حوار فلسفي مع الدكتور كريم الجاف - اجرى الحوار : سعدون هليل

 

الحديث مع الدكتور كريم الجاف له خصوصية دافئة ،فنحن هنا نتحاور مع باحث في الفكر الفلسفي الحديث له رؤيته حول المناهج الجديدة، ويحمل هويته الفلسفية، وهو استاذ جامعي يدرّس الفكر الفلسفي، في الجامعة المستنصرية - كلية التربية الاسلامية، ويهتم أيضاً بالفكر السياسي المعاصر. له رسالة عن (مشكلة الوجود في فلسفة مارتن هيدغر)، وكذلك رسالة الدكتوراه حول مشكلات الفلسفة في العصر الرقمي. التقينا به في الجامعة المستنصرية، ووضعنا أمامه جملة تساؤلات منها وكان هذا الحوار.

 

الثقافة الجديدة: ما هي الفلسفة ؟ وما هو النشاط الفلسفي؟

د. كريم الجاف: لاشك ان الفلسفة شكل من اشكال الفكر  الكبرى كـ ( الفن،العلم،الدين)، وانها خطاب نقدي عن الواقع المعاصر للعالم، في اي عصر، من جهه احداثه واوضاعه واشتراطاته وفي اطار التحولات الحضارية الكبرى التي  تطرأ على الوجود الانساني. وحينما نقول انها، اي الفلسفة، خطاب نقدي يعني انها تجعل الناس يدركون تاريخهم، اي تاريخ عالمهم عبر عقولهم وليس عبر معتقداتهم واساطيرهم، إذ ان المعتقدات والاساطير تجعل الناس اسيري الفهم  اللاتاريخي لعالمهم وبعيدين عن مشكلاتهم وانشغالاتهم الضرورية.

    ان الفلسفة، أو النشاط الفلسفي، عكس ذلك لانها نشاط تفكيري تنويري تلزم الوعي الانساني على الارتباط والتواصل المباشر مع واقع عالمه استناداً الى تحولاته الحضارية الكبرى وما يترشح عن تلك التحولات من مشكلات كثيرة يضعها الفلاسفة موقع التساؤل بهدف اخضاعه للمناقشة، وتقديم حلول ومقترحات لها. وباختصار يمكن القول ان النشاط الفلسفي مسعى انساني يهدف الى تقديم فهم مناسب لواقع العالم عبر المقاربات والخطابات التي تسعى لفهم ذلك الواقع في صيغته الحضارية المتطورة، في كل عصر من عصور تاريخ العالم يطرأ عليه تحولات جذرية، لاجل تخطي القديم واستبداله بالحديث، أو يعتبر الفلاسفة: تخطي ماهو كائن نحو ماهو افضل.

 

الثقافة الجديدة: تقول ان النشاط الفلسفي يلزم الوعي الانساني بالأرتباط المباشر بعالمه، ماذا تقصد بالوعي؟وما هي محدداته؟

د. كريم الجاف: يعتبر الوعي اعلى درجات الادراك البشري،أذ يتحسس الكائن البشري واقع عالمه ويتلمسه بكليته عبر مقولات، وتصورات، ومفاهيم، ومعتقدات شتى لأجل فهمه. وتتنوع طبيعة الوعي بحسب الظروف الثقافية والاجتماعية وطرائق التفكير لكل فئة أنسانية، ولكن يمكن التمييز بين نوعين من الوعي:

النوع الاول، أسميه وعي الذات بالذات( الوعي المتعالي)، واقصد به الوعي الذي يدرك عالمه عبر مفاهيم من قبيل(التاريخ، الماضي، القيم القديمة، مبادئ فطرية،نصوص.... الخ)، وهذا الوعي لا يقدم شيئاً جديداً للذات لانه تكراري، واجتراري، وتحصيل حاصل، فضلاً عن انه يحجب الذات عن واقعها الراهن ومستحدثاته،وتطوراته. انه الوعي الذي تتميز به الثقافات والهويات والايديولوجيات المغلقة.

أما النوع الثاني،من الوعي ، اسميه وعي الذات بالآخر( الوعي المحايث)،ذلك الوعي الذي يدرك عالمه عبر مفاهيم من قبيل: الصيرورة، الاكتشافات، الفنون، التحولات الحضاريةالكبرى. انه وعي ابداعي، اذ يتميز في ادراك لما يحدث خارج ذاته والتفاعل معه اي مع ذلك الاخر الذي ترسخ في العالم. ولاشك ان ذلك الوعي هو الذي يميز الوعي الفلسفي, وكل وعي يسعى لادراك ما يحدث في العالم في حقيقته، لادراكه عبر حقائقنا القبلية،كما في وعي الذات بالذات.

 

الثقافة الجديدة: تردد في حديثك عبارة (التحولات الحضارية الكبرى)!ماذا تعني بها؟

د. كريم الجاف: ان التحولات الحضارية الكبرى، هو الاخر الذي ذكرته قبل قليل، والذي تدركه الذات الفلسفية بعد التوجه نحوها. وكما تعلم فان لكل ذات آخر، واما آخر الفلسفة فهي تلك التحولات الجذرية التي تغير واقع العالم و وجوده، بنيةً ونظاماً، مما يستدعي حضور الفيلسوف كيما يقدم فهماً نقدياً لطبيعة تلك التحولات، التي تفرض كيفيات جديدة من الحضور للوجود الانساني في العالم. إن الفلسفة، بهذا المعنى، هي رحلة نحو الآخر لاجل فهمه بقدر الطاقة البشرية، على حد تعبيير فيلسوف الحضارة الانسانية (الكندي).

