" Mamma Mia "
يوسف أبو الفوز
هذه ليست سطور دعاية لفيلم سينمائي، يحمل عنوانه
هذا النص، وعرض في كثير
من دور
السينما العالمية ، وحقق نجاحا تجاريا ملفتا للنظر! وليس دعاية لأغنية
لفرقة
الروك الموسيقية السويدية
،
الذائعة الصيت، والتي لاقت رواجاً عالمياً في سبعينيات القرن العشرين
ـ الماضي ـ حتى بداية ثمانينيات نفس القرن، والمكونة من رجلين
وامرأتين ، والمسماة "ABBA
" ، ...
تيمنا
بالأحرف الاولى لكل فرد من أفراد الفرقة
، وهو ايضا اسم شركة للسمك المعلّب وافقت على إعطائهم الاسم ...
وبالاستفادة من اغاني فرقة
ABBA
، التي لم تفقد حيويتها
رغم
الزمن،
بنى الفيلم المذكور قصته، ولولا هذه الاغاني لكان مجرد فيلم
ميلودرامي بحبكة ساذجة !
ان لم يكن هذا حديثا عن الفيلم او عن الفرقة الموسيقية ، فما الذي
تريد قوله هنا، وبلادك تلتهب ، واحداثها تتصدر نشرات الاخبار في كل
مكان ؟ فالعراق من ازمة الى ازمة ، ومن ملف ساخن الى اخر . وطن بلغ
القاع بازماته المتوالدة ، وسط اجواء الزيف والفساد والعنف وغياب
الحقيقة، وجنود الاحتلال لا زالوا يساومون على الرحيل،
وساسة
الطوائف وتجار الموت وحاملوا رايات العصبيات القومية
والقبلية، يتقاتلون لاقتسام الكعكعة تحت ظل ستار حوقلة وبسملة وامجاد
زائلة ، وانت بشئ
من البطر تضع عنوانا كهذا ـ
وبكلمات
اجنبية ـ لنص يبدو انه ولد في لحظات عاطفية ، و ...
فيلم
Mamma Mia،
ذو القصة البسيطة، السلسة ، ينقل المشاهد، وبانسيابية، الى جزيرة
يونانية صغيرة ساحرة ، ومجهولة ، ...
نقلت الوكالات انه بفضل هذا الفيلم بالذات صارت
الجزيرة
محطا
لرحلات السواح
...
وهناك تقيم "دونا"، المرأة التي تجاوزت سن الشباب، تدير فندقا
للسواح، ولعبت دورها ببراعة الممثلة، الستينية العمر، المتألقة دوما،
"ميريل ستريب" ...
تقول الاخبار ايضا ان ميريل ستريب نفضت للتو عن نفسها غبار ثياب
الام من مسرحية
"الأم
شجاعة وأبناؤها" للرائع "برتولد بريخت"
.
واذ تعثر ابنة دونا، وهي الصبية، الحلوة، المغناج، العابثة، المقبلة
على الزواج، على دفتر مذكرات امها، وتعرف ان لامها ثلاثة عشاق في
فترة متقاربة قبل الحمل بها، وتتعرف الى عناوينهم، تقرر الصبية ـ
العروس
ـ
دعوتهم معا الى حفل زفافها في الجزيرة، من دون علم امها ، بحثا عن
ابيها المجهول.
وانت ، عن ماذا تبحث في هذا النص ؟
كانت زوجتي ، ومن محل عملها ، حصلت على بطاقات دخول للسينما بسعر
مدعوم للموظفين ، فدعتني ...
زوجتك طبعا ؟
طبعا ! دعتني زوجتي الى مشاهدة فيلم سينمائي نختاره معا. اعجبني
الامر ورحبت به فورا، لاكفر عن تقصير ـ نسبي والحمد الله! ـ بسبب
انشغالاتي المتكررة، حيث وعدتها منذ شهر باصحطابها الى فيلم او
مسرحية. وها قد حانت الساعة للتعويض .
الآن ... الآن ، وليس غدا !
