المثقف والسياسة والاستبداد
-
محمود صبري
ملاحظة أولية
قد يكون ابسط تعريف للمثقف يمكن ان نبدأ به هو كمنتج موضوعات
وأشكال ونشاطات فكرية - روحية يمارس ويتعامل مع إنتاجه في ظروف
حياتية معينة وفي إطار معين من علاقات مجتمعية.
إنه يقوم بهذا الشكل من النشاط بمواصلة وإعادة تقييم وتطوير
تراث فكري معين في سياق اجتماعي تاريخي جديد. وبذلك فإنه يضع قضية
التطور الروحي للمجتمع وبدائل المستقبل في جدول عمل الحاضر،
ويتبناها كمسؤولية ذاتية. إنه يصبح البوتقة الفكرية التي يصهر فيها
الحاضر(خلال الصراع الاجتماعي) صورة الماضي ويحوّلها إلى رؤية
مستقبلية.
غير ان السياق الاجتماعي هو ليس كياناً مفكك الأجزاء من وحدات
منعزلة مستقلة. إنه في جوهره شبكة علاقات مترابطة متفاعلة. لهذا
فإن الموروث الفكري الذي هو مركز اهتمام المثقف ومادة نشاطه
الأساسية يرتبط دوماً على نحو معقد غير واضح أو غير منظور مع
مضامين أخرى ( اجتماعية، سياسية،الخ). الترابط يكشف عن نفسه إلى
هذا الحدّ أو ذاك في فترة أزمة ،أو حينما يصبح الإنسان على وعي به
وبالتالي يصبح هدفاً للاستقصاء.
ميزة عصرنا هي أنه عصر أزمة. وهو أيضا عصر وعي بترابط الأشياء
جوهرياً على المستويين الفيزيائي - المادي والمجتمعي . وبالتالي
فهو عصر صراع (يوصف غالباً بأنه صراع واع) من أجل حل أزمته على
مستوى جوهري.
هذا يتضح مثلاً حتى في أزمته الاستبداد والقمع التي تسحق
المجتمع العراقي. فهي تدفع المثقف ، الذي يصبح بالضرورة طرفاً في
الصراع، إلى وعي بأهمية توسيع سياق نشاطه النظري والعملي ،
والتفاعل مع الموروث الفكري - الاجتماعي في علاقاته المتشابكة على
نحو شامل. لهذا فإنه يخرج برؤية تمزج التطور
الروحي.الاجتماعي،والنظري. العلمي معاً، ويدخل المعترك
السياسي.الاجتماعي كإحدى القوى الفاعلة.
المثقف العراقي يعيش صراعه الثقافي الحياتي منقسماً على نفسه
بين عالمين مختلفين من الوجود المادي والروحي. فهو في داخل الوطن
محاصر بإطار مظلم من العنف والاستبداد والتسلط الأيدولوجي
والتعمية. وهو في المنفى مرغم على ممارسة صراعه في ظروف من الغربة
والتشرد وعدم الاستقرار والمعاناة. غير ان مشكلته تقـترن أيضا
بعوامل أخرى جوهرية:
(1) إنه يخوض هذا الصراع مثقلاً بأزمة إحباط ويأس لفشل قوى
المعارضة السياسية العراقية في صهر منبر مشترك فعـّال للخلاص من
الحكم الدكتاتوري وخلق رؤية واضحة للمستقبل الذي تعد به شعبنا،
تلهم الثقة والتفاؤل والأمل.
(2) إنه يعيش صراعه في عالم تحولات سياسية- اجتماعية- فكرية عاصفة.
فانهيار تطبيقات الفكر الاشتراكي، خاصة بالشكل المذهل الذي حدث في
أقطار عديدة، خلق حالة التباس وغموض وإحباط، وأزمة بدائل ورؤى.
(3) غير أنه يشهد أيضاً هذا الانفجار الكوني في وعي الإنسان بحقوقه
وحرياته، ولربما تؤلف هذه الظاهرة، التي تعطي صراعه زخماً جديداً،
المؤشر الوحيد المحسوس من التفاؤل والأمل في عالم يمزقه العنف،
البؤس واللاعقلانية والتعصب الأعمى.
كان هذا ينعكس عند المثقف العراقي كتجربة حياتية مباشرة، ويعطي
صراعه الفكري - السياسي بعداً كونياً يدفعه الى إعادة نظر في كثير
من المسلمات السابقة. لهذا بحثه العنيف عن حلّ يعد باختراق هذه
الأزمة من المعاناة واليأس والالتباس،ويصبح مقياساً وصحة نشاطه
الفكري والسياسي. غير انه (وهذا عامل إحباط آخر) يجد نفسه ملزماً
بالاختيار بين نفس البدائل والأطر الفكرية التقليدية التي لم تعد
تلائم الظروف الجديدة.
