المخرج وموت المؤلف

د.مهند طابور

تكون العلاقة بين المخرج والمؤلف بسيطة، ليست بالمعقدة، حيث أنها من بديهيات العمل المسرحي، تمثل عند المؤلف رؤيا قائمة بذاتها يكشف عنها المعنى الأساسي للنص، تبقى مهمة المؤلف مرتبطة في هذا من حيث بناء الحدث ورسم الشخصية، وخلق ضرورات الترابط بين الحدث والشخوص و تعبر في الأخير عن هدف المسرحية.
أما من ناحية المخرج، فالعملية لا تتعدى حدود المعنى الأساسي للنص، فهو يقوم بتحديد المعنى، وإعادة خلق الضرورات التي تلازم الحدث والشخصية، أي تصوير العلاقات عبر تحديد الموضوعات المكونة للمشهد، وصوب إعطاء المسرحية الشكل النهائي.
العلاقة بين المؤلف والمخرج لا تتأثر بسبب غياب المؤلف عن "الاستاف" المسرحي، حيث وجود النص المسرحي، رغم وجود المؤلف في "الاستاف" يشكل علامة مضيئة في خلق التكوينات الأخيرة للعرض المسرحي. لكن اعتبار المؤلف غير موجود لا يؤثر سلبا وحسب، وإنما قد يدفع المخرج للسقوط في أوهام ثيمات النص، فوجوده يكون تداركا لهذا السقوط.
في الفن المسرحي، اتحاد المؤلف والمخرج تعبير عن وحدة العمل الأساسية في الخلق والتكوينات البنائية. وذلك لكونهما متفقين من حيث المعنى والجوهر الذي يحدد سير الأحداث ضمن السمات المشتركة التي تعبر عن الود الإنساني الصادق في إيصال معنى النص للجمهور والوقوف على أبعاده عبر المحاور التالية:
1. الكشف عما هو جديد في عملية الإبداع المشتركة.
2. تجنب الافتراضات التي تعيق تطور العملية الإبداعية.
3. التعرف على سمات النص وتوضيح الفرق بين الحدث الأدبي والعرض محدث.
وهذا لا يكفي ما لم يلزما نفسيهما بضرورة العمل المشترك، والذي يملك سمات أخرى خارج حوارية المعنى، فتكون بذلك صفات تنفيذية للنص المسرحي وهي:
1. اعتراف المؤلف بأحقية المخرج، بإضافة الشكل الذي يبرز البناء وحركة الشخوص.
2. قيام المخرج بـ :
أ. احترام النص وعدم تحريف أفكاره الأساسية.
ب. التريث في استعراض المشاهد وخلق التكوينات.
ج. خلق التلقائية والحركة الانسيابية للأفعال عبر مطاوعة جسم الممثل لأهداف الفعل الدرامي.
خطة العمل بين المؤلف والمخرج تبين أنها تمر في مرحلتين: الأولى ؛ حالة تهيؤ، والثانية؛ حالة تنفيذ، وهناك مرحلة ثالثة وأساسية، هي خلق الصورة النهائية للنص المسرحي.
النص المسرحي، قبل ان يكون شكلاً مسرحياً، هو نص أدبي ذو قيم درامية مؤثرة في المخرج تتحول في العرض المسرحي الى حياة واقعية تتعامد مع قيم لمؤلف بمستويات تعكس حياة الجمهور والمشاهد وذلك بفعل الصور المضافة من قبل المخرج للشكل النهائي للنص المسرحي. هذا العنصر هو الأساس في احتواء موضوعات النص، وهو المجال التوضيحي للون العام لجو المسرحية النفسي.
عملية الخلق لا بد ان ترتبط عبر هذا الجانب بوسائل هادفة تعتمد على :
1. البساطة في التكوين.
2. الاقتراب من تصورات الرائي(المشاهد) بوضعيات رامزة تحرك مشاعره.
3. خلق التداخل بين وعي المؤلف ووعي الفرد في ضل التغيرات اليومية لثقافته.

إن ما يحدث عادة في التأليف المسرحي من خلق مستويات مكانية وإعطاءه رموز دالة على زمن ما، ما هي إلا ايهامات تحرك وعي المشاهد وتؤثر في سيرته، وتحرك تأملاته صوب القيم الضميرية التي تنظم تفاعله الاجتماعي.
