واقعية الكم : شفرة المستقبل *
او:
عندما
تصب العلوم المعاصرة في بؤرة فنية واحدة
-
صادق
الصائغ
في
تاريخ التشكيل العراقي المعاصر، يشكل كل من جواد سليم وشاكر حسن ال
سعيد ومحمود صيري ضلعاً من ضلوع مثلث ذهبي، تجسدت في اطاره اولى
محاولات الإتصال بحداثة بدأها الإنطباعيون ،وكانت ثيمتها تتركز على
جدليالت الشكل في تجلياته الأخرى، تجليات الماوراء واللامرئي الباحث
بالساكولوجيا والميتافيزيك عن أسرار الباطن، وسجلت محاولات الثلاثة،
على مستوى بيئي محلي، رسما ًأوليا ًلخارطة جديدة في مفاهيم تشكيلية
جديدة لا تعتمد الحدس والإنطباع والتخمين الذاتي ، ولا تنطلق من
سكونية الشكل المتطابق مع نفسه ومع هيئه الخارجية. وسرعان ما اصبحت
هذه المحاولات مركزا ثابتا ً تجمع حوله حلقات فنية عمدتهم كآباء
شرعيين، لكن هذه الحلقات، في اجيالها القادمة ستستولد ، فيما بعد،
أنماطا ًتجريبة جديدة، متأثرة بالعصف التشكيلي الذي اطلقته المدرسة
الإنطباعية والمدارس الأخرى التي تلتها ،كالسريالية والتكعيبية وكل
المدارس الفنية اللاحقة التي ظهرت في اوربا، وغيرت جذريا ًمفاهيم
الرسم بطرائق تحريك الثبات والتخلى عن فكرة المنظورالمتحكم، وتحرير
الزمكان من تموضعاته الساكنة، وسيتطورهذا المفهوم، على ايدي جيل ثالث
ورابع، الى تكثيفات توصل بالتدرج الى تجريد مطل
المثلث
العراقي هذا ظل في بدايتة متمسكا ًالى حد ما بالمنظور الواقعي ،
لكنه، عمق البحث عما تحت سطحه، وسنجد ان درجة أو درجات أولية من
تجريبيته عراقية ذات خصوصية بدأت تشق طريقها الى الخارج. وسيبدأ كل
واحد من هؤلاء بحثاً في العمق، عن حل خاص لواقعية شكله ، فجواد سليم،
مثلاً،عالجه بغنائية تعبيرية تنسجم مع تكوينه النفسي، مضفيا ًعلى
شخوصه إنسجاماً ورضى يتناسبان مع مزاجه الشخصي ومع تطلعات الطبقة
المتوسطة الآخذة في الصعود.
وبهذا المزاج البهيج التقط جواد جمال التماهي البادي على وجوه الشخوص
البسيطة الماثلة امام كامرته، مجسداً، كما فعل غوغان، جمال السذاجة
والبراءة في الحياة البدائية.
وضمن السياق انشغل شاكر آل سعيد، في بداياته، بنفس الهم الواقعي،
متجنبا، هوالآخر، الاعتماد المعنى الأحادي للشكل، متهجساً ملامح
جديدة يخفيها المجهول، وكان هيغل عبر عن ذلك بقوله: كل ما هو معروف
ليس معروفا ًبما يكفي.
في
مرحلته الأخيرة، اتخذ شاكر، انطلاقاً من روحانياته، الحدوس الصوفية
والمغيبات والعقل الباطن ، طريقا ً لتفكيك المنظور الواقعي واعادة
تركيبيته من جديد، ونظراً لإهتماته الفلسفية الموازية لإهتمامات
صبري، فقد ثبت رؤيته الفلسفية هذه في بيانين تشكيليين، البيان
التأملي الأول والبيان التأملي الثاني. وفي كلا البيانين كانت
الحقيقة الجوهرية التي بحث عنها شاكر، وكذلك تلك التي بحث عنها جواد
ومحمود، حقيقة ايديولوجية، اي انها صورة للواقع الخارجي مع ايقاعات
جمالية تركزعلى بنية التكوين ، باعتباره الموضوع المركزي لجماليات
التشكيل.