الاختراق الأمثل للأزمة يتطلب بالضرورة إطاراً آخر جديداً
خارج نطاق هذه البدائل. هذا ممكن فقط بإعادة تقييم مفهوم المثقف
وموقعه و دوره المجتمعي، في سياق المعرفة الجديدة التي تقترن
بالثورة العلمية- التكنولوجية. هنا نصطدم بجدار سميك من الأغراض
والتعمية،بموروث محبط من مفاهيم وتنظيرات خاطئة حجّمت دور المثقف
والفكر تاريخياً. لهذا نحتاج مقداراً غير قليل من الجرأة الذهنية
والخيال لخرق هذه السدود الفكرية الموروثة.
الملاحظات التالية هي خطوة في هذا الاتجاه. بيان بموقف المثقف
العراقي الجديد الذي يأخذ قضيته (وبالتالي قضية مجتمعه) بيده.
2- المثقف كفردية بامتياز
نقطة التأكيد الأولية عند الكلام عن المثقف هي أنه (كمنتج
فكري- روحي) يمارس وظيفته كمنتج فردي بامتياز. لهذا بدلا من
الانطلاق مما هو عام، فإننا نبدأ بالفرد. هذا هام أيضا، أولاً، لأن
مشكلة الفرد،دوره وعلاقاته وحقوقه،الخ، هي كميات جرى خطأ قبلاً
إهمالها أو تجاهلها الى حـدً كبير لصالح المجموعة. وهي تكتسب الآن،
بحق، أهمية متزايدة. فالتطور التاريخي يتجه بالضرورة نحو نوع من
التوازن والانسجام بين حقوق الفرد والمجموعة. ثانياً،لأن من
الضروري، أيضا الاهتمام بذلك الدافع الغامض الغريب الكامن في ذات
الإنسان والذي يعمل بشكل خاص داخل المثقف كمنخس أو شوكة في لحمه
تدفعه دوماً إلى اختراق الضباب الكثيف الذي يغلفه بحثاً عن معان
وقيم جديدة.
هذا يؤكد أيضاً صعوبة تحديد دقيق لمشكلة المثقف والخلق. الدافع
الذي دفع اقتصادياً كماركس،أو فناناً كسيزان، أو طبيباً كفرويد، أو
عالماً كاينشتاين،أو شاعراً كبريشت،الخ ، الى بحث متواصل عنيد
لتحقيق مثل هذا الاختراق. أين هي الدوافع الاقتصادية في هذه
النماذج الرائعة وغيرها من الجهاد الفكري؟عبثاً نبحث عنها فيهم.
إنها الإطار المجتمعي العام، بينما دافعهم المسيطر هو فكري، لفهم
العالم وتغييره، يخلقه ويغذيه صراعهم الذاتي الفكري المتواصل.
بكلمة أخرى ، بالنسبة للمثقف، الدافع الأساسي يكتسب هذه الصفة
الفردية المتميزة لأنه فكري. إنه يرتبط عضوياً بوظيفته الحياتية.
وهو يوجّه دوره المجتمعي، اعني التعبير عن المعاني والقيم التي
يكتشفها، بأشكال من الوعي. لهذا فإنه مشكلته ترتبط جوهرياً بحرية
الفكر والتعبير. إذ كيف يمكن للمثقف (كفرد) البحث عن معانٍ وقيم
جديدة في العالم (بجانبيه الطبيعي والاجتماعي)، أو التعبير عنها أو
إيصالها، إذ كانت هناك قيود تمنع حريته في التفكير والتعبير باللغة
التي يختارها لنفسه؟
3- قضية المثقف (الخاصة والعامة)
المثقف، كما اشرنا، يمارس إنتاجه الفكري- الروحي في ظروف
حياتية معينة ونظام معين من علاقات مجتمعية. هذا هو أساس دايلكتية
العلاقة التي تربط قضية المثقف، الخاصة والعامة.
السمات المميزة لهذه العلاقة تتضح بمقارنة المثقف بالعامل.
الأخير مثلاً يؤسس نقابة عمال للدفاع عن مصلحته الخاصة (مستوى
الأجور، الساعات وظروف العمل،الخ). المصلحة جوهرياً
اقتصادية.مادية. وهي قابلة للتحديد كمياً. وتسري على مجموعة العمال
كمقياس محسوس محدّد العامل ينتج(عادة) ضمن مجموعة. وإنتاجه مادي.
