدرسي. كذلك ينبغي إعادة النظر في المنهج الدراسي , بحيث يكون  الخطاب الوارد فيه لا يتناقض مع معطيات الواقع اليومي للمتعلم, الى جانب إضفاء قدر من الجاذبية على هذا الخطاب. ومن الضروري أن يبتعد الخطاب الوارد في المنهج الدراسي عن التقريرية والمباشرة؛ لكي يجذب انتباه المتعلم أولا , ومن ثم يجنب المعلم حالة الملل والسأم ثانيا.

4. التشريعات القانونية:

    إن تشريع القوانين التي من شأنها أن تلزم الأسرة برعاية أبنائها وعدم تركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم، مقابل تقديم الإعانات المطلوبة، بهدف مساعدتها على مواجهة مقتضيات المعيشة, ستؤدي مثل هذه التشريعات الى تقليل الآثار النفسية، ومن ثم تقليل حدتها. أما بقاء الحال على ما هو عليه سيفضي ذلك الى مزيد من المشكلات النفسية, تلك المشكلات التي ستكون أكثر حدة في المستقبل المنظور .

 

* كلية الآداب – الجامعة المستنصرية

الهوامش:

(1) محمود شمال حسن، ضغوط الحياة ومقتضيات العصرنة، " دراسات اجتماعية ", السنة2 العدد6(صيف 2000)، ص 70.

(2) محمود شمال حسن، النسق ألقيمي وخطاب الأزمة الاقتصادية، " المستقبل العربي ", السنة26, العدد298 ( كانون الأول- ديسمبر 2003) ص40 ؛ كذلك: محمود شمال حسن, دراسة مقارنة في الخصائص النفسية بين المتسربين من  الدراسة وأقرانهم . مجلة الطفولة (البحرين) العدد7 لسنة 2002, ص 92.

(3) محمد عارف، الجريمة في المجتمع : نقد منهجي لتفسير السلوك الإجرامي, القاهرة:مكتبة الانجلو,1975، ص 569.

(4) محمود شمال حسن, سيكولوجية الفرد في المجتمع :مدخل، ط1 القاهره:دار الأفاق العربية 2001 , ص 150-151.

(5) محمود شمال حسن, وضعيات السلوك البشري أثناء وقوع الكارثة وما بعدها، " الموقف الثقافي ", السنة 4, العدد24 ( تشرين الثاني-كانون الأول 1999)، ص 37.

(6) قيس النوري، الأسرة مشروعا تنمويا، بغداد, دار الشؤون الثقافية العامة, سلسلة آفاق, 1994، ص 108.

(7) علي عودة ألحلفي، دراسة مقارنة في القيم بين المراهقين العاملين وأقرانهم غير العاملين، أطروحة دكتوراه غير منشوره، الجامعة المستنصرية، بغداد,1998، ص84 -99 .

(8)    J.C.Coleman and W.E.Broen .Abnormal Psychology and Modern life, 4thed. Glenview: Scott, Foresman and Company, 1972, P.151.

(9) بول موسى وآخرون، أسس سيكولوجية الطفولة والمراهقة, ط1, ترجمة احمد عبد العزيز سلامة، الكويت، مكتبة الفلاح, 1986، ص 368.

-------------