 

الثقافة الجديدة: كيف تفهم الواقع؟

د. كريم الجاف: لا افهم الواقع بوصفه مفهوماً مجرداً عن مادته كما ادركته الفلسفات القديمة،تلك الفلسفات التي فصلت المفاهيم عن مادتها بل افهمه بوصفه تلك العناصر والاشتراطات الثقافية، والاجتماعية، والتقنية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية, والجمالية والاخلاقية، والتراثية..... الخ، المتفاعلة في بيئة او عصر معين، وفي اطار التحولات الحضارية الكبرى التي تساهم في صياغة وتشكيل ذلك الواقع انطلاقاًمن تلك التحولات.

 

الثقافة الجديدة: ماهي مهمة الفلسفة في عالمنا المعاصر؟

د. كريم الجاف: ارى ان الفلسفة معرفة تاريخية، بمعنى انها مرتبطه بزمان ومكان معين. وبتعبير اخر انها متصلة بعصر له امكاناته واشتراطاته المتميزة، فضلاً عن انها تغير ستراتيجيات خطابها، اي طريقة تقديم موضوعاتها، وكيفية ادراكها لتلك الموضوعات في اطار الاشكاليات التي تبرز في كل عصر من عصور تاريخ العالم التي تحدث فيه تحولات جذرية في طبيعة الوجود الحضاري للأنسان. فالفيلسوف، بهذا المعنى، وفي كل عصر لا يواجه تحديات عصره بنفس المفاهيم والتحديات لعصور سابقة عليه. فعلى سبيل المثال، ان التحديات التي واجهت (افلاطون) و (ارسطو) في عصر دولة المدينة اليونانية هي غير التحديات التي واجهت (هيغل) و (ماركس) في عصر الحداثة التنويري، وذلك لان تاريخ العالم دائم التحول، وان لكل عصر اشكالياته التي تنبثق من صميمه .

    واجد ان مهمة التفكير الفلسفي المعاصر،تختلف جذرياً عن النشاطات التفكيرية لفلاسفة الحداثة، وما قبل الحداثة فهو لم يعد نشاطاً يبدع مبادئ ونظريات عامة وشاملة، ولا هو مجموعة مفاهيم تسعى لايجاد تفسير كوني لكل ما هو موجود بمعزل عن خصائصه الجزئية والمحلية والثقافية، وانه اصبح نشاطاً يسعى لتطوير رؤى نقدية ووضعيات تأويلية تفهم واقع العالم في احداثه وتفاصيله وجزيئاته، فضلا عن تقديم الرؤى التي تجعل الوجود الانساني ممكنا في اطار الضرورة التي يتعرض لها نتيجة للتحولات الحضارية الكبرى التي تطرأ عليه.

 

الثقافة الجديدة: هل تتمتع الفلسفة بميزة كونية؟

د. كريم الجاف: لاشك ان الخطاب الفلسفي في طبيعته هو خطاب كوني. ولو اطلعت على تاريخ الفلسفة ستجد ان جوهر عمل الفلاسفة هو تقديم خطاب شامل عن العالم، بقطع النظر عن هوية الفيلسوف المحلية. وبالتأكيد فان أي فلسفة تسعى لبلوغ الكونية او العالمية، وتعميم خطابها ينبغي لها ان تتوفر على إمكان لايصال خطابها الى الاخرين، وذلك عبر خلق استعدادات لدى الآخرين لقبول خطابها واستيعابه.

 

الثقافة الجديدة: كيف يمكن تعميم الفلسفة في عصرنا الراهن؟

د. كريم الجاف: ارى ان تعميم الفلسفة يكمن في (عولمة الفلسفة)، ذلك المفهوم الذي ابتكرته انا شخصياً،واعني به تعميم النشاط الفلسفي في جميع انحاء العالم، وان نجعل منه درساً يسود المجتمعات الانسانيةكلها. إن عولمة الفلسفة خطوة اساسية ومشروع ثقافي يمكن من خلاله القضاء على جميع محاولات الأنغلاق الثقافي التي تتميز به بعض الثقافات والهويات العالمية راهنا، والتي مازالت سبباً رئيسياً للصراعات الدموية والمدمرة بين البشر،وذلك عبر زرع الاستعدادات والامكانات التي تجعل من تلك الثقافات الخروج من عزلتها وانغلاقها نحو العالم الرحب. ان النشاط الفلسفي عبر العصور كان افقاً للأنفتاح على العالم وليس افقاً للأنغلاق عليه، فهو لغة مشتركة يمكن ان يفهمها الناس كونها نشاطاً انسانياً نقدياً وتنويرياً يخلو من الانغلاق والعزلة والتعصب. ولاشك فان لوسائط الثورة الألكترونية المعاصرة دوراً مهماً في انهاء ثقافة العزلة والانغلاق، والانفتاح على الافاق الرحبة للعالم ، فضلاً عن تعزيز مهمة الفلسفة للعمل والاشتغال في عصر العولمة.

 

نهاية الفلسفة!!