المثقف يؤسس رابطة مثقفين للدفاع عن مصلحته الخاصة (حرية الفكر
والتعبير والإيصال،الخ). المصلحة جوهرياً فكرية، وهي غير قابلة
للتحديد كمياً. ولكنها تؤلف بالنسبة لمجموعة المثقفين مثلاً
أعلى،هدفاً أو معياراً مطلقاً.المثقف ينتج (حتى في النشاطات الفنية
التي تتخذ شكلاً جماعياً كالمسرح والسينما،الخ) على نحو فردي،
وإنتاجه فكري - روحي.
من ناحية أخرى، العامل والمثقف على وعي بأهمية التعاون
المتبادل بينهما ومع قوى أخرى ضمن الإطار المجتمعي الأوسع. وبهذا
فإن نشاطهما ينتقل من إطار قضية خاصة إلى إطار القضية العامة.
العامل يعي دوره كقوة مادية،التأثير الذي يمارسه صراعه الاقتصادي
مثلاً في تحفيز أو تطوير أو تفجير الصراع المجتمعي. المثقف يعي
دوره كقوة فكرية ذات بعد اجتماعي. صراعه الخاص من اجل حرية الفكر
والتعبير مثلاً، يكتسب أهمية مجتمعية ويصبح هدفاً وشعاراً عاماً
شاملاً. إنه أيضاً على وعي بالدور الذي تلعبه أفكاره في صياغة
أهداف وشعارات الصراع الأوسع، في تكوين وتوجيه الوعي الاجتماعي،
في خلق الرؤية المستقبلية للمجتمع، ولكنه، قبل كل شيء، يدرك ان
الأفكار تصبح، كما هو معلوم، "قوة مادية عندما تسيطر على أذهان
البشر".
4- وحدة وتناقض الفكر والعمل
المقارنة السابقة تظهر اختلاف الفكر والعمل في طبيعة المصالح
والإنتاج والدور المجتمعي. هذه الاختلافات تفرض تمايزاً (وحتى
تناقضاً ظاهرياً) في الأولويات والتفاصيل الخاصة في جدول عمل كل
منهما. غير أنها (وخاصة ضمن متطلبات الصراع المجتمعي) تخلق في
الوقت نفسه الدافع والحاجة إلى وحدة بينهما.
فالثقافة والعمل يمثلان القطبين الأساسيين النقيضين، ولكن
الضروريين، في أية عملية تستهدف تغيراً خلاّقاً في العالم. هذه
العلاقة تكاد تكون بديهية الآن. ماركس تكلم عن وحدة كهذه بين العمل
والفكر في الصراع المجتمعي قبل حوالي قرن ونصف، حينما أشار إلى أن
الفلسفة تجد سلاحها المادي في"العمل" و"العمل"يجد سلاحه الروحي في
الفلسفة.
حقاً إن هذه العلاقة التي توحدّ بين مبدأين متناقضين هي صيغة أخرى
للتعبير عن نمط الخلق الطبيعي، كما يتجلى، مثلاً،على مستوى الوجود
الإنساني. فالإنسان كأعلى نتاج طبيعي، هو النموذج الأسمى لوحدة
وتناقض الروح والجسد،الفكر والمادة.
5- تكافؤ الفكر والعمل
هذه العلاقة المتبادلة من الوحدة والتناقض بين الفكر والعمل
تعبّر أيضاً عن نمط وجود وتعامل الانسان الفعلي مع العالم. حقاً
لقد جرت تجزئة هذا التعامل إلى فكري ومادي منذ آلاف السنين. النقطة
الهامة التي اقترنت بهذه التجزئة، والتي تهمنا هنا على نحو خاص هي
أولوية أيّ من الموقفين على الآخر: الفكري أو المادي. هذا يكمن على
أساس الصراع التاريخي بين المثالية والمادية. المثالية غذّت مفهوم
أولوية العمل المادي/اليدوي.
هذا هو الإطار الكلاسيكي الذي ساد حتى نهاية القرن 19، واستمر حتى
وقت قريب.