غير
ان نظرية اكتشاف المخفي القائم ماوراء الواقع، إتخذت وجهةً اخرى لدى
محمود صبرى، فقد لوحظ، منذ البداية، انه كان الأكثرإهتماماً، بشواغل
الفلسفة و الهم الإجتماعي، كما انه كان الأكثر ميلاً الى ان يأخذ
هذان الهمان مكان الصدارة في لوحاته، وهنا يسجل محمود انعطافة مميزة
في تاريخ الفن العراقي،انعطافة تدخل التوتر والتناقض داخل اللوحة
وتستخدم الفن في اطار اجتماعي.أي انه يجد للفن وظيفة أخرى، هي وظيفة
الصراع الآيديولوجي، وسنرى ان هذه الإنعطافة ستتعمق عند محمود
بالتدريج في واقعية الكم.
يعتقد البعض، وربما كان هذا صحيحاً الى حد ما، ان محمود منذ ان توصل
الى واقعية الكم، لم يعد ماضيه الفني يعنيه كثيراً.وبالطبع صعب على
متتبعي اعماله الأولى ان يستجيبوا لرغبته، فيلقوا عليها ستار
النسيان، واعتقد ان الكثير منهم، وربما كان محمود بينهم، ما زالوا
يضمرون حنينا ًلذلك الحضور الغائب،رغم مرور الزمن، لذا ظل البعض يفضل
ًتلك الأعمال على " المتاهات" التي تضعهم فيها واقعية الكم..
اذا
لم اخطئ فإن شخوص ووجوه محمود في مسلسل الإشتشهاد الستيني كانت آخر
ما أختتم بها رؤاه في مرحلته الأولى ،التي شكلت ملحمة الجزائرصعدة
عليا بين اعماله، وكانت كل هذه الأعمال التعبيرية التي سبقتها او
لحقتها، خاصة،مسلسل الأستشهاد الدي رسمه بقلم الفحم بعد الإنقلاب
البعثي عام 1963 تشير الى حجم الهم الإجتماعي والسياسي الذي كان يشغل
ذاكرته ، فإنسان محمود متأزم لأنه موجود دائما ًداخل محنه، داخل صراع
إجتماعي أو سياسي شديد الفاعلية ، ومن السهل ملاحظة ان شخوصه،على عكس
شخوص جواد التي تقف مستأنسة ومستسلمة بوداعة لعدسة الرسام ،هي وجوه
تراجيدية ، شاحبة وناحلو وحزينة، ألوانها كحياتها زهيدة، فهي مرسومة
بالأبيض والأسود، لكنها، من منطلق ايديولوجي، تعبرعن حضورانساني في
معركة إلإرادة، وبهذا يكون محمود قد ادخل الى اللوحة عنصراً جديداً،
هوالعنصر الدرامي العراقي، الذي ابرزته مدرسة المانرزم بعد عصر
النهضة، وفيها يكون المشهد متسماً بصبغة درامية مطلقة. كما وتوجد في
وجوه محمود روحانية/ مادية تعكسها النظرات التقية والرقة وروح
البشارة التي تبدو على وجوه المكبلين بالسلاسل، ومع انها كانت الأضعف
في معادلة القوة التي تمثل امامها، الا انها كانت، لدى محمود، العنصر
الإقوى في معركة الأخلاق والإرادة. وهذه النظرات الشفافة التي تعكسها
في اللوحات روحانية الضوء والظل ،موجودة، في الواقع، داخل محمود
نفسه، وتذكر برسامي مدرسة المنرزم، الذين رسموا المسيح بطريقة
درامية، ومنهم تونتورينو في لوحته العشاء الرباني الأخير. وجيريكو في
لوحة" دفن الكونت اورجاز( اللوحتان منشورتان في كتاب ارنولد هاوزر
المعنون تاريخ الفن والمجتمع عبر العصور).