الثقافة الجديدة: هل تؤيد الفكرة القائلة إن الخطاب الفلسفي يتجه الى نهايته؟

د. كريم الجاف: شخصياً لا اعتقد بفكرة نهاية الفلسفة،لان النشاط الفلسفي يتميز بالاستمرار والتجدد ويقوم على التفاعل النقدي للوعي بالعالم عند كل تحول ضروري يطرأ على تاريخه. ولاشك أن التطورات العلمية والتقنية المتسارعة التي غيرت وجه العالم تغيراً جذرياً وتصدر العلوم التطبيقية والتقنية مكانة متقدمة عن الحضارة الانسانية الراهنة هو الذي أوقع العديد من المفكرين للقول بنهاية الفلسفة، مدعين إن هذا النشاط التفكيري لم يعد ممكناً وقد بلغ نهايته، وذلك بعد انبثاق ظاهرة تشظي المعارف والعلوم الى اختصاصات دقيقة جداً لا يمكن ايجاد مبادئ ونظريات موحدة لها، فضلاً عن بروز ظاهرة النسبية الثقافية التي تتميز بها الحضارة  البشرية والتي برزت البعد التنوعي والتعددي للثقافات الانسانية وما ترتب عنها من بروز مفهوم الاختلاف والنسبية، والذي جعل من المستحيل، بعد ذلك، ايجاد مبادئ عامة توحد سكان البشرية وتجردهم من  خصوصياتهم الثقافية والاجتماعية. وإزاء تلك الظواهر تسرع البعض في القول بنهاية الفلسفة، وهم بذلك لم يميزوا بين نهاية الفلسفة ونهاية الفلسفات التي تميزت بالشمولية والكلية والأخلاقية، والتي اخضعت الجزئي والمختلف والمتعدد والمتنوع لاستبداد الكلي والمطلق. ولذلك اجدني ارفض مقولة(نهاية الفلسفة) واتفق مع المقولات القائلة بنهاية فلسفات الشمولية والاستبداد التي  اصبحت غير ممكنه بعد بروز الخطابات النظرية والمؤسسات التي اعلت من شأن الجزئي والمختلق والتعدد وتحريره من ربقه الكليات والشموليات المستبدة سواء كانت هذه الشموليات والكليات موجودة في الحقول الثقافية او العلمية، او السياسية، او الفكرية، او الاجتماعية، أو في اي مجال آخر من مجال الوجود الانساني. ولا شك ان الخطاب الفلسفي المعاصر او ما يطلق عليه خطاب ما بعد الحداثة لم يعد خطاباً ومنهجياً لاختزاله اشياء وموجودات العالم الطبيعية والثقافية الى مفاهيم عامة وتصورات مجردة وانها اصبحت خطابات تفهم العالم وتقرأه بوصفه احداثاً لا تفصل عن محيطها الفعلي، سواء كان هذا المحيط علمياً أو ثقافياً أو سياسياً... الخ، وان المفاهيم التي تقرأ بها تلك الاحداث لم تعد تمتصها وتحولها الى هياكل وتصورات مجردة معزولة عن سياقها ومحيطها الفعلي، بقدر ما اصبحت تعرضها بشكل مشهدي وحيوي تنتمي الى عالم أنما يحدث فعلاً، وماحدث فعلاً.

    فالفلسفة اذن نشاط متجدد لا يمكن ان ينتهي، انه نشاط يتفكر في واقع العالم عبر تحولاته الجذرية وما يترشح عن تلك التحولات من اشكاليات وتحديات، ومن ثم من الغير مقبول ان تموت او تكتب نعيها،كونها ومنذ انبثاقها نشاطاً يستجيب لصيرورة التاريخ والحياة.

 

الحداثة وما بعد الحداثة. بعض الاشكاليات الفلسفية

الثقافة الجديدة: يكثر الحديث، راهناً، بشأن دخول الحضارة الانسانية مرحلة ما بعد الحداثة، ماهي هذه المرحلة؟ وبماذا تتميز؟

د. كريم الجاف: لا شك ان ظاهرة ما بعد الحداثة تؤشر نهاية عصر يسمى بعصر الحداثة، ذلك العصر الذي ادرك العالم بوصفه عقلاً علمياً واداة للهيمنة على الطبيعة وبقية العالم غير الغربي، وقد كان من أهم فلاسفة ذلك العصر (بيكون، ديكارت،كانط،هيغل،ماركس). بيد ان ذلك العصر قد انحرف عن اهدافه الحضارية والانسانية التي نادى بها واضحى اسيراً لاهواء ومزاجات السياسي. وبمعنى آخر أن الحداثة اصبحت ادارة تعمل لحساب المصالح السياسية والفئوية للجماعات التي تقود العملية السياسية في الغرب، ومن ثم فانها قد انحرفت عن اهدافها النبيلة في تحقيق وعودها: العدل، المساواة، التقدم.