العلم الطبيعي الحديث فتح الطريق أمام رؤية مختلفة تعطي هذين
الموقفين النقيضين (المادي والمثالي) وجوداً متكافئاً: الفكر ليس
وظيفة للمادة أو اشتقاقاً منها، كما يقول الماديون. كما أنه ليس
أصل الكون المادي أو خالقه كما يقول المثاليون. الرؤية الجديدة
تنظر الى الفكر والمادة كتعبيرين أو صفتين لماهية كونية أولية هي
ما يسميها العلم بـ " المجال" أو، كما يقول أنشتاين: "المجال هو
الواقع الوحيد". ومنه تستمد مختلف الظواهر الطبيعية- اللاعضوية،
والحياتية والفكرية، خصائصها وأنماط سلوكها. غير أن هذا هو موضوع
آخر لا موجب للخوض في تفاصيل هنا. المهم بالنسبة لموضوعنا هو أنه
(أي المجال) يؤلف، كواقع فيزيائي، نقطة الانطلاق الجديدة لتحديد
موقف معين من علاقة الثقافة بالعمل، كعلاقة متكافئة. أهمية هذا
التكافؤ كمبدأ جديد في الصراع المجتمعي هائلة. انه يعني أن العمل
لا يمكنه لوحده بمعزل عن الفكر تغيير العالم، بل تشويهه فقط.
فالتغيير، بلا صورة فكرية مسبقة فعّالة موجّهة، يكون دوماً
اعتباطياً أعمى. لهذا أهمية التكافؤ كمبدأ ينظّم علاقة الفكر
بالعمل في اطار الصراع المجتمعي.
6- القرن 20 – عصر ظهور المثقف كقوة مستقلة
العالم منذ ظهور الحضارة والتناقض الطبقي الذي اقترن بها قبل
حوالي 5000 سنة قام على وجود "مراكز قوى"، مراكز تمتلك السلطة أو
النفوذ أو المال. الفكر كان دوماً "تقنية في خدمة الأقوياء".
والمثقف مؤمناً بدوره الثانوي وقانعاً بقدره. (ولم يكن"العمل" أوفر
حظاً، فقد كان بالمثل دوماً تقنية مادية في خدمة الأقوياء).
النظام الرأسمالي غيَّر هذه العلاقة باخضاع المثقف (وكذلك
العامل) إلى متطلبات اقتصاد السوق. وبالتالي فإنه حّرره من تبعيته
المباشرة لـ "مراكز القوى" التقليدية. ولكنه استبدلها بمراكز قوى
جديدة أقل مباشرة، ترتبط بالسوق. المثقف أخذ يتحرك في المجتمع
بالحرية وإلى الحدود التي تسمح له بها قوانين الاقتصاد الحـّر
وأنظمة الامتيازات المتوارثة، التي استطاعت تمديد بقائها بتحالفها
مع الرأسمال. هذا التحول في وضع المثقف أصبح واضحاً على نحو خاص في
عصرنا. إنه عصر ظهور المثقف كقوة اجتماعية مستقلة (وهو يقترن أيضاً
بظهور العامل كقوة اجتماعية واعية بذاتها على المستوى الانتاجي
المادي). التحول هو من نوع يتعذر إلغاؤه، لأنه يرتبط عضوياً بثورة
العلم والتكنولوجيا التي تمتد جذورها إلى القرن 19. هذه الثورة أدت
إلى تفجير قوى الانتاج والمعدات الحياتية المادية للإنسان، وإلى
انقلاب في معداته التفكيرية ورؤيته للطبيعة وللمجتمع.إنها ثورة
الفكر والعمل معاً من أجل نمط جديد من الوجود البشري الاجتماعي.
غير أن الثورة العلمية- التكنولوجية كشفت أيضاً عن الصلة
الوثيقة التي تربط مختلف فروع المعرفة والنشاط البشري والمشاكل
التطبيقية التي تقترن بها. لهذا فإنها فتحت الطريق أمام وحدة جديدة
في الثقافة ذاتها تتناول فروع المعرفة العلمية والتطبيقية والفنية.
هذا التطور الجديد يجد تعبيراً الآن في المفهوم الجديد للتعامل
الكلي، متعدد الفروع، مع المشاكل الاجتماعية – الاقتصادية-
الروحية- البيئية للإنسان مع الطبيعة والمجتمع في آن واحد.
التحول الجديد أخذ ينتشر مع انتشار المعرفة والتكنولوجيا حتى
الى أقطارما يسمى بالعالم الثالث. كل هذا معلوم، ومعلوم أيضاً أن
العراق أصبح منطقة محرّمة على هذا النمط الجديد من الثقافة.فحكام
العراق أفلحوا على نحو كارثي في الارتداد بهذا البلد إلى الوراء في
الفضاء- الزمن التاريخي إلى أيديولوجيا وميكانيزم الاستبداد الشرقي
للعصر البرونزي.
7- مشكلة المثقف الواعي بدوره الاجتماعي
غير ان مشكلة المثقف الذي يعي دوره الاجتماعي، "المثقف
المجاهد"،هي حتى أكثر تعقيداً. أنه أدرك منذ البداية ضرورة وأهمية
مزج صراعه من أجل حرية الفكر والتعبير مع الصراع المجتمعي الأوسع.