لقد
تأثر رسامون كثر باتجاه محمود الواقعي التعبيري، وأعتقد ان رهطا ً من
الرسامين الشباب ما زالوا يتذكرون طيوف شخصياته عندما يرسمون، ولعل
فيصل لعيبي واخته عفيفة لعيبي هما أقرب من استلهم محمود ، وأوضح
علامة تشير الى ان جيلاً جديداً، لا يزال يرى في واقعية الخمسينات ما
يستحق التطوير والمتابعة.
ومن
المؤسف ان القواعد والأصول التي اعتمدها محمود في بناء لوحته، والتي
ميزته عن آخرين سلكوا الدرب نفسه، بغية الوصول الى حرية جديدة، لا
يوجد اليوم منها إلا القليل، لقد كانت كارثة نهب المتاحف،
بعدالإحتلال إحدى اكبر الخسائر التشكيلية التي لحقت بمسار الإبداع
العراقي. وتلك كانت آخرما آخر ما لوح لنا به محمود، قبل ان يتجه الى
تأسيس نظريته التي أطلق عليها اسم واقعية الكم.
ما
هي واقعية الكم ؟ هل هي نظرية، ام لغة تشكيلية جديدة قادرة فعلا على
تغيير العالم؟ هل ستستطيع واقعية الكم مثلاً، تحويل الكم التشكياي
الى نوع تشكيلى ، ويكون العلم شرطاً اساسياً للفن ولأمتلاك اداة تكشف
اسرار الماوراء؟، وهل بإمكانه ان يكون شرطاً أساسياً للجمال والتذوق؟
لقد
تغيرت الحسابات القديمة، منذ ان توجه محمود نحو الطاقة كمقياس
ينقلمستوى التعامل مع الكتلة الى مستوى التعامل مع الطاقة.
أن
هذه الجملة البسيطة، لكن المتفجرة، ستقسم تاريخ الفن الى شطرين،
وبينهما يتموضع محمود وواقعية الكم.
وما من شك في اني لو اردت ان اقدم تفاصيل وشروحات لهذه الجملة
الاطروحة لكان على نقل كتاب واقعية الكم بأكمله، بلغتة رياضية بحته
، واي اعادة صياغة او تغيير فيها يضعها خارج مقاصدها، وقد توقع
صاحبها في زلات علمية كثيرة، لذا سأترك شبكة العلاقات العلمية
المتداخلة والمتزاوجة والمنصهرة داخل بعضها للمختصين، والمهتمين،
علمياً، بعلاقات الكتلة بالطاقة التي اكتشفها انشتاين، او بالوحدات
التي يمكن بواسطتها بناء صورة بلاستيكية للعالم او بالكمّات التي
تتكون منها اطوال الاطياف المكثفة، كما سـأتجنب البحث في مسلسلات
وجداول ليمان وبالمر وباشين وغيرها مما اورده محمود، فهذه عوالم لا
اعرف عنها الا القليل، وما اورده محمود في نظريته ليس الا جزءا بسيطا
من علوم عدة تصب في نقطة فنية واحدة، وتتداخل فيها الفيزياء
والرياضيات والكيمياء والانثروبولوجيا، وبدون هذه العلوم لا تستطيع
واقعية الكم ان تنجز وظيفتها العلمية/ الجمالية، لذا، سأ تمسك
بافتراضات متشككة تدور حول مدى قدرة واقعية الكم على ايجاد تطبيقات
بلاستيكية في حقل الفن، معتمداً على مأثورة تقول ان للمجتهد، اذا
اخطأ جزءاً من الثواب، وسأعتمد على التأسيسات التشكيلية الجديدة التي
جاء بها محمود، والقائلة بأن الطاقة هي الجوهر الحقيقي لكل واقعية
حقبقية، وهي التي ستغير مفاهيم التشكيل، بقدر ما تتغير بواسطتها
الطبيعة والانسان والعالم.