أحيانا تكون هذه المميزات مرتبكة لاتفي بالغرض بل منفصلة عنه،كونها لا تخلق من بين هذه المستويات معنى التواصل بين الفرد والواقع، كذلك افتقارها لعلامات فعلة ومؤثرة في وعي الفرد.
ولأجل استقامة الخط الواصل بين المؤلف والمخرج والمشاهد، لابد من خلق شعور يتوسط جدلية الوعي من حس وأفكار، ولابد أبضا، من ان تكون لحظة الخلق الفني في وعي المؤلف مصداقا لإحساسات الإنسان، التي تبحث عنها أفكار المؤلف، ضمن الجو العام النفسي للفرد، وعبر عملية خلق جدبة تكون فيها حالات الفرد الأخلاقية والاجتماعية والفكرية ميزات مترابطة مع بناء الإنسان الاقتصادي والسياسي والحضاري.
يضاف الى ذلك الظواهر العقلية المدركة التي تحيط الإنسان في سلوكه وكيفية حل ثنائية الإنسان المحصورة بين (الأنا واللاأنا) وهذا لا يمكن الوصول إليه من دون الاستناد الى أسلوب ننظم فيه الحالات المارة على الإنسان وعلى العصر الذي يعيش فيه.
بما ان المسرح يمثل حضارة العصر، فلا بد من وجود قاعدة للمسرح تنظم وعي المشاهد، كي يرتبط في العصر ارتباطا وثيقا. فمهمة المسرح صعبة، تخلق من الإيهام مؤشرا إراديا في جعل الفعل الدرامي صورا لأحداث قائمة على الوجود الاجتماعي.

الائتلاف في العملية الإبداعية
الدراما تعني الفعل المسرحي، وتعني حالة الصراع التي تلازم الشعور. والشعور هو الذي يحقق أهداف العرض المسرحي، ولهذه الأهداف تكوينات جمالية ترتبط بعدم خروج الشكل على موضوعات الفعل.
حيث ان الشكل يعتبر المادة الجمالية لروح المضمون. التطابق بين الشكل والمضمون يوحي الى عملية الائتلاف فهي التي تقوم على أساس وحدة أفكار المؤلف والمخرج، وعلى أساسها أيضا تتكون الصور النهائية لعملية الإبداع.
بهذا فان فكرة العرض المسرحي تعتبر الحصيلة النهائية لعملية الائتلاف، وتعني أيضا تحويل الأفكار الى تكوينات تعطي بعدا حركيا وجماليا للمشهد والمسرحية ككل. في حالات معينة تتحول فكرة العرض المسرحي الى صيغ مجردة لا تلازم وحدة الخلق الفني والهدف العام للمسرحية وذلك بسبب سوء تصرف المخرج مع النص، لكن في توقعه ان تلك الصياغات هي صورة إبداعية تحمل سحرها وتأثيرها الآني على المشاهد، غير ان الحقيقة هي انعدام هذا التأثير على مدى اكتمال الفعل الدرامي. الفعل الدرامي هو خط المواصلة بين الأحداث والأفكار، بالتالي يصبح الممهد لانتماء هذه الأفكار الى مضمون المراد علاجه.
يتصور" أريك بنتلي" في كتابه المرح الحديث وجود صلة بين الصيغة والمضمون، فهو يعكس بذلك مفهوما هشا لا يصمد أمام التجربة الحضارية للمسرح.
الصيغة كاصطلاح لغوي تعني الصفة المشتبه لا تمتلك بعدا آخر. بما ان المسرح يحمل أبعادا جدلية أعمق من الصفات واعم من الأفعال المشبه، فيعتبر بذلك المجال التطبيقي لحضارة الإنسان وتطوره الفكري، إذن لو أخذنا برأي بنتلي، بالتأكيد سنكون أمام فعل جامد يحمل صفات مرحلية، بالنتيجة تدمر أفكار العرض المسرحي ولن تخلق حالة الانعطاف على الرؤيا المستقبلية لحركة الأفعال، وذلك لكون الصيغة دلالة ثابتة وتعاملية لا تحتاج الى برهان كالعملية الحسابية، 1+1=2 والتعويل يجب ان يقوم على موضوعة المشهد، حيث ان هذه الموضوعة(الفكرة) تلازم المضمون كواقعية حياتية تخضع لمراحل الجدل.