وقد قام بذلك عبر انتمائه إلى " مراكز قوى" معينة وجد في تمردها
ضمن القديم ورؤيتها المستقبلية ما ينسجم مع رؤيته وتمرّده.
الأزمة انفجرت بسبب عوامل محلية وعالمية، مترابطة في الجوهر.
العامل المحلي تمثــََّل في فشل هذه " المراكز" في فهم الدور
الحقيقي الحيوي للثقافة الحّرة في الصراع المجتمعي. بين "وحدة
الثقافة والعمل" تحوّلت في التطبيق (بسبب قمع المبادرة والتجديد
لاعتبارات ايديولوجية دوغماتية) إلى "قمع للثقافة باسم العمل"لهذا
تعذ ّر على هذه "المراكز بلورة الرؤية الملائمة اللازمة في الصراع
من أجل الديمقراطية والحرية والعدل الاجتماعي.
العامل العالمي تمثــَّل في تفتـّت جوانب أساسية من الرؤية
التي كانت مصدر الهام كثير من البشر لسنوات طويلة وانهيار
تطبيقاتها على نطاق واسع. الانهيار حدث لأسباب كثيرة، ربما أهمها
هو: أولاً، فشل هذه التطبيقات في عصر الثورة العلمية- التكنولوجية-
المعلوماتية في رفع الانتاج المادي والمعدات الحياتية إلى مقاييس
مقبولة، أو إعادة إنتاج منجزات التكنولوجيا الحديثة لتصبح جزء من
البيئة الحياتية للمواطن العادي. ثانياً، فشلها في تحويل الرؤية
الجديدة للعلم الطبيعي إلى جزء أساسي من مكونات الوعي البشري،لأنها
لم تدرك أهمية هذه الرؤية على الصعيدين الفكري والاجتماعي في بناء
وتطوير المجتمع الجديد. لهذا فانها أخفقت في فهم وتقييم المضمون
الحقيقي للصراع الايديولوجي العالمي في هذا العصر. وهو الصراع الذي
كان له في النتيجة الدور الحاسم . ثالثاً، فشلها الكارثي في إدراك
التطور المفجِّر للوعي بالحرية والديمقراطية في عصرنا وتحويله الى
واقع محسوس فعـّال. فقضية بناء مجتمع جديد (اشتراكي) هي عملية
طويلة معقدة، ولا يمكن أن تتم بمعزل عن الديمقراطية.انها ليست (ولا
يمكن أن تكون) حقاً استثنائياً مقصوراً على فئة مختارة، " نخبة "،
مهما كانت. بل انها بالأحرى قضية القرار الحـّر والجهد الفكري -
العلمي المشترك الواعي لكامل المجتمع.
المثقف وجد نفسه فجأة بلا موقع ثابت واضح، بلا رؤية مستقبلية
مقنعة تماماً في الصراع المجتمعي المحلي والعالمي. لهذا احتجاجه
المليء بالغضب والمرارة: " مع من أتصارع؟ ومن أجل ماذا؟".
المشكلة تتناول تحديد أمرين: "الخصم (وبالتالي، الحليف)" و
"القضية".
في كلتا الحالتين ينبغي ان ينطلق الحلّ من طبيعة نشاط المثقف
كمنتج فكري- روحي، والعلاقة الدايلكتية التي تقترن بهذا النشاط
وتربط مصلحته الخاصة والعامة.العلاقة معقدة.
(1) المثقف يدخل صراعاً من أجل حرية الفكر والتعبير وضد أعداء حرية
الفكر والتعبير.
(2) إنه يربط هذا الصراع الخاص بالصراع الإنساني الأوسع لتغيير هذا
المجتمع اللا أخلاقي إلى مجتمع من الحرية والعدل والوفرة يليق
بالإنسان. وهو يقوم بذلك بالتحالف مع القوى الأخرى التي لها مصلحة
في تحقيق مثل هذه الأهداف وخلق مثل هذا المجتمع، وفي مقدمتها
قوى"العمل".
(3) غير أن المثقف يدخل أيضاً في صراع من أجل ثقافة تتلاءم مع هذه
الأهداف والرؤية وبالتالي فإنه يدخل في صراع ضد أعداء هذه
الثقافة.
لهذا فإن بلورة أشكال وقيم ومعاني هذه الثقافة تصبح ضرورة
تتطلبها ليس فقط مسؤولية المثقف الفكرية.كمنتج أشكال ونشاطات روحية
يقوم بإعادة تقييم الموروث الفكري، بل مسؤوليته الاجتماعية-
السياسية أيضاّ. فهذه الأشكال الفكرية هي الأدوات الأيديولوجية
اللازمة لخوض الصراع المجتمعي الأوسع. الأشكال التي "تصبح البشر
خلالها على وعي بصراعاتهم ويقومون بحسمها".