    ومن منظوري الفلسفي ارى ان (ما بعد الحداثة) قد مرت في طورين رئيسيين:

-          الطور الاول، الذي هيمن على النصف الاول من القرن العشرين واسميه (ما بعد الحداثة المبكرة). لقد ادركت (ما بعد الحداثة المبكرة) إنحسار العقلانية التي سادت عصر الحداثة بعد فشلها في تحقيق وعودها وما تمخض عنها من ويلات وحروب على الساحة الاوربية، وبروز ظاهرة النازية والفاشية، وعلى المستوى العالمي نجد بروز ظاهرة الاستعمار والسيطرة على الشعوب غير الغربية والاستحواذ على مقدراتها. وقد برزت الاحتجاجات والاعتراضات الأدبية والفلسفية على عقلانية عصر الحداثة، وكان من اهمها (الارض اليباب) لأليوت. ومن الجانب الفلسفي نجد ان فلاسفة من أمثال(نيتشه) و (هوركمايمر) و (ادرنو) و (سارتر) ... الخ قد سجلوا اعتراضاتهم وسخطهم على تلك العقلانية وما ترسخ عنها من مأساة على المستوى الأوربي وبقية العالم. ولذلك اجد ان بواكير ما بعد الحداثة كانت تمثل مرحلة اجتماع على الاوضاع التي نتجت عن تلك العقلانية الصادرة عن الوضع الحداثي.

-          وأما الطور الثاني الذي ساد النصف الثاني من القرن العشرين، والذي تطور بخطاً متسارعة في  الربع الاخير منه وما يزال، فاسميه (ما بعد الحداثة المتأخرة)واعني به بروز نمط جديد من انماط الوجود الحضاري، انبثق عن تحولات حضارية كبرى طرأت على واقع العالم وغيرت وجهه جذريا. وعرفت تلك التحولات بالثورة الألكترونية التي  ترسخت عنها تكنولوجيا المعلومات والاتصال والاعلام، والتي اعطت للوجود الثقافي والاجتماعي للحضارة الانسانية ابعاداً وطرقاً جديدة،لم تألفها الانسانية من قبل، في كيفية الادراك والعمل والتفكير في العالم، فضلاً عن اعادة صياغة وتشكيل وجوده على وفق تلك التحولات.

 

الثقافة الجديدة: وبماذا يتميز الخطاب الفلسفي في عصر (ما بعد لحداثة)؟

د. كريم الجاف: لاشك إن (ما بعد الحداثة) انبثق عنه سياسة جديدة للخطاب الفلسفي، وهذه  السياسة لا تعتمد على مفهوم الذات او (الكوجيتو) كما كان سائداً في عصر الحداثة التنويري، كما انها احدثت قطيعة مع مفهوم العقل الذي بقي اداة اساسية في ذلك العصر، هذه السياسة الجديدة للخطاب الفلسفي ما بعد حداثي قد ازاح الذات عن مركزها، ولم تعد مصدراً للمعرفة، ولا مصدراً للحقيقة وابرزت مفاهيم جديدة بديلاً عنها من قبيل: (العلامة) عند دي سوسير، و (اللاشعور) عند فرويد، و (البنية) عند ليفي شتراوس، و (الألعاب اللغوية) عند فتغنشتين، و (النظام المعرفي) عند ميشيل فوكو، و (النص) عند رولان بارت، و(الاثر والتفكيك والازاحة عن المركز) عند جاك دريدا، (الصورة والتزييف) عند جان بودريار. إن  تلك المفاهيم التي شكلت اللغة الجديدة للخطاب الفلسفي ما بعد حداثي ابعدت مسار التفكير الفلسفي واجبرته على مغادرة منطقة الذات أو الكنوجيتو. والى جانب ذلك نجد بروز مفهوم الميتافلسفة الذي ينشغل بذات الفلسفة من جهة طبيعتها وخصائصها واهدافها، والطريقة التي تتفحص بها موضوعاتها. ان (الميتافلسفة) هي  فلسفة الفلسفة وبها تعيد قراءة الفلسفة ذاتها باستمرار كي تتواصل بطريقة صحيحة بالعالم الذي تتفكر فيه.

 

" نهاية التاريخ " مفهوم ينتمي الى المقولات الميتافيزيقية للفلسفة التقليدية

الثقافة الجديدة: يدعي بعض المفكرين والفلاسفة أن هناك نهاية للتاريخ، كيف ترى مفهوم " نهاية التاريخ "؟

د. كريم الجاف: الحقيقة ان مفهوم نهاية التاريخ ينتمي الى المقولات الميتافيزيقية للفلسفة التقليدية والخطاب الديني الذي هو ايضاً خطابا آخروياً يعتقد بحتميه نهاية العالم وتاريخه. يرى اصحاب فكرة نهاية التاريخ إن العالم سيتوقف ويتحدد بشروط امكان نهائية تحدد مجال الاعتقاد والمعرفة وطريقة حضور الموجودات تحديداً ابدياً. وبتعبير آخر ان التاريخ سيتوقف عند مرحلة معينة من مراحل عصور تاريخ العالم وبه تكتمل الحضارة الانسانية وتبلغ كمالها. كما هي في دولة الله عند القديس اوغسطين، وتمظهر المطلق في هيئة دولة كما عند هيغل، وتحقيق الشيوعية كما عند كارل ماركس وسيادة اللبرالية الغربية كما عند المفكر الامريكي فوكوياما. إن مقولة نهاية التاريخ تحجب عن من يعتقد بها حقيقه وجود العالم بوصفه صيرورة مستمرة وتغير مستمر من التحولات الحضارية الكبرى،وارى ان مفهوم التحولات الحضارية الكبرى هو البديل الممكن لفكرة نهاية التاريخ، وتؤشر هذه التحولات عدم وجود نهاية لتاريخ العالم فهي ذلك  التغيير الجذري والمستمر للوجود الانساني في العالم التي تسعى الى خلق وضعيات جديدة لذلك الوجود، فهي اذن افاق جديدة للتجربة الانسانية وتحول عميق في بقية الحضارة ونظامها نحو الافضل،لان الحضارة هي دوماًذلك الارتقاء الثقافي والمدني الذي يتخطى حدود المحلية ليشمل العالم كله، وفي كل عصر تعد الحضارة مرحلة متطورة من مراحل التقدم والأرتقاء الانساني.