مراحل الجدل تلزم العرض المسرحي بمتابعة الفعل من خلال موضوعاته التعبيرية والمتحولة الى صور تؤكد قوة الترابط بين التجسيد للفعل والحس الناشئ عن قوة التناقض وفي ضل هذا يتحول الفعل من بسيط الى مركب. تحول الفعل من صورة حسية الى أفكار معقدة، لا نجد سعتها في التفاعل على خشبة المسرح، إلا إذا أدركنا بأننا في مجال المسرح نلتقي ببعد آخر يضاف الى ذلك الذي نواجه به القصة، ذلك ان تأثيره يمكن ان يكون ابعد أثرا لأنه صادر عن كائنات حية فوق خشبة المسرح ولأننا نشارك فيه زملائنا في الصالة وهذا التأثير لا يحدث بالطبع إلا إذا كان العرض جيدا يبعث فينا ما اسماه كولريدج"ذلك التأجيل الإرادي للكفر الذي يخلق إيمان الشاعر".
الجانب الحسي في هذا التتابع والتحول هو الاستجابة الذهنية من قبل الجمهور لقوة ترابط الأفعال وتنظيم موضوعات العرض المسرحي. كما ان هذه الموضوعات تتأثر وتتفاعل مع قوى أخرى، تلعب دورا بارزا في بنائية الحدث، كي تشد الناظر بمتابعة مكونات الفعل الدرامي من خلال البقع الضوئية والمناظر المسرحية التي تجسد بأبعادها مع الزمن الموسيقي البعد الدرامي عبر حالتي التصوير والإلهام الروحي، فيكون الفعل بوحدة هذه العوامل أنار الحياة في روح المسرحية وطابق الواقع.
من هذا التطابق نحقق هدف الفعل الدرامي وتحقق الرغبة الحسية للجمهور وذلك بتنظيم الدافع الشعوري لحركة الفعل الظاهرية على الخشبة حتى لا نفصل أهداف الفعل عن أغراض العرض المسرحي.
"وحين يصل هذا الى درجة معينة من القوى، فانه يحرك مشاعرنا، وتحدث فينا تلك الحركة، وما يشبه الصدمة مما يعيدنا ثانية للإحساس بذواتنا، ولكن إحساسنا بذواتنا هذه المرة يكون إحساسا مختلفا، انه إحساس أقوى وأعمق وان يكن اقل ذاتية انه يشمل حينئذ كل من بالصالة".
الفعل الدرامي خط منتظم الأفعال في العرض المسرحي، وتتعاقب فيه الأحداث، ويدرك محتواه من خلال المشاهد المهيأة للحدث الذي يغير الفعل وهدف الشخصية وفكرتها، بل ويشمل البناء ذاته، يشمل الممثلين بما هم ممثلون، وبما هم الشخصيات التي يمثلونها، ولا بد ان الكثيرين قد اكتشفوا مثل تلك اللحظات، ان رؤياهم تتغير، تغدو أفسح ، تحتضن خشبة المسرح والصالة معا، ويتغير المشهد القائم على المسرح بالطريقة التي تتغير بها صورة ذات بعدين، لو أنها أصبحت فجأة صورة مجسدة(ستريو سكوب) وللحظة أو لحظتين ندرك إدراكا عميقا وكاملا لا مجرد حقيقة شخصيات المسرحية، بل الكثير من أنفسنا وحياتنا الخاصة ان انفتاح الوعي، وتعميقه هو الذي يأتي معه بالإحساس بوحدة كل شيء، بما في ذلك الذات.
المسرح تجربة شعورية مشروطة بدلائل حسية لا تنشأ في الفراغ بل في الوجود المقرر للوعي، حيث تتحول هذه الدلائل الى ظاهرة تبرر انعكاس الوعي في الشعور التمثيلي المتجسد على الخشبة بطاقة لا يفصل خيال المتفرج عن الحوافز والعلل التي آلت إليها التجربة المسرحية في ظل سببية الظواهر المثارة على الخشبة م أفعال وردود أفعال. مثلا "فختانكوف" يعطي لردود الأفعال قضية محورية ترتبط بعامل الزمان والمكان، وترمي الى انغماس الممثل بلحظة ما.