مسؤولية المثقف إذن مزدوجة: إنها التزام اجتماعي سياسي، وآخر
جوهري، فكري- روحي.هذا الالتزام الأخير يشمل رؤية المثقف وأشكال
وقيم ومعاني الثقافة التي ينتجها.حقاً يمكن النظر الى هذه
المسؤولية كوحدة ثقافية يؤلف الالتزام الاجتماعي- السياسي أحد
عناصرها أو مضامينها.
هذه المسؤولية الثقافية هي قضية المثقف التي يدخل الصراع من
أجلها وضد خصومها.
هذا يقودنا إلى مسألة تحديد الملامح الأساسية لهذه الثقافة
التي أخذت تبرز تدريجياً في عصرنا مع تطور الثورة العلمية-
التكنولوجية.
8- ثقافة واحدة لعصر علمي
الثورة العلمية- التكنولوجية جهّزت الإنسان بأداتين وثيقتي
الارتباط للتعامل مع العالم وتغيره:
(1) إدارة فكرية- علمية، كرؤية وكفهم جديد للعالم، كشفت(كما رأينا)
عن الصلة الوثيقة التي تربط مختلف فروع المعرفة البشرية
وتطبيقاتها، وبالتالي العلاقة المتبادلة بين الظواهر الطبيعية-
البيئية، والفكرية والاجتماعية والاقتصادية. وهكذا فتحت الطريق
أمام مفهوم جديد للتعامل الكلي، متعدد الفروع، مع المشاكل المختلفة
التي يواجهها البشر.
هذا الموقف الجديد هو تأكيد لمفهوم قديم للعالم، يرجع إلى
هيراقليطس، ودعا إليه مفكرون (مثاليون وماديون، كل من زاوية نظره
الخاصة) كهيغل وماركس/انجلز ووايت هيد،الخ. المفهوم ببساطة هو أن
العالم ينبغي فهمه دايلكتياً كنظام دينامي من عمليات متفاعلة
متطورة ترتبط فيما بينها على نحو شامل، متعدد الجوانب والأشكال.
وهو يتناول ظواهر الطبيعة والمجتمع، وعمليات التاريخ والفكر معاً.
ورغم ان العلم الحديث أكَد (كما قلنا) هذا المفهوم الدايلكتي
بصيغته،العامة، إلا أنه كشف عن تحديداته التأملية والميكانيكية.
مثل هذه التحديات طبيعية، وهي تعكس تحديدات عصرها. فهذه الأنظمة
الدايلكتية (باستثناء نظام وايت هيد) صيغت في وقت كان الاطار
العلمي الكلاسيكي للمعرفة لا يزال سائداً، أي، قبل ظهور فيزياء
النسبية وميكانيكا الكم. مثلاً، إذا أخذنا الصورة الدايلكتية التي
تقترن بالفكر الماركسي، فإن تحديداتها تتضح عند مقارنتها مع
دايلكتية الطبيعة على المستوى الميكروسكوبي كما كشف عنها العلم
الحديث. لهذا من الصعب الكلام الآن عن الدايلكتيك الماركسي كنهج
فعّال لفهم وتغيير العالم الاجتماعي على مستوى جوهري (وهو ما يردد
عادة) إلا اذا أعيد تقييمه في إطار الرؤية العلمية الجديدة.
(2) إدارة مادية- تكنولوجية، كنتاج تطبيقي للإدارة الفكرية، لتغيير
العالم. هذه كشفت عبر منجزاتها المذهلة (في ميدان الذكاء الاصطناعي
والطاقة النووية والتكنولوجيا المعلوماتية،الخ) عن الإمكانيات
الهائلة الكامنه في التكنولوجيا الجديدة، في تطورها المستقبلي،
كأداة للسيطرة على الطبيعة وتحسين حياة البشر. الأحلام اليوطوبية
للبشر عبر العصور لخلق عالم من الوفرة والحرية والجمال أخذت تكتسب
لأول مرة في التاريخ ملامح واضحة لواقع ممكن التحقيق.غير أن كل هذا
يتوقف على نجاح البشر في تدجين هذه التكنولوجيا واستخدامها على
نحو عقلاني.
بكلمة أخرى، الثورة العلمية- التكنولوجية تضع أمام المثقف
إطاراً جديداً يربط بين مفهوم لثقافة واحدة تلتقي فيها كافة فروع
المعرفة في سياق علمي، ورؤية أكثر وضوحاً وإقناعاً لعلم مستقبلي من
الجمال والوفرة والحرية.