 

 

 

الثقافة الجديدة: انطلاقاً مما تقول هل يستطيع الفلاسفة تغيير العالم؟

د. كريم الجاف: الحقيقة ان هذا السؤال يعيدنا الى اطروحة كارل ماركس القائلة (ليس المهم تفسير العالم وانما تغييره). إن هذه الاطروحة تعكس طبيعة العصر الذي عاش فيه ماركس، كمثقف وفيلسوف تنويري، ذلك العصر الذي أضحى فيه الجانب التقني والعملي والانتاجي محركات اساسية في حركة التاريخ ومسيرته، فضلا عن تغير النظام الاجتماعي الذي كان سائداً في أوربا واقصد به النظام الاجتماعي الذي تأسس على سلطتي الكنيسة والاقطاع واستبداله بنظام اجتماعي يتمتع بميزات المجتمع المدني. لقد كان لفلاسفة الغرب دوراً كبيراً في تغيير الوضع القائم في اوربا لايصاله الى صيغة افضل العوالم. ومما تقدم ارى ان الفيلسوف ومشاريعة الثقافية قادرة على تغيير واقع العالم، وواقع مجتمعاته شرط ان يتحول ذلك المشروع الى مؤسسة أو يتحول الفلاسفة الى ملوك أو الملوك الى الفلاسفة على حد تعبير افلاطون، فالفلاسفة هم " اطباء الحضارة " على حد تعبير (نيتشة)، وهم وحدهم القادرين على تقديم الحلول والمعالجات لجعل الناس يتكيفون مع التحولات التي تغير واقع العالم.

 

الثقافة الجديدة: هل لدى د.كريم الجاف رؤية فلسفية؟ وماهي اهم مفاهيم هذه الرؤية؟

د. كريم الجاف: كان لمشروع الدكتوراه الذي انجزته وناقشته عام 2007 زاخراً بالعديد من الافكار والمفاهيم الجديدة، ومن ابرز تلك المفاهيم، " عولمة الفلسفة " وقد تحدثنا عنها، و " التفكر المشهدي "، و " الانطولوجيا الممكنة "، و " الانطولوجيا المفرطة "..... الخ، من المفاهيم التي  لايتسع المجال  لذكرها.

 

الثقافة الجديدة: وهل يمكن توضيح تلك المفاهيم التي ذكرتها ليفيد منها القراء والمهتمين بالشأن الفلسفي؟

د. كريم الجاف: ارى ان الفلسفة هي خطاب عن العالم من جهة واقعه المعاصر، وهذا ما اكدته في العديد من البحوث الفلسفية التي كتبتها. وعندما اقول ان الفلسفة خطاب فأن ما اعنيه بالخطاب تلك المفاهيم التي يتوسلها الفيلسوف عند تفكره بواقع العالم، وقد تأثرت في ذلك بالفيلسوف الفرنسي (جيل دولوز) الذي حدد دور الفلسفة في ابداع المفاهيم شرط ان تكون تلك المفاهيم ضرورية وممكنة لتكوين خطاب عن العالم. وانطلاقاً من ذلك الفهم وضعت طريقة للتفكر في واقع للعالم أسميتها (التفكر المشهدي) واعني به ادراك واقع العالم الذي نعيش فيه بوصفه مشهداً يتم فهمه بدلالة (المفهوم والحدث). ان ميزة هذه الطريقة في التفكير تقوم على عدم عزل وفصل المفهوم عن الحدث، وان هناك تلازماً بينهما كتلازم المادة والصورة عند أرسطو . فالمفهوم هو الذي يقول لنا الحدث كما يقول (دولوز) فضلاً عن انه يظهره في حدثيته، أي في تفاصله وحيويته ولا يختزله الى تصورات مجردة تبعده عن حقيقته. ان (التفكر المشهدي) ممارسة تاريخية يقوم بها الوعي المعايش للعالم عبر المفاهيم القادرة على ادراكه ادراكاً حيوياً ومنسجماً مع التحولات الحضارية الكبرى وفي اطار (الانطولوجيا الممكنة) ذلك المفهوم الذي ابتكرته لافهم به الخاصية الوجودية لاي عصر انطلاقاً من واقعه المعاصر وعبر التفكر المشهدي الذي اشرنا اليه.