ستبدو انعطافة محمود في واقعية الكم، وكأنها قطع، ليس مع تاريخه
الشخصي فحسب، بل ومع تاريخ الفن العالمي ككل، منذ فن الكهوف وحتى آخر
مدرسة فنية معاصرة توصل اليها القرن العشرون، وجهة نظره تقول ان
العلم وحده هو الماوراء، وليس شيئاً آخر، هو العمليات المخفية التي
توصلت اليها العلوم الجديدة بعد تفجير الذرة، وبعبارة أخرى ان
الماوراء هو العالم المادي، المختلف عن ذلك العالم الحسي الموهوم
الذي اسست له الفلسفات المثالية، منذ افلاطون وحتى اليوم.لكن، ألا
يشكل هذا قطعاً مع التاريخ ؟ وهل لم تكن هناك في السابق محاولات
لعلمنة الفن؟
محمود يوضح هذه الناحية لمنتقديه بقوله:
ليست المسألة قطعاً كليا، إنها "تحول"، أو صهر لأكثر العناصر تنوعاًً
في الشكل والتعبير في كل واحد، صهر للآلاف السنين من التطور البشري
داخل اشكال جديدة ، واعادة صياغة لكنوز الثقافة البشرية وتطورها
الطبيعي ضمن رؤية جديدة، غير ان مثل هذا التطور الطبيعي- يستدرك
محمود- يجب ان يقودنا الى "قفزة"، الى " انقطاع في المواصلة"، الى"
تحول" يصبح فيه الكم نوعاً، وبالتالي وسيلة تعبير جديدة تختلف
مكوناتها عن مكونات الأصل، فهي لأول مرة، لا تقلد تراثاً، بل تخلق
تراثأ نوعيأ جديداً.
وماذا بشأن الحسية التي كانت منذ آدم عنصراً جوهرياً في الفن؟ اتراها
ستختفي هي الأخرى؟
والجواب هو ان الحسية لا تختفي، إنها العنصر الجوهري الذي يربط
الماضي بالحاضر،والذي يمنح الفن حيويةً وزهواً أبديين.
غير
ان هذه الحسية ليست كماً تابتاً، ولا يجب ان نستدعيها من حضارات
قديمة، وقد تتحول عملية احياء الموتى الى كابوس يجثم على صدور
الأحياء، فاذا اُريد استعادتة حيوية تلك الحسية الى وقتنا الحاضر ،
فلابد إذن من صهرها داخل وعي علمي جديد مستند الى العلم والتكنولوجيا
وتناقضات الحياة المادية وصراع القوى الانتاجية وعلاقات الانتاج. كما
سيتوجب هنا تفريغ الرسم من حسيته البدائية المعتمدة على الامكانات
البصرية، ليستعاض عنها بحسية ارقى يحققها تداخل العلم والفن، ويتأسس
عليها، تبعاً لذلك "ابداع"جديد لا يعتمد، على معالجة الشكل بمستوى"
عملية/ تركيب/ طاقة"، اي مستوى الطيف الذري كواقع. وهذا التغير
المثير، في حالة ايجاد تطبيقات بلاستيكية له، يحول، لأول مرة في
التاريخ، الفن الى علم والعلم الى فن. وقد برهنت الاحداث على ان هذا
ممكن، وكلما تقدم العلم خطوة أخرى تفكك الغيب وتم حل فكرة الماوراء
المتعالية ،بطريقة صحيحة.
يختصر محمود تفاصيل واقعية الكم بأنه لغة تطبيق الطريقة العلمية في
حقل الفن. وهي شكل جديد من الفن يصور الواقع الموضوعي مستبدلاً الفكر
الغيبي بالعلمي، منتقلاً- من مستوى المنظورالقديم القائم الى مستوى
المنظور العلمي الجديد، ومتوصلا الى ان اختراق التركيب الداخلي
هوالاساس الموضعي للجانب الجمالي من الوظيفة الفنية (علم- فني/ فن
علمي)، اي انه يعلمن الفن في التشكيل، كما علمنه بريشت في المسرح.
ويقول محمود، بهذا الصدد، إن أفكار بريشت في المسرح لعبت دورا ًكبيرا
ًفي توجيه عمله كرسام
وكلاهما اقتبس من ماركس فكرة ان العالم، وبضمنه الإنسان، هونظام
عمليات متداخلة وليس نظاماً لـ اشياء/مواضيع وحسب.وعليه، فلا بد من
دراسة هذه الفكرة بعمق، اذا ما اردت ان تبدع فنا ًراقيا، ولايد من
ربط هذه الرغبة بأكثر من علم واحد، وستكون دراسة الماركسية، معززة
بآخرالإكتشافات التي حققها العلم المعاصرمساهمة في تقديم حلول جذرية
لهذه الإشكالات، كما سيتمكن الفن الجديد،باستخدامه ادوات العلم كوسيط
بين الذات والموضوع، ان يصبح اول شكل من الابداع الفني الجديد.
