غواية الظل
-
هشام
بن الشاوي
"عليك أن تكون طفلا بما يكفي، أيها العجوز.. حتى تدرك هذا الإحساس
الفتان"، ردد في سره، وهو هائم على وجهه.. متعته الوحيدة والممكنة
التجول في الظهيرة، بعد أن يستيقظ متأخرًا، يتناول وجبة فطوره على
عجل.. همس لنفسه بصوت مسموع
:
"لا بد أن أجرب هذا الإحساس.. وليس مهمّاً ما سيقوله الآخر"!!.
مر
بمحاذاته رجل يحمل كيسًا يحوي ما تبضع للغداء، رماه بنظرة إشفاق
وغمغم ببضعة كلمات مبهمة..
تأمل الكهل منكس الرأس ظله الذي يتمدد قبالته على الرصيف، ساورته
رغبة قديمة في أن يستلقي تحت أشعة الشمس ويلتحم بظله، وصورة حجرته
الباردة الشبيهة بزنزانة لا تزورها الشمس تطرق باب ذاكرته.
اختفت البنايات، السيارات والمارة، تبخر الضجيج، وتراءت أمامه -
فجأة- صحراء مترامية الأطراف.. انحنى، لامس بأصابع متضرعة الرمال
الذهبية وعيناه تبرقان فرحا،كمن وجد كنزا.. تهاوى جسده، استرخت
أطرافه، تنمّـلت، وغفا في عمق، وملامحه تعكس صفاءً داخليا افتقده منذ
زمن...
تناهت إليه أصوات خدشت سكينة اللحظة، فتح عينيه ببطء وهو يظللهما
بيمناه..
-
ماذا
يحدث؟ ماهذه الجلبة؟..
-
أستاذ،
ما ذا تفعل هنا؟!
بدا
مرتبكا كمن ضبط متلـبـّـسًا بجرمٍ أخلاقيّ، وقد تحلق حوله ثلة من
الشباب..
-
يا أصدقاء، بطل روايتي الجديدة يعاني من الانفصام في الشخصية.
أحيانا، تنتابه رغبات غريبة.. ولكي أصف بدقة وصدق استسلامه لغواية
الظل، ولتلك الموسيقى الداخلية الساحرة.. كان يجب أن أجرب هذا
الإحساس وأتقمص الشخصية!
تهللت وجوههم بشرا، غير مصدقين كلامه..
-
كتبت
هذا المشهد أكثر من مرة، لكن بدا لي باهتاً، شاحبًا.. ومفتعلاً!
لا
ح له رجال أمن مقبلين في اتجاههم حاملين هراوات وواقيات.. استفسرهم
باسمًا
:
-
أتصورون مشهدا سينمائيا، يا شباب ؟!
لم
يسمع سوى صدى خطواتهم تبتعد وهم يهرولون...
في
الصباح، كانت صورته بشعره الفضي وابتسامته الطفولية تزين الصفحات
الأولى من الجرائد، وإلى جانبها صور جماعية لضحايا تدخل قوات
الأمن...
--------------------