من المشاعر الناجمة عن الفعل للدور بروح المادة المؤلفة( النص)، ولكي تتوحد بطابع خاص، يحمل مهارة الممثل صورا درامية تخضع فيها الخلق لمهارة التمثيل، والتي يعبر عنها "ستانسلافسكي و فختانكوف" بالمراقبة الهادفة لسلوك الأفعال وملاحظة أهدافها وإدراك ميزاتها العامة، وملازمة القنوات الداخلية القابلة للتأثير على سايكولوجية النص، وابتغاء مشاركة الجمهور للزمن المكمون للحدث. كما ان فختانكوف يأخذ عن ستانلافسكي النظام الخاص بالتكوين الذاتي للممثل من اجل توظفه بطابع رومانسي قائم على واقع يحوي شيئا من الفنطاز بالشاعرية الهادفة لربط جزيئات المشهد بالخط الواصل للفعل من دون اللجوء الى الرمز والتعميم كما يفعل مايرخولد.
يعتبر فختانكوف نقطة تماس قد تمثل في نفسه طريقتين أخريين من غيره على اعتبارهما نقيضين غير انه نفسه متلاعب وبالمقارنة مع فختانكوف يعتبر مايرخولد متوترا بينما يعتبر ستانلافسكي فاترا، واحد محاكات – والخر تجريد للحياة ولكن عندما يتكلم الممثل عند فختانكوف قائلا: ( أنني لا اضحك بان أعرض الضحك) فانك مع ذلك لا تتعلم شيئا مما يعرض. وإذا نظرت الى الموضوع ديالكتيكيا فان فختانكوف يعتبر مركبا يجمع بين كل من ستانلافسكي ومايرخولد في مرحلة الانفجار قبل ان يكون تركيبا لمرحلة ما بعد الانفجار.
كما ان فختانكوف يختلف عن المسرح الواقعي بفارق بسيط، وذلك باستخدامه التضخيم والمبالغة في ربط الموضوعات التاريخية يخضع لإيقاع خاص به يربط فن الممثل بموضوعات المتفرج الإبداعية ولا نخرج عن الموضوعات الأساسية للنص. فعلى أساس هذا الفارق انشأ أخلييبكوف خشبة التجويف المغناطيسي، التييكون فيها المتفرج ممثلا، حيث يبتعد عن التخيل الرابع لخشبة العلبة التي يقوم على أساسها المسرح الطبيعي.
بينما فختكنوف يهدف الى خلق انطباع يوائم فيه بين خشبة العلبة وفكرة المسرح البطولي، ومن دون الخروج بفكرة العرض المسرحي الى جمهور من فوق خشبة التجويف المغناطيسي حيث يعيد بناء الحوار الداخلي بوسائل معبرة (تمد جسرا بين الممثل والمتفرج، عليه عندما يرسل حسب إرادة المؤلف الأصدقاء والعشاق الى خشبة المسرح، ان لا يساعد على سماع كلماتهم فقط، بل على التغلغل في الحوار الداخلي الدفين أيضا. وبعد التعمق في فكرة المؤلف والإصغاء الى موسيقى الحوار الداخلي، يقترح المخرج على الممثل الحركات البلاستيكية – التي حسب رأيه، من شأنها ان ترغم المخرج على فهم الحوار الداخلي بالصورة التي يسمعه فيها المخرج والممثلون).
إن حركات الأيدي وأضلع الجسم، والنظرات والصمت، هي الحركة التي تجدد حقيقة علاقات الناس المتبادلة، فالكلمات لا تقول كل شيء، وهذا يعني أننا بحاجة الى رسم الحركات على خشبة المسرح حتى نفاجئ المتفرج في وضع المراقب ذي البصيرة الحادة ونعطيه باليد المادة التي أعطاها المتحدثان الى المراقب الثالث التي بمساعدتها يتمكن المتفرج من إدراك معاناة الشخصيات الروحية، ان الكلمات للسمع أما البلاستيكا فمن اجل العين وهكذا يعمل خيال المتفرج تحت ضغط اثرين بصري وسمعي، والفرق بين المسرحين القديم والجديد هو ان البلاستيكا والكلمات في المسرح الجديد يخضعان كل لإيقاعه الخاص ويتواجدان في عدم تطابق أحيانا.