هذا الإطار الجديد يصطدم الآن بالقصور الذاتي المتأصل في كامل
التاريخ البشري، كما يتجسد في موروث من بدائل متناقضة تخـّيم كقدر
مظلم على البشر.
مثلاً، هناك البديل الكلاسيكي الذي اقترن بظهور الرأسمالية
والذي، بقدر ما كان مفجـّراً للثقافة بادئ الأمر، أصبح الآن يقيـّد
حركتها نحو آفاق جديدة. فهو ينطلق (خلافاً للموقف العلمي الحديث)
من رؤية للعلم كنظام من أشياء وظواهر وقوى متمايزة منعزلة جاهزة
الصنع. وبالتالي فانه يقوم على وجود حواجز ثابتة بين فروع المعرفة
التي تتعامل معها (مثلاً بين العلوم الطبيعية والإنسانية،أو بين
العلم والفن/الأدب .... الخ). هذا البديل يرتبط على الصعيد
الاقتصادي - الاجتماعي
بمفهوم يرسم الحياة الاجتماعية كميدان "طبيعي " للصراع والمنافسة
الحّرة التي يفترض فيها "البقاء للأصلح". ويقترن بمبدأ"عدم التدخل"
في النشاط الاقتصادي الحـّر للأفراد، حتى في ذلك التنافس المخبول
الذي يتحول إلى " سباق للجرذان". بالنسبة لهذا المفهوم الفقر
والبؤس والجشع والعنف والحرب تصبح مظاهر ملازمة للوجود البشري. فهي
السمات والأعراض والنتائج الطبيعية لهذا الصراع الحـّر.
غير أن هناك أيضاً بديلاً آخر تعود جذوره إلى بربرية فجر
التاريخ. وهو يتمثل في هذا الطوفان المظلم من التعصب الأعمى
واللاعقلانية والتعمية، الذي يهدّد باكتساح الوجود والخيال
الإنساني. إنه يقترن على الصعيد الاجتماعي- الاقتصادي بمفاهيم
وممارسات من الاستبداد المطلق والجبرية والتمركز الاقتصادي-
الإداري، والهيمنة الأيديولوجية وسحق إرادة الفرد.
المثقف ملزم بالصراع ضد هذه المفاهيم والقيم، سواء التي تدفع
الانسان الى تمجيد القديم المتحجّر ونبذ الجديد الواعد بالحياة،
والارتداد الى عالم من الخرافة والكانيبالية، أو التي تسفـّه وتسخر
من أحلامه ومسعاه لتغيير العالم وخلق مجتمع من التعاون والعدل
والوفرة،كوهم يوطويي ساذج.
المعيار الذي يحتكم إليه المثقف هو هذه الحركة التاريخية
الكبرى لوحدة الفكرة والعمل التي تصهرها الثورة العلمية-
التكنولوجية، والتي تتمثل بمفهوم الثقافة الواحدة للعصر العلمي
الجديد.
9- المثقف والعمل السياسي – الاجتماعي
كل هذا يقود الى النقطة الأخيرة، الهامة: مسؤولية الثقافة في
إطارها الواحد الجديد في ميدان النشاط السياسي- الاجتماعي. هذه
المسؤولية تعني نوعاً من الانتقال من النظرية إلى التطبيق. وقد
يتخذ هذا أشكالاً مختلفة، مثلاً، تكوين منبر ثقافي، أو إصدار مطبوع
دوري الخ... إذا أراد المثقف العراقي أن يلعب دوراً كقوة فكرية-
روحية فعـّالة في ميدان الصراع السياسي- الاجتماعي، فان عليه أن
يدخل هذا الميدان انطلاقاً من مبدأ التكافؤ (الذي أشرنا إليه) بين
الثقافة والعمل. أي ينبغي أن يدخل الصراع كقوة فكرية مستقلة على
نحو متكافئ مع القوى الأخرى، " كمركز قوة " جديد يتبنى قضية
المستقبل عبر نقد الإطار الفكري- الروحي الاجتماعي السائد للحاضر.
أي أن عليه أن يدخل كقوة ثقافية- فكرية ذات برنامج ثقافي تؤلف
السياسة جانباً منه فقط. وتضم المبدعين من مختلف فروع الفن/الأدب
والعلم بجانبيه الطبيعي والاجتماعي، هدفها أن تبلور وتفرض على
السياسة رؤيتها المستقبلية لمجتمع جديد.