قد
تبدو هذه الاستنتاجات محض ايديولجيا فكرية يسهل قبولها عن طريق تتبع
اصولها عند ماركس وانجلز وآخرين لكن، كيف يمكن للرسام تصوير العالم
الذي توصل اليه عنه ماركس في الحقل الاجتماعي كعمليات في حقل الرسم؟،
كيف يمكن ايجاد معادل موضوعي لهذا الإشكال؟ وكيف يمكن تجسيد تركيب
محسوس من الالوان ضمن تأليف بلاستيكي تخيلي يخلقه الانسان وتكون
الطبيعة تابعة لإرادته؟
هكذا تساءل محمود،وكان عليه ان يجد بنفسه اجوبة على اسئلته
المتناسلة.
لقد
تبنت الكلاسيكيات الفلسفية القديمة ، منذ عصر الكهوف وحتى الفؤن
التاسع عشر، تبنت الحواس والمكرسكوب اساسا ً لإنجازاتها التاريخية في
حقل التشكيل،ومن اسس هذه الفلسفات ان اشكال الجسوم المرئية ثابتة
ومستقرة داخل شكل مرئي، ومعروف ان العلم أزاح هذه الفرضية، بعدان تم
اختراق الذرة وجرى التعرف بدقة على تركيبها الفيزياوي، هذا الإكتشاف
شكل صدمة مدوية لكثير من الطليعيين، ومنهم كاندنسكي الذي حقق بين
مجايليه انجازاً مهما ًفي مجال التجريد، وقد عبر، نيابة عن مجايلبه،
عن حجم صدمته بالقول : ً" لقد تحطم العالم القديم وتحطمت معه
تصوراتي القديمة " ومن ثم فقد جعله هذا الإكتشاف يقطع مع العالم
المرئي ويستنبط تجريدا ً خاصا ًبه.
ان
واقعية الفن تعيد خلق الفن التجريدي لكن من الطبيعة وبمستواه الذري،
وهذا ما فعله محمود صبري أيضا ً، لكن بطريقة واقعية، فكاندنسكي خلق
تجريدا ًيقوم على توصيفات ذهنية، وشخصية و لامرئية، في اطار تجريدات
مشابهة لتلك التي انجزها آخرون، مثل براك وبيكاسو وسيزان وموندريان
وآخرون، وهذا ما ابقاه في نفس الدائرة التي حاولت ان تجد حلا لهذه
الازمة.
لقد
عالجت النظريات السابقة مشكلة الشكل والمضمون من منظور احادي يربط
المظهر بالجوهر، الفكر بالمادة، الروح بالجسد، وحسب محمود، فإن
كشوفاته في واقعية الكم افرغت هذه الأزمة من تصوراتها الذاتية
والحسية التي كانت قائمة سابقا ً،ووحدتها في مفهوم مادي ديالكتيكي
يرى ان الشكل والمضمون ليسا شيئا ثابتا ً، بل هما كتلة داخل مجال
كهرومغناطيسي، ولها نظام عمليات تجري في الداخل، ومستوياتها
التركيبية تختلف عن غيرها من حيث التعقيد والوظيفة.
لقد
اعتمد الانسان قبلا على حسيته المباشرة بالكتلة والالوان الخارجية
لمعرفة الطبيعة، وبعد تعرفه لأول مرة على الطاقة المكثفة التي هي لون
غير مرئي داخل مجال مغناطيسي، تم تسجيل انتقال حاسم من مرحلة الواقع
المكرسكوبي الى الواقع الذري، وهذا يعني انه خلق لعصره حسية ًفكرية
جديدة، تتمثل في حواس فكرية وعملية، كحس الخير والحب والإرادة ،وحسب
ماركس الذي اهتدى محمود بديالكتيكيته، تكون مهمة الفن هنا هي خلق
حواس إنسانية ذات طاقة تخيل تطابق غنى الإنسان وغنى الطبيعةً.