وهاتفني صديق ليطمأن على صحتي، واذ سألني عن برنامجي في عطلة
الاسبوع ، اخبرته بنزق ـ استيقظ فجأة دون مقدمات ـ بأني ساصحب زوجتي
الى السينما وسأختار مقاعدا في آخر الصفوف و... " انزل بوس ". قال لي
بشئ من الخباثة : " الا يوجد عندكم مكان في البيت لذلك " ؟ فخرب لي
رغباتي ومحاولة استحضار ذكريات بريئة ، يوم كنا ــ ونحن في اول دروب
العواطف ــ نهرب من المقاعد الدراسية لنختلس قبلات وجلة مع حبيبات
حائرات، بعضهن كان يكتب رسائل الحب ـ وبعلمنا ـ بالاستفادة من كتاب
"الرسائل العصرية في كل المناسبات".
اتريد ان تقدما لنا في هذه المناسبة حديثا عن مغامراتك العاطفية
الاولى ، وكيف كنت ...
اعرف ان الجزء الاكبر من بهجتي لمشاهدة فيلم
Mamma Mia
يأتيني من
فرقة
ABBA
. تلك الفرقة التي انطلقت عام 1972 لتغزو موسيقاها العالم، ورغم توقف
الفرقة عن الغناء منذ حوالي ربع قرن، لازالت موسيقاها تصدح في كل
مكان .
اتريد منا ان نشاركك البهجة ؟ أم تريد ...
...
، كانت ايام الدراسة الجامعية في البصرة. منتصف سبعينات القرن
الماضي، سنوات صعود نجم
فرقة
ABBA
وغزوها العالم . وكنا في اول شبابنا، مترعين بالاحلام والامال، نحلم
ببناء حياة سعيدة، نحلق عند حواف الحلم مع كل فجر يوم جديد. وكان
العفلقيون مسعورين من حولنا، ينهشون الوطن، ويكشرون عن انيابهم لبناء
دولة "الحزب القائد" ، الذي صار فيما بعد " الحزب الاوحد " ، معمما
سياسة " العراقي بعثي وان لم ينتم" !
بدأ طحن الحبوب الخشنة ...
يوما
،
جلبت
لنا زميلة من اهالي بغداد شريطا موسيقيا جديدا لفرقة
ABBA
. فصارت اغانيه لنا مثل الاناشيد الوطنية. لم يبق احد من حولنا لم
يستنسخ هذا الشريط . كان البعثيون مندهشين من ولع الطلبة ، وخصوصا
الشيوعيين واصدقاءهم بهذه الفرقة وتشجيعهم للطلبة للاستماع اليها ،
فظنوها ـ لا تتعجبوا ـ ... فرقة شيوعية !!
ربما ظنوا "بيني اندرسون" ، عضو الفرقة ، بلحيته الخفيفة حفيدا
للمعلم "كارل ماركس "؟!
مع وصول اغنية
Mamma Mia
، فان نغمات اللحن استهوت العديد من الاصدقاء . كان "كاظم هاشم "،
و"وافي كريم مشتت "، واذ يعرفون ان امي اسمها "عطية "، وكلما يجتمعان
، يغنيان كل مرة مشاكسة : (Mamma
Mia
... يا ابن عطية ... وين تروح اليوم ؟ )
اوه ه ه ، كيف رهموها ؟ ها ها ها ها
Mama mia, now I really know
my
my, I could never let you go
حين اضطررت لترك العراق صيف عام 1979 الى الكويت، هربا من بطش
البعثيين، وفي طريق هروبي الى اليمن الديمقراطية، بعد فترة من ذلك ،
اخذت مجموعة من الاشرطة الموسيقية من اسواق الكويت ، منها مجموعة من
الاشرطة الموسيقية لاغاني تراثية عراقية ، يتقدم ذلك ـ باقتدار ـ
المطرب الخالد ابو كاظم ـ داخل حسن ...