المثقف ينبغي ان يدخل معترك العمل السياسي لا كسياسي محترف
يهتم بالثقافة، بل كمثقف محترف يهتم بالسياسة. وهكذا يستطيع أن
يحـّرر نفسه من خدمة"مراكز القوى". انتماؤه الأساسي، الذي هو أوسع
وأهم من أي انتماء آخر، هو الى الفكر والثقافة وليس الى السياسة.
بل انه يستطيع أن يقلب الآية ويفرض على السياسة أن تنتمي بتبنيّ
رؤيته.
وإذ يربط المثقف المسؤولية السياسية بمسؤولية ثقافية
(وبالتالي, أخلاقية- روحية)، فانه يفتح الطريق أمام نقد شامل
للعملية السياسية ذاتها. مثلاً، الجانب الماكيافيللي في السلوك
السياسي: بدلاً من مبدأ " الغاية تبّـرر الوسيلة " الذي أدّى
ويؤدّي إلى نتائج فاجعة، فان المثقف يدعو إلى مبدأ " انسجام الغاية
والواسطة " (أو الهدف والوسيلة"). ينبغي أن يكونا متوافقين كلياً،
ومتماثلين في القيمة الأخلاقية ذاتها. إذ لا يمكن تحقيق هدف انساني
بوسائل لا إنسانية، أو بناء مجتمع عادل بوسائل أو طرق غير عادلة.
فهذا يؤدي إلى تشويه انسانية الهدف وعدالة المجتمع على حدّ سواء.
وهو يعني(حتى في إطار ديمقراطي تغليب التعامل اللا أخلاقي في
العملية السياسية. وبالتالي فانه يخلق جواً من الاحباط واللا
مبالاة واليأس في المجتمع، ويقود الى نقص التطلع الديمقراطي وتثبيت
الدكتاتورية والحكم الفردي.
الاعتراف بذلك يعني أيضاً رفض مفهوم دور النخبة القيادي في
تغيير المجتمع كيفياً وفقاً لرسالة ايديولوجية، أو تبرير تاريخي،
أو روية يوطوبية، الخ. فميكانيزم ممارسة السلطة من قبل النخبة يؤدي
دوماً، رغم نيـّاتها الأخلاقية المعلنة، إلى خلط النخبة بالهدف أو
تحويلها إلى هدف قائم بذاته. لهذا بدلاً من أن تكون أدارة لتحقيق
غاية اجتماعية معينة فإنها تصبح هي الغاية ذاتها. مثل هذه الأنظمة
تدخل بالضرورة في تناقض مع أهدافها وتتحول إلى أشكال جديدة من
الاستبداد.لهذا فان المثقف يرفض،كوهم ضارّ،ادعاء أية فئة ، مهما
كانت،بحق استثنائي في تغيير المجتمع بمعزل عن العملية الديمقراطية.
فالطريقة الوحيدة المشروعة والفعـّالة لإدارة المجتمع هي الجهد
التعاوني الحّر المشترك الذي تقّره المؤسسات الدستورية المنتخبة
على نحو ديمقراطي من قبل كافة الأفراد.
كل هذا يبين أهمية منبر ثقافي مستقل في بلورة وتثبيت وعي
عقلاني- دمقراطي بحقوق الأفراد ودورهم في الميادين
الروحية/الأخلاقية والاقتصادية والسياسية كأساس لبناء مجتمع من
العدل والحرية والوفرة. تمثل هذا الوعي لابد أن يكون علمياً، في
إطار المعرفة الجديدة في ميادين الطبيعة والمجتمع، وبالتالي خارج
الأطر السياسية التقليدية.
الفكر الماركسي كان يمكن أن يقوم بذلك. غير ان السياسة استطاعت
احتواءه بدلاّ من أن يحتوي هو السياسة. وهكذا حولته من نظرية علمية
لتغيير العلم وتحرير الإنسان إلى أطروحة أيديولوجية لمشروع
براغماتي للوصول إلى السلطة والانفراد بها من قبل نخبة.
أهمية هذا التأكيد على دور المثقف الجديد لقوة مستقلة ترجع إلى
أن مسؤولية تحديد هوية "القضية " والخصم وبلورة " الرؤية "
المجتمعية الصحيحة الضرورية في عصر الثورة العلمية- التكنولوجية،
تقع على عاتق المثقف. إنها المسؤولية الأكثر أهمية الآن في هذا
الصراع، ليس فقط على النطاق المحلي بل العالمي أيضاً.
هذا هو التحدي الجوهري الذي يجابه المثـقف العراقي الذي يعي
دوره الاجتماعي عشية القرن 21.
براغ: نهاية شباط- بداية مارس 1993