لا
بد لي استعير لغة محمود اذا اردت ان اعطي قارئي فكرة عن الواقع الذي
يقول محمود ان واقعية الكم انجزته.
1-
في المجال التطبيقي وضعت حلا لمفهوم الجسيمة التي تمتد الى كامل
الكون.
2-
في المجال النظري، استبدلت الثنائيات الفلسفية (المادة- الفكر-
الجسيمة-الفضاء-الجوهر...الخ) بمفهوم فلسفي احادي يتجسد في المجال
المغناطيسي
.3- في الميدان الاجتماعي، استبدلت مفهوم العالم كنظام من ذرات
بمفهوم انشتاين القائل ان العالم (نظام من مجالات)، ومن هذه
المحاورتنعقد علاقة جديدة بين الفردانية التي نادى بها عصر النهضة
وبين المجتمع الواعي بحقوقه (حقوق الانسان) وبما يسميه محمود
بالديمقراطية العلمية.
لا
يخفى ان واقعية الكم لاقت، منذ ظهورها وحتى الآن، معوقات اتخذت
اشكالاً مختلفة على كل المستويات، واولها كما اعتقد، قفزات ثقافية
تتخذ شكل الصدمة، وقد حمل الآنسان مغبة الخطأ منذ ان صاح آدم:
اكتشفتها...اكتشفتها! وبما ان نظرية محمود اتخذت صفة الوعد، ولم
تتوفر لها شروط القراءة الصحية، ولا الآليات التي يتطلبها اي بحث
علمي، يضاف الى ذلك عجزالنقد العراقي عن الايفاء بمسؤوليات النقاش
والمتابعة، فإن الصمت هو على الاغلب ماقوبلت به واقعية الكم، وليس
الصمت، سوى عقاب يطال الابداع والمبدع والمجتمع معاً ويبدو ان نظرية
واقعية الكم احدثت، في مناخاتنا العراقية التي ما تزال تتمثل ثقافة
فترة القرن التاسع عشر، صدمة تفوق تلك التي اعلن عنها موندريان بشان
اكتشاف الذرة، وما احدثه العلم من انقلابات، ليس في بلد مثل العراق،
بل في اغلب بلدان العالم، فمثل هذه القفزة النوعية تحتاج الى وسط
ينقلها الى مستوى النقاش العلمي الجاد والصعب، والى وجود محاوراو
متلق نوعي مزود بمنهج علمي وتكنولوجيا معاصرة تؤهلانه لخوض مثل هذا
النقاش.
وقد
يكون وجود محمود في الاتحاد السوفياتي يومذاك او تشيكوسلوفاكيا او
بقية البلدان التي تبنت رسميا الواقعية الاشتراكية، سبباً آخرللحصار
السياسي الذي واجهته واقعية الكم، اما القول بأن محمود كان احد اسباب
هذه الاعاقة وان عزلته عن العالم واحتفاظه بلوحاته داخل بيته كان
سبباً في التعتيم على انجازاته فكلام لا يسنده واقع، وسيكون من
المضحكات ان نفترض ان نظاماً امياً واصم كنظام صدام سيحتظن فناً تخطى
عصره، ومن ناحية اخرى سيكون صعبا في بلد سحقته الحروب عجزاً في
معارفه وعدده النقدية ان .
ولعل اقل الانصاف، ونحن في زمن ينعطف باتجاه الديمقراطية، ان نصغي
بصبر يوازي صبر محمود الذي قضى اكثر من نصف قرن من عمره في بناء
نظريته هذه وأن ندفع بمحاورين نوعيين من نفس درجته، لأن يساهموا هم
ايضا ً بتقديم بحوث صبورة تفتح العين والبصروالبصيرة. وتلبي دعوة
ناقد تشيكي هو خادربا الذي وصف نظرية محمود بأنها نهضة، وعلينا
دراستها دراسة مستفيضة.