وأما المفهوم الآخر الذي ابتكرته لافهم به التي تظهر بفعل ادوات الثورة العلمية المعاصرة فهو ( الأنطولوجيا المفرطة)، ذلك لمفهوم الذي يدرك به طبيعة الموجودات التي  ينتقل حضورها عبر العوالم الافتراضية والتي تعرف الان باسم العالم السيبري(Cyber-Space ( الذي هو فضاء تواصلي تفاعلي عالمي الكتروني ينتقل عبرها حضور الموجودات بما فيهم  البشر من اطارهم المحلي الى الاطار العالمي الرحب حيث ينعدم فيه الاحساس  بالزمان والمكان الطبيعي. وتكون مهمة (الانطولوجيا المفرطة) معرفة وفهم طبيعة نشاطات الموجود البشري وتفاعلاته لا بوصفه كائناً عضوياً وانما بوصفه كائناً افتراضياً يتخطى حدود محليته عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصار والاعلام التي  اعطت ابعاداً جديدة للماهية البشرية، فضلاً عن النتائج التي ترتبت عنها على المستوى الثقافي والأجتماعي للحضارة الانسانية. ولا شك ان تلك المفاهيم الميتافيزيقية التي ذكرتها يعني ان الفلسفة لا تتجلى عن الميتافيزيقا وانما تسعى بصياغتها بوصفها امكاناً مهماً لفهم الوجود الانساني وادراك طبيعته عند كل لحظة تحول جذرية لتاريخ العالم.

 

المقاربة الفلسفية للعولمة

الثقافة الجديدة: وماذا عن العولمة؟

د. كريم الجاف: لاشك ان العولمة مجال افرزته التحولات الحضارية الكبرى الراهنة، اذ جعلت النشاطات الانسانية وفعاليته المختلفة تتحرك في اطار عالمي وتحت شعار: (فكر عالميا،واعمل محليا)، ونقصد به التفكير في اطار عالمي بكل ما يحيط بواقعنا المحلي، لان ما يحدث محلياً اصبح له امتدادات عالمية خارج حدوده المجردة. واصبح  من غير الممكن القيام بأي نشاط من دون امتداداته وابعاده العالمية ولا يمكن معالجة اي مشكلة محلية الا في اطار عالمي. وهذا ما نجده جلياً ومن خلال مشكلات من قبيل: الفجوة الرقمية، التغيير المناخي والمشكلات البيئية الاخرى، صراع الحضارات، حوار الأديان، ظاهرة الارهاب ،والامراض...الخ.

 

الثقافة الجديدة: ما هو مصير الدولة والمواطن جراء هذه التحولات الجذرية التي طرأت وما زالت تطرأ على واقع عالمنا المعاصر؟

د. كريم الجاف: الحقيقة ان التحولات الحضارية الكبرى الراهنة قد انبثق عنها عصر جديد يسمى العصر الرقمي أو كما أطلقتُ عليه (ما بعد الحداثة المتأخرة)، الذي اصبح يختزل فيه كل شيء وعبر الحاسوب وشبكات الانترنت الى ارقام كي يتم التعامل معه ومعالجته ونقله وحفظه وادارته في اطار ادوات الثورة العلمية المعاصرة، والتي اعني بها تكنولوجيا المعلومات والأتصال والاعلام التي  انبثق عنها ما يعرف بالعالم السيبري الذي تكلمنا عنه ازاء هذه التحولات التي  غيرت وما زالت  تغير البنى الاجتماعية ونظمها ظهرت مؤسسات جديدة تتميز بالواقع الافتراضي وبدأت تضعف سلطات المؤسسات التقليدية كالدولة مثلاً.

    ان مفهوم (الدولة الوطنية) الذي انحدر الينا من رحم عصر الحداثة قد بدأ بتصدع امام هذه التحولات فهي بدأت تفقد عنصراً كان  يشكل قوامها الا وهو مفهوم السيادة الذي بدأ يتهاوى بفعل العولمة وثورة الاتصال الألكترونية، اذلم تعد تهيمن على ارادة رعاياها وتوجيهاتهم بفعل تلك التحولات التي غيرت من ماهية المواطن الذي كان يتميز بالبعد المحلي واكبته بعداً عالمياً. فالمواطن اذن لم يعد انساناً يعيش في رقعة جغرافية معينة بعد انبثاق العالم السيبري الذي جعله يسبح خارج حدوده المحلية والوطنية، وقد اطلقت تسمية المواطن السيبري (Cyber-Citizen ) على ذلك الكائن، الذي اصبح بفعل ادوات الثورة العلمية المعاصرة العالم كله وطنه، ذلك العالم الذي يتميز بالتنوع والتعدد من حيث القوميات والاديان والافكار والمعتقدات أن يؤثر وبتأثر بذلك التنوع والتعدد. لقد اصبح العالم السيبري مدينة "كوزموبولوتية" الا انها افتراضية، فلم يعد الانسان بحاجة الى ان يعيش في  نيويورك  ليكون كوزموبوليتياً ، وانما العيش في العالم السيبري يحقق له هذا الوجود وهو في منزله.

 

 

معالم الخطاب الفلسفي العراقي في الظروف الراهنة

  لا يوجد فضاء وفسحة للنشاط الفلسفي الحر  في العراق

الثقافة الجديدة: كيف تنظر الى الخطاب الفلسفي العراقي في ظل الظروف الراهنة؟

د. كريم الجاف: لنعيد صياغة السؤال من جديد ونقول: هل هناك فضاءاً للتفكير الفلسفي في العراق؟

    لنبدأ بالاجابة عن هذا السؤال من الواقع الاجتماعي وننتهي بالواقع الاكاديمي والمؤسساتي.