العملية الإبداعية ترتكز الى خلق تفاعل بين الممثل والجمهور، لأجل ان تعيش دورك وحسب بل تثير إحساس المتفرج، لما تهدف إليه المسرحية من قيم جمالية وفكرية، حيث(لا تعتبر اللحظة التي تعيش فيها دورك هي اللحظة الهامة في الإبداع الفني). أخيرا، فان عملية خلق التوافق بين المؤلف والمخرج وإقامة الائتلاف الروحي بينهما من خلال فكرة العرض المسرحي، لا تأتي اعتباطا، بل تتأتى في المرحلة الثالثة من خطة العمل المشار إليها سلفا.
وخلاصة ذلك، ان موضوعات النص تسير في الأثر الفني الذي يعانق الواقع - لا كأشكال مجردة - بشكل يرتبط ببنية النص ويحمل تفسيره(المخرج) بحركات تستمد صورها الجمالية من أفعال الواقع لحياة الفرد، وتنتسب الى ماضي الفرد وتستجيب لزمن الحاضر بصلات واثقة لا تغير في مضمون النص، لكن بترابط يعطي للفعل معنى لا يختلف في جوهره عن الهدف المرسوم في خيال الكاتب.
إذا أردنا غير ذلك، يجب ان تكون حركة خيال المتفرج ملازمة للابتكار الجديد، في صورة جديدة تخترق المشهد وعالم المسرحية الى عالم يحمل سمات المستقبل بفنطازيا هادفة تعتمد حاضر الفعل ومستقبله.


الافتراض ولغة الخلق
الخلق الفني:
لاشك أن أي لغة تتركب من جمل ذات معاني وأغراض متعددة، تتوضح صورها في الأدب بشكل لا يختلف عن الصور المرئية (اللوحات الفنية) في المسرح، إلا في القليل من النواحي التالية:-
1. تقنية الخشبة.
2. خط بناء الفعل.
3. أسلوب العرض.
4. علاقة الجمهور بالجو العام.
5. عناصر الصراع في الفعل الدرامي.

النقاط (2، 4، 5) مشتركة الرؤيا بين المؤلف والمخرج، أما النقاط(1، 3، 4)فهي مجسات البناء الدرامي ومركبات لخط بناء الفعل الدرامي.
وبمجموعها تعتبر صفات بنائية للتركيب الدرامي، تكون الاستجابة فيها أما وصفية أو عروضا تخيلية، بدليل محاكاة الظاهرة لأجزاء الحدث، والمصاهرة الحسية بين وظيفة الحدث ووظيفة التلقي عند الجمهور.

التلقي عند الجمهور
لهذه الوظيفة صلة في الصفات المذكورة أعلاه وتنحصر في بناء وتركيبة الدرامى. البناء هو الشكل الناشئ عن تماسك حالات الفعل من صراع، وأزمة، وتغير في الذروة، وتوازن في سلسلة الأحداث.
أما التركيب الدرامي يعني(التنظيم التفصيلي للمناظر والمواقف من ناحية بنائها الداخلي وعلاقتها بسير الحوادث العامة).
عند اختيار هذه المبادئ أمام تقنية الخشبة، لابد من الالتفات لأسلوب الذي ينظم العلاقة بين الفعل والأحداث في سياق خط بناء الفعل وعناصره المكونة للجو النفسي، والتي تخلق استجابة الجمهور للعرض المسرحي، في ظل موازنة افتراضية يلعب فيها الخيال دورا مميزا في خلق بيئة الحدث والتعبير عنه من خلال المناظر التي ترتبط مع الموضوعات الأخرى لتعطي مكان وقوع الحدث، وتجسد معنى الفعل.
لنفترض ان المبادئ أعلاه اتصفت بمبادئ البناء واتخذت صيغتها النهائية في المنظور الهندسي، واستلهمت من الإسقاطات الضوئية شكلها النهائي، وجسدت الفعل، بهذا يكون العرض المسرحي استوفى شروط مواجهة الجمهور. أن لم يكن هذا مستكملا لشروطه، فماذا يحدث؟ الذي يحدث هو ان الشكل لا يطابق المضمون.