هنا
سأطرح بعض اسئلة ، كنت قد طرحتهتا على محمود يوم التقيته في لندن،
لكن الوقت لم يسمح له بتغطيتها تفصيلياً، إذ سافر كل منا الى وجهته،
هو الى براغ وانا الى بغداد، وكان الغرض من هذه الاسئلة هو توفير
منافذ لفهم افضل لواقعية الكم، ومع اني اعرف ان هذه الاسئلة مترابطة
مع بعضها، وقد تشكل بمجموعها سؤالاً واحدا اجاب عليه ممحود في مناطق
مختلفة من متن كتابة وقدم له شروحات واسعة، الا اني اطمح بأثارتها
مجدداً، مؤمناً بضرورة التكرار، واملاً في ان يمعن المختصون في
قراءتها قراءة نوعية، وان يتعرفوا على ما شحذته فلسفة محمود وصنوف
العلوم الاخرى التي استعان بها في مجال تطوير نظريته.
الاسئلة هي :
1-
هل ستحفظ واقعية الكم للرسام بملكيته الذاتية، ام ان فضاءها، شأنه
شأن العلوم الاخرى، سيصبح عاماً واستهلاكيا وخاضعا لمبدأ التصنيع
الرأسمالي الشمولي؟
2
- هل سيبني العلم حضوره في نظرية واقعية الكم على حساب مساحة الفن؟
3
- هل سيمحو الطابع العقلاني كل اثر للفن الحسي، الى درجة ينعدم فيها
التنوع؟
4
- ماذالو امتلك الانسان العلم المطلق؟ الا يعني هذا انعدام متع
الاكتشاف والمغامرة وحب الاستطلاع؟
5
- الن تتطابق لوحتا رسامين رسما نفس الشجرة ، طبقاً لنظرية واقعية
الكم؟؟
6
- هل سيكون هناك موديل شمولي يلزم الجميع بحتمية تشكله، ألن تتشكل
نمطية وقوننة وقولبة لا يمكن تلافيها؟ بتعبير آخر، هل سيكون هناك
موديل يلزم الجميع بحتمية تشكله؟
7
- هل ستنهي واقعية الكم فكرة الزمكان والبيئة المحلية وكل ما يتعلق
يخصوصيات التعدد والاختلاف؟
8
- هل ستصبح الانجازات السابقة التي حققها الانسان مجرد قيم متحفية؟
9
- اذا كان اللون طاقة مكثفة لا تختلف في لونها عن اللون التجريدي
لعادي الذي تراه العين العادية الا في مستويات ترتيبها, كما تقول
واقعية الكم، فكيف يمكن للعين العادية ان تفرق بين طبيعة اللونين من
الناحية الجمالية؟ وهل سيكون اللون الاحمر لوناً غير لونه الاحمر؟
لابد هنا ان اعتذر لمحمود لاني اعرف ان ما قدمته هنا يشكل عرضاً اكثر
مما هو مقاربة لواقعيته، ولا استبعد ان بعض ما جاء فيه لن يكون
دقيقاً، رغم التزامي اكثر الاحيان بنفس النصوص الحرفية التي اوردها
محمود نفسه، اواني لأفترض ان بعض سوء فهم قد خالطها ولم استطع،
للأسف، تجنبه، لكني أفترض، من طرف آخر، ان لها، جانبأً ايجابياً، قد
يحفز محمود والمختصون على تصحيحه، وربما يوقظ حيوية الجدل الذي
اثارته نظريتة منذ ظهورها في السبعينات والتي ما زال بعض المعنيين
يختصمون جراها حتى الآن.
واخيراً، فكم ستبدوهذه المقاربة ــ والاحسن ان اقول العرض ــ ناقصة
ولا ترقى الى مستوى احتفاء لائق بشخصية فريدة كمحمود صبري؟ ومن هو
الغائب النص؛ المدون أم صاحبه ام نحن ام الذين لا يقرأون؟!
*
بالاتفاق مع مجلة " تشكيل " التي تصدر عن وزارة الثقافة – دائرة
الفنون التشكيلية ببغداد.