كنت تقول لحبيبتك اياها صاحبة المقاعد الخلفية في السينما "احب عيونك
وداخل حسن ومرقة الباميا "، فكانت تعتبرك شاعر سيريالي !
ومع داخل حسن ، كان هناك شريطان اجنبيان فقط ، الاول لفرقة Bony
M
، والثاني لفرقة
ABBA
. وهكذا وصلت " ملكة الرقص " "Dancing
Queen
" معي الى سواحل عدن اولا ، ثم عبرت الى اطراف الربع الخالي، هناك
حيث عملت معلما للتأريخ ، وكانت حياة المعلم مستهدفة من قبل اعداء
تجربة اليمن الديمقراطية.
رفيق لك يشاركك السكن ، في لحظة عبث ، وسط وحشة وضيم وهجير الصحراء ،
كتب رقعة ووضعها امام البيت كتب فيها : "من هنا مر عنترة" !
لم نعثر انا وزوجتي على مكان في اخر الصف . جلسا في يسار الوسط .
وافقت فورا ـ على الاقل فيه رائحة يسارـ كانت قاعة السينما صغيرة
نسبيا ، ولا تسمح بأي نشاط خططت له سواء بدافع النزف أو تحت مشاعر
رومانسية .
يبدو انك تخطط لنقلة ما ؟ تريد ان ...
ما
ان بدأ الفيلم حتى اشعلت الموسيقى الساحرة النار في دمي ، وقادتني ـ
رغما عني ـ بعيدا ... بعيدا . خارج حدود سماء القطب الثلجية وبردها
القارس والنهارات القصيرة وطقس خليج بوتاميا المتقلب، الى سماوات
النخل والبلوط، الى فضاءات تعيش جذوة بهاءها تحت رماد الايام . لم
اكن احتاج سوى الى ريح خفيفة لنفخ ذلك الرماد . احيانا يكون ذلك كأس
نبيذ مع صديق، او صورة قديمة ، واحيانا يكون صفحة من كتاب ، او قصيدة
...
هذه المرة كان فيلم Mamma
Mia
؟
بالضبط ! وبالذات موسيقى الفيلم ، الاغاني الساحرة لفرقة
ABBA
،
الفرقة التي تعني لي موسيقاها كل تلك الايام . قادتني
الى
تلك اللحظات الراسخة في الروح،
الى
ايام السماوة والبصرة، الى بستان " محمد علي " وشارع كورنيش العشار
وظلال اشجار الكالبتوس، الى شجرات البمبر والاشرسي و" حلوة حاج
عباس"، الى طين الفرات وجسر السماوة الحديدي ، وشط العرب والطبكَة
ومرسى زوارق الصيادين وتمثال بدر شاكر السياب، الى بحيرة ساوة واطلال
أوروك و"عمارة النقيب "، الى ازدحام سوق السماوة المسقوف وسوق الهنود
وضجيج ام البروم ومساءات شارع " ال مصيوّي"، الى ازقة خلفية نشوانة
بعطر الرازقي واغاني الباعة الجوالين . كان نخل السماوة يظلل قامات
السمراوات، وكان "تومان" يدور بدل "بيرس بروسنان" "Pierce
Brosnan
" يغازل ميريل ستريب ، التي كانت ـ وبمسحة من وقار ـ تغني وترقص وتنط
مثل فاتنة في العشرين. كانت "ملكة الرقص" الباحثة عن ملك تراقصه .
You
can dance, you can live,
having the time of your life
See
that girl, watch that scene,
dig in the Dancing Queen
الطاقة
والحيوية التي تميز موسيقى
فرقة
ABBA
تسري في اجزاء الفيلم فتمنحه الحياة.
الهبت
الموسيقى في الفيلم سكان الجزيرة اليونانية الساحرة . فبدوا مسحورين
، مصابين بحمى مدهشة اسمها موسيقى
ABBA
.
وانت ؟!
كنت محموما ارتجف في مقعدي . كنت الوحيد الذي دفع بجسمه الى
الامام كأني اريد اختراق الشاشة للتوحد مع الموسيقى الساحرة، كي ادخل
في عمق الشاشة واكون واحدا من الراكضين تحت الشمس ، والقافزين في
مياه البحر. كانت كل حواسي متوثبة مع كل خفقة موسيقى، ومع رجفة كل
عين من ابطال الفيلم. كنت داخل الفيلم وبعيدا عنه. كنت هنا وهناك ـ
آآآآآه من هناك ـ كانت زوجتي كل مرة تسحبني بهدوء لاسند ظهري الى
المقعد ، وكنت ادفع بجسدي الى الامام، احاول اخفاء دموعي .
هنا سُكبت العبرات ، و ...
نزلت دموعي دون قدرة على ايقافها . بذلت جهدا لاتماسك . خفت ان اجهش
بالبكاء فأبدو غريبا وسط هذا الجو الموسيقي الساحر. هؤلاء الاوربيون
مستمتعين بروح الموسيقى وبخفة الاجساد الراقصة. تنطلق احيانا ضحكات
من حولي عند مواقف فيها لمسات كوميدية تمر في احداث الفيلم . وكانت
روحي ملتاعة، تلبط مثل سمكة اخرجت من الماء ، مرمية هناك عند ظل نخلة
في التنومة، عند ظل حائط في "خمسة ميل"، على مقعد في مقهى "علي زغير".
عند تقاطع الشوارع قرب العيادة الشعبية ، ...
الالوان بدأت تتداخل ...
كانت موسيقى فرقة
ABBA
تسحبني
من مكاني وتعيدني الى تلك الايام الملتهبة ،
تدفعني
الى الجري في "شارع الوطني" لالحق بفاتنة عابرة لاتملاها جيدا، في
شارع "ابو الستين" لادس رسالة حب في دفتر تلميذة صرعتني عينيها ،
في"ساحة سعد" لتسليم ترحيل حزبي ، عند محطة قطار السماوة لانتظار
صديق ، ...
ولون الحنين هو الطاغي ...
تدور بي الموسيقى عند المقاهي الطلابية والمطاعم الفقيرة ، في
المكتبات العامة والمسارح ، في غرف الاجتماعات الحزبية وقاعات
الدراسة، لتلمس تلك الوجوه النضرة، البهية ، المترعة بالاحلام
والمحبة ، والتي غابت عنا ـ آآآآآه ـ ، سرقها منا العسف البعثي
العفلقي، فحلقت خالدة في سماء الشهادة،
واثقة في موكب الشمس:
جمال وناس ، كاظم وراور، جبار خضير عباس ، هاشم كاظم ، وافي كريم
مشتت ، طالب عبد الامير،
نجيب
مزهر يوحنا ، هاشم داود ،
حسن
مرجان ، زهير عمران ، عميدة عذبي حالوب ، رضية السعداوي ، ...
ربما عليّ الان ان الملم كلماتي واتوقف عن مشاكستك ؟
كنت اتلمس بدموعي تلك الوجوه ، التي افترقنا عنها بالرغم منا :
عطا راشد جادل ، سامي مشاري ، زيدون غالب فليح ، نوال علي كاظم ،
هلال نافع ، صباح اسكندر، سهيلة حسن ، سمير لعيبي ، ...
انت تريد ان تورطني ؟
لا ورطة مع الحنين، ليس سوى الوفاء والذكرى، ليس سوى الدمع والعهد،
ليس سوى الغضب والاصرار على مواصلة التحليق لتلمس حواف ذات الحلم
الذي لاجله بذلت الاسماء الراحلة حياتها ، والغائبة كل جهدها
وطاقتها. ليس لنا مع الحنين سوى الامنية والحلم . الامنية بان تتحقق
احلامنا ـ ذاتها ـ بأن يوما اخر قادم لا مكان فيه للقتلة والظلاميين
!
When I know the time is right for me
I
will cross the stream - I have a dream
سماوة القطب ـ منتصف آب
2008
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
النصوص بالانكليزية مقتبسة من اغاني فرقة
ABBA
.