الشكل والمضمون
من المعلوم ان المضمون يحدد الشكل، فأي تجاوز على هذه العلاقة يؤدي بعملية الخلق الى التشويه والدمار.
ومن اجل عدم السقوط في مثل هذا الفشل، نلزم أنفسنا بعدم إدخال عمل طارئ على موضوعات النص المسرحي، يتوقف على ذلك التحقق من جوهر وفاعلية الأحداث بكل اتساعها، حتى تتكامل في الزمان والمكان. ولعطاء البعد الفني المبرر للحدث في مجال التكوين لابد ان يكون فيه الشكل موضوعا من موضوعات العمل المسرحي،يستكمل شروطه إخراجيا في الصفة الفنية للموضوعات المترابطة والمعبأة بشكل لا يجزئ الموضوع الى مفاهيم وصياغات تبتعد عن الذات الفنية للمسرح والتي اعني فيها علاقة المشاهد بالعرض المسرحي.
ولأجل بلوغ هذه العلاقة، من الملزم، ان يكون الشكل وعاءا لموضوعات النص موثقة بأشكال فنية تخلق حالة الانسجام، تحسبا من حركة الأفعال لوحدها ما لم تقترن استجابة المتفرج لموضوعات النص، وتنظيم الشكل النهائي لعملية الخلق، عبر عملية إخضاع الأشكال الفنية للمضمون.
وبهذا نكون موضوعا ملحنا يتناغم بنائية الحدث بقوة التأثير المتبادل بين المشاعر والإرادة التي تؤطر صور الإبداع. أي بإثارة الأفعال من الداخل للوقوف على موضوعاتها كي نبتكر موضوعا جديدا لا يخرج عن علاقة الشكل بالمضمون تلك العلاقة حتى وان كانت إيهامية تؤكد على(ان الإيهام كذب ممسرح يخرج على المشاهد بفعل يؤكد وقوع حدث... إلا انه كذب نابع من حس صادق، خارج عن خزين روحي مؤهل لإثراء الخشبة بأسس وخلجات مبدعة).
بالمقابل ( ينطبق الشيء نفسه على المشاهد أيضا، أي عضو في الجمهور يقبل دعوة الممثل، والى حد ما، يحذو حذوه، وذلك بإثارة نفسه بالطريقة ذاتها، يغادر المسرح في حالة انسجام داخلي أكبر، ولكن ذاك الذي يصارع من اجل الحفاظ بأي ثمن على سلامة قناع كذبه يغادر العرض المسرحي مضطربا أكثر.
أنا مقتنع على العموم، وحتى في الحالة الأخيرة، يمثل العرض المسرحي نوعا من العلاج النفسي الاجتماعي في حين ان العرض يكون بالنسبة للمثل، علاجا وحسب، وذلك إذا ما وهب نفسه لواجبه بحماسة.
كي ندرك هذه العلاقة ونقترب من ظاهرة التخيل، بان الكذب حالة إحساس بالصدق في العرض المسرحي، لابد من تعريض الفكر الى استنتاجات أخرى تخلق منه إدراكا لهذه الحالة. كيف؟
الافتراض
الإنسان بطبيعة يدرك الأشياء بفطرة تقوده الى نتائج صحيحة - في بعض الأحيان - وعلى نحو غريزي من مبدأ أحرزه أو اختراعه بواسطة الفرض، لكنه لا يستطيع مطلقا ان يسير في البرهان إلا بواسطة الاقيسة، أي بالسير من الكلي أو العام الى الجزئي أو الخاص.
هذا السير محكوم بالافتراض التالي ؛ الكل يعلم أن : 1+1=2 الحالة كهذه لا تحتاج الى برهان يؤكد صحة المتساوية العددية، فهي بديهية المنطلق الحسابي لأعداد الحقيقية، وهي أيضا فكرة الإدراك الفطري للظاهرة الحسابية، لأي إنسان وفي مختلف العصور.
أما إذا أردنا البحث عن الأعداد المكونة للعدد الحقيقي(2) في الأعداد التخيلية نجد ان ذهن الإنسان يحتاج الى افتراضات جديدة تكشف عن الأعداد التخيلية المكونة للعدد الحقيقي(2) المعادلة التالية توضح الاستنتاج الرياضي للعدد(2).
المفارقات الافتراضية في المعادلتين أدت الى نتيجة واحدة، وهي العدد(2). إذن نتيجة الانتقال من الجزئي الى الكلي،وحاصل العدد(2)في المعادلة الثانية نتيجة لانتقال من الكلي الى الجزئي.
هذا الانتقال المتعاكس هو أساس التصور الرياضي للعمليات الحسابية والجبرية. هذا التصور يأخذ طابعا اعم في الحياة الاجتماعية من حيث علاقة الخاص بالعام أو العكس، حيث ان هذا المبدأ يكون مكملا للقيم الناتجة عن تراكمات السالب والموجب للمعادلة الحسابية البسيطة، ويجد ذروته عند مفهوم الأجزاء التي تستكمل شروطها في الكل.
الكل، هو المخرج الذي نبحث عنه من خلال الافتراض حتى نحور نتائجه في المسرح وفقا لطبيعة العواطف المعاشة على الخشبة وضمن أبعاد المعادلة الحسية للصراع التي فيها يتحول الافتراض الى بديهية تسترجع زمن التكوين (المشبه بالعدد"2" في المعادلة الأولى) وترسم خيالها في خيال المتفرج تبعا(للحالة الثانية للعدد"2" ) لنظائر التواصل الفكري.

خلاصة هذا هو رسم خيط بياني في وعي المخرج لعلاقة الشكل بالمضمون وتأثير الزمن والتطور الحضاري على هذه العلاقة، وهي أيضا تبرير للكذب المسرحي وخلق حالة الإحساس لدى المتفرج بتصديق الكذب المسرحي المرتبط بمصير الخيال المحصور بين الخشبة والصالة.
ولكي يكون هذا الخيال أكثر صدقا، فنجعله حسا يربط موضوعات النص بتطورات العرض المسرحي المركبة من مجموعة خيالات، خيال المؤلف والممثل والمخرج، وصولا الى معايشة المادة التعبيرية المقاسة بانفعالات متداخلة ترسم واقعا للتعامل مع ظاهرة المحاكاة على الخشبة.

الظاهرة المحاكاة
ما هي الظاهرة التي تحاكي إحساس المتفرج؟
يقول تولستوي( الفن نشاط إنساني يقوم في كون إنسان ما ينقل للآخرين بصورة واعية، وبواسطة إشارات ظاهرية معروفة لمشاعر للآخرين وينفعلون بها).
هذا الاقتباس المأخوذ عن تولستوي يوضح معنى الظاهرة المحاكاة في الأدب الروائي والفن ككل، أما من ناحية العرض المسرحي فإنها تمثل الشعور التمثيلي، الذي هو نتاج واقعة تؤثر في الخيال، تأتي على شكل يتدرج الى موقف يشخص معنى الواقعة،ذلك الموقف يعني للحواس موضوعا يعالج الواقعة، فتتحول تخيلات المخرج الإبداعية الى ظاهرة تحاكي تطلعات المتفرج الفكرية والجمالية.

------------------
المصادر
1. لماذا المسرح - ميشيل ماك وان - مجلة المسرح المصرية / نوفمبر 1969 .
2. نظرية المسرح الملحمي - بريخت - ترجمة د.جميل نصيف. ص 169.
3. في الفن المسرحي - تأليف مايرخولد - ترجمة شاكر شريف. ص 77-78 .
4. تأليف ستانسلافسكي - عمل الممثل مع نفسه بالروسي . ص 23 .
5. الدراما بين النظرية والتطبيق - تأليف حسين رامز محمد رضا. ص 553
6. دروس فختانكوف - بقلم شيخماتوف بالروسي. ص 54 .
7. نحو مسرح فقير.تأليف استروفسكي ص45.
8. مناهج البحث العلمي . تأليف عبد الرحمن بدوي.ص 13.
للاستفادة بشكل مفصل، أرجو مراجعة المصدر نفسه وخاصة المنهج الاستدلالي.

---------------