هناك حقيقة مؤكدة وهي ان الفلسفة نشاطاً مدنياً ونقدياً وامكاناً على طرح الاسئلة الضرورية لتغيير الواقع، وعند الاطلاع على تاريخ الفلسفة نجد ان المدينة كانت فضاء ميلاد الفلسفة وان كل  المحاولات الفلسفية التي انبثقت كانت تهدف الى وضع  اطار لمفهوم الدولة والمواطن، وكان ذلك في  العصر اليوناني الذي يعد اول عصر للنشاط الفلسفي. ازاء هذا التجديد يمكن القول انه لا يوجد فضاء وفسحة للنشاط الفلسفي الحر  في العراق وان الابواب موصدة في وجه الفلسفة، وذلك بسبب هيمنة مؤسسات مجتمعات ما قبل الدولة، او ما يطلق عليه الثقافات الفرعية (الطائفية، العشائرية، العرقية)، تلك الثقافات التي  تتميز بالتأكيد على مفاهيم مثل: الاصل، نبذ الآخر، التكفير، الهوية المغلقة، فضلاً عن انها تخلو من مفاهيم: التسامح، احترام الاخر، والانفتاح. لاشك ان هذه الثقافات تقف عائقاً قوياً أمام الخطاب الفلسفي الذي يسعى لازالة مفاهيم الثقافات الفرعية هذه واستبدالها بمفاهيم تعزز فرص دخول الانسان والتمتع بميزات المجتمع المدني. ولو قارنا بين ظروف المجتمع العرقي الآن وظروف المجتمع الغربي الذي انبثقت فيه مؤسسات المجتمع المدني سنجد ان تلك المؤسسات تأسست وترسخت بعد ضعف واضمحلال الثقافات الفرعية (الاقطاع ،الكنيسة) وقد ساهمت بشكل كبير في تطوير النشاط الفلسفي الحر. أما  المجتمع العراقي فأننا سنجد العكس تماماً، اذ نجد أن الثقافات الفرعية (الطائفية، العشيرة، العرق) في اوج قوتها فضلاً عن امتلاكها قوة الهيمنة على الفضاء العام واغلاقه في وجه كل تفكير حر، مما يجعل من الصعب جداً على كل نشاط تفكيري او فلسفي حر ممكناً. واذا وجدت الفرصة لوجود مثل ذلك النشاط فسيخضع لأرادة وهيمنة تلك الثقافات الفرعية.

    هذا من جهة الواقع الاجتماعي، واما من جهة الواقع الاكاديمي نجد ان الدرس الفلسفي قد بدأ تدريساً وتعليماً في بداية خمسينات القرن المنصرم، مع تأسيس قسم الفلسفة في كلية الأداب/جامعة بغداد. غير ان هذا الصرح الاكاديمي لم ينتج فلاسفة ولا خطاباً فلسفياً عراقياً يقرأ الواقع العراقي على شاكلة الخطابات الفلسفية التي تظهر في المشروع الثقافي الغربي، ولكننا نجد انه صنع اساتذة كبار في الفلسفة والتأليف الفلسفي الأكاديمي.

    وأما من جهة الانتساب الى قسم الفلسفة نجد أن القبول في هذا القسم محدد بسياسة القبول المركزي الذي يرفد قسم الفلسفة بالطلبة غير الراغبين بدراسة الفلسفة، وارى انه ينبغي فتح باب التقديم المباشر للراغبين فقط بالفلسفة.

اما خارج نطاق الدرس الاكاديمي سنجد ان الدرس الفلسفي موجود في الحوزات الدينية والتي تقدم الفلسفة والمنطق لطلبتها بعرض استنباط الاحكام الشرعية، وكذلك توجد محاولة فلسفية قام بها المفكر الاسلامي محمد باقر الصدر وذلك من خلال كتابين وهما(فلسفتنا) و (الأسس المنطقية للأستقراء).

ومما تقدم ارى  ان الفلسفة ما زالت تراوح في منطقة الظل، منتظرة من يخرجها الى النور، وهذا لا يتم الا بعد ارساء دعائم  المجتمع المدني الذي ينبثق عنه فضاءات للتفكير الحر.

 

 

 

الواقع العراقي بمنظور فلسفي

الثقافة الجديدة: كيف تنظر الى الواقع السياسي العراقي من منظور فلسفي؟

د. كريم الجاف: بعد حدث 9/4/2003، ذلك الحدث  الذي زاح النظام لشمولي في العراق من خلال الغزو الامريكي، نجد ان الواقع العراقي لاسيما  الاجتماعي منه اصبح اكثر تعقيداً، خصوصاً بعد  هيمنة التشكيلات الثقافية لمجتمعات ما قبل الدولة على نظام الحكم، وحرمت العراق من فرصة التمتع بميزات المجتمع المدني الذي  يقوم على احترام المواطنة. ونجد ان السلوك غير المدني، واعني به سلوك ثقافات ما قبل الدولة أصبحت هي السمة الغالبة في  اغلب  مؤسسات الدولة والمجتمع، فضلاً عن ذلك نجد أن المدينة العراقية التي هيمنت عليها بعد سيطرة الأنظمة العسكرية والشمولية من عام 1958 ولغاية عام 2003 ظاهرة (ترييف المدينة) نجد انها قد دخلت طوراً آخر من الانغلاق أطلق عليها ظاهرة (تطئيف المدينة (من طائفي - المحرر)تلك الظاهرة التي بدأت تغطي مساحة واسعة من المدن العراقية على وجه العموم ومدينة بغداد على وجه الخصوص، اذ نجد أن اغلب احيائها بدأت تتشكل على وفق المبدأ الطائفي مما افقدها الميزة المدنية والحضارية، بل اننا نجد تلك الميزتان قد اختفت وغابت عنها وعن اغلب المدن العراقية.

 

الثقافة الجديدة: كمثقف وأكاديمي كيف تعالج المشكلات التي تهيمن على الواقع العراقي وما هو نصيب المثقف العراقي في معالجة  تلك المشكلات؟

د. كريم الجاف: ان مشكلات الواقع العراقي معقدة، وكبيرة للغاية، بحيث لا يمكن للسياسي وحده ان يجد حلاً لها. وارى ان على الحكومات التي تحكم العراق الآن ومستقبلاً ان تأخذ بعين الاعتبار دور المثقف والاكاديمي واشراكه في ايجاد الحلول لمشكلات الواقع العراقي الراهن، وقد نشرت في احدى الصحف المحلية مقالة وضعت فيها تصوراً للعلاقة بين الحكومة والمثقف تقوم على فكرة (الحكومة الذكية).

    ان الحكومة الذكية هنا لا اعني بها الحكومة الألكترونية، بل انها الحكومة التي يكون فيها المثقف العراقي طرفاً في حل المشكلات واتخاذ القرارات وصياغتها على الاصعدة كافة وبروح الفريق الواحد. اذن فلكي يكون تكوين الحكومة الذكية ممكناً عليها ان تعشّق نشاطها من خلال اشراك المثقف العراقي الاكاديمي وغير الاكاديمي في جميع انشطتها السياسية وغير السياسية، وذلك من خلال انشاء مراكز وطنية تجمع الكفاءات الوطنية في مختلف الاختصاصات لاجل تقديم الافكار والاستشارات والاسهام في صنع القرار الوطني.

 

الثقافة الجديدة: كيف تنظرون للازمة الاقتصادية التي يعاني منها الغرب وبقية العالم الآن؟ومن زاوية فلسفية؟

د. كريم الجاف: ارى ان الازمة الاقتصادية الراهنة وما رافقها من نتائج خطيرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والمعيشي يعود سببه الى فلسفة الغرب الحالية التي تسمى اللبرالية الجديدة. اذ همشت تلك الفلسفة دور الدولة  في التدخل في الفعاليات والنشاطات الاقتصادية، وضخمت من دور الافراد والمؤسسات غير الحكومية في السيطرة على تلك النشاطات. وفضلاً عن ذلك نجد ان الغرب بدأ يتدخل حتى في شؤون بقية دول العالم غير الغربية لاضعاف دور الدولة عبر شعارات الاصلاح السياسي والديمقراطي، لاجل فتح ثغرات في جدران تلك الدول لجعلها جزء من  اسواقها فضلاً عن التدخل في شؤونها الداخلية، مما جعل تلك الدول تأخذ نصيبها من تلك الازمات التي  تعصف بالغرب بين الحين والآخر، والتي تسببت خسائراً كبيرة وازمات اجتماعية وسياسية. فعلى سبيل المثال نجد ان الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالاقتصاد الامريكي، جراء ما حصل في سوق العقارات والمصارف قد دفعت الحكومة الامريكية الى استنزاف مبلغاً قدره (700) مليار دولار من احتياطها المالي في اقل من شهر لتدرك تلك الازمة ، وهذا المبلغ يعادل كلفة الحرب التي  انفقتها امريكا على العراق وافغانستان في اقل من خمسة سنوات. اذن  يمكن القول ان الازمات الاقتصادية اقسى على الأمم من الحروب، وكذلك ارى ان تلك الازمات العملاقة قد تعيد الاعتبار لدور  الدولة في السيطرة على الفعاليات الاقتصادية وبعض النشاطات ذات  الطابع الاستراتيجي والتي  لا ينبغي ان تترك للأفراد والمؤسسات غير الحكومية، وهناك نشاطات ذات طابع فلسفي بدأت تظهر داخل  فضاء الثقافة الغربية ينادي باعطاء دور اكبر لمؤسسات الدولة الحكومية مع الفرض القيود والقوانين على النشاطات غير الحكومية التي  قد تدخل الدولة في ازمات  لا يمكن  التكهن بمصيرها. وعلى سبيل المثال نجد ان فلسفة  الفكر الانجليزي (انتوني جيدنز) تصب في هذا الاتجاه عبر ما يسميه بالطريق الثالث، الذي يعيد الاعتبار للمفاهيم الاشتراكية الخاصة بدعم دور الدولة وادخالها في النظام الرأسمالي. وكذلك بروز ما يعرف بالاتجاه المجتمعي، وهذا الاتجاه لا يبتعد كثيراً عن افكار (انتوني جيدنز) في المناداة وتتوسع سلطات الدولة للسيطرة على بعض النشاطات غير الحكومية فضلاً عن تطبيق بعض مفاهيم الاشتراكية التي  تتصل بالعدالة  الاجتماعية. اذن ومما تقدم نقول ان الأزمات الاقتصادية المتكررة في الغرب تكمن في عدم وجود مساحة مناسبة لتدخل الدولة في تنظيم النشاطات الاقتصادية في  الوقت المناسب وقبل حدوث الازمات وانما نجدها تتدخل بعد فوات الآوان اي بعد استفحال الازمات وعندها لا يمكن تقديم  المعالجات المناسبة لتلك